وعلى الرغم من أنها اعترفت بخطأها بحيث لا يمكن قبول أيّ توجيه وتبرير لذلك فإنّ بعض العلماء المتعصبين من أهل السنّة ذهبوا إلى أن ذلك نوع من الإجتهاد وأن عائشة لم تكن على خطأ في ذلك.

   فهل يصحّ هذا الكلام والإدعاء ؟ هل أن الإجتهاد في مقابل خليفة النبيّ بالحقّ والذي تقول عنه عائشة «انه أفضل الناس وكلُّ من أبغضه كافر» اجتهاد صحيح ؟ فإذا فتحنا هذه الذريعة وقبلنا بهذا التبرير في هذا المورد فلا يبقى أيُّ مذنب على وجه الأرض، لأن كلّ خطأ له تبرير واجتهاد ويمكن للإنسان أن يحمل معصيته على سبيل الإجتهاد والإستنباط.


1 . تاريخ اليعقوبي : ج 2، ص 181.

[ 126 ]

   والنتيجة هي أن حرب الجمل لم يكن لها أيُّ تبرير منطقي، ولا شكّ في أنّ الأشخاص الذين تولّوا إشعال هذه الحرب من المذنبين والخاطئين ولا يمكن القول أنهم مطهرون من الرجس والذنب.

   2 ـ النظرية الثانية أن المراد من أهل البيت هنا الرسول الأكرم والإمام عليّ والحسن والحسين وفاطمة (عليهم السلام) ونساء النبي(1).

   وطبقاً لهذه النظرية فإنّ أحد الإشكالات الثلاثة المتقدمة على النظرية الاُولى (الإشكال الأوّل) سينتهي، وبما أن مجموعة النساء والرجال في مقام الخطاب فانه يستعمل في حقّهم ضمير المذكّر وصحّ مجي هذه الآية بضمير المذكر، ولكن يبقى الإشكالين الآخرين (حيث تقدّم بيانهما في الردّ على النظرية الاُولى) وعليه فإنّ هذه النظرية غير قابلة للقبول.

   3 ـ وذهب بعض آخر من المفسّرين إلى أن المراد من «أهل البيت» هم القاطنون في مكّة المكرّمة، وقالوا إنّ المراد من «أهل البيت» هنا هو بيت الله الحرام والكعبة المعظمة، وعليه فإنّ «أهل البيت» في هذه الآية هم أهالي مكّة.

   وبطلان هذه النظرية واضح أيضاً حيث يرد عليها الإشكالين السابقين في النظرية الاُولى، مضافاً إلى أن أهالي مكّة لا يمتازون عن أهالي المدينة حتّى يقال بأن الله تعالى أذهب عنهم الرجس وطهّرهم من الذنب.

   4 ـ وهي نظرية جميع علماء الشيعة والتي لا يرد عليها أي من واحد من الإشكالات السابقة وهي أن المراد من «أهل البيت» في هذه الآية هم أشخاص معينون من أهل البيت، أي الإمام عليّ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) وعلى رأسهم النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله).

   والشاهد على صحّة هذه النظرية انه لا يرد أيّ من الإشكالات الثلاثة المذكورة في النظرية الاُولى، مضافاً إلى الروايات الكثيرة الدالّة على صحّة هذه النظرية الرابعة حيث يقول العلاّمة الطباطبائي في «الميزان» بأن عدد هذه الروايات يبلغ أكثر من سبعين رواية(2)،


 

1 . التفسير الكبير : ج 25، ص 209.

2 . الميزان مترجم : ج 32، ص 178.

[ 127 ]

والملفت للنظر أن أكثر هذه الروايات مذكورة في مصادر أهل السنّة المعتبرة ومنها :

   1 ـ صحيح مسلم(1) الذي هو من أهم الكتب الحديثية المعتبرة لديهم.

   2 ـ صحيح الترمذي(2) وهو أحد الصحاح الستة لدى أهل السنّة.

   3 ـ المستدرك على الصحيحين(3).

   4 ـ السنن الكبرى للبيهقي(4) هذا الكتاب رغم أنه يحوي غالباً الروايات الفقهية إلاّ أنه يتضمن روايات غير فقهية.

   5 ـ الدرّ المنثور للسيوطي.(5)

   6 ـ شواهد التنزيل(6) للحاكم الحسكاني النيشابوري.

   7 ـ مسند أحمد(7).

   وعلى هذا الأساس فإن الروايات التي تفسر «أهل البيت» بالخمسة من آل الكساء هي من جهة أكثر عدداً، ومن جهة اُخرى مذكورة في الكتب المعتبرة جداً لدى أهل السنّة.

   الفخر الرازي يتحدّث عن هذه الروايات ومقدارها وميزان اعتبارها ويعترف بهذه الحقيقة ويقول في ذيل تفسير آية المباهلة «الآية 61 من آل عمران» :

   واعلم أن هذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث(8).

   والنتيجة هي أن الروايات التي تفسر «أهل البيت» بهؤلاء الخمسة لا تقبل النقاش من حيث المقدار والإعتبار، ونكتفي هنا بذكر رواية واحدة من مجموع هذه الروايات، وهي رواية الكساء.


1 . صحيح مسلم : ج 4، ص 1883، ح 2424 (نقلاً عن نفحات القرآن : ج 9، ص 143).

2 . احقاق الحقّ : ج 2، ص 503.

3 . المستدرك على الصحيحين : ج 2، ص 416 (نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 2 ص 504).

4 . السنن الكبرى : ج 2 ص 149.

5 . الدرّ المنثور : ج 5، ص 198.

6 . شواهد التنزيل : ج 2، ص 10 ـ 92.

7 . مسند أحمد : ج 1،ص 330،و ج 4، ص 107 و ج 6، ص 292 (نقلاً عن نفحات القرآن : ج 9، ص 144).

8 . تفسير الفخر الرازي : ج 8، ص 80 .

[ 128 ]

   هذه الرواية ذكرت في المصادر الحديثية على نحوين :

   1 ـ بالتفصيل 2 ـ باختصار.

   أما حديث الكساء المفصّل والذي يُقرأ عادةً لشفاء المرضى وحل المشكلات فليس بحديث متواتر، ولكن حديث الكساء المختصر متواتر في مضمونه حيث تقول الرواية :

   «عن اُمّ سلمة (زوجة النبي) أن النبي كان في بيتها وجاءته فاطمة بالطعام، فقال لها : ادع لي بعلك وابنيك. فجاؤوا فتناولوا الطعام ثمّ نشر (صلى الله عليه وآله) عليهم الكساء وقال :

   اَللّهُمَّ إنَّ هؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتي وَخاصَّتي اَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ، فَنَزَلَ جِبْرَئيلُ (إنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).

فقلت : يا رسول الله وأنا معكم ؟ فقال : إنكِ على خير»(1).

   وفي حديث آخر نقلت هذه الواقعة عن عائشة أيضاً(2).

   والنتيجة أن أهل البيت طبقاً لهذه الروايات هم الخمسة من أهل الكساء.

   سؤال : ما هي الحكمة من هذا العمل ؟ ولماذا أقدم الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) على ضمّ أهل بيته تحت الكساء وأن يقول هذه العبارة الجميلة ؟ ولماذا لم يأذن لاُمّ سلمة وعائشة أن يدخلا تحت الكساء ؟

   الجواب : إنّ هدف النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) من كلّ هذه التشريفات والدقائق المحفوفة بهذه الواقعة هو أنه أراد أن يميّز أهل البيت ويعرّفهم للناس بحيث لا يبقى معه أيُّ غموض أو إبهام وحتّى لا يقول الأشخاص الذين يأتون بعد ذلك الزمان أن المراد من «أهل البيت» هم أشخاص آخرين.

   ولهذا السبب فإنّ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) لم يكتفِ بهذه التشريفات أيضاً بل طبقاً للرواية المذكورة في مصادر مختلفة منها «شواهد التنزيل» نقلاً عن أنس بن مالك الخادم الخاص لرسول الله تقول : أن رسول الله بعد هذه الحادثة كان يأتي كلّ يوم قبل أذان الصبح وقبل إقامة صلاة الجماعة إلى بيت عليّ وفاطمة ويقف أمام البيت ويكرر هذه العبارة :


1 . شواهد التنزيل : ج 2، ص 24 و 31.

2 . شواهد التنزيل : ج 2، ص 37 و 38.

[ 129 ]

   «اَلصَّلاةَ يا أَهْلَ الْبَيْتِ. (إنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهَلَ الْبَيْتَ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهيراً).

   وهذا العمل استمر إلى ستة أشهر بلا انقطاع(1).

   هذه الرواية أعلاه نقلت أيضاً عن أبي سعيد الخدري حيث يقول أيضاً :

   «إنّ النبي الأكرم كان يعمل هذا العمل لمدّة ثمانية أشهر»(2).

   ولعلّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) قد استمر على هذا العمل أكثر من هذه المدّة ولكن أنس ابن مالك اقتصر على ستة أشهر وأبو سعيد الخدري اقتصر على ثمانية أشهر(3).

   وعليه فإنّ هدف النبي في فصل أهل البيت عن نسائه وتعيين المصداق الكامل والواضح لكلمة «أهل البيت» هو بيان هذه الحقيقة للمسلمين بشكل واضح وجلي بحيث لا نجد مورداً آخر قام النبي (صلى الله عليه وآله) بتكرار عمل معيّن إلى هذه الدرجة، فهل أن كلّ هذه التأكيدات والتوصيات والتوضيحات لا تكفي للقول بأن أهل البيت هم هؤلاء الخمسة ؟ وهل من الصحيح أن نفسّر هذه الآية بتفسيرات بعيدة عن أجواءها ؟

   لماذا يذهب البعض في مثل هذه القضية الواضحة كالشمس في رابعة النهار إلى مذاهب متفرقة ويوقعوا أنفسهم والآخرين في مزالق الضلالة والإنحراف ؟

   الجواب على هذا السؤال واضح أيضاً، وهو أن التفسير بالرأي والمسبوقات الفكرية لهؤلاء تشكل حجاباً سميكاً على بصيرتهم فلا يدركوا معه ما يخالف نظراتهم المسبقة حتّى وإن كانت كوضح الصبح أو لا يريدون أن يقبلوا بالحقيقة.

   ربّنا ! نسألك أن تأخذ بأيدينا في طريق الهداية والحقّ دائماً ولا تحرمنا من أنوار هدايتك لحظة واحدة.

   إلهنا ! جنبنا من الوقوع في التفسير بالرأي وخاصة بالنسبة إلى القرآن الكريم والمعارف الدينية وإعنا بالبرهان القاطع على الوصول إلى الحقّ والحقيقة.

—–


1 . شواهد التنزيل : ج 2، ص 11 و 12 و 13 و 14 و 15.

2 . شواهد التنزيل : ج 2، ص 28.

3 . وقد نقل عن أبي سعيد الخدري أن المدّة كانت 9 أشهر (انظر : شواهد التنزيل : ج 2، ص 29).

[ 130 ]

الجواب على الأسئلة

   قد تثار بعض الأسئلة وعلامات الإستفهام حول آية التطهير، حيث نستعرض هنا نماذج من هذه الأسئلة ونجيب عليها :

   السؤال الأوّل : إنّ أكثر ما تدلُّ عليه آية التطهير هو عصمة أهل البيت، أي الإمام علي، وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) وعلى رأسهم النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، ولكن الآية محل البحث لا ترتبط بمسألة الإمامة والولاية.

   وبعبارة اُخرى : إننا نبحث هنا عن الآيات الشريفة التي تدلُّ على ولاية وإمامة أميرالمؤمنين (عليه السلام)، والآية المذكورة لا تدلُّ على هذا الأمر بل غاية ما تدلُّ عليه هو عصمة أهل البيت، فلماذا نستدلّ بهذه الآية الشريفة على الإمامة ؟

   الجواب : لو ثبت مقام العصمة لأهل البيت (عليهم السلام) فإنّ الإمامة سوف تثبت لهم أيضاً، لأنه كما تقدّم أن الطاعة للإمام هي مطلقة وغير مقيّدة بقيد أو شرط، ولا يمكن تحقق هذا المعنى من الطاعة إلاّ لمن كان يتحلّى بمقام العصمة، أي أن الإمام يجب أن يكون معصوماً، ومن جهة اُخرى فلو تقرر أن يكون الإمام منتخباً من الناس أو منصوباً من قبل غيره فإنّه مع وجود المعصوم لا ينبغي التمسّك بإطاعة غير المعصوم.

   يقول تبارك وتعالى في الآية 124 من سورة البقرة في حديثه عن النبي إبراهيم (عليه السلام)عندما نصبه الله تعالى إماماً للناس بعد أن نجح في الإبتلاءات والإمتحانات الصعبة وبعد أن كان يتحلّى بمقام النبوّة وكان من اُولي العزم وخليلاً للرحمن، فإنّ إبراهيم بعد أن نال مقام الإمامة طلب من الله تعالى استمرار الإمامة في ذرّيته (ومن ذرّيتي ) فأجابه الله تعالى :

   (لايَنالُ عَهْدي الظَّالِمين ).

   ومن هنا نعلم أن العصمة جزءٌ لا يتجزأ من الإمامة، والأشخاص الذين تلوثوا بالظلم لا يصلحون لهذا المقام الشريف حتّى لو كانوا قد انحرفوا وتلوثوا بالمعصية في أزمنة سابقة.

   السؤال الثاني : سلمنا أن الإمام يجب أن يكون معصوماً، ولكن هل يعني هذا أن كلّ معصوم إمام ؟ ألم تكن فاطمة الزهراء (عليها السلام) معصومة، إذن فلماذا لم تكن إماماً ؟

   الجواب : إنّ العصمة بالنسبة إلى النساء لا تستلزم مقام الإمامة، ولكنها بالنسبة إلى

[ 131 ]

الرجال هناك ملازمة بينهما، ولهذا لا نجد معصوماً بين رجال العالم غير النبيّ والأئمّة الطاهرين (عليهم السلام).

   السؤال الثالث : تقدّم في الأبحاث السابقة أنّ اختلاف الضمائر في آية التطهير مع الضمائر قبلها وبعدها والتي تتحدّث فيها الآية الشريفة عن نساء النبي (صلى الله عليه وآله) هو السبب في أن يكون المخاطب في آية التطهير غير نساء النبي، في حين أننا نجد مثيلاً لهذا الإختلاف في الضمائر في قصة البشارة لإبراهيم (عليه السلام) بالولد في شيخوخته، لأنّ المخاطب في الآية الشريفة هو زوجة النبيّ إبراهيم (عليه السلام)في قوله تعالى :

   (قالُوا أَتَعْجَبينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ).(1)

   فطبقاً لهذه الآية أنّ المخاطب بضمير «عليكم» هو زوجة النبيّ إبراهيم.

   الجواب : إنّ المخاطب في جملة «أتعجبين» هو زوجة إبراهيم فقط، ولهذا ورد الفعل بصورة المفرد للمخاطب المؤنث، ولكنّ المخاطب بكلمة «عليكم» هو جميع أفراد اُسرة النبيّ إبراهيم من الزوج والزوجة، في حين أن المخاطب في آية التطهير وطبقاً للأدلّة السابقة لا يمكن أن يكون نساء النبي لا بالإستقلال ولا بالإنضمام إلى الخمسة أصحاب الكساء.

   السؤال الرابع : إذا كان المخاطب في آية التطهير هو الخمسة من أصحاب الكساء فقط، إذن فلماذا وردت آية التطهير ضمن الآية التي تتحدّث عن نساء النبي ؟

   الجواب : إنّ آيات القرآن الكريم كما ذكر العلاّمة الطباطبائي(2) وآخرون لم تنزل في وقت واحد، بل كانت الجمل المذكورة تنزل أحياناً في آية واحدة على فترات متباعدة، حيث إنّ آيات القرآن نزلت بحسب الحاجة والحوادث الواقعة، وعلى هذا الأساس فمن الممكن أن تكون الآية التي تتحدّث عن نساء النبي (صلى الله عليه وآله)قد نزلت في فترة معيّنة ثمّ نزلت بعد ذلك آية التطهير وبعد طلب النبيّ الكريم المبني على طهارة أهل البيت، وبعد ذلك نزلت آيات اُخرى تتعلق بظروف خاصّة وحوادث معيّنة اُخرى، وعليه فلا يلزم من ذلك أن يكون هناك ارتباط وثيق بين آيات القرآن الكريم أجمع.


1 . سورة هود : الآية 73.

2 . الميزان، ذيل الآية أعلاه.

[ 132 ]

   النتيجة : إن آية التطهير تدلُّ من جهة على عصمة الخمسة من أصحاب الكساء (عليهم السلام)، وتدلُّ أيضاً على ولاية وإمامة أميرالمؤمنين (عليه السلام) من جهة اُخرى.

—–

[ 133 ]

 

 

آية المودة

2

«سورة الشورى / الآية 23»

 

أبعاد البحث

   عندما نستعرض آراء ونظرات علماء أهل السنّة ومفسّريهم حول هذه الآية نجد أنهم قد تورطوا في ظاهرة التفسير بالرأي نتيجة المسبوقات الفكرية والذهنية لديهم، ولهذا نرى أن تفسيرهم لهذه الآية الشريفة عجيب وغريب جدّاً حيث سنتطرق إليه لاحقاً، وأما علماء الشيعة فنجد لديهم تفسيراً واضحاً وجليّاً لهذه الآية الشريفة من خلال الإستيحاء من تعاليم أهل البيت (عليهم السلام).

 

نظرة إلى الآيات السابقة

   ونرى من اللازم لأجل توضيح المطلب في تفسير آية المودّة أن يكون لدينا بحث إجمالي حول الآية السابقة، أي الآية 22 من سورة الشورى، وكذلك صدر آية المودّة الذي لم نذكره آنفاً.

   تقول الآية : (والّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلوُا الصَّالِحاتِ).

   بعد أن ذكر الله تعالى في الآيات السابقة عاقبة الظالمين تتطرق هذه الآية لذكر مستقبل

[ 134 ]

المسلمين الذين يتحركون من موقع الإيمان والعمل الصالح ولا يقنعون بمجرد الشهادة بالتوحيد ونبوّة النبي الأكرم بل يتحركون على مستوى الممارسة والعمل للإتيان بالخيرات والأعمال الصالحة، وفي هذه الآية الشريفة وضمن بيان العاقبة الحسنة للمؤمنين هؤلاء تقرر ثلاثة أنواع مهمة من الثواب الاُخروي المعدّ لهم :

   1 ـ «فِي رَوْضاتِ الْجَنّاتِ» فأوّل ثواب يحصل عليه هؤلاء المؤمنين في الآخرة هو دخولهم إلى الجنّة.

   سؤال : أين تقع «روضات الجنّات» ؟

   الجواب : عندما نستقري الآيات القرآنية فإننا لا نجد هذه العبارة سوى في آية 22 من سورة الشورى، والعرب يطلقون على الحدائق الطرية والبساتين النضرة كلمة «روضة» وجمعها «روضات».

   وبالطبع أحياناً تطلق هذه الكلمة على محل اجتماع الماء، ولكن المراد بكلمة «روضة» في هذه الآية هو المعنى الأوّل، إذن فروضات الجنّات تعني بساتين الجنّة اليانعة.

   سؤال : نظراً إلى أن جميع أماكن الجنّة ومناطقها على شكل بساتين وحدائق نضرة ويانعة، فما معنى عبارة «في روضات الجنّات» ؟

   الجواب : يستفاد من العبارة أعلاه أنه مضافاً إلى دخولهم الجنّة فإنّ بساتين خاصّة تكون من نصيب هؤلاء المؤمنين.

   والنتيجة هي أن أوّل ثواب وامتياز للمؤمنين الذين يعملون الصالحات هو «روضات الجنّات».

   2 ـ «لَهُمْ ما يَشاءُونَ» فإنّ المؤمنين الذين يعملون الصالحات مضافاً إلى الإمتياز الأوّل وسكنهم في روضات الجنّات فإنّهم ينالون هناك كلّ ما يشاءون، وفي الحقيقة أننا لا نجد مسألة يمكن أن تتصور أعلى من هذا المعنى بالنسبة إلى النعم المادية، بحيث إن الإنسان ينال كلّ ما يريده ويطلبه.

   3 ـ «عِنْدَ رَبِّهِمْ» ويشمل هذا النِعم المادية والمعنوية في الجنّة، فمن حيث النِعم المادية فقد تقدّم أن المؤمنين الذين عملوا الصالحات يعيشون في أحسن الأحوال، ومن الجهة المعنوية

[ 135 ]

كذلك أيضاً لأنهم يعيشون مقام القرب الإلهي «عند ربّهم» وهو المقام الذي ذكر للشهداء في سورة آل عمران الآية 169، وأما المراد بعبارة «عند ربّهم»، وما هي البركات المترتبة على هذا المقام ؟ فغير معلوم لنا.

   «ذلِكَ هُوَ الْفَضلُ الْكَبيرُ» فبما أن هؤلاء المؤمنين يعيشون في أفضل الحالات المادية والمعنوية في روضات الجنّات فلذلك عبّر الله تعالى عن هذا المقام بأنه «فضل كبير»، وعندما يطلق الله تعالى هذه الكلمة على نعمة وموهبة من المواهب الإلهية يتبيّن من ذلك عظمة هذه النعمة والموهبة بحيث تفوق حدّ التصور.

   والنتيجة : أن معيار العبودية لله تعالى أمران : الإيمان والعمل الصالح، وعليه فإنّ الاُمور الاُخرى من قبيل العلم والثروة والقدرة والإعتبار الإجتماعي وأمثال ذلك لا تكون ذات قيمة إلاّ إذا قيست بهذا المعيار وتحرّك الإنسان معها في خطّ الإيمان والعمل الصالح.

   (ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلوُا الصَّالِحاتِ) ففي هذه الآية الشريفة تكرر القول بأن الاُمور المذكورة سابقاً «روضات الجنّات»، «لهم ما يشاءُون» و«عند ربّهم» هي مواهب يبشّر الله تعالى بها المؤمنين من ذوي الأعمال الصالحة لكي تساهم هذه البشارة في رفع ثقل الطاعة وتحمل المسؤولية وتمنح الإنسان قوّة في خط التصدي للأهواء والشهوات.

   ومع الإلتفات إلى ما ذكرنا أعلاه حول الآية الشريفة، نبدأ بشرح وتفسير آية المودّة :

 

الشرح والتفسير

مودّة أهل البيت، أجر الرسالة

   (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً) لاشكّ أن نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) تحمّل في طريق إبلاغ الرسالة ونشر الدعوة السماوية، أتعاباً كثيرة ومشقّات باهظة ولكنه بالرغم من ذلك لم يطلب أجراً مقابل هذه الأتعاب والمشقّات، وعندما جاءه بعض المسلمين وقالوا له : إذا كنت تشكو من فاقة ونقص مالي فإننا نضع بين يديك أموالنا بدون قيد أو شرط، فنزلت الآية أعلاه(1)


1 . التفسير الأمثل : سورة الشورى، الآية مورد البحث.

[ 136 ]

وأكدّت على أن النبي لا يريد أجراً في مقابل أداء الرسالة وتبليغ الدعوة.

   (إلاَّ الْمَودَّةَ فِي الْقربى) وهنا يستثني القرآن الكريم من الأجر شيئاً واحداً، وهو أن نبي الإسلام لا يطلب من المسلمين شيئاً بعنوان أجر الرسالة إلاّ «المودّة» لأقربائه وأرحامه.

   والنتيجة هي أن نبي الإسلام لم يطلب شيئاً بعنوان أجر في مقابل أتعابه وزحماته للإسلام والمسلمين سوى أمراً واحداً وهو «مودّة أقربائه وأرحامه».

 

من هم القربى ؟

   إنّ جميع الأبحاث التي تدور حول هذه الآية الشريفة تتركز على كلمة «القربى» وتفسيرها، فمن هم القربى في هذه الآية والذين طلب رسول الله من المسلمين مودّتهم ومحبّتهم بعنوان أجر الرسالة ؟

   بعض العلماء والمفسّرين مرّوا على هذه الآية مرور الكرام ولم يتعبوا أنفسهم في تدبّرها والتأمل فيها، ولعلّ ذلك لأنهم لم يجدوا فيها إنسجاماً مع تصوراتهم القبلية ومسبوقاتهم الفكرية، في حين أن الآية الشريفة عميقة المغزى، ولأجل أن ندرك عظمة هذه الآية بما فيها من معان عميقة علينا أن نستوحي ونستعين لهذا الغرض من الآيات القرآنية الاُخرى التي تتحدّث في هذه المسألة على لسان سائر الأنبياء (عليهم السلام).

   لو أمعنّا النظر في سورة الشعراء لرأينا أن مسألة أجر الرسالة قد طرحت قبل نبي الإسلام على لسان خمسة من الأنبياء العظام وهم : نوح، هود، صالح، لوط، وشعيب (عليهم السلام)، ولكن هؤلاء الأنبياء لم يذكروا في استغنائهم عن الأجر مسألة المودّة في القربى، حيث ذكروا جميعاً هذه المسألة بقولهم :

   (وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى رَبِّ الْعالَمِينَ)(1).

   وهنا يثار هذا التساءل : كيف لم يطلب هؤلاء الأنبياء أجراً في مقابل أداء الرسالة ولكن


1 . سورة الشعراء : الآيات 109، 127، 145، 164، 180. وقد ورد هذا المضمون في آيات اُخرى من القرآن الكريم على لسان الأنبياء الكرام.

[ 137 ]

رسول الإسلام طلب الأجر عليها بعنوان «المودّة في القربى» ؟

   هل أنّ مقام هؤلاء الأنبياء أعلى من مقام نبي الإسلام ؟

   بلا شكّ أن محمّد المصطفى أفضل من جميع الأنبياء، ولهذا ورد في القرآن الكريم أن كلُّ نبيٍّ من الأنبياء يأتي يوم القيامة شاهداً على اُمّته ولكنّ نبي الإسلام يأتي شاهداً على جميع هؤلاء الشهداء (فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِنْ كُلِّ اُمَّة بِشَهيد وَجِئْنا بِكَ عَلَى هؤُلاءِ شَهيداً)(1).

   والحقيقة أن هذه المسألة تزداد غموضاً وعمقاً، فكيف يطلب نبي الإسلام الذي هو أفضل الأنبياء الإلهيين أجراً على عمله في حين أن جميع الأنبياء لم يطلبوا أجراً من أقوامهم ؟

   الحقيقة أن الآية الشريفة تحتاج إلى مزيد من البحث والدقّة والتدبّر، رغم أن البعض قد تهاون في ذلك ومرّ عليها مرور الكرام ليمنع من يقظة الضمير ولئلاّ يبتلى بعذاب الوجدان.

   سؤال : ما هو غرض النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) من طلب هذا الأجر؟ هل أنه يهدف من طلبه هذا إرضاء مصالحه الشخصية، أو أنه يهدف من وراء ذلك إلى تحقيق غايات مقدسة اُخرى يعود نفعها على المسلمين أنفسهم ؟

   الجواب : وفي مقام الجواب على هذا السؤال نرى من الضروري أن نضع آيتين من القرآن الكريم إلى جانب آية المودّة لكي تفسّر الآيات بعضها بعضاً :

   1 ـ نقرأ في الآية الشريفة 47 من سورة سبأ :

   (قُلْ ما سَأَلْتُكُم مِنْ أَجْر فَهُوَ لَكُمْ إنْ أَجْرِيَ إلاّ عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهيدٌ).

   هذه الآية الشريفة توضح بعض الإبهام في آية المودّة حيث يتّضح أن نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله)لم يطلب أجراً من قومه كما هو حال سائر الأنبياء، إلاّ أن مسألة «المودّة في القربى» في الحقيقة تعود للناس أنفسهم.

   2 ـ ونقرأ في الآية 57 من سورة الفرقان والتي هي في الحقيقة مفسّرة للآية 47 من سورة سبأ حيث تبيّن الفائدة والنفع من «المودّة في القربى» :

   (قُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّه سَبيلاً).


1 . سورة النساء : الآية 41.

[ 138 ]

   فالآية السابقة بيّنت على أن أجر الرسالة لم يكن بدافع المصلحة الشخصية للنبي (صلى الله عليه وآله)، بل يعود النفع فيها للناس، وهذه الآية الشريفة تبيّن أن مسألة أجر الرسالة يستوحي مقوّماته من استمرار الأهداف الإلهية من الرسالة، وفي الحقيقة أن النفع يعود إلى أصل الدين.

   النتيجة هي أن مسألة «أجر الرسالة» لم يكن يقوم على أساس النفع الشخصي لنبي الإسلام بل كان النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) كسائر الأنبياء في عدم طلبه الأجر الشخصي من الناس، ولكنّ أجر الرسالة المذكور في آية المودّة هو في الحقيقة باعث على استمرار الرسالة ودوام الدين، ومع الإلتفات إلى هذه الحقيقة وهي أن «مودّة القربى» لها هذا الإعتبار الكبير بحيث تمثّل عاملاً مهماً لاستمرار الرسالة، فهل يصحّ التعامل مع هذه الآية الشريفة من موقع عدم الإهتمام بالتدبّر فيها حذراً من انقلاب الآراء والأفكار المسبقة ؟

 

تفسير «القربى» في نظر الشيعة

   يتفق علماء الشيعة على أن المراد من «القربى» في هذه الآية الشريفة هم أهل بيت النبوّة (عليهم السلام)، ولاشكّ أن «الولاية» هي استمرار للرسالة وعدل النبوّة، ولهذا فإنّ هذا الأجر «مودّة القربى» ينسجم مع الرسالة، مضافاً إلى أن الولاية تقود الناس في خطّ الإيمان والتقوى والإنفتاح على الله تعالى.

   إذا فسّرنا آية المودّة وفقاً لما ذكره علماء الشيعة ومفسّروهم فسوف يتّضح جيداً المعنى الكامل في آية المودّة مضافاً إلى الآيات الاُخرى المتعلقة بها، وسوف يتبين أن الإرتباط فيما بينها هو ارتباط منطقي وصحيح، والملفت للنظر أن دعاء الندبة الذي هو في الحقيقة دورة كاملة من المعارف الإلهية المشحونة بالولاية يذكر في مضامينه الآيات الثلاث المذكورة آنفاً، ويستنتج منها نتيجة مهمة ويتّضح أن الأئمّة هم الطرق والوسائل إلى الله تعالى والذين يقودون الناس إلى رحمة الله ورضوانه.

 

[ 139 ]

نظرات أهل السنّة في معنى «القربى»

   وقد ذكر أهل السنّة تفاسير مختلفة لهذه المفردة القرآنية لا تنسجم كلّها مع الآية الشريفة، وإليك بعض النماذج منها :

   1 ـ قيل إن المراد من «القربى» هو محبة أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) ومودتهم ولكن من دون الولاية والإمامة والخلافة، أي الإكتفاء بالإرتباط العاطفي والعلاقة الظاهرية فقط بأهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله).

   ولكن هل يمثل هذا المعنى والمفهوم من المودّة عدلاً للرسالة ؟

   هل أن المحبة العاطفية فقط وبدون الولاية والإمامة يمكنها أن تكون أجراً للرسالة وبمثابة العدل لها ؟

   مضافاً إلى ذلك كيف يطلب نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) أجر الرسالة بالمعنى الذي ذكروه لها، في حين أن جميع الأنبياء السابقين لم يطلبوا من أقوامهم مثل هذا الأجر بل كانوا يطلبون أجرهم من الله تعالى ؟ وعليه فإنّ مثل هذا التفسير لا يمكن قبوله.

   2 ـ وذهب آخرون إلى أن المراد من «القربى» هو الأعمال الصالحة التي تقرب الإنسان من الله تعالى، وعليه فإنّ «المودّة في القربى» تعني العشق والشغف بالأعمال الحسنة والرغبة في الصلاة، الصوم، الحجّ، الجهاد، صلة الرحم، احترام الكبار وأمثال ذلك، فهذه الأعمال الصالحة والسلوكيات الحسنة هي التي تمثل أجر الرسالة.

   3 ـ وذهب البعض إلى أن كلمة «في» الواردة في هذه العبارة بمعنى «اللام»، وفي هذه الصورة يكون معنى الآية هو «أن أجر رسالتي وما عملته في تبليغ الرسالة الإلهية لكم هو أن تحبونني لأنني من أرحامكم وأقرباءكم» ثمّ ذكروا شجرة النسب للنبي (صلى الله عليه وآله) وتفاصيل ارتباطه النسبي مع قريش لبيان مقصودهم بحيث تبيّن أن جميع القبائل العربية يرتبطون بشكل أو بآخر مع النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله)في النسب.

   ولكن هذا التفسير واضح البطلان لأنه :

   أوّلاً : إن استعمال «في» بمعنى «اللام» قليل جداً ونادر في لغة العرب وليس هناك دليل وشاهد على أن المراد من العبارة المذكورة هو هذا المعنى.

[ 140 ]