المقارنة بين المعاملات الثلاث

   رأينا أن الآيات الكريمة تتحدّث عن ثلاث معاملات وردت في سورة التوبة، الصف، البقرة، وقد تقدّم شرحاً لما ورد فيها ونجد أوجه للتشابه فيما بينها من قبيل أن الله تعالى في كلّ هذه المعاملات الثلاث هو المشتري، والبائع هم المؤمنون، والبضاعة مورد المعاملة هي أرواح المؤمنين وأنفسهم، ولكن هنا تفاوت في قيمة هذه الأجناس في كلِّ واحدة منها، فتارة يشتري الله تعالى نفوس المؤمنين في مقابل الجنّة، واُخرى يشتريها بثمن أعلى، فمضافاً إلى الجنّة هناك المساكن الطيبة وغفران الذنوب والنصر الدنيوي، ولكن في المعاملة الثالثة وهي الآية محل البحث (آية ليلة المبيت) نرى أعلى الأثمان والقيم ألا وهو رضا الله تعالى،

[ 216 ]

وبديهي أن رضا الله تعالى لا يمكن قياسه مع الجنّة وأمثالها من المواهب الاُخروية، واللطيف أن هذا الثمن متناسب جدّاً مع روحية الإمام علي (عليه السلام)حيث نقرأ في كلماته الجذّابة يخاطب الله تعالى ويقول :

   «إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنّتك ولكني وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك».(1)

 

مقارنة اُخرى

   بالرغم من أن الإمام علي (عليه السلام) كان يواجه خطراً كبيراً في ليلة المبيت ولكنه نام على فراش النبي (صلى الله عليه وآله) وهو مسرور ولم يسمح للخوف أن يتسرب إلى نفسه، وفي الصباح الباكر عندما هجم الأعداء على بيت النبي (صلى الله عليه وآله)ورأوا بكامل الدهشة أن خطتهم قد أجهضت وأن النائم في الفراش هو عليّ بن أبي طالب، فما كان منهم إلاّ أن خاطبوا الإمام علي بكلمات موهنة، فأجابهم من موقع الدفاع عن الدين والنبي بكلمات جميلة جدّاً تعكس شجاعة أميرالمؤمنين وعقله الكبير وبأسه الشديد وسوف يأتي لاحقاً ما ورد في هذا الصدد إن شاء الله.

   وأما أبو بكر فقد خرج مع النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وتخلص من الخطر ولجأ إلى غار ثور، وعندما سمع صوت أقدام الأعداء الذين خرجوا من مكّة في أثر النبي، اصفر لونه وملأ الخوف والرعب قلبه ووجوده بحيث يمكن إدراك ذلك بنظرة بسيطة إلى وجهه، ولهذا بدأ النبي (صلى الله عليه وآله) بتسليته ليزيل بعض الوحشة والخوف الذي سيطر عليه، وعليك أن تدرك مضمون هذه الحادثة من هذا المختصر.

 

جمال التعبير في آية ليلة المبيت

   نقرأ في آيات سورة التوبة وسورة الصف قوله تعالى : (إنَّ اللهَ اشْتَرى) و (هَلْ اَدُلُّكُمْ


1 . بحار الأنوار : ج 67، ص 186.

[ 217 ]

عَلَى تِجارَة ) ففي هذه العبارات نفهم أن الله تعالى هو المشتري، وهو الذي يرغّب البائعين إلى بيع متاعهم وبضاعتهم، ولكننا نقرأ في آية ليلة المبيت (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ) ومعنى هذه العبارة أن البائع هنا يتقدّم بعرض بضاعته ويبتدأ بالمعاملة. ومن الواضح أن التعبير الأدبي في هذه الآية الشريفة أروع وألطف، لأن الشخص الذي يقدم نفسه على طبق الإخلاص ويعرضها للبيع لا يجد في نفسه رغبة إلاّ بعد ترغيب المشتري رغم أن عمله هذا لا يخلو من التقدير بلاشك.

   مضافاً إلى ذلك فإنّ الآية محل البحث تبدأ بكلمة «مِنْ» التبعيضية في قوله «وَمِنَ النّاسِ» أي أن هذا العمل العظيم لا يتمكن من أداءه إلاّ بعض الناس في حين أن الآيتين السابقتين تطرح مسألة المعاملة مع الله والمعاوضة بالجنّة والنجاة من النار في إطار عام وشامل «اِشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنينَ».

 

إرتباط آية ليلة المبيت مع الآيات التي قبلها

   إذا دققنا النظر في الآيات الثلاث قبل آية ليلة المبيت أدركنا عظمة عمل الإمام علي (عليه السلام)ومقامه الرفيع عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي ذلك يقول تعالى :

   (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا).

   أي أن بعض المنافقين الذين يتمتّعون بظاهر جميل وخادع عندما يرونك يظهرون المحبّة والتملق ويتحدّثون بشكل تشعر فيه بالإعجاب في حين أن باطنهم شيء آخر.

   (وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ اَلَدُّ الْخِصَامِ).

   فإن الله تعالى عالم بما يخفي هؤلاء المنافقين المخادعين رغم أنهم يشهدون الله على ما في قلوبهم، هؤلاء الأشخاص ذوو الظاهر الأنيق والكلام الجميل هم ألدّ(1) أعداء الإسلام وهم منافقون، وتشير هذه الآيات إلى «الاخنس بن شريق» المنافق المعروف الذي يظهر من كلامه غير ما يبطن بحيث إنّ ظاهره وكلامه يجذب كلَّ مخاطب إليه لحسن بيانه وجمال


1 . كلمة «لدود» بمعنى شديد العداء، و«ألّد الخصام» تعني أشدّ الأعداء.

[ 218 ]

مظهره حيث كان يتظاهر بالقداسة والإيمان والتقوى ولكنه في الواقع شخصية منحطّة وسافلة ولا يعتقد بالله ولا برسوله إطلاقاً(1).

   وفي الآية التي تليها يشير الله تعالى إلى واقع هذا الشخص «الأخنس» ونفاقه في حركة الحياة والواقع الإجتماعي :

   (وَاِذا تَوَلّى سَعى فِي الاَْرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ).

   فمن علامات نفاق الأخنس وسائر المنافقين هو أنهم عندما يخرجون من مجلسك يتحركون في حياتهم الفردية والإجتماعية من موقع الإفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل رغم علمهم بأن الله تعالى لا يحبُّ هذه الأعمال القبيحة(2)، وطبعاً هناك احتمال أن كلمة «تولّى» تعني الولاية والحكومة، أي أن هؤلاء الأشخاص إذا استلموا زمام الاُمور وتولّوا أمر الحكومة والسلطة أفسدوا في الأرض وزرعوا بذور النزاعات والفساد والإنحطاط وعملوا على تخريب المزارع وإهلاك الأنعام.

   وقد ورد أنّ «الأخنس» جاء إلى منطقة في بلاد الإسلام وشرع في الإفساد وتخريب مزارع المسلمين في تلك المنطقة وقتل أغنامهم وحيواناتهم(3)، ولكنه عندما جاء إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) شرع بالتملّق والتحدّث بكلمات معسولة خادعة.

   (وَاِذا قيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ اَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالاِْثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ).

   وعندما يسعى المؤمن في نصيحة هؤلاء الأشخاص وتحذيرهم من مغبّة هذه الأعمال ويحثّهم على تقوى الله تعالى واجتناب الأعمال الإجرامية، والخلاصة عندما يتحرّك على مستوى أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر فإن هؤلاء المنافقين ليس فقط لا يستمعون إلى


1 . التفسير الأمثل، الآية مورد البحث.

2 . هذه الآية الشريفة تقرر أن الإسلام قبل 1400 عام كان يهتم بشكل خاصّ بالمحافظة على البيئة والطبيعة حيث يعبّر عن تخريب البيئة بـ «الإفساد في الأرض» وجعل ذلك من علامات النفاق والعداوة للإسلام، وتوجد في سائر الآيات القرآنية شواهد كثيرة على اهتمام الإسلام بحفظ الطبيعة.

3 . التفسير الأمثل : ذيل الآية مورد البحث.

[ 219 ]

النصيحة بل يزدادون عناداً وغروراً وتعصّباً ويصرّون على أعمالهم الدنيئة من موقع العناد والتكبّر، ومن الواضح أن مصير هؤلاء الأشخاص لا يكون سوى جهنم.

   والخلاصة أن القرآن الكريم يصوّر لنا في هذه الآيات الثلاث عناد أعداء الإسلام وسلوكياتهم المنحرفة، وعندما نضع هذه الآيات إلى جانب آية ليلة المبيت فلابدّ أن يتحول الكلام إلى استعراض أحبّ الأشخاص إلى الله وأكثرهم إيماناً وانشداداً للإسلام والمسلمين، وعليه فإنّ الإمام علي الذي نزلت في حقّة آية ليلة المبيت وقدّم نفسه على طبق الإخلاص فداءاً للنبي هو أحبّ الأشخاص إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وبلا شكّ إنّ علاقة النبي (صلى الله عليه وآله)بالأشخاص لا تكون إلاّ على أساس إيمانهم وحبّهم لله تعالى لا على أساس العواطف الساذجة والميول الدنيوية.

 

ارتباط آية ليلة المبيت بولاية أميرالمؤمنين (عليه السلام)

   سؤال : ما هي علاقة الآية الشريفة «ليلة المبيت» مع إمامة وخلافة أميرالمؤمنين (عليه السلام)بعنوانه أوّل خليفة بعد رسول الله وإمام المسلمين ؟ وبعبارة اُخرى إنه على فرض قبول أهل السنّة بأن الآية أعلاه نزلت في شأن علي بن أبي طالب، ولكن كيف يمكن إثبات أن هذه الآية تدلُّ على خلافة وإمامة أميرالمؤمنين (عليه السلام) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)مباشرة ؟

   الجواب : رأينا في الأبحاث المتقدّمة أن الإمام علي (عليه السلام) يعتبر أشجع المسلمين وأكثرهم تضحية وإيثاراً وأخلصهم لله تعالى، ومن جهة اُخرى نعلم أن إمام المسلمين وخليفة رسول الله يجب أن يكون أعلم الناس وأشجعهم وأكثرهم إيماناً وإيثاراً، وعلى هذا الأساس فإنه إذا كانت مسألة الإمامة والخلافة انتصابية، أي أن الله تعالى هو الذي ينصب الخليفة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإنه مع وجود الإمام علي (عليه السلام)الذي يحوز على الشرائط المذكورة للإمامة، فلا معنى لأن يختار الله شخصاً آخر غيره ويعمل على خلاف مقتضيات الحكمة الإلهية، وإذا كانت هذه المسألة انتخابية (كما يعتقد الاُخوة من أهل السنّة) فإنّ مقتضى العقل هو أن لا يختار المسلمون شخصاً آخر غير من تتوفر فيه هذه الصفات، وعليه فإنّ انتخاب غير الإمام علي(عليه السلام)يكون على خلاف مقتضيات العقل والشرع.

[ 220 ]

الجواب عن بعض الشبهات

   وقد نرى من البعض أنهم يسعون في تفسير الآية الشريفة بعيداً عن المفهوم منها والمدلول الحقيقي لها وذلك لما تحمل هذه الآية الشريفة من مضامين تتعلق بمسألة الخلافة والإمامة، حتّى لا يتمكن أحد من الإستدلال بها على خلافة أميرالمؤمنين (عليه السلام)، وهنا نستعرض بعض الشبهات وعلامات الإستفهام ونجيب عنها :

 

1 ـ آية ليلة المبيت تتعلق بالآمرين بالمعروف

   العلاّمة الطبرسي وهو المفسّر الشيعي المعروف نقل رواية مرسلة عن أهل السنّة تتحدّث عن هذه الآية الشريفة وأنها نزلت في شأن من قتل في طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(1) وعليه فإنّ الآية محل البحث لا ترتبط بشكل أو بآخر بخلافة أميرالمؤمنين وإمامته.

   الجواب : إن سياق آية ليلة المبيت يدلُّ على أن الآية المذكورة ليست واردة في شأن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، لأنه طبقاً لما تقدّم من الشرح والتفسير أن هناك خطر كبير يهدد الشخص مورد نظر الآية، وهو الخطر الذي يصل إلى حدّ الموت والقتل، ومثل هذا الخطر قلّما يتفق للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وعليه فإن سياق الآية الشريفة يوحي إلى أنها لا ترتبط بمسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مضافاً إلى أن الرواية المذكورة مرسلة وليست بحجّة.

 

2 ـ إنّ الآية مورد البحث واردة في شأن أبي ذرّ

   ويرى البعض أن الآية الشريفة واردة في شأن أبي ذرّ الغفاري(2) الصحابي المعروف للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ولا ترتبط بمسألة إمامة أميرالمؤمنين (عليه السلام) وخلافته.


1 . مجمع البيان : ج 1، ص 301.

2 . اسم أبي ذر «جندب» واسم أبيه «جنادة» وقيل «السكن»، وكان من كبار صحابة النبي (صلى الله عليه وآله)ورجلاً عظيماً وجليلاً، ويعدّ من الأشخاص الذين لم يبايعوا أبابكر. (مستدركات علم الرجال : ج 2، ص 240).

[ 221 ]

   الجواب : إنّ هذا الرأي بعيد عن الصواب ومجانب للواقع، لأن الشواهد التاريخية تدلُّ على أن أبا ذرّ الغفاري لم يتعرض لحادثة مهمة تهدد حياته بالخطر في عصر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وعليه لا يمكن التصديق بأن هذه الآية الشريفة نازلة في حقّه رغم أن شخصية أبي ذرّ وخدماته العظيمة وخاصّة بعد رحلة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وفي عصر السكوت والإرهاب لا غبار عليها ولا يمكن إنكارها.

 

3 ـ إنّ الآية الشريفة تتعلّق بجميع المهاجرين والأنصار

   وذهب البعض إلى أن آية ليلة المبيت تتعلّق بجميع المهاجرين والأنصار(1)، أي أن جميع المسلمين في زمان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)وحين نزول هذه الآية كانوا مشمولين لمضمونها، وعليه فإنّ الآية محل البحث لا تختص بالإمام علي ابن أبي طالب (عليه السلام)(2).

   الجواب : إنّ بطلان هذا الكلام من أوضح الواضحات لأن الآية الشريفة تصرّح بأن هذا الإفتخار والكرامة يختصّ ببعض المسلمين وغير شاملة لجميع أفراد المجتمع الإسلامي، وعليه لا يمكن إدعاء أن جميع المهاجرين والأنصار مشمولين لآية ليلة المبيت.

 

4 ـ هل يعلم الإمام علي (عليه السلام) بموته أو حياته ؟

   سؤال : هل إنّ الإمام علي (عليه السلام) كان عالماً بعاقبة هذا العمل ؟ وهل إنه كان يعلم بأنه سوف ينجو من هذا الخطر الكبير ويبقى حيّاً بعد هذه الواقعة أم لا ؟

   إذا كان يعلم أن المشركين لا يتمكنون من قتله وانه سيبقى على قيد الحياة فإن مبيته في فراش النبي لا يمثّل قيمة وافتخار كبير، وإن لم يكن يعلم فسيكون لهذا العمل قيمة كبيرة ولكنّ الإشكال يردُ من جهة اُخرى، وهو أن الأئمّة يعلمون الغيب فكيف لم يعلم الإمام علي(عليه السلام)بعاقبة هذا العمل ؟


1 . مجمع البيان : ج 1، ص 301.

2 . مجمع البيان : ج 1، ص 301.

[ 222 ]

   الجواب : طبقاً لتحقيقات العلماء وتصريح بعض الروايات أن علوم الأئمّة بالنسبة إلى الغيب والمستقبل هي من العلوم الإرادية، أي أنهم لو أرادوا أن يعلموا لعلموا، وإن لم يريدوا ذلك لا يعلمونه(1)، فمن الممكن في هذه الواقعة إنّ الإمام علي (عليه السلام) لم تتعلق إرادته بمعرفة عاقبة
هذا العمل ونهايته، ولذلك كان احتمال الخطر مرتسماً في ذهنه، ومع ذلك كان مستعداً للتضحية والإيثار العظيم، وعلى هذا الأساس فإن الواقعة المذكورة تعدّ افتخاراً كبيراً لأميرالمؤمنين(عليه السلام)ولا تتنافى مع علم الغيب للأئمّة، والإلتفات إلى هذه النكتة بإمكانه أن يزيل الكثير من الشبهات والإشكالات حول علم الأئمّة للغيب.

   سؤال : لقد قلت «إنّ الإمام علي (عليه السلام) لم تتعلق إرادته بأن يعلم مصيره ولذلك فإنّ احتمال الخطر موجود ومع ذلك بات الإمام علي (عليه السلام) على فراش النبي (صلى الله عليه وآله)وكان ذلك فضيلة كبيرة ومنقبة عظيمة له» في حين أنه قد ورد في بعض الروايات إنّ الإمام كان مطّلعاً على أنه سوف لا تصيبه مصيبة وسوف لا يواجه مشكلة في هذه العمل وقد ضمن له النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)السلامة والنجاة من الخطر(2)، وعليه فكيف تعدّ آية ليلة المبيت فضيلة ومنقبة لأميرالمؤمنين(عليه السلام) ؟

   الجواب : يمكننا الجواب على هذا الإشكال بصورتين :

   الف : إنّ هذه الرواية مرسلة ولا سند لها وقد أوردها العلاّمة الأميني بصورة مرسلة عن تفسير الثعلبي(3)، وبما إنها تفتقد إلى السند فلا يمكن الإعتماد عليها(4).

   ب : هناك ثلاث شروط لقبول الرواية : الأوّل هي أن يكون سند الرواية معتبر، الثاني :


1 . للمزيد من التفاصيل يرجى مراجعة نفحات القرآن : ج 7.

2 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 13، ص 262.

3 . الغدير : ج 2، ص 48.

4 . يقول أبو جعفر الإسكافي استاذ ابن أبي الحديد في جوابه على هذا الإشكال بأن هذا الكلام كذب صريح ولم و يرد عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه تكلم بهذا الكلام، والرواية المذكورة إنما هي من المجعولات لرجل يدعى (أبوبكر الاصم) الذي أخذ عنه الجاحظ هذه الرواية (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 13، ص 263).

[ 223 ]

أن لا تكون الرواية مخالفة لآيات القرآن الكريم، الثالث : أن تكون مقبولة لدى علماء الدين،
والرواية المذكورة مضافاً إلى ضعف سندها فهي غير مقبولة ومخالفة للقرآن الكريم، لأن الله تعالى ذكر هذا العمل لأميرالمؤمنين في آية ليلة المبيت من موقع المدح والثناء والتمجيد وعبّر عنه بأنه معاملة مع الله تعالى في حين أن الرواية المذكورة على فرض اعتبار سندها فإنّ عمل أميرالمؤمنين (عليه السلام)وفقاً لهذه الرواية ليست له قيمة وأهميّة خاصّة بل هو بمثابة أمر عادي، وعليه لا يمكن الإعتماد على هذه الرواية المخالفة لآية من آيات القرآن الكريم بحيث يمكن من خلالها تهميش هذا العمل العظيم الذي قام به أميرالمؤمنين (عليه السلام) (فتدبّر).

5 ـ من هو المخاطب للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ؟

   سؤال : ويرى البعض أن رسول الله (صلى الله عليه وآله)عندما أراد أن يضع شخصاً مكانه في الفراش في تلك الليلة قال للمسلمين : أيكم مستعد لأن يبيت في فراشي في هذه الليلة ؟ ولم يتقدّم أحد سوى علي بن أبي طالب (عليه السلام) حيث أظهر موافقته على استقبال هذا الخطر.

   فهل هذا المطلب صحيح، أو أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) تحدّث في هذا المورد إلى الإمام علي(عليه السلام)خاصّة ؟

   الجواب : نحن لم نر في الكتب المعتبرة أن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) طرح هذا الموضوع بين أصحابه، مضافاً إلى أن هذا المطلب لا ينسجم مع العقل، لأن هذا الموضوع لو سمعه جميع الأصحاب فسوف يفتضح الأمر ويصل الخبر إلى أعداء الإسلام الذين كانوا يتآمرون على حياة النبي (صلى الله عليه وآله) وبالتالي سيتحركون للتصدي لهذا العمل وإجهاضه، ولهذا نعتقد بأن هذه الخطّة والفكرة تمّت بسريّة كاملة، ولم يعلم بها سوى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)والإمام علي (عليه السلام)وبعض الأشخاص الآخرين، وأما سائر المسلمين فكانوا لا يعلمون بها.

 

بقي هنا اُمور

1 ـ أشعار حسّان ابن ثابت في وصف الواقعة

   كان حسّان ابن ثابت(1) من الشعراء المعاصرين للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وله علاقة خاصّة في


1 . ولد حسان بن ثابت قبل ولادة النبي (صلى الله عليه وآله) بثمان سنوات وبقي بعده مدّة طويلة فكان من الشعراء المعمرّين حيث ناهز عمره على المائة وعشرين سنة، وقد أمر النبي (صلى الله عليه وآله) بوضع منبر خاص لحسّان في مسجده وأحياناً كان يأمره بأن يرتقي هذا المنبر وينشد الشعر، وقد أخذ البعض عليه بأن المسجد ليس محلاً لإنشاد الشعر، ولكن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) قال لهم بأن أشعار حسّان أثرها «أشدّ من النبال»، وبعد رحلة النبي (صلى الله عليه وآله) تعرض حسّان إلى نوع من عدم الإهتمام به من قبل الخليفة الأوّل والثاني حيث منعاه من إنشاد الشعر في مسجد النبي، ولا يخفى على القاريء الكريم السبب في هذا المنع، نعم إن جريمته هي الدفاع عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) بطل واقعة الغدير، وقد ترك هذا الشاعر المخضرم ديواناً موجوداً لحدّ الآن أودع فيه قصائده وأشعاره في وصف الخليفة الحقيقي للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله).

[ 224 ]

الخليفة الحقيقي للنبي فقد أنشد قصائد رائعة في فضائل أميرالمؤمنين (عليه السلام) وخاصّة في واقعة غدير خم التاريخية وبعض أبياتها يتعلق بحادثة ليلة المبيت كما وردت في كتب المؤرّخين :

مَنْ ذا بِخاتَمِهِ تَصَدَّقَ راكِعاً *** وَاَسَرَّها فِي نَفْسِهِ إسْراراً

مَنْ كانَ باتَ عَلى فِراشِ مُحَمَّد *** وَمُحَمَّدٌ اَسْرى يَؤُمُّ الْغارا

مَنْ كانَ فِي الْقُرْآنِ سُمّىَ مُؤْمِناً *** فِي تِسْعِ آيات(1) تُلينَ غَزاراً(2)

   والخلاصة إنّ حادثة ليلة المبيت كانت معروفة ومشهورة إلى درجة أنها انعكست في قصائد شعراء العرب.

 

2 ـ مصير الإمام علي (عليه السلام) في تلك الليلة

   بعد أن عقد أعداء الإسلام العزم على مؤامرتهم في القضاء على النبي (صلى الله عليه وآله)قرروا أن يهجموا على بيته ليلاً وينفذون مؤامرتهم، ولكن أحد قادة المشركين «أبوجهل أو أبو لهب» منعهم من هذا العمل وقال : لا تهجموا عليه ليلاً لأن من المحتمل أن تكون في البيت زوجته وأطفاله وسيصيبهم الخوف والرعب وهم أبرياء(3).


1 . وقد ذكر العلاّمة الأميني هذه الآيات التسع وأضاف إليها واحدة، وهي كالتالي : 1 ـ الآية 18 من سورة الكهف، 2 ـ الآية 62 من سورة الأنفال، 3 ـ الآية 64 من سورة الأنفال، 4 ـ الآية 23 من سورة الأحزاب، 5 ـ الآية 55 من سورة المائدة، 6 ـ الآية 19 من سورة التوبة، 7 ـ الآية 96 من سورة مريم، 8 ـ الآية 21 من سورة الجاثية، 9 ـ الآية 7 من سورة البيّنة، 10 ـ سورة والعصر. (الغدير : ج 2، ص 49 ـ 58).

2 . الغدير : ج 2، ص 47.

3 . قارن بين هذا العمل وبين مدّعيات القوى التي تدعي حقوق الإنسان ليتضح جيداً أنهم أكثر توحشاً وهمجية من العرب الجاهليين، لأننا نرى في هذا العصر هجوم أمريكا وبريطانيا على افغانستان بصورة وحشية حيث لم يرحموا النساء والأطفال والشيوخ، وحتّى المرضى في المستشفيات لم يسلموا من تعرضهم وأذاهم.

[ 225 ]

   ولهذا السبب أخّروا هجومهم إلى بواكر الصباح، وعندما حانت اللحظة المناسبة وهجموا على بيت النبي (صلى الله عليه وآله) وهم يقصدون قتله، قام الإمام علي (عليه السلام) من الفراش قبل أن يصلوا إليه وصاح بهم : ماذا تريدون ؟

   وعندما تفاجأ المشركون بهذا الأمر ورأوا علي ابن أبي طالب في فراش النبي أخذتهم الدهشة وقالوا : يا عليّ نحن نريد محمّداً فأين هو ؟

   فأجابهم : هل أودعتموه عندي حتّى تطلبوه مني ؟

   فتحيّروا في جوابه وماذا يصنعون به، هل يقتلونه أو يتركونه ؟ فقال أبو جهل : لنترك هذا الشاب المغامر فقد خدعه محمّد وأنامه في فراشه لينجو بنفسه.

   فلمّا سمع الإمام علي (عليه السلام) بهذه الكلمات الموهنة له ولرسول الله قال بمنتهى الشجاعة والجرأة :

   أَلي تَقُولُ هذا يا اَبا جَهْل ! إن الله قَدْ اَعْطانِي مِنَ الْعَقْلِ ما لَوْ قُسِّمَ عَلى جَميعِ حُمَقاءِ الدُّنْيا وَمَجانينِها لَصاروُا بِهِ عُقلاءَ، وَمِنَ الْقُوَّةِ ما لَوْ قُسِّمَ عَلى جَميعِ ضُعَفاءِ الدُّنْيا لَصاروُا بِهِ اَقْوياءَ، وَمِنَ الشُّجاعَةِ ما لَوْ قُسِّمَ عَلَى جَميعِ جُبَناءِ الدُّنْيا لَصاروُا بِهِ شَجْعاناً.(1)

   فأنا قد عرفت نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) وآمنت بالإسلام عن معرفة ولذلك تقدّمت إلى هذا العمل بكلِّ إخلاص وإيمان، وبعد أن حدثت بينهما مشادّة خرج أعداء الإسلام من بيت النبوّة خجلين وآيسين وخرج الإمام علي (عليه السلام)من هذه الواقعة مرفوع الرأس ومسروراً لأدائه المهمة الرسالية.

 

3 ـ الله تعالى يباهي بإيثار أميرالمؤمنين (عليه السلام)

   لقد أورد «الثعلبي» وهو أحد مفسّري أهل السنّة المعروفين للآية مورد البحث، رواية


1 . بحار الأنوار : ج 19، ص 83.

[ 226 ]

جميلة وجذّابة حول حادثة ليلة المبيت نذكرها هنا كما رواها هو :

   «لما عزم النبي (صلى الله عليه وآله) على الهجرة إلى المدينة، ترك علي بن أبي طالب في مكّة ليؤدي الديون التي عليه والأمانات إلى أهلها، وأمره ليلة خرج إلى الغار وقد أحاط المشركون بالدار، أن ينام على فراشه، وقال له : اتشح ببردي الأخضر ونم على فراشي فإنه لا يصل منهم إليك مكروه إن شاء الله، ففعل ذلك علي (عليه السلام) فأوحى الله تعالى إلى جبرئيل وميكائيل أني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة ؟ فاختار كلاهما الحياة، فأوحى الله تعالى إليهما : أفلا كنتما مثل علي ؟ آخيت بينه وبين محمّد فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة، أهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه، فنزلا فكان جبرئيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه ينادي :

   بَخٍّ بَخٍّ لَكَ يَابْنَ اَبِي طالِب، مَنْ مِثلُكَ ؟ وَقَدْ باهَى اللهُ بِكَ مَلائِكَةَ السَّماواتِ وَفَاخَرَ بِكَ».(1)

   فهل يتصور مقام أعلى من هذا المقام ؟ !

   ومن هنا ندرك أن الشيعة عندما يعظّمون أهل هذا البيت ويتبعون أميرالمؤمنين (عليه السلام)فإن ذلك لا يعني التعصّب الأعمى على مستوى الحساسيّة المذهبية بل بسبب مقاماته المعنوية السامية وفضائله الكثيرة.

 

توصية الآية

كلّ شيء في سبيل نيل رضا الله

   بالرغم من أن الآية الشريفة كما أشرنا سابقاً، نزلت في ليلة هجرة النبي (صلى الله عليه وآله)وفي شأن الإمام علي (عليه السلام)، ولكنها كسائر الآيات القرآنية تتضمن حكماً كلياً وعاماً، فمن حيث إن هذه الآية تقع في مقابل الآية السابقة «وَمِنَ النّاس مَنْ يُعْجِبُكَ...» فيتضح جيداً أن هذه الطائفة من الناس التي تشير إليها هذه الآية محل البحث تقع في مقابل الطائفة السابقة،


1 . بحار الأنوار : ج 19، ص 85 .

[ 227 ]

ويتمتع أفرادها بصفات وخصائص تقع في النقطة المقابلة لصفات اُولئك وخصائصهم، فاُولئك أفراد يتسمون بالأنانية والغرور والعناد والتكبّر ويتعاملون مع الناس بلغة النفاق والرياء ويتظاهرون أنهم إنما يريدون الإصلاح ويتحركون في خطّ الإيمان ظاهراً ولكنّ سلوكهم وأفعالهم ليس فيها سوى الإفساد في الأرض وهلاك الحرث والنسل، ولكن هذه الطائفة في آية ليلة المبيت لا يتعاملون مع أحد سوى الله تعالى ولا يبخلون بشيء في سبيله ولا يطلبون سوى رضاه ولا يرون العزّة والكرامة إلاّ تحت ظلّه وعنايته، ولذلك فإنّ أمر الدين والدنيا يتقوّم بتضحية هؤلاء وحركتهم الإصلاحية في خطّ الرسالة والمسؤولية والحقّ والحقيقة(1).

   إنّ توصية هذه الآية الشريفة لجميع المسلمين هو أن يخرجوا من أجواء الطائفة الاُولى ويدخلوا في أجواء الطائفة الثانية...

   وطبعاً ليس هذا بالأمر الهيّن.

—–


1 . التفسير الأمثل : ذيل الآية مورد البحث.

[ 228 ]

[ 229 ]

 

 

 

آية سقاية الحاج

2

 

«سورة التوبة / الآيات 19 ـ 22»

 

أبعاد البحث

   في هذه الآية الشريفة التي تعرف بين المفسّرين بآية «سقاية الحاج» نواجه فضيلة اُخرى من فضائل الإمام علي (عليه السلام) حيث تفضي إلى إثبات إمامته وخلافته بعد رسول الله، وتبيّن أن الأشخاص الذين يرون أن سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام تساوي الإيمان بالله والهجرة والجهاد في سبيله، بعيدون عن طريق الصواب، وسيأتي تفصيل ذلك في طيّات البحث.

 

شأن النزول

   إنّ آية «سقاية الحاج» تخبرنا عن حادثة وقعت في عصر الرسالة ولا تهدف إلى بيان

[ 230 ]

قانون كلّي في ذلك، أي أن هذه الحادثة والمقارنة المذكورة في الآية الشريفة وقعت عملاً في الواقع الخارجي، فللآية الشريفة شأن نزول خاصّ ولهذا ذكر لها موارد عديدة في شأن نزولها وخلاصة ما ورد في شأن النزول المعروف لها هو :

   إنّ العبّاس ابن عبدالمطلب وشيبة قعدا يفتخران في المسجد الحرام فقال العبّاس لشيبة : أنا أشرف منك، أنا عمّ رسول الله ووصي أبيه وساقي الحجيج(1).

   فقال شيبة : أنا أشرف منك أنا أمين الله على بيته وخازنه(2)، أفلا إءتمنك كما إءتمنني ؟

   فاطلع عليهما عليّ ابن أبي طالب (عليه السلام)فأخبراه بما قالا فقال علي : أنا أشرف منكما، أنا أوّل من آمن وهاجر «وعليه فإنه لا افتخار في سقاية الحاج أو عمارة المسجد الحرام» بل الفخر بالإيمان بالله والهجرة في خطِّ الإيمان به والجهاد في سبيله.

   فلما سمع العبّاس ذلك انطلق إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وذكر له ما جرى بينه وبين الإمام علي(عليه السلام)وشكاه عنده على أساس أن الإمام علي (عليه السلام) قد ادحض حجّته وأهمل مقامه ومنزلته.

   فأرسل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) شخصاً في طلب الإمام علي فعندما حضر بين يديه سأله النبي عن الواقعة وقال له : ماذا قلت لعمّك العبّاس حتّى أغضبته ؟

   فقال عليّ (عليه السلام) : لم أقل سوى الحقّ ولكن عمّي غضب من كلام الحقّ، ثمّ بيّن لرسول