مضافاً إلى ذلك أن التوسل بالخشب والحجر لا يعود على الإنسان إطلاقاً بالنفع والضرر، وهذا المعنى لا يقبل القياس بالتوسل بالإمام والنبي والقرآن والتقرّب بهم إلى الله تعالى، والنتيجة هي أن التوسل لا يتنافى مع توحيد الذات ولا توحيد الصفات ولا التوحيد في العبادة. إذن فما هو مقصود الوهابيين من قولهم بأن التوسل شرك ؟ وما هي المرتبة من مراتب التوحيد التي يرون أنها تتنافى مع التوسل ؟

   الجواب : الظاهر أن مقصود الوهابيين من أن التوسل شرك هو أنه يتنافى مع التوحيد الأفعالي، لأن الشخص الذي يتوسل بالنبي أو الإمام ويطلب منه حلّ مشكلته فإنه يرى أن غير الله تعالى له تأثير في عالم الخلق، ونعلم أن التأثير منحصر بالله تعالى ولو أن الإنسان اعتقد بأن غير الله يمكنه أن يؤثر في عالم الوجود فهو نحو من أنحاء الشرك.

   والجواب على هذا الكلام هو أن الشيعة لا يرون للنبي والإمام والقرآن تأثيراً في عالم الخلقة في عرض الله تعالى، بل في طول القدرة الإلهية، ولا تكون قدرتهم مؤثرة إلاّ بإذن الله ومشيئته، وهذا المعنى لا يتنافى إطلاقاً مع التوحيد الأفعالي، نعم إذا قلنا إنّ النبي أو الإمام يؤثر في عالم الخلقة بالإستقلال «نعوذ بالله» فهذا هو الشرك، ولكن لا أحد يقول بهذا المعنى،

[ 200 ]

فعندما نقول أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) يشفع لنا عند الله ويتوسط في حلِّ مشكلاتنا ليكون الله
تعالى هو الذي يحلّ هذه المشكلة أو يشافي المريض أو يرزق الفقير فإنّ ذلك ليس من الشرك بل هو عين التوحيد.

   وبما أن هذا المعنى انعكس في دائرة المفاهيم القرآنية بوضوح فينبغي القول بأن هؤلاء الوهابيين لا يقبلون بالقرآن أيضاً، لأن الآية 49 من سورة آل عمران تردّهم ردّاً قاطعاً وتبطل إدعاءاتهم الفارغة واتهاماتهم الباطلة وذلك في قوله تعالى :

   (أَنّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَة مِنْ رَبِّكُمْ).

   فنرى أن عيسى (عليه السلام) يخاطب بني إسرائيل ويقول بانني بعثت رسولاً إليكم من قبل الله تعالى ومعي معجزة، ثمّ يذكر ثلاث معجزات :

   1 ـ (أَنّي اَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَانْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِاِذْنِ اللهِ).

   وهكذا نرى أن المسيح (عليه السلام) يقول بأنني أصنع لكم طيراً من طين ثمّ أنفخ فيه الحياة والروح فيتحول هذا التمثال الطيني إلى طائر حي بإذن الله، أي إنني لا أستطيع التأثير في هذه الأشياء في عرض قدرة الله ومشيئته بل إن قدرتي وتأثيري إنّما هي بإذن الله وليست مهمتي سوى أن أنفخ في هذا التمثال ليتحول إلى طائر فيه حياة وشعور بإذن الله.

   2 ـ (وَاُبْرِئُ الاَْكْمَهَ وَالاَْبْرَصَ وَاُحْيِ الْمَوْتى بِاِذْنِ اللهِ).

   المعجزة الاُخرى لعيس بن مريم (عليه السلام)هي شفاء المرضى المزمنين والأعمى والأبرص وإحياء الموتى، وطبعاً كلّ هذه الأعمال إنّما أقوم بها بمشيئة الله وإذنه ولا تتصوروا أنني إله أو ابن إله فلست سوى وسيلة لتحقيق هذه الأغراض، والمصدر الحقيقي هو الله تعالى، فإحياء الموتى وشفاء المرضى كلّها صادرة من ساحته المقدسة.

   3 ـ (وَاُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ).

   العلامة الثالثة لنبوّة عيسى ابن مريم انه كان يخبرهم بما لديهم من أطعمة وأغذية في بيوتهم ويخبرهم بما يأكلون من طعام وشراب كلُّ ذلك بتعليم الله تعالى.

   وهذه الآية الشريفة تمثل ردّاً حاسماً على من ينكر الولاية التكوينية أو ينكر مشروعية التوسل ويتصور بأن ذلك يتنافى مع التوحيد الأفعالي، وعليه فإذا نسبنا هذه الأفعال إلى غير الله تعالى واعتقدنا بأن الإنسان يمكنه أن يؤثّر في عالم الأسباب والمسببات بإذن الله

[ 201 ]

ومشيئته فإن هذا المعنى لا يتنافى مع التوحيد إطلاقاً.

التوسل في القرآن

   ومضافاً إلى ما تقدّم فهناك آيات قرآنية عديدة تذكر مسألة التوسل بصراحة وإليك بعض النماذج والأمثلة على ذلك :

   1 ـ نقرأ في الآية 97 من سورة يوسف قوله تعالى :

   (قالُوا يا اَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا اِنّا كُنّا خاطِئينَ).

   عندما وصل خبر يوسف وأنه في كامل الصحّة والعافية إلى أبيه واُخوته تحرّك الأخوة لجبران خطئهم واشتباههم من موقع التوبة والإستغفار وجاءوا إلى أبيهم وتوسطوا إليه ليستغفر لهم الله تعالى وجعلوه واسطتهم إلى الله تعالى ليغفر لهم شنيع فعلتهم، فأجابهم يعقوب بقوله :

   (سَوْفَ اَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّي اِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).(1)

   وطبقاً لهذه الآية الشريفة فإنّ أبناء يعقوب المذنبين توسلوا إلى أبيهم النبي وطلبوا منه أن يتوسط لهم إلى الله تعالى ليغفر لهم ويعفو عنهم، وعليه فلا إشكال في أن نتوسل بنبي الإسلام(صلى الله عليه وآله) أو الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) أو القرآن الكريم أو المقدسات الاُخرى ونجعلها واسطتنا إلى الله تعالى لطلب الفرج واستجابة الدعاء وأمثال ذلك.

   2 ـ ونقرأ في الآية 64 من سورة النساء :

   (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُول اِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّاباً رَّحيماً).

   إنّ الله تعالى في هذه الآية الشريفة يعلّم الناس طريق التوسل، وفي مقابل هاتين الآيتين


1 . سورة يوسف : الآية 98، والسبب في أن يعقوب لم ينفذ طلبهم في ذلك الوقت هو أن لكلّ شيء زمان خاص، والدعاء قد يستجاب في بعض الأوقات أسرع من غيرها، ولهذا أوكل يعقوب الدعاء لأبنائه إلى المستقبل، وقد ورد في بعض الروايات أنه كان يريد أن يدعو الله لهم في ليلة الجمعة وهو الوقت المناسب جدّاً لاستجابة الدعاء، والملفت للنظر أنه ورد في تفسير القرطبي، ج 6، ص 3491، أن يعقوب كان يقصد الدعاء في ليلة الجمعة التي تصادف ليلة عاشوراء.

[ 202 ]

من القرآن الكريم نرى أن الوهابيين يحرّمون ويمنعون التوسل، فما هو المسوغ لهم لهذا المنع ؟

التوسل بالعظماء والأولياء بعد وفاتهم

   إنّ الوهابيين يفتقدون إلى الجواب المنطقي في مقابل هذه الآيات القرآنية والبراهين العقلية ولذلك اضطروا إلى تعديل مواقفهم من مسألة التوسل وأجازوا التوسل بالنبي في حياته ومنعوه بعد وفاته.

   إنّ هؤلاء لم يلتفتوا إلى لوازم هذا الرأي، لأن ذلك يعني أن الشرك وفقاً لهذه العقيدة مباح في حياة النبي ولكنه حرام بعد وفاته، وبعبارة اُخرى أن لازم ذلك أن يكون الشرك على نحوين : 1 ـ الشرك المباح، 2 ـ الشرك المحرّم والممنوع.

   فهل سمعتم عالماً ينطق بمثل هذا الكلام ؟

   هل سمعتم أحد المسلمين يقول بأن الشرك مباح في بعض الأحيان ؟

   إنّ بطلان الشرك بمثابة قانون عقلي كلّي لا يقبل الإستثناء، ولكنّ الوهابيين هم طائفة متخلّفة فكرياً وعلمياً دون سائر المذاهب الإسلامية حيث لا يمكن قياسهم بعلماء دمشق ولا بعلماء الأزهر ولا بعلماء الشيعة وفضلاء الحوزات العلمية.

   مضافاً إلى ذلك نقول : كيف اختلف الحال بين وجود النبي على قيد الحياة وبعد الوفاة ؟ فرغم أن بدن النبي قد مات ودفن في التراب ولكن بدون شكّ أن روحه بعد خروجها من البدن الشريف ستكون أقوى على مستوى التأثير والإدراك.

   والقرآن الكريم يقرر الحياة البرزخية للشهداء ويقول في الآية 169 من سورة آل عمران :

   (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبيلِ اللهِ اَمْواتاً بَلْ اَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ).

   فعندما يكون الشهداء أحياءاً بعد موتهم ويتناولون الطعام عند ربّهم كما تقول الآية التي بعدها أنهم يشهدون أعمال أحبتهم ورفقاءهم في هذه الحياة الدنيا، فهل أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)الذي يتمتع بمقام أسمى بكثير من مقام الشهداء لا تكون له حياة برزخية ؟

   بلا شكّ أن النبي يعيش الحياة البرزخية في أعلى المستويات، ولذلك نرى أن المسلمين في ختام كلِّ صلاة يسلمون عليه ويقولون :

[ 203 ]

   «السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ».

   فلو لم يكن النبي حيّاً فلماذا هذا السلام، وعلى من يكون، وماذا يعني ؟

   النتيجة هي أن التوسل بالأولياء جائز في حال حياتهم وبعد موتهم، ولا فرق هناك بين موت هؤلاء وحياتهم في هذه المسألة.

 

التوسل في الروايات

   لقد ورد التوسل في روايات الفريقين الشيعة والسنّة بشكل واسع، ونشير هنا إلى بعض هذه الروايات الواردة في مصادر أهل السنّة :

   1 ـ ينقل البيهقي أحد علماء أهل السنّة عن أنس «الخادم الخاصّ للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)» قوله :

   جاء رجل من الأعراب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنشد يقول :

اَتَيْناكَ وَالْعُذْراءُ يُدْمِي لِبانَها *** وَقَدْ شَغَلَتْ اُمُّ الصَّبِيَّ عَنِ الطِّفْلِ

وَلَيْسَ لَنا اِلاّ اِلَيْكَ فِرارُنا *** وَاَيْنَ فِرارُ الْخَلْقِ اِلاّ اِلَى الرُّسُلِ

   فعندما سمع النبي (صلى الله عليه وآله) بحال هذا الرجل المؤلمة تأثّر كثيراً وتوجّه إلى المسجد وهو يجرّ بردائه من شدّة الهمّ والحزن، فصعد المنبر ورفع يديه للدعاء، وما زال يدعو حتّى نزل المطر ونجى الناس من القحط(1).

   فطبقاً لهذه الرواية فإنّ ذلك الأعرابي توسل في زمان حياة النبي (صلى الله عليه وآله) به، ولم يمنعه رسول الله(صلى الله عليه وآله) من ذلك أو ينهاه.

   2 ـ ويورد البخاري في كتابه رواية في هذا المجال، وهي أن الناس أصيبوا بالقحط في أيّام رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجاؤوا إليه يشكون إليه حالهم، فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فنزل المطر، فقال النبي(صلى الله عليه وآله) :


1 . كشف الإرتياب : ص 310، وللاطلاع على البحوث المتعلقة بصلاة الإستسقاء راجع كتابنا «تحقيق حول صلاة الإستسقاء».

[ 204 ]

   «لَوْ كانَ أَبُو طالِب حَيّاً لَقَرَّتْ عَيْناهُ»(1).

   وهذه الجملة من كلام النبي (صلى الله عليه وآله) إشارة إلى ما كان من النبي قبل البعثة من دعاء أبي طالب لنزول المطر وكان النبي يومذاك رضيعاً، فأخذه أبوطالب وأقسم على الله تعالى بحقّ هذا الطفل إلاّ ما أنزلت علينا المطر. فاستجيب دعاؤه ونجا الناس من الهلاك والقحط، ثمّ إن أبا طالب أنشد أبياتاً من الشعر مطلعها :

وَاَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمامُ بِوَجْهِهِ *** ثَمالُ الْيَتامى عِصْمَةٌ لِلاَْرامِلِ(2)

   والخلاصة أن الناس طبقاً لهذه الرواية كانوا قبل البعثة وبعدها يتوسلون إلى الله تعالى بالنبيّ الكريم (صلى الله عليه وآله) ولن يتحرك النبي الأكرم لمنعهم من هذا العمل بل إنه أثنى عليه بحيث إنه طلب من البعض أن يقرأوا أشعار أبي طالب التي قالها بمناسبة واقعة الإستسقاء فتكفل الإمام علي (عليه السلام) بهذه المهمة.

   3 ـ قال السمهودي أحد كبار علماء أهل السنّة في كتابه «وفاء الوفاء» عن مالك أحد أئمّة المذاهب الأربعة لأهل السنّة : ناظر أبو جعفر أميرالمؤمنين مالكاً في مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله)فقال مالك : يا أميرالمؤمنين لا ترفع صوتك في المسجد فإن الله تعالى أدب قوماً فقال :

   (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض أَن تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ)(3)، ومدح قوماً فقال : (إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوََتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ)(4)، وذمّ قوماً فقال : (إنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ)(5).

   فقال منصور : هذا كان في حياته لا بعد مماته.


1 . كشف الإرتياب : ص 310.

2 . كشف الإرتياب : ص 311.

3 . سورة الحجرات : الآية 2.

4 . سورة الحجرات : الآية 3.

5 . سورة الحجرات : الآية 4.

[ 205 ]

   فقال مالك : «حُرْمَتُهُ مَيِّتاً كَحُرْمَتِهِ حَيّاً».(1)

   وطبقاً لهذا الكلام فإن احترام النبي واجب في حال حياته وبعد مماته والتوسل به جائز أيضاً على أيّة حال.

   4 ـ وقد ذكر «ابن حجر» من علماء أهل السنّة المعروفين والإنسان المتعصب جدّاً في كتابه «الصواعق المحرقة» اعترافات مهمة لصالح الشيعة، ومن تلك الإعترافات ما أورده من شعر الإمام الشافعي حيث يقول :

آلُ النَّبيِّ ذَريعَتي *** وَهُمْ اِلَيْهِ وَسيِلَتِي

اَرْجُو بِهِمْ اُعْطى غَداً *** بِيَدِ الْيُمْنى صَحيفَتِي(2)

   النتيجة : أن التوسل بأولياء الدين والمقدّسات كالقرآن الكريم لا تتنافى إطلاقاً مع التوحيد الأفعالي، وقد ورد التمجيد والترغيب في القرآن والروايات الشريفة للمسلمين لمثل هذا العمل.

 

لا تجوز العبادة لغير الله

   سؤال : لقد قلتم أن العبادة خاصّة بالله تعالى ولا ينبغي عبادة غير الله لأن ذلك يحسب من الشرك في حين أننا نجد في بعض الآيات القرآنية أنها تتحدّث عن السجود لغير الله تعالى من قبيل :

   1 ـ ما ورد في قصة آدم وحواء عندما خلق الله آدم وأمر الملائكة بالسجود له :

   (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ اَجْمَعُونَ).(3)

   فلو كانت العبادة لغير الله تعالى شرك فلماذا ورد الأمر في هذه الآية الشريفة بالسجود لآدم ؟

   2 ـ وفي سورة يوسف عندما تحرك الاُخوة مع الوالدين من الصحراء متوجهين إلى مصر بعد أن علموا بحياة يوسف، حيث يحدّثنا القرآن الكريم عن اللحظة التي التقى فيها


1 . وفاء الوفاء : ج 1، ص 422 نقلاً من كشف الإرتياب : ص 317.

2 . الصواعق المحرقة نقلاً من كشف الإرتياب : ص 319.

3 . سورة الحجر : الآية 30 وسورة ص : الآية 73.

[ 206 ]

هؤلاء بالنبي يوسف وقال :

   (وَرَفَعَ اَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً).(1)

   فطبقاً لهذه الآية الشريفة فإنّ أبناء يعقوب سجدوا ليوسف، فلو كان السجود لغير الله شركاً، فكيف نفسر ما ورد في هذه الآية الشريفة ؟

   3 ـ عندما ورد بنو إسرائيل بيت المقدّس فإنّ الآية تذكر هذه الواقعة وأن بني إسرائيل سجدوا عند ورودهم المعبد في بيت المقدّس كما نقرأ ذلك في الآية 58 من سورة البقرة :

(وَإذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمحْسِنِينَ).

   والخلاصة أن هذه الآيات الثلاث تتحدّث عن السجود لغير الله فكيف يتناغم ذلك مع التوحيد في العبادة ؟

   الجواب : تقدم أن حرمة الشرك وعدم جواز السجود لغير الله واختصاص العبادة بالله تعالى إنّما هو قانون كلّي لا يقبل الإستثناء، فالشرك لا يمكن أن يتواءم مع التوحيد في أي مرتبة من مراتبه، وعليه فإنّ السجود الوارد في الآيات المذكورة لا يعني العبادة بل هو سجود الشكر والتعظيم لله تعالى على نعمه ومواهبه العظيمة.

   عندما سجد الملائكة لآدم ففي الحقيقة أنهم سجدوا لله تعالى الذي خلق مثل هذا المخلوق العظيم، إذن فالسجود في الواقع كان لله تعالى ولكن بسبب خلق آدم.

   وهكذا في اُخوة يوسف فإنهم سجدوا شكراً لله تعالى لأجل النعمة العظيمة التي أولاها الله تعالى لأخيهم يوسف، ولأجل نجاتهم من الحياة الصعبة والشاقّة في صحراء كنعان ورؤيتهم أخيهم بعد سنوات من الفراق وبالتالي انتقالهم إلى مصر ليعيشوا حياة طيبة ومرفهة وكريمة، فلأجل ذلك سجدوا شكراً لله تعالى، كما هو الحال في بني إسرائيل الذين سجدوا لله تعالى لا لمسجد بيت المقدّس.

   عندما يقوم المسلمون والحجاج بأداء صلاة الجماعة حول الكعبة ويسجدون لله تعالى في صلاتهم هذه أمام بيت الله الحرام، فهل معنى هذا أنهم سجدوا للكعبة، أو أن أحداً من


1 . سورة يوسف : الآية 100.

[ 207 ]

المسلمين لا يسجد للكعبة بل يسجد لله تعالى ويعبده وحده ولكن في مقابل الكعبة ؟

   وعلى هذا الأساس فإنّ السجود في جميع الموارد هو لله تعالى، وفي الحقيقة هو مصداق بارز لعبادة الله رغم أن الدوافع قد تكون متفاوتة ومختلفة، والنتيجة هي أن الآيات الثلاثة المذكورة آنفاً لا تعدُّ استثناءاً من القاعدة الكليّة في توحيد العبادة.

—–

[ 208 ]

[ 209 ]

 

 

الفصل الثالث

 

آيات الفضائل الخاصّة

بالإمام عليّ (عليه السلام)

 

 

 

* آية ليلة المبيت

* آية سقاية الحاج

* آية النصرة

* آية علم الكتاب

* آية المؤذّن وآية الأذان

* آية المحسنين

* آية السابقون الأولون

* آية المحبّة

* آية السابقون

* آية اُذُن واعية

* آية صالح المؤمنين

* آية الإنذار والهداية

* آية خير البريّة

* آية الحكمة

[ 210 ]

[ 211 ]

 

آية ليلة المبيت

1

 

«سورة البقرة / الآية 207»

 

أبعاد البحث

   هذه الآية الشريفة المعروفة بآية «ليلة المبيت» تعتبر إحدى أهم الآيات الواردة في فضائل أميرالمؤمنين (عليه السلام)، وهي الفضيلة العظيمة التي لم تتحقق لأحد من المسلمين غير الإمام علي (عليه السلام) حيث تشير الآية الشريفة أعلاه إلى ما قام به الإمام علي في ليلة هجرة النبي(صلى الله عليه وآله) إلى المدينة ومنامه في فراشه كما سيأتي توضيحه لاحقاً.

 

شأن النزول

   يرى كثير من علماء الشيعة وأهل السنّة أن الآية مورد البحث نزلت في حقِّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، حيث ذكروا هذا الموضوع في كتبهم إلى درجة أن هذه الواقعة قد وصلت إلى حدّ التواتر، أي أنها من الكثرة بحيث لا يمكن إنكارها.

   وخلاصة قصة ليلة المبيت كما يلي :

   عندما أحسّ أعداء الإسلام ومشركوا مكّة المعاندون بخطر الإسلام والدعوة السماوية بدأوا يتحركون على مستوى التآمر والتخطيط لقمع هذا الدين الجديد في المهد وطرحوا

[ 212 ]

ثلاث خطط خطرة لمواجهة دعوة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، فقالوا : «إما أن نقتل هذا النبي، أو نلقيه في السجن بحيث لا يتمكن أيُّ شخص من رؤيته والحديث معه، أو نقوم بإبعاده عن أرض الحجاز»(1).

   إنّ الشواهد التاريخية تشير إلى أنهم اختاروا الرأي الأوّل الذي هو أخطر الثلاثة، واختاروا من أجل تجسيد هذه الفكرة على أرض الواقع الخارجي أربعين شخصاً من مختلف قبائل العرب يتصفون بالشجاعة والمهارة ليقوموا بمحاصرة بيت النبوّة ليلاً ثمّ يتمكنوا من قتل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وهكذا صنع هؤلاء الأشخاص وجاءوا ليلاً وأحاطوا ببيت النبوّة ثمّ تسلّقوا الجدار أو نفذوا من كوة فيه وانتظروا حتّى تحين الفرصة المناسبة لقتل النبي.

   ولكنّ الله تعالى أخبر نبيَّه الكريم بواسطة الوحي بمؤامرة المشركين فعزم النبي (صلى الله عليه وآله)على الخروج من مكّة، ولكنه لتحقيق هذا الهدف والتخلّص من هذه المؤامرة الشيطانية ينبغي أن يقوم بأمرين :

   الأوّل : أن يقوم بالتوجّه إلى خارج مكّة وفي الطريق المعاكس لطريق المدينة، أي أنه بدلاً من أن يتوجّه شمالاً نحو المدينة فإنّه تحرك إلى الجنوب منها لكي لا يلتفت الأعداء إلى خروجه من مكّة وهجرته إلى المدينة وليمنعهم من ملاحقته.

   الثاني : لابدّ وأن يجد الشخص المناسب لينام في مكانه لإيهام الأعداء بعدم خروج النبي من البيت فيؤخرهم عن ملاحقته والقبض عليه.

   ولهذا الغرض قال لعلي ابن أبي طالب (عليه السلام) : «اتشح ببردي الأخضر ونم على فراشي».

   فقال الإمام علي (عليه السلام) : إذا نمت على فراشك فهل ستنجو من الخطر وتصل إلى المدينة بسلام ؟(2)

   فقال النبيّ : نعم يا عليّ، فسجد الإمام علي (عليه السلام) شكراً لله تعالى، ويقال أنها أول سجدة شكر كانت في الإسلام.


1 . وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الواقعة في الآية 30 من سورة الأنفال في قوله تعالى «وإذ يمكر بك الّذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين».

2 . هنا ينبغي الإلتفات إلى أن الإمام علي (صلى الله عليه وآله) لم يسأل عن الخطر الذي يهدد حياته هو، بل كان همّه هو سلامة النبي ونجاته، وعندما اطمأن لسلامته رضي بالمبيت على فراش النبي بكل طيب خاطر.

[ 213 ]

   وبعد أن وضع النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) عليّاً في فراشه خرج من مكّة متستّراً وتحرّك إلى جهة الجنوب على عكس مسير المدينة حتّى وصل إلى غار ثور، وبعد أن يأس الأعداء من العثور عليه تحرّك إلى المدينة ووصل إليها بسلام.

   لاشكّ أن ليلة المبيت كانت ليلة حسّاسة ومهمة جدّاً ومصيرية بالنسبة إلى الإسلام والمسلمين وكان بطل هذه الليلة هو أميرالمؤمنين (عليه السلام) وعندما كان النبي متوجّهاً إلى المدينة أوحى الله تعالى إليه بهذه الآية محل البحث حيث تحدّثت هذه الآية عن إيثار وتضحية الإمام علي (عليه السلام) العظيمة.

 

اعترافات علماء أهل السنّة

   رأينا آنفاً ما ورد في شأن نزول هذه الآية الشريفة ولا يختص ذلك بعلماء الشيعة بل نقله الكثير من علماء أهل السنّة، ومنهم : «الطبري»(1)، «ابن هشام»(2)، «الحلبي»(3)، «اليعقوبي»(4)(وكلّهم من مشاهير مؤرّخي أهل السنّة) و«أحمد»(5) من فقهاء أهل السنّة و«ابن الجوزي»(6)، و«ابن الصبّاغ المالكي»(7).

   والملفت للنظر ما أورده «أبو جعفر الإسكافي» الشارح المشهور لنهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي، حيث قال في هذا الصدد :

   قد ثبت بالتّواتر حديث الفراش... ولا يجحده إلاّ مجنون أو غير مخالط لأهل الملّة... وقد روى المفسّرون كلّهم : إنّ قول الله تعالى : ومن النّاس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله اُنزلت في عليّ (عليه السلام) ليلة المبيت على الفراش(8).


1 . تاريخ الطبري : ج 2، ص 99 ـ 101 (نقلاً عن الغدير : ج 2، ص 48).

2 . سيرة ابن هشام : ج 2، ص 291 (نقلاً عن الغدير : ج 2، ص 48).

3 . السيرة الحلبيّة : ج 2، ص 29 (نقلاً عن الغدير : ج 2، ص 49).

4 . تاريخ اليعقوبي : ج 2، ص 29 (نقلاً عن الغدير : ج 2، ص 48).

5 . مسند أحمد : ج 1، ص 348 (نقلاً عن الغدير : ج 2، ص 48).

6 . تذكرة ابن الجوزي : ص 21 (نقلاً عن الغدير : ج 2، ص 48).

7 . فصول ابن الصبّاغ المالكي : ص 33 (نقلاً عن الغدير : ج 2، ص 48).

8 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 13، ص 261.

[ 214 ]

   والنتيجة هي أن جميع علماء الإسلام من الشيعة والسنّة متفّقون على أن آية ليلة المبيت نزلت في شأن أميرالمؤمنين (عليه السلام) وما قام به من تضحية وإيثار عظيم.

 

الشرح والتفسير

التجارة الرابحة

   (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ) فبعض الناس يضحّون بأنفسهم في سبيل مرضات الله والتقرّب إليه، وكما تقدّم أن عليّ بن أبي طالب قام بهذا العمل العظيم وباع نفسه في تلك الليلة ابتغاء مرضات الله وكان المشتري هو الله تعالى، وقيمة هذه البضاعة هو رضا الله تعالى.

   (وَاللهُ رَؤوفٌ بِالْعِبادِ) فهل يمكن أن يتصور مفهوم اللطف والرأفة أعلى من كون الله تعالى هو الذي يشتري روح الإنسان بأغلى ثمن ؟

 

المعاملة مع الله

   هناك ثلاث آيات في القرآن الكريم تتحدّث عن المعاملة مع الله تعالى ولابأس بالإشارة إليها وإجراء مقارنة بين مضامينها :

   الآية الاُولى : ما ورد في سورة التوبة الآية 111 :

   (إنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنينَ اَنْفُسَهُمْ وَاَمْوالَهُمْ بِاَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوراةِ وَالاِْنْجيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ اَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِروُا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظيمُ).

   في هذه المعاملة والتجارة العظيمة نرى أن الله تعالى من جهة هو المشتري، والمؤمنون والمجاهدون هم البائع، والبضاعة الموضوعة للتجارة هي نفوس المؤمنين وأرواحهم، والثمن هو الجنّة، واللطيف في الأمر أن سند أو وثيقة هذه المعاملة مكتوبة في ثلاث كتب سماوية معتبرة (القرآن والإنجيل والتوراة)، وهذه المعاملة المباركة تحدّثت عنها هذه الآية الشريفة بأنها «فوز عظيم» وباركت للبائعين على هذه الصفقة، والحقيقة أن هذه المعاملة والتجارة

[ 215 ]

عظيمة جدّاً، لأن المشتري فيها يشتري ما يتعلّق به وما هو ملكه بأغلى الأثمان من البائع، ألا تعتبر هذه المعاملة من قبيل «الفوز العظيم»، ألا تستحق التبريك والتهنئة ؟

   الآية الثانية : ما ورد في الآيات 10 ـ 13 من سورة الصف من موضوع تجارة اُخرى بين الله وعباده حيث نقرأ في هذه الآيات الأربع :

   (يا اَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ اَدُلُّكُمْ عَلَى تِجارَة تُنْجيكُمْ مِنْ عَذاب اَليم * تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبيلِ اللهِ بِاَمْوالِكُمْ وَاَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ اِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الاَْنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَة فِي جَنّاتِ عَدْن ذلِكَ الْفَوزُ الْعَظيمُ * وَاُخْرَى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَريبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنينَ)

   في هذه المعاملة المربحة نجد أيضاً أن البائع هو المؤمنين، والمشتري هو الله تعالى، والبضاعة أو المبيع هو نفس روح الإنسان المؤمن، وقيمتها غفران الذنوب ودخول الجنّة، المساكن الطيبة فيها، النصر القريب (فتح مكّة)، وهكذا نرى أن الله تعالى يعبّر عن هذه المعاملة والتجارة الكبيرة بعبارة «الفوز العظيم» ويبارك ويهنىء هؤلاء المتاجرون.