فهل أن قوله «عليكم أن تحبونني ولا تؤذونني لأنني من أقربائكم» يمثل عدل الرسالة ؟

   ألا يكون مثل هذا التفسير باعثاً على هبوط المعنى السامي للآية الشريفة ؟

   4 ـ والتفسير الآخر الذي هو أوهن من التفسير السابق هو أن يقال : إنّ المراد من الآية الشريفة هو «المودّة في قرباكم وأن أجر رسالة النبي هو أن تحبّوا أقرباءكم وأرحامكم».

   الإنسان يجد في نفسه رغبة شديدة في عدم تصديق وجود مثل هذا التفسير لدى هؤلاء العلماء، ولكنّ مع الأسف نجد البعض يصرّحون بذلك.

   إنّ بطلان هذا الرأي هو أوضح من أن يحتاج إلى كلام، فهل أنّ مودّة الأقرباء للإنسان المسلم تمثل عدل للرسالة ؟ وهل أن مودّة الأقرباء تعتبر استمراراً للنبوّة ؟

   أجل، عندما نتعامل مع الآيات الشريفة بسذاجة وسطحية ونحكّم المسبوقات الفكرية عليها فسوف نبتلي بمثل هذه الأخطاء والتفاسير التعسفية.

   فهل أن هذا التفسير والتفسير السابق يتناسب وينسجم مع الآية الشريفة، أو أن كلّ إنسان له اطلاع قليل على لغة العرب وبلاغتهم سوف يلتفت إلى عدم انسجام مثل هذه التفاسير مع الآية الشريفة ؟ ولهذا السبب فإنّ هؤلاء العلماء أنفسهم اعترفوا أن هذه التفاسير مجازية وغير حقيقية، أو أنها من قبيل الإستثناء المنقطع وهو أيضاً بدوره نوع من المجاز.

   لماذا نفسّر الآية القرآنية بشكل يوقعنا في هوة المعاني المجازية وغير الحقيقية ؟

   لماذا لا نفسر المودّة في القربى بمعنى الولاية والإمامة والذي ينسجم تماماً مع الآية محل البحث وسائر الآيات المتعلّقة بها ؟

 

اعتراف مفروض

   ومن عجائب الأيّام أن الكثير من مفسّري أهل السنّة رووا حديثاً مفصّلاً عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) في ذيل هذه الآية الشريفة حول محبّة أهل البيت ومودتهم، بحيث إنّ الإنسان

[ 141 ]

عندما يقرأ هذا الحديث الطويل والجذّاب ويتفكر قليلاً في مضامينه السامية ومعانيه الراقية يمتلكه العجب والحيرة من تلكم التفاسير الجوفاء والبعيدة عن روح الآية الشريفة وأجواءها.

   وهنا ننقل ما أورده الفخر الرازي في تفسيره من الحديث النبوي حيث يقول :

   «نَقَلَ صاحِبُ الكَشّافِ(1) عَنِ النَّبِيِّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) قوله (ثمّ يورد اثني عشر فقرة جذّابة وعميقة المضامين في هذا الحديث الشريف).

   1 ـ مَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّد ماتَ شَهيداً.

   فهل أن مثل هذه المحبّة هي محبّة عادية وطبيعية وفارغة من الولاية والإمامة ؟

   إذا كانت كذلك فهل يعقل أن يكون هذا المحبّ في صفوف الشهداء ؟

   أو أن المراد من هذه المحبّة هي الحالة التي تدفع الإنسان في مدارج الكمال والمعنويات إلى أن يصل إلى مرتبة الشهداء، وهي المحبّة المشروطة بالولاية والإمامة ؟

   2 ـ أَلا وَمَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّد ماتَ مَغْفُوراً لَهُ.

   ما هي هذه المحبّة التي تعمل على تطهير الإنسان من الذنوب والآثام بحيث أنه عندما يحين أجله فإنه سيموت طاهراً من كلِّ ذنب وستغفر له جميع الذنوب والمعاصي ؟ هل أن مثل هذه المحبّة والمودّة هي محبّة اعتيادية ؟

   3 ـ أَلا ومَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمّد ماتَ تائِباً.

   أي أن هذه المحبّة تقع بديلاً للتوبة، فلو أن الإنسان لم يوفق للتوبة من الذنوب في هذه الدنيا وكان محبّاً لأهل البيت فإنه يموت كما يموت التائب من الذنوب، فما هي حقيقة هذه المحبّة ؟

   4 ـ أَلا وَمَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّد ماتَ مُؤْمِناً مُسْتَكْمِلَ الاْيمانِ

   فهل يعقل أن يرتبط الإنسان بأهل البيت (عليهم السلام) برابطة اعتيادية وطبيعية ثمّ يفضي ذلك إلى كمال الإيمان ؟

   من المسلّم وجود مضمون عميق في هذه الكلمات بحيث يؤدي بالإنسان إلى الترقّي


1 . جاءت هذه الرواية في تفسير الكشّاف : ج 4، ص 220 و 221.

[ 142 ]

والسير في خطّ الإيمان والتقوى ليصل بالتالي إلى أعلى مرتبة منه.

   5 ـ أَلا وَمَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمّد بَشَّرَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ بِالْجَنَّةِ ثُمَّ مُنْكِرٌ وَنَكيرٌ

   ونتساءل : ما هذه المحبّة والمودّة التي تسبب في أن ينال الإنسان البشارة بالجنّة عند موته ؟

   6 ـ أَلا وَمَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمّد يُزِفُّ إلَى الْجَنَّةِ كَما تُزِفُّ الْعَرُوسُ إلى بَيْتِ زَوْجِها

   أي سوف يقاد إلى الجنّة باحترام فائق وتقدير كبير، أجل فإنّ إكسير محبّة آل محمّد (عليهم السلام)له مثل هذه الآثار والمعطيات العجيبة.

   7 ـ أَلا وَمَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّد فُتِحَ لَهُ فِي قَبْرِهِ بابانِ إلَى الْجَنَّةِ

   سؤال : لماذا يفتح له بابان إلى الجنّة ؟

   الجواب : لعلّ إحداهما ببركة النبوّة والاُخرى ببركة الولاية والإمامة.

   8 ـ أَلا وَمَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمّد جَعَلَ اللهُ قَبْرَهُ مَزارَ مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ

   هل يعقل أن تكون المحبّة العادية سبباً في تحويل قبر المؤمن إلى مزار للملائكة ؟

   9 ـ أَلا وَمَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمّد مات عَلَى السُّنَّةِ وَالْجَماعَةِ

   في هذه العبارات المذكورة أعلاه، نرى بوضوح آثار المحبّة والمودّة لأهل البيت، ثمّ إن الحديث الشريف يذكر ثلاث عبارات اُخرى تتحدّث عن العاقبة السيئة لبغض وعداوة أهل البيت (عليهم السلام).

   10 ـ أَلا وَمَنْ ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّد جاءَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ

   إنّ من يعيش البغض لآل محمّد (صلى الله عليه وآله) من شأنه أن يهوي إلى أسفل درجات الشقاء بحيث يكون آيس من رحمة الله.

   11 ـ أَلا وَمَنْ ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّد ماتَ كافِراً

   هذا الأثر السيىء لبغض آل محمّد هو أسوأ مما قبله.

   12 ـ أَلا وَمَنْ ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّد لَمْ يَشُمَّ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ

[ 143 ]

   والجدير بالذكر أن رائحة الجنّة كما ورد في بعض الروايات تصل إلى مسافة ألف عام(1).

   وطبقاً لهذه الرواية الشريفة فإنّ معنى العبارة أعلاه أن الشخص الذي يعيش حالة البغض لآل محمّد ليس فقط أنه يكون محروماً من دخول الجنّة، بل سوف يبتعد عنها بمسافة 500 عام بحيث لا يتمكن من شم رائحتها، والخلاصة أن مثل هذا الشخص بعيد عن الجنّة جداً.

   كيف يستطيع الإنسان أن يصدّق بأن عالماً كبيراً مثل الفخر الرازي يروي هذه الرواية الجميلة والعميقة المضمون والمحتوى وبكلّ هذه المعطيات المهمة والآثار الجليلة ثمّ يفسّر المحبّة والمودّة ومن دون التدبّر في هذه المضامين بالمحبّة الظاهرية والعاطفة الطبيعية ؟ والأعجب من ذلك أنه بعد أن نقل الرواية المذكورة آنفاً شرع بتوضيح المراد من آل محمّد (عليهم السلام) الذين هم محور هذه الرواية فقال :

   «هذا هو الذي رواه صاحب الكشاف وأنا أقول : آل محمّد صلّى الله عليه وسلم هم الذين يؤول أمرهم إليه، فكلّ من كان أمرهم إليه أشدّ وأكمل كانوا هم الآل، ولا شك أن فاطمة وعلياً والحسن والحسين كان التعلق بينهم وبين رسول الله صلّى الله عليه وسلم أشدّ التعلقات وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر»(2).

   من الملفت للنظر هو أن هذه العبارات ذكرها عالم سنّي متعصب، والمفهوم من هذه الكلمات هو أقرب ما يكون إلى ما يقوله الشيعة بحيث إنني عندما كنت أقرأ هذه الكلمات شككت في لحظة أن هذا الكتاب الذي أقرأه هل هو من تفاسير السنّة أو الشيعة ؟ فلعلني أقرأ تفسيراً لأحد علماء الشيعة، ولكن عندما نظرت إلى الغلاف انتبهت إلى أنني أقرأ تفسير الفخر الرازي.

   سؤال : نظراً لما ورد في متن آية المودّة وكذلك ما ورد في الآيات الاُخرى المرتبطة بها


1 . ميزان الحكمة : الباب 553، ح 2585. يقول الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) في هذا لرواية :

«أخبرني جبرئيل أن ريح الجنّة توجد من مسيرة ألف عام، ما يجدها عاق، ولا قاطع رحم، ولا شيخ زان...».

2 . تفسير الفخر الرازي : ج 27، ص 165 و 166. وأصل الرواية في تفسير القرطبي : ج 8، ص 5843 وكذلك نقلت في تفسير الثعلبي، ذيل الآية محل البحث.

[ 144 ]

وبالتأمل والدقّة في الرواية الشريفة المذكورة آنفاً، هل يعقل أن تكون المحبّة والمودّة التي هي محور البحث في الآية الكريمة والرواية الشريفة يراد منها المحبّة العادية بدون الولاية والإمامة ؟

   ألا يمكن أن نقطع ونتيقن بأن المراد من المودّة هنا هو الولاية والإمامة التي هي استمرار للرسالة وعدل النبوّة ؟

   لولم يكن كذلك فما هو التفسير المناسب الذي يمكن بواسطته تفسير الآيات والروايات المذكورة في محل البحث ؟

   علينا أن نشكر الله تعالى على ما وفقنا لمحبّة وولاية أهل البيت (عليهم السلام) وكذلك نشكر والدينا اللذين غرسا في قلوبنا ولاية آل محمّد (عليهم السلام).

 

تفسير المودّة في كلمات الإمام الصادق (عليه السلام)

   ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله :

   «ما أَحَبَّ اللهَ مَنْ عَصاهُ»(1).

   وعلى هذا الأساس فإنّ الإنسان الذي يتحرّك في سلوكه الفردي والإجتماعي من موقع المخالفة للإمام علي (عليه السلام) فإنه لا يحبّه قطعاً، ولهذا فإنّ المحبّة الحقيقية هي التي تقود الإنسان في خط الطاعة والعبودية لله تعالى، ولهذا السبب نقول أن المحبّة والمودّة بدون الإتباع العملي والطاعة والعبودية هي أساساً ليست بمحبّة حقيقية ومودّة واقعية.

   وهنا نلفت النظر إلى هذه القصة :

   كان «حاجب» أحد الشعراء الماهرين ويتمتع بقريحة جيدة وصفاء قلب، وأحياناً كان يقوم بنضم بعض الأبيات الشعرية على مذاق العوام، وفي أحد الأيّام أنشد قصيدة في وصف التعلّق بأميرالمؤمنين علي (عليه السلام) وقال :


1 . روضة المتّقين : ج 13، ص 156.

[ 145 ]

يا حاجب إذا كانت المعاملة في الحشر مع علي *** فأذنب ما شئت فإني ضامن

   أي أن حبّ عليّ (عليه السلام) كافل للنجاة يوم القيامة حتّى لو غرق الإنسان في بحر الذنوب، وبهذا تكون المحبّة للإمام عليّ (عليه السلام) كما وردت في الشعر أعلاه بمثابة ضوء أخضر للمذنبين ليرتكبوا ما يشاؤون من الذنوب والمعاصي.

   وفي نفس الليلة رأى هذا الشاعر الإمام علي (عليه السلام) في عالم الرؤيا فقال له الإمام (عليه السلام) :

   ـ يا حاجب ما هذا الشعر الذي قلته ؟

   فقال حاجب : وكيف أقول ؟

   فأصلح له الإمام هذا البيت من الشعر وقال :

يا حاجب إذا كانت المعاملة في المحشر مع عليّ *** فأخجل من علي وقلل من الذنب

   وعليه فإنّ المحبّة والمودّة هنا بمعنى التحرّك في خطّ الطاعة والرسالة والتقوى والإبتعاد عن الذنوب.

 

تفسير آية المودّة من خلال الروايات

   لقد وردت في شرح وتفسير هذه الآية الشريفة روايات مختلفة من طرق الشيعة والسنّة، وفيما يلي نماذج من هذه الروايات :

   1 ـ نقل «أحمد» من كبار علماء أهل السنّة في كتابه «فضائل الصحابة» عن سعيد ابن جبير عن عامر هذه الرواية :

   لَمّا نَزَلَتْ (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلاَّ الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبى ) قالُوا : يا رَسُولَ اللهِ ؟ مَنْ قَرابَتُكَ ؟ مَنْ هؤُلاءُ الَّذِينَ وَجَبَتْ عَلَيْنا مَوَدَّتُهُمْ ؟ قالَ : عَلِيٌّ وَفاطِمَةُ وَابْناهُما، وقالَها ثَلاثاً.(1)


1 . احقاق الحقّ : ج 3، ص 2. وذكرت هذه الرواية أيضاً في الدرّ المنثور : ج 6، ص 7.

[ 146 ]

   ونستوحي من هذه الرواية الشريفة عدّة اُمور :

   الأوّل : إنّ الرواية أعلاه تصرّح بأن المراد من القربى في هذه الآية هم أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)لا النبي نفسه ولا أقرباء المسلمين ولا مطلق الأعمال الصالحة والخيّرة.

   مضافاً إلى أن كلمة القربى هنا لا تستوعب جميع أقرباء النبي (صلى الله عليه وآله)، بل تتحدّد بأشخاص معدودين ذُكرت أسماءهم في هذه الرواية.

   الثاني : ونستوحي أيضاً أن هذا السؤال والإستفهام عن القربى كان يدور في أذهان الصحابة أيضاً ولذلك لم يتوجّهوا صوب الإحتمالات الواهية التي ذكرها بعض علماء أهل السنّة بل فهموا بصورة مباشرة من المودّة هنا هي مودّة أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)، وكذلك أدركوا أن الآية لا تقصد بالقربى جميع أقرباء النبي (صلى الله عليه وآله) ولذلك طلبوا من النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أن يحدّد لهم هؤلاء الذين وجبت مودّتهم.

   الثالث : أن أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) فهموا من هذه الآية وجوب المودّة والمحبّة للقربى كما ذهب إليه جميع علماء الشيعة وكذلك أهل السنّة أيضاً، ومع غض النظر عن التفاسير الواردة في كلمة «القربى» فإنّهم يرون وجوب مودّة أهل البيت (عليهم السلام)ومحبتهم، ولكن نكرر السؤال هنا وهو : لماذا وجبت محبّة أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) ؟

   هل أن هذه المسألة حال بعض الأحكام الشرعية التي لا ندرك مغزها وفلسفتها، أي من قبيل الاُمور التعبدية ؟ أو ليست كذلك بل الغرض منها واضح وهو أن هذه المحبّة تقع مقدمة لسلوك الإنسان في خط الإطاعة لهؤلاء العظماء واتباعهم ؟

   إذا أردنا أن يكون لدينا تفسير صحيح لآية المودّة وسائر الآيات المرتبطة بها بالإستعانة بالرواية المطوّلة التي ذكرها الفخر الرازي والرواية المذكورة آنفاً والروايات التي ستأتي لاحقاً، لوجد القوم بأن الحكمة في هذه المحبّة والمودّة هي ما يقود الإنسان نحو الولاية والحكومة والخلافة، الولاية التي تقع رديفاً للرسالة وعدلاً للنبوّة، فكما أن الرسالة هي عماد الإسلام فكذلك الولاية هي أساس قوامها واستمرارها.

   ولاسيّما إذا التفتنا إلى هذه الحقيقة، وهي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالرغم من وجود أقرباء وأرحام مثل العبّاس وأولاده وكذلك أولاد أبي طالب وسائر أبناء عبدالمطلب وأحفاده

[ 147 ]

فإنه أشار بالتحديد إلى عليّ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، فهذا يمكنه أن يكون قرينة قويّة على أن المراد بالمودّة هنا هي الولاية والإمامة، حيث إنّ المحبّة العادية تشمل جميع أقوام النبي ويجب على الإنسان مودّتهم أجمع.

   2 ـ أورد المرحوم الطبرسي في «مجمع البيان» عن الحاكم الحسكاني في «شواهد التنزيل» نقلاً عن أبي امامة الباهلي الرواية التالية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)ونقرأها أيضاً في مضمونه في دعاء الندبة حيث يقول :

   «إنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ الاَنْبياءَ مِنْ أَشْجار شَتّى وَخَلَقَ أَنَا وَعَلِيّاً مِنْ شَجَرَة واحِدَة فَاَنَا أَصْلُها وَعَلِيٌّ فَرْعُها وَفاطِمَةُ لِقاحُها وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ ثِمارُها وَأَشْياعُنا أَوْراقُها، فَمَنْ
تَعَلَّقَ بِغُصْن مِنْ أَغْصانِها نَجا وَمَنْ زاغَ عَنها هَوى وَلَوْ أَنَّ عبداً عَبَدَ اللهَ بَيْنَ الصَّفا وَالْمَرْوَةِ اَلْفَ عام ثُمَّ اَلْفَ عام ثُمَّ اَلْفَ عام حَتَّى يَصيرَ كَالشَّنِّ الْبالي
(1) ثُمَّ لَمْ يُدْرِكَ مَحَبَّتَنا كَبَّهُ اللهُ عَلى مِنْخَرَيْهِ فِي النّارِ ثُمَّ تَلا : (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى).(2)

   في هذه الرواية الشريفة ننلاحظ عدّة نقاط :

   الأوّل : إنّ هذه الرواية أيضاً تصرّح بأن «المودّة بالقربى» هي مودّة أهل البيت الطاهرين (عليهم السلام)، وتدلُّ بصورة جليّة وبتعبيرات مثيرة جدّاً على أن هذه المحبّة والمودّة ليست اعتيادية بل هي المحبّة التي تفضي إلى الولاية والخلافة.

   الثاني : إنّ الرواية المذكورة آنفاً ترسم في الحقيقة معالم «الشجرة الطيبة»(3) الواردة في القرآن الكريم، وأحد تفاسير الشجرة الطيبة يماثل في مضمونه ما ورد في هذه الرواية.

   الثالث : إنّ أوراق الأشجار تقوم بحفظ وحراسة الثمار، فلو لم تكن للشجرة أوراق فإنّ الثمار ستتعرض للذبول في مقابل أشعة الشمس وسائر الآفات المحتملة.


1 . «شنّ» تعني القربة البالية، والعرب يطلقون على جميع الآنية والظروف المصنوعة من الجلد (شن)، ولكن تطلق هذه الكلمة على (القِربة العتيقة) خاصة، والبالي يعني العتيق، وعليه فالمراد من هذه العبارة أن الشخص قد يصير بسبب كثرة العبادة وطول العمر والعجز الشديد كالقِربة البالية الفارغة من الماء.

2 . مجمع البيان : ج 9، ص 28.

3 . سورة إبراهيم : الآية 24.

[ 148 ]

   إنّ وظيفة الشيعة وفقاً لهذه الرواية الذين يمثّلون أوراق هذه الشجرة الطيبة هي حفظ وحراسة الثمار الطيبة لهذه الشجرة، أي الإمامة والولاية والزعامة.

   الرابع : ويستفاد من هذه الرواية أيضاً أن العبادة بين الصفا والمروة لها شأن خاص لا يوجد في سائر أماكن المسجد الحرام، ولكن حتّى هذه العبادة في هذا المكان المقدّس لا تساوي شيئاً بدون الولاية.

   الخامس : نكرر أيضاً أنه لو كان المراد من المحبّة في هذه الرواية وسائر الروايات المشابهة هي المحبّة العادية فإنّ هالة من الإبهام والغموض ستحيط بجميع هذه الأحاديث والروايات، ولكن إذا فسّرنا المودّة هنا بالولاية والإمامة فسيرتفع ذلك الغموض ويتّضح المعنى بصورة جليّة.

   3 ـ يروي السيوطي في «الدرّ المنثور» رواية معروفة عن الإمام زين العابدين حيث يقول : «عندما أنزلوا اسارى كربلاء في مكان من المسجد الجامع جاء شيخ ودنا من نساء الحسين وعياله فقال : الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم وأراح البلاد من رجالكم وأمكن أميرالمؤمنين (يزيد) منكم. فقال له علي بن الحسين (عليهما السلام) :

   ـ يا شيخ هل قرأت القرآن ؟

   قال : نعم.

   قال : فهل عرفت هذه الآية (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المَوَدَّةَ في الْقُربى )؟

   قال : نعم.

   قال علي : فنحن أهل القربى يا شيخ.

   قال : فبكى الشيخ ساكتاً نادماً على ما تكلم به وقال : بالله إنكم هم ؟ فقال عليّ ابن الحسين : تالله إنا لنحن من غير شك وحقّ جدّنا رسول الله...»(1).

   إنّ مجموع هذه القرائن والشواهد تدلُّ على أن المودّة المذكورة في الآية الشريفة والروايات المتعلّقة بها لا يمكن أن تكون مودّة عادية ومحبّة بمعنى التعلّق العاطفي فقط.


1 . الدرّ المنثور : ج 6، ص 7; اللهوف : ص 176.

[ 149 ]

ملاحظات مهمة

   1 ـ وفقاً لبعض آيات القرآن الكريم فإنّ المحبّة يجب أن تقود الإنسان للطاعة والعبودية، حيث يقول تبارك وتعالى في الآية 31 من سورة آل عمران :

   (قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُوني يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحيمٌ).

   وعلى هذا الأساس فإنّ الإنسان إذا أحبّ شخصاً وجب عليه إطاعته، ونحن عندما ندّعي محبّة أهل البيت (عليهم السلام) يجب علينا اتباعهم واطاعتهم وإلاّ فإنّ إدّعاءنا المحبّة والمودّة لا يكون صادقاً، وسنتطرق لاحقاً إلى شرح أكثر حول معطيات هذه الآية الشريفة.

   2 ـ تقدّم أن آية المودّة تدلُّ مع قطع النظر عن جميع الروايات والآيات الاُخرى على ولاية وإمامة أميرالمؤمنين والأئمّة المعصومين (عليهم السلام) ومع الأخذ بنظر الإعتبار الروايات الواردة في شأن نزولها فإنّ دلالتها ستكون أوضح بكثير، وإذا وضعنا هذه الآية إلى جانب الآيات الاُخرى المتعلّقة بالولاية مثل آية إكمال الدين، آية التبليغ، آية الصادقين وآيات مماثلة اُخرى فإنّ دلالتها ستكون واضحة جدّاً.

   3 ـ أما الآلوسي المفسّر المعروف من أهل السنّة فقد ذكر إشكالين في تفسيره «روح المعاني» وقد اتّضح جوابهما من خلال الأبحاث السابقة، ولذلك سنكتفي هنا بذكر هذين الإشكالين فحسب :

   الف : كيف طلب رسول الله (صلى الله عليه وآله) من المسلمين محبّة ومودّة ذوي القربى بعنوانها أجر الرسالة في حين لم يطلب سائر الأنبياء مثل هذا الأجر من أقوامهم ؟

   والجواب على هذا السؤال كما تقدّم هو أن هذا الأجر يعود بالفائدة على جميع أفراد المجتمع الإسلامي لا على الرسول (صلى الله عليه وآله) نفسه.

   ب : لو سلّمنا بأن المراد من القربى هنا هم أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) والمفروض محبّتهم ومودّتهم، ولكن ما العلاقة بين هذه المودّة من جهة وبين الإمامة والخلافة من جهة اُخرى كما يدّعي الشيعة ؟

   والجواب على هذا السؤال أيضاً واضح، حيث إنّ أجر الشيء لابدّ وأن يماثله في القيمة

[ 150 ]

ويتطابق معه في الإعتبار، والمحبّة التي تفضي إلى الولاية والإمامة هي التي تنسجم وتتناسب مع الرسالة، وأما المحبّة العادية والفارغة من الولاية فلا شكّ أنها بعيدة عن مضمون الرسالة، وبما أننا نعتقد بأن الله تعالى حكيم ويجازي الأعمال بمثلها وبما يناسبها من الجزاء، وكذلك النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) حكيم أيضاً ولا يطلب إلاّ الأجر المناسب أيضاً، يكون المراد بلا شكّ من المحبّة مورد البحث هو الإمامة والولاية.

 

معطيات آية المودّة

   ماذا تعني المودّة المذكورة في الآية الشريفة بعنوان أجر الرسالة ؟

   وماذا يفهم من حبُّ علي (عليه السلام) وذريته الطاهرين (عليهم السلام) ؟

   وفي مقام الجواب ينبغي القول أن المحبّة والمودّة على نحوين :

   1 ـ المحبّة الكاذبة والزائفة.

   2 ـ المحبّة الحقيقية والواقعية.

   ومن أجل توضيح المطلب بصورة جليّة ينبغي التوغل إلى أعماق النفس ونرى الدافع لمثل هذه المحبّة والمودّة.

   فلماذا نحبّ الإمام علي ؟ هل لأجل أمواله، أو لأجل كمالاته الإنسانية والمعنوية، أو لأجل علمه، أو لشجاعته، أو لكرمه وتقواه، أو لإيثاره وتضحيته، أو لجهاده وحمايته النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)، أو لأجل اُمور اُخرى ؟

   إذا كنّا نحبّ الإمام علي لأجل القيم الأخلاقية والمثل الإنسانية التي كان يعتقد بها، فهل نشعر في أنفسنا باشعاعة من تلك القيم الرفيعة ؟ فإن لم نشعر بذلك فمثل هذه المحبّة والمودّة كاذبة وزائفة، وإن كانت فينا بارقة من هذه القيم والمُثل الإنسانية فإنّ المودّة هنا تكون حقيقية وواقعية.

   ينبغي أن نمتحن أنفسنا بهذا المعيار والملاك ونتحرك نحو تشخيص نوع المحبّة والمودّة فينا نحو الإمام علي بهذا المقياس لكي لا نعيش التوهم الزائف وندّعي كذباً حبُّ علي بن أبي طالب، ولو كنّا نعيش مثل هذه المحبّة الزائفة فعلينا تغييرها والسعي نحو التحلّي بالمحبّة من

[ 151 ]

النوع الثاني ونتحرك في سبيل تقويتها وترشيدها.

   إنّ أحد القيم التي كان أميرالمؤمنين (عليه السلام) ملتزماً بها بشدّة هي تقديم الضابطة على الرابطة، والمثال على ذلك هو قصّة الحديدة المحماة التي سمعتموها مراراً، ولكن لا بأس باستعراضها مرّة اُخرى :

   عندما وصلت الخلافة إلى الإمام علي (عليه السلام) بعد سنوات من السكوت والمظلومية والجلوس في البيت جاء إليه أخوه عقيل، وكان فقيراً ومعيلاً، من المدينة إلى الكوفة لعلّه يحصل على نصيب أوفر من بيت المال، وكان الإمام حينذاك يتناول عشاءه على سطح البيت لشدّة حرارة الجوّ في مدينة الكوفة ولكنّ عشاءه لم يكن شبيهاً بعشاء السلاطين والاُمراء ولذلك لم يشاركه عقيل في تناول العشاء وقال لأخيه :

   أعطني ما أقضي ديني وعجّل سراحي حتّى أرحل عنك، قال : فكم دينك يا أبا يزيد ؟ قال : مائة ألف درهم، قال : لا والله ما هي عندي ولا أملكها ولكن اصبر حتّى يخرج عطائي فاواسيكه ولولا أنّه لابدّ للعيال من شيء لأعطيتك كلّه، فقال عقيل : بيت المال في يدك وأنت تسوفّني إلى عطائك ؟ وكم عطاؤك ؟ وما عساه يكون ولو أعطيتينه كلّه ؟ فقال : ما أنا وأنت فيه إلاّ بمنزلة رجل من المسلمين. وكانا يتكلمان فوق قصر الأمارة مشرفين على صناديق أهل السوق فقال له علي : إن أبيت يا أبا يزيد ما أقول فأنزل إلى بعض هذه الصناديق فاكسر أقفاله وخذ ما فيه، فقال : وما في هذه الصناديق ؟ قال : فيها أموال التجار، قال أتأمرني أن أكسر صناديق قوم قد توكلّوا على الله وجعلوا فيها أموالهم ؟ فقال أميرالمؤمنين (عليه السلام) : أتأمرني أن أفتح بيت مال المسلمين فأعطيك أموالهم وقد توكلّوا على الله وأقفلوا عليها ؟ وإن شئت أخذت سيفك وأخذت سيفي وخرجنا جميعاً إلى الحيرة فإنّ بها تجاراً مياسير فدخلنا على بعضهم فأخذنا ماله، فقال : أوسارقاً جئت ؟ قال : تسرق من واحد خير من أن تسرق من المسلمين جميعاً(1).

   ثمّ إنّ الإمام علي (عليه السلام) أحمى حديدة وقرّبها من يد أخيه عقيل فلمّا رأى عقيل أن أخاه


1 . بحار الأنوار : ج 41، ص 113.

[ 152 ]

غير مستعد لخروج عن خطّ العدالة ولو للحظة واحدة نهض قائماً وغادر المكان.

   أين نجد في تاريخ البشرية أن سلطاناً مقتدراً وبيده اختيار الخزانة يتصرف مثل هذا التصرف مع أخيه من أجل حفظ العدالة ؟

   إلهنا، وفقّ المسؤولين في حكوماتنا الإسلامية ليكونوا مثل أمير الأحرار ويتحركوا في أداء مسؤولياتهم من موقع تقديم «الضوابط» على «الروابط».

 

مراتب المحبّة

   إنّ للمحبّة كما في سائر الاُمور مراتب متعدّدة ومراحل مختلفة، ومحبّة الناس لأميرالمؤمنين(عليه السلام) ليست بمرتبة واحدة، فبعضهم يعيش المحبّة الكاذبة فهي مجرد لقلقة لسان ولا تمتد بجذورها إلى القلب، والبعض الآخر تمتد محبّتهم إلى قلوبهم ولكنّها ليست عميقة الجذور بل سطحية، والطائفة الثالثة تمتد محبّتهم إلى أعماق قلوبهم بحيث تستوعب جميع وجودهم ونفوسهم وترسم معالم شخصيتهم بلون المحبوب، فسلوك مثل هؤلاء الأشخاص هو سلوك علوي، وكلامهم كلام علوي، وأخلاقهم أخلاق علوية، والخلاصة أن كلَّ وجودهم وأفعالهم وسلوكياتهم تفوح برائحة الإمام علي، وهذه أعلى مراتب المحبّة، المرحلة التي يجد الإنسان نفسه غير مستعد لأن يبادل هذه المحبّة بأيِّ شيء آخر بل يجد نفسه مستعداً للتضحية بنفسه من أجل هذه المحبّة والمودّة.

   وكمثال على هذه المحبّة الخالصة نذكر هذا النموذج :

 

ميثم التمّار، العاشق الخالص

   في أحد الأيّام قال الإمام علي (عليه السلام) لأحد عشاقه الذي كان يعيش الولاء المطلق له :

   ـ سوف تُصلب في المستقبل القريب بسبب دفاعك عني وحبّك لي فكيف يكون حالك حينئذ ؟

   ولكنّ هذا العاشق لم يتردد لحظة ولم يشعر بشيء من الخوف ولم يتهرب من المسؤولية والولاية بل أظهر السرور البالغ وقال : سيّدي أين المكان الذي سوف اُصلبُ فيه ؟

[ 153 ]

   فأشار الإمام علي (عليه السلام) إلى نخلة من نخيل الكوفة وقال : سوف تُصلب على جذع هذه النخلة.

   هذا العاشق الخالص لم يبتعد عن الإمام ولم يهرب من تلك المدينة ويترك أهله ودياره بل أزداد حبّاً وعشقاً للإمام علي.

   كان في كلّ يوم يتوجّه إلى تلك النخلة ويهتم بعنايتها وسقيها ويصلّي ركعتين عندها ويتحدّث معها حديث العاشق لمعشوقه :

   ـ أيتها النخلة لقد خُلقت لي وخلقت لك وسوف يصلب بدني على جذعك بسبب حبّي للإمام علي (عليه السلام)...(1) أين نحصل على مثل هذا الإنسان العاشق في تاريخ البشرية ؟

   وحان اليوم الموعود وتمّ صلب هذا العاشق على ذلك الجذع ولكنّ عشقه لمحبوبه لم يخفّ لحظة بل أزداد توهجاً واشتعالاً وشرع بذكر فضائل ومناقب الإمام علي (عليه السلام) حتّى أن الأعداء لم يتحملوا منه ذلك وأمروا بقطع لسانه وهكذا ضحّى بنفسه في سبيل مراده.

   سؤال : أليست التقية واجبة في نظر الإسلام ؟ إذن فلماذا لم يستخدم هؤلاء الأشخاص عنصر التقية للمحافظة على أنفسهم واجتناب إلقاء أنفسهم في التهلكة ؟

   الجواب : إنّ التقية كما هي واجبة في بعض الموارد فكذلك تكون حراماً في موارد اُخرى، فعندما يتعرض أساس الدين والمذهب للخطر وتسود الظلمة والإنحراف جميع أرجاء المجتمع الإسلامي ويتعرض الأحرار للسجن والقتل فحينذاك يجب على من يتمكن من إيصال صوته إلى الناس أن يفضح قوى الإنحراف هذه ويتصدى بكلّ وسيلة لجهاز الحكم، وفي هذه الصورة فإنّ التقية ليست فقط غير واجبة بل إذا تستر الإنسان المسلم بالتقية فإنه يكون قد ارتكب معصية كبيرة.

—–