رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهما يقولان : يا رسول الله إنّ جراح علي ابن أبي طالب إلى درجة من الكثرة والتقارب بحيث أننا كلّما سعينا لمعالجة جرح انفتح علينا جرح آخر.

   يقول الشبلنجي العالم المعروف لدى أهل السنّة في كتاب «نور الأبصار» : إنّ عليّ بن أبي طالب بعد واقعة اُحد قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله) : لقد أصابتني في هذه المعركة الشديدة مع المشركين ستة عشر ضربة عميقة بحيث إنني وقعت على الأرض أربع مرّات وفي كلّ مرّة كنت أرى شخصاً نورانياً يساعدني على النهوض من الأرض ويقول : انهض ودافع عن رسول الله، فمن هو يا رسول الله ؟(1)

   قال النبيّ (صلى الله عليه وآله) : لتقر عينك يا عليّ هذا جبرئيل أمين الوحي.

   نعم إنّ هذة الواقعة يصدقها القرآن الكريم بقوله : (إنَّ الَّذينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَليْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأبْشِروا بِالْجَنَّةِ الَّتي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)(2).

   والخلاصة هي أن هذه الحادثة تدلُّ على المرتبة العليا لجهاد الإمام علي (عليه السلام)بماله ونفسه من جهة وكذلك على إيمانه الراسخ ويقينه القوي بالله ورسوله وما وعده الله تعالى من نصر الإسلام على المشركين من جهة اُخرى. إذن فهو مصداق كلمة «الصادقين» في هذه الآية الشريفة.

   3 ـ وفي حرب الأحزاب عندما تقدّم عمرو بن عبدود العامري بطل العرب وعبر الخندق وأخذ ينادي المسلمين ويطلب البراز فلم يستجب له إلاّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)وتكرر هذا العمل ثلاث مرّات وفي كلّ مرّة ينهض الإمام علي (عليه السلام) من مكانه وهو مستعد لمبارزته.

   وهكذا توجه علي بن أبي طالب نحو هذا العدو الغاشم بإيمان راسخ وشجاعة عظيمة فدعى له رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالنصر، ثمّ إن المعركة بين علي وعمرو بن عبدود انتهت بغلبة الإسلام على الكفر، وانتصر الإمام علي (عليه السلام) على عدوه في هذه المواجهة والمبارزة.


1 . نور الأبصار : ص 97.

2 . سورة فصّلت : الآية 30.

[ 110 ]

   وبينما كان الإمام علي (عليه السلام) جالساً على صدر عمرو بن عبدود لحزّ رأسه، بصق عمرو في وجه الإمام علي (عليه السلام) وشتمه(1) فما كان من الإمام علي (عليه السلام) إلاّ أن نهض وأخذ يتمشّى في ميدان المعركة، وكان المسلمون ينظرون إلى مجريات الحادثة بدقة وتعجب، وبعد دقائق عاد بطل حرب الأحزاب إلى مكانه وقطع رأس عدو الله.

   وبعد هذه الحادثة سُئل الإمام علي (عليه السلام) عن سبب قيامه وانتظاره لحظات قبل أن يقدم على قتل عمرو فقال :

   قَدْ كانَ شَتَمَ اُمِّي وَتَفَلَ في وَجْهي فَخَشِيتُ أَنْ أَضْرِبَهُ لِحَظِّ نَفسي فَتَرَكْتُهُ حَتَّى سَكَنَ ما بي ثُمَّ قَتَلْتُهُ فِي اللهِ.(2)

   وفي هذا يقول الشاعر الشيخ الازري (رحمه الله) وهو يحكي هذه الواقعة المهمّة :

ظهرت منه في الورى سطوات *** ما أتى القوم كلّهم ما أتيها

يوم غصّت بجيش عمرو بن ودّ *** لهوات الفلا وضاق فضاها

فدعاهم وهم الوف ولكن *** ينظرون الذي يشبّ لظاها

فابتدى المصطفى يحدث عما *** يوجر الصابرون في اُخريها

فالتووا عن جوابه كسوام *** لا تراها مجيبة من دعاها

فإذا هم بفارس قرشي *** ترجف الأرض خيفة أن يطاها

قائلاً ما لها سواي كفيل *** هذه ذمة عليّ وفاها

فانتضى مشرفيه فتلقى *** ساق عمرو بضربة فبراها

يا لها من ضربة حوت مكرمات *** لم يزن ثقل أجرها ثقلاها

هذه من علاه احدى المعالي *** وعلى هذه فقس ما سواها

   وعلى هذا الأساس فإنّ علائم الإيمان الراسخ مشهودة في حياة الإمام علي (عليه السلام) كلّها، وحينئذ نفهم جيّداً بالإستفادة من القرائن وبمعونة الآيات القرآنية الاُخرى أن المراد من «الصادقين» هو عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).


1 . بحار الأنوار : ج 21، ص 26.

2 . بحار الأنوار : ج 41، ص 51 (نقلاً من مظهر الولاية : ص 365).

[ 111 ]

الصادقين في الروايات

   لو اقتصرنا على رواية الثقلين المهمة وضممناها إلى الآية الشريفة لرأينا أنها تلقي ضوءاً قوياً على مفهوم الآية وتوضح مصداق «الصادقين» وهم الأشخاص الذين ذكرتهم رواية الثقلين بأنهم أهل البيت الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) الذين ينبغي التمسّك بهم دائماً، فيكون التمسّك بهم مانعاً من الضلال، ومضافاً إلى الرواية المذكورة هناك روايات متعددة ناظرة إلى هذه الآية الشريفة، وكمثال على ذلك نورد ما يلي :

   1 ـ نقل خمس أشخاص من مشاهير وكبار علماء أهل السنّة وهم : السيوطي(1)، الخوارزمي(2)، العلاّمة الثعلبي(3)، العلاّمة الكنجي(4)، والحاكم الحسكاني(5)، وهؤلاء كلّهم يروون عن الصحابي المعروف ابن عبّاس أو جابر بن عبدالله الأنصاري حيث يقول :

   «كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ، أيْ كُونُوا مَعَ عَلِيِّ بْنَ أَبي طالِب».

   ووردت بعض العبارات في هذه الروايات «هو عليّ بن أبي طالب» أو «نزلت في عليّ ابن أبي طالب»(6) وهي كلّها تؤدي معنى واحداً.

   2 ـ نقل الحاكم الحسكاني في «شواهد التنزيل» مضافاً إلى الرواية المذكورة آنفاً رواية اُخرى عن «عبدالله بن عمر» حيث قال :

   «مَعَ الصَّادِقِينَ أَيْ مَعَ مُحَمّد وَأَهْلِ بَيْتِه».(7)

   والملفت للنظر أن هذه الرواية تذكر سائر أهل البيت المعصومين (عليهم السلام)في عداد الصادقين.

   3 ـ ويروي سليم بن قيس الذي يقول عنه العلاّمة المجلسي في بحار الأنوار أنه شخص


1 . الدرّ المنثور : ج 3 ص 290.

2 . نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3 ص 298.

3 . تفسير الثعلبي نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3 ص 297.

4 . كفاية الطالب : ص 111، ونقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 297.

5 و 6 ـ شواهد التنزيل : ج 1، ص 260.

7 . شواهد التنزيل : ج 1 ص 262.

[ 112 ]

ثقة حيث يقول في تفسير كلمة «الصادقين» :

   «فقال سلمان : يا رسول الله، أعامة هي أم خاصّة ؟ فقال : أما المؤمنون فعامة لأن جماعة المؤمنين اُمروا بذلك، وأما الصادقون فخاصّة لأخي علي والأوصياء من بعده إلى يوم القيامة»(1).

   وطبقاً لهذه الرواية فإن «الصادقين» هم الأئمّة المعصومين (عليهم السلام).

   4 ـ ويقول العلاّمة الكنجي في كتاب «كفاية الطالب» و«ابن الجوزي» في كتابه «التذكرة» : قال علماء السِير : معناه كونوا مع عليّ وأهل بيته(2) وهكذا يروي المؤرّخون في معنى «كونوا مع الصادقين» أن المراد بهم هم عليّ وأهل بيته  (عليهم السلام).

   وطبقاً لهذا الحديث فإنّ «الصادقين» هم الأئمّة الاثنا عشر (عليهم السلام) للشيعة.

 

توصية آية الصادقين

   ومما تقدّم من صفات وخصائص المعصومين (عليهم السلام) وأنهم المجاهدون، العابدون، الراكعون، الساجدون، القائمون، الصائمون، الزاهدون، العالمون، المتقون، الذاكرون، الخاشعون، وأمثال ذلك فإنّ هذه الصفات تجتمع في مصداق كلمة «الصادقين»، وهذا يعني أن حالة «الصدق» لها دور مهم جداً في مصير الإنسان «وليس المسلم فحسب»، ولهذا السبب فإنّ الآية الشريفة وصفت أئمّة الهدى بهذه الصفات.

   ومع الإلتفات إلى أهمية هذا الموضوع نذكر بعض ما ورد عن الإمام علي (عليه السلام)في هذا الصدد :

   1 ـ «الصِّدْقُ عِمادُ الإسْلامِ وَدَعامَةُ الإيمانِ».(3)

   فلو سقط عمود البناء لانهار البناء تماماً، فلو أن المسلم لم يتّصف ويتحلّى بصفة الصدق فلا معنى لإسلامه وإيمانه.


1 . أسرار آل محمّد : ص 297.

2 . نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3 ص 297.

3 . ميزان الحكمة : باب 2190، ح 10185.

[ 113 ]

   2 ـ «الصِّدقُ أَقْوى دَعائِمِ الاْيمانِ»(1)

   وهذا يعني أن الصدق يقترن مع مفهوم عمود الخيمة بحيث لو زال العمود لحظة لانهدمت الخيمة.

   3 ـ «الصِّدقُ صَلاحُ كُلِّ شَيء وَالْكِذْبُ فَسادُ كُلِّ شَيء»(2).

   وفي الحقيقة فإنّ الصدق لو ساد في المجتمع وكان جميع أفراد المجتمع يتحلّون بهذه الصفة وكان الرجل وزوجته يعيشان حالة الصدق في البيت، وكذلك الموظفون في الإدارات والشركاء في محيط التجارة والحكّام في دائرة الحكومة والسياسة والطلاب والتلاميذ في أجواء المدرسة والجامعة، والخلاصة لو كان جميع أفراد المجتمع يتحركون في تعاملهم وتفاعلهم مع الآخرين من موقع الصدق فإن ذلك بلا شكّ سوف يحلّ الكثير من المشاكل والتحدّيات التي يواجهها المجتمع البشري.

   إنّ جميع المشاكل والمصاعب تنبع من عدم الصدق في التعامل وفي الكلام.

   وهذا المعنى يصدق أيضاً في البعد العالمي للمجتمع البشري، وعلى سبيل المثال إذا كانت الدول والحكومات التي تدّعي حقوق الإنسان صادقة في الإستفادة من هذا العنوان الجميل لكانت البشرية في عالمنا المعاصر تعيش حالة أفضل بكثير ممّا هي عليه الآن. ولكننا نرى أن هذا الإدعاء قد انحرف عن مسيره فلا نجد معالم الصدق في التعامل بين الدول التي لا تفكر إلاّ بمصالحها الذاتية وعلى حساب الظلم والجور والفساد الفاحش، وعلى هذا الأساس فلو أن جاسوساً اسرائيلياً يقدم للمحاكمة في نقطة من العالم فإن صراخ هؤلاء المدّعون لحقوق الإنسان سيعلو ويطغى على كلّ شيء، ولكن إذا تم سحق الشعب الفلسطيني وقتل آلاف الأشخاص من أفراد هذا الشعب المظلوم فلا نجد أي اعتراض من هؤلاء بل مع كثير التعجب والتأسف نجدهم يقدّمون معالم التأييد السياسي والاقتصادي والعسكري إلى الظالم على حساب المظلوم.


1 . ميزان الحكمة: باب 2190، ح 10184.

2 . ميزان الحكمة : باب 2189، ح 10166.

[ 114 ]

   وهكذا ندرك جيداً عمق ما تحدّث به أميرالمؤمنين : «إنّ الكذب فساد كلّ شيء».

   والنتيجة هي أن آية «الصادقين» توحي لجميع المسلمين بل جميع البشرية بأن يكونوا مع الصادقين.

—–

[ 115 ]

 

 

 

 

الفصل الثاني

 

 

 

آيات فضائل أهل البيت (عليهم السلام)

 

 

 

         ü آية التطهير

         ü آية المودة

         ü آية المباهلة

         ü آية سورة الدهر

         ü آية التوبة لآدم

[ 116 ]

[ 117 ]

 

 

 

آية التطهير

1

«سورة الأحزاب / الآية 33»

 

أبعاد البحث

   إن آية التطهير هي آية اُخرى من الآيات التي تتعلّق بولاية أميرالمؤمنين والأئمّة المعصومين (عليهم السلام). هذه الآية الشريفة والتي ينبغي التدبّر في كلّ كلمة من كلماتها تدلُّ أيضاً على عصمة الأئمّة الأطهار (عليهم السلام).

 

مقدّمة

   إنّ الآيات 28 ـ 34 من سورة الأحزاب كلّها وردت في خطاب نساء النبيّ (صلى الله عليه وآله)ومن بين هذه الآيات الشريفة السبعة وردت آية التطهير بلسان متفاوت ومضمون مختلف، ومن ذلك تغيير الضمائر في هذه الآية، فإننا نرى في الآيات الشريفة قبلها ورد خمس وعشرين ضمير أو فعل يدلُّ على المؤنث، وبعد آية التطهير أيضاً نجد ضميرين وفعل كذلك يدلُّ على التأنيث ولكنّ جميع الضمائر والأفعال في آية التطهير التي تقع وسط 27 ضميراً وفعلاً مؤنثاً قد وردت بلسان المذكر، أو أن الضمير فيها يعود على المذكر والمؤنث كليهما، والخلاصة أن الضمائر فيها لا تختصّ بالمؤنث.

[ 118 ]

   فهل أن هذا التفاوت هو من باب الإتفاق والصدفة، أو أن له حكمة خاصّة ؟

   بلا شكّ أنه لم يقع صدفةً بل له علّة خاصّة لابدّ من أخذها بنظر الإعتبار.

   فإذا كان المراد من آية التطهير هو نساء النبي (صلى الله عليه وآله) فلماذا تبدلّ الخطاب في هذه الآية ولم يرد فيها الضمائر الخاصّة بالمؤنث ؟

   لا شكّ أن مضمون الآية ومحتواها وتغيير الضمائر والأفعال يدلُّ على أن المراد منها ليس هو نساء النبي (صلى الله عليه وآله)، وسيأتي توضيح أكثر لهذا الموضوع في البحوث القادمة.

 

الشرح والتفسير

آية التطهير، برهان واضح للعصمة

   تقدّم أنه ينبغي التدبر في كلّ كلمة من كلمات هذه الآية الشريفة مورد البحث لاستجلاء المراد الحقيقي منها :

   1 ـ كلمة «إنّما» تستعمل للحصر في اللغة العربية ويتّضح من هذه الكلمة أن المضمون الوارد في هذه الآية الشريفة لا يتعلق بجميع المسلمين وإلاّ لا معنى لاستخدام هذه الكلمة.

   «الرجس» الذي تحدّثت عنه هذه الآية لم يرفع من الجميع بل أراد الله رفعه من بعض الأفراد بخصوصهم، مضافاً إلى أن «الرجس» يراد به رجس خاصّ، وقد أراد الله إزالته عن أفراد معينين وتطهيرهم منه.

   وبما أن التقوى العادية تستوعب جميع المسلمين والواجب على جميع المسلمين تطهير أنفسهم من الرذائل والذنوب، فإنّ المراد من هذه الآية وما يختصّ بهؤلاء الأفراد المعينين يجب أن يكون أعلى ممّا يراد من الأشخاص العاديين في تقواهم وحركتهم في خط الطاعة والإيمان.

   2 ـ (يُريدُ اللهُ).

   فما هو المراد من إرادة الله ؟ هل هي الإرادة التشريعية أو الإرادة التكوينية ؟

   الجواب : للإجابة على هذا السؤال يلزمنا بعض التوضيح حول مفهوم الإرادة التكوينية والتشريعية :

[ 119 ]

   الإرادة التشريعية : هي الإرادة التي تعني أوامر الله تعالى ودستوراته من الواجبات والمحرمات الواردة في الشريعة المقدّسة، والآية 185 من سورة البقرة هي أحد الآيات التي وردت فيها الإرادة الإلهية بمعناها التشريعي حيث ذكر الله تعالى في هذه الآية الشريفة بعد بيان وجوب صوم شهر رمضان المبارك واستثناء هذا الحكم بالنسبة إلى المسافر والمريض يقول :

   (يُريدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُريدُ بِكُمُ الْعُسْرَ).

   فالمقصود من الإرادة الإلهية هنا هي الإرادة التشريعية، أي أن أحكام الله تعالى في شهر رمضان سهلة ويسيرة للإنسان المؤمن بل إن جميع أحكام الإسلام هي كذلك، ولذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

   «بُعِثْتُ إلَيْكُمْ بِالْحَنَفِيَّةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ».(1)

   «الإرادة التكوينية» هي الإرادة التي تستخدم في مقام الخلق والتكوين فقد أراد الله تعالى خلق العالم وخلق سائر الكائنات والمخلوقات.

   وكمثال على هذه الإرادة الإلهية ما ورد في الآية 82 من سورة يس حيث يقول تبارك وتعالى في هذه الآية :

   (إنَّما أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).

   فالمقصود من هذه الإرادة في الآية الشريفة هي الإرادة التكوينية، وفي الحقيقة أن قدرة الله تعالى على هذا الكون وسلطته على الكائنات إلى درجة من الشدّة والإستحكام بحيث إنه إذا أراد أن يخلق مثل هذا العالم الذي نعيش فيه فيكفي أن يصدر أمره بذلك، وطبقاً للأقوال العلماء أن الشمس أكبر من الأرض بمليون ومائتين ألف مرّة ويحتوي على مائة ميليارد نجم في المنظومة الشمسية في مجرتنا لوحدها وحجم كلُّ واحد منهما بحجم الشمس بالمقدار المتوسط، فلو أراد الله أن يخلق مثل هذا العالم لكفى أن يأمر ويقول : كن فيكون «اَلْعَظَمَةُ للهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ».


1 . بحار الأنوار : ج 65، ص 346.

[ 120 ]

   وبعد أن تعرّفنا على هذين المعنيين للإرادة الإلهية نتساءل : هل أن المراد بالإرادة الإلهية في آية التطهير هي الإرادة التشريعية أو التكوينية ؟ أي أن الله تعالى هل أراد من أهل البيت أن يعيشوا الطهارة والإبتعاد عن الرجس والرذائل، أو أن الله تعالى هو الذي سيقوم بتطهير هؤلاء الأشخاص من الرجس والرذيلة ؟

   الجواب : بلا شكّ أن المراد هنا الإرادة التكوينية، لأن الأمر بالطهارة والتقوى لا يختص بأهل البيت بل هو دستور عام وتشريع شامل لجميع المسلمين، في حين أننا قرأنا سابقاً أن مقتضى كلمة «إنّما» هو الحصر بدائرة معيّنة، وهم أهل البيت (عليهم السلام)ولا يشمل جميع المسلمين.

   والنتيجة هي أن الله تعالى بإرادته التكوينية أراد أن يسجّل فضيلة وموهبة اُخرى لأهل البيت (عليهم السلام) ويمنحهم «العصمة» في واقعهم الروحي وملكاتهم الأخلاقية بحيث يبتعدون عن كلّ رجس ورذيلة ويعيشون الطهارة من الذنوب والخطايا.

   سؤال : هل أن العصمة في هؤلاء المعصومين تتمتع بحالة من الجبر ؟

   وبعبارة اُخرى : هل أن هؤلاء العظماء يجتنبون المعاصي والذنوب من دون اختيار منهم ؟ فلو كان كذلك فإنّ العصمة لا تعني شيئاً في دائرة الإمتياز الأخلاقي والإيماني.

   الجواب : إنّ الشيء إذا كان محالاً في دائرة أعمال الإنسان فهو على قسمين : 1 ـ المحال العقلي، 2 ـ المحال العادي.

   «المحال العقلي» هو أن يكون وقوع الشيء محالاً كأن تكون هذه اللحظة من الزمان ليلاً ونهاراً في آن واحد، فهذا عقلاً محال، أو تقرأ كتاباً عدد صفحاته 400 و 500 صفحة في نفس الوقت، فهذا من المحال عقلاً لأنه جمع بين النقيضين والجمع بين النقيضين محال عقلاً(1).

   ولكن تارة يكون وقوع العمل ممكن عقلاً ولكنه عادة ممتنع، ومثاله أن كلُّ إنسان عاقل لا يظهر في الشارع وأمام الناس عارياً، فهذه المسألة ممكنة عقلاً ولكنها محالٌ عادةً، وعليه


1 . للتعرف أكثر على هذا الإصطلاح المنطقي يراجع كتاب «التعرف على العلوم الإسلامية، المنطق والفلسفة» للشهيد العلاّمة المطهري : ص 65 فما بعد.

[ 121 ]

فالناس بالنسبة إلى هذه الحالة معصومين لأن عقلهم لا يبيح لهم ارتكاب مثل هذا العمل الذي قبحه واضح وجلي، إذن فجميع أفراد البشر يمكن أن تكون لهم عصمة جزئية بالنسبة إلى بعض الذنوب والأفعال.

   ولو تقدّمنا خطوة إلى الامام رأينا أن بعض الناس قد تكون لهم عصمة جزئية بالنسبة إلى بعض الأفعال التي هي محال عادةً، من قبيل أن من المحال أن يقوم رجل دين معروف في اليوم الواحد والعشرين من شهر رمضان المبارك وفي محراب المسجد وهو جالس على سجادة الصلاة بشرب الخمر أمام الناس، فهذا من المحال، ولكنه ليس من المحال العقلي بل إن صدوره من مثل هذا الشخص محال عادةً لأن عقله لا يسمح له بارتكاب مثل هذا العمل في هذا المكان وهذه الموقعيّة.

   وأمّا المعصومون (عليهم السلام) فيتمتعون بمقام العصمة في مقابل جميع الذنوب والخطايا، أي أنه رغم كونهم من الناحية العقلية يمكن صدور الذنب والمعصية منهم، ولكنّه غير ممكن عادةً لأن عقلهم وتقواهم ومعرفتهم بالنسبة إلى جميع الذنوب والمعاصي كعلم الشخص العادي بالنسبة إلى الخروج عارياً إلى الشارع، فكما أن الإنسان العادي معصوم من مثل هذا الذنب، فالأئمّة المعصومون (عليهم السلام)أيضاً يتمتعون بمقام العصمة في مقابل جميع الذنوب، فمن المحال عادةً أن يقوموا بارتكاب المعصية حتّى لو كان صدورها منهم ممكن عقلاً.

   إذن فالعصمة هنا ليست أمراً جبرياً وليست بحيث تكون خارجة عن اختيار المعصومين (عليهم السلام) وإلاّ فلا قيمة لمثل هذه الأعمال.

   والنتيجة هي أن الإرادة الإلهية في هذه الآية الشريفة هي إرادة تكوينية، والعصمة هنا لا تسلب الإختيار والإرادة من الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) ولا تجبرهم على ترك المعصية والذنوب بل إنّ هؤلاء الرجال لا يتوجهون نحو الذنوب بكمال حريتهم واختيارهم.

   3 ـ المراد من «الرِّجس»

   الرجس بمعنى القبيح، فتارةً يطلق على الاُمور المادية القبيحة، واُخرى على الاُمور المعنوية القبيحة، وثالثة قد يطلق ويستعمل على كلا الأمرين كما ذكر ذلك الراغب في مفرداته.

[ 122 ]

   ولكلِّ مورد من هذه الموارد الثلاثة في استعمال كلمة «الرجس» هناك شاهد من القرآن الكريم :

   ألف ـ الرجس المعنوي : وهو ما ورد في الآية 125 من سورة التوبة.

   (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كافِروُن).

   فإنّ عبارة «في قلوبهم مرض» تطلق غالباً على المنافقين ومن كانوا يعيشون المرض القلبي حقيقةً في نفاقهم، وإلاّ فإنّ الإنسان السليم إمّا أن يقبل الأوامر الإلهية ويكون مسلماً أو يردّها ويكون كافراً، ولكن أن يقبلها في الظاهر وفي عالم العمل والممارسة ولكنه لا يعتقد بها في قلبه، فهذا هو النفاق وهو نوع من المرض القلبي.

   وعلى أيّة حال فإنّ كلمة «الرجس» في هذه الآية الشريفة وردت بمعنى القبح المعنوي فإنّ النفاق نوع من القبح المعنوي لا القبح المادي الظاهري.

   ب ـ الرجس الظاهري والمادي : وهو ما ورد في الآية 145 من سورة الأنعام :

   (قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَآ اُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِم يَطْعَمُهُ إلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزير فَاِنَّهُ رِجْسٌ...).

   ومن الواضح أن الرجس استخدم في هذه الآية الشريفة بمعنى القبح المادي والظاهري.

   ج ـ الرجس المعنوي والمادي : ونقرأ في الآية 90 من سورة المائدة أن «الرجس» استخدم بكلا المعنيين :

   (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ وَالاَْنْصابُ وَالاَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

   وهنا نجد أن «الرجس» في هذه الآية الشريفة استخدم في كلا المعنيين المادي والمعنوي لأن الخمر له حكم النجاسة المادية، ولكن القمار والأزلام ليست كذلك بل هي من الرجس المعنوي.

   والنتيجة هي أن كلمة «الرجس» في الآيات الشريفة لها معنى عام وتشمل جميع القبائح الظاهرية والمعنوية والأخلاقية والعقائدية والجسمية والروحية، وعليه فإنّ الله تعالى في آية التطهير وبإرادته التكوينية قد طهّر أهل البيت (عليهم السلام) من جميع أنواع الرجس بمعناه الواسع.

[ 123 ]

   والدليل على أن الرجس استخدم في هذه الآية الشريفة في جميع أنواع الرجس المادي والمعنوي هو إطلاق هذه الكلمة، أي أن هذه الكلمة لم ترد بالآية الشريفة مقيّدة بقيد أو مشروطة بشرط بل وردت بصورة مطلقة وبدون قيد أو شرط، فلذلك تستوعب في مضمونها جميع أنواع الرجس.

   (وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهيراً) هذه الجملة في الواقع تأكيد وتفسير للجملة السابقة (لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) فطبقاً لهذه الآية فإن «أهل البيت» طاهرون من الرجس وكلُّ عمل قبيح بالإرادة الإلهية التكوينية، فهم يتمتعون بمقام العصمة المطلقة.

 

من هم أهل البيت ؟

   يستفاد من الآية الشريفة محل البحث أن «أهل البيت» يتمتعون بخصوصية تميّزهم عن سائر المسلمين وهي مقام الطهارة والعصمة المطلقة، ولكن هنا يثار هذا السؤال وهو : من هم أهل البيت ؟

   وفي مقام الجواب عن هذا السؤال هناك نظريات مختلفة في تفسير كلمة «أهل البيت» حيث نكتفي هنا بذكر أربعة منها :

   1 ـ ما ذكره بعض المفسّرين من أهل السنّة من أن المراد من أهل البيت هنا زوجات النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله)(1) وطبقاً لهذا التفسير لا يكون الإمام عليّ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)من أهل البيت، وبعبارة اُخرى أن أهل البيت هم الذين يرتبطون بالنبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) برابطة سببية لا نسبية.

   ودليلهم على هذه النظرية هي أن آية التطهير وردت ضمن آيات قرآنية تتعلق بنساء النبيّ (صلى الله عليه وآله) فهناك آيات قبلها وبعدها تتحدّث عن نساء النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وسياق الآية يقتضي أن هذه الآية الشريفة أيضاً متعلّقة بنساء النبيّ (صلى الله عليه وآله).

   ولكن هذه النظرية باطلة لِدليلين:

   الأوّل : أنه كما تقدّم سابقاً من أن الآيات الخمسة قبل آية التطهير وكذلك صدر الآية


1 . القرطبي ـ تفسير الفرقان : ج 6، ص 5264، وقد نقل هذه النظرية عن «الزجاج».

[ 124 ]

32 من سورة الأحزاب التي وقعت آية التطهير في ذيلها تتضمن 25 ضمير وفعل وردت بصياغة المؤنث وفي الآية التي تليها «الآية 33» هناك فعل وضمير يختص بالمؤنث أيضاً، ولكن ضمائر وأفعال آية التطهير كلّها تعود إلى المذكر أو تشمل المذكر والمؤنث وعليه لا تكون شاملة لبعض نساء النبي لوحدهنّ قطعاً.

   وعلى هذا الأساس ونظراً إلى أن القرآن هو كلام الله تعالى وقد ورد بأبلغ بيان وأفصح عبارة، ولذلك لابدّ أن يكون هناك سبب في تغيير الضمائر والأفعال حيث يكون المراد من أهل البيت هم أفراد غير نساء النبي بحيث إن الله تعالى غيّر من سياق الآية وجعلها متميّزة عن بقية الآيات الشريفة.

   فطبقاً لهذا البيان يكون المراد من أهل البيت ليس نساء النبي قطعاً بل المقصود أشخاص آخرون لابدّ من البحث عنهم من خلال الأدلّة والبراهين.

   الثاني : هو أنه بالإلتفات إلى ما تقدّم من شرح وتفسير آية التطهير فإنّ أهل البيت يتمتعون بمقام العصمة المطلقة، ولا نجد من العلماء والمفسّرين من الشيعة والسنّة يقولون بعصمة نساء النبي، فإن نساء النبي رغم أنهنَّ نساء مؤمنات ولكن لا يمكن ادعاء العصمة لهنّ بل يمكن ادعاء أن البعض قد ارتكبن ذنوب كبيرة ثبتت بالأدلة القاطعة وكنموذج على ذلك :

   كان عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) الخليفة الوحيد الذي كان يتمتع من جهة بالتنصيب من قبل الله تعالى، ومن جهة اُخرى تمت خلافته بانتخاب المسلمين وكان هذا الانتخاب يختلف عن الإنتخابات السابقة للخلفاء، لأن الخليفة الأوّل لم ينتخبه سوى عدّة قليلة في سقيفة بني ساعدة ثمّ أجبروا الناس على بيعته لاحقاً، وأما الخليفة الثاني فتم نصبه من قبل الخليفة الأوّل، والخليفة الثالث تولّى سدة الخلافة بثلاث آراء من الشورى الذين نصبهم الخليفة السابق، ولكن الإمام علي (عليه السلام) واجه في مسألة بيعته للخلافة رغبة جميع الناس وازدحامهم وإصرارهم على البيعة رغم أن ذلك كان على خلاف ميله ورغبته حتّى أنه قال :

   «حتّى لقد وُطيء الحسنان».(1)


1 . نهج البلاغة : الخطبة 3 (الخطبة الشقشقية).

[ 125 ]

   ولكن بالرغم من ذلك فإننا نرى أن إحدى نساء النبيّ رفعت لواء المعارضة والمخالفة لهذا الخليفة ووصي النبي (صلى الله عليه وآله) بالحقّ ونقضت بيعته وتحركت على خلاف وصية النبي لنساءه بأن لا يخرجن من بيوتهن، فتحركت وخرجت من المدينة وركبت الجمل متوجهة إلى البصرة، وعندما وصلت إلى منطقة الحوأب وسمعت صوت الكلاب تذكرت قول النبي (صلى الله عليه وآله) لها وقالت : «إنا لله وإنا إليه راجعون ! ردّوني ردّوني، هذا الماء الذي قال لي رسول الله : لا تكوني التي تنبحك كلاب الحوأب».(1)

   عندما سمعت باسم هذه المنطقة وقيل لها أنها تدعى «الحوأب» عزمت على الرجوع ولكن الأشخاص المتصدين لتثوير الناس للحرب منعوها من ذلك بشتّى الحيل واستمرت في مسيرها.

   فهل أن مثل هذه المرأة التي خالفت كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورفعت لواء المعارضة والحرب على خليفته بالحقّ وسببت في سفك دماء أكثر من 17 ألف نفر من المسلمين هل أنها معصومة وطاهرة من الرجس والمعصية ؟