2 . نظراً إلى أهمية «المسجد الحرام» والذي يعبّر عنه القرآن الكريم أنه أوّل بيت وضع للناس ويعدّ أقدس مكان على ظهر الأرض بحيث ورد في الروايات أن ركعة واحدة عنده تعادل مليون ركعة في مناطق اُخرى، فإنّ استلام مفاتيح هذا البيت المقدّس و«عمارة المسجد الحرام» لها أهمية خاصّة ومكانة مميزة حيث تكون لصاحب هذه المكانة مسؤولية حفظ وحراسة الكعبة المشرّفة وترميم المسجد الحرام ورعايته.

[ 231 ]

الله(صلى الله عليه وآله)المحادثة التي جرت بينهم وأضاف إنني لم أكن في مقام التظاهر بالفخر والتعريف بنفسي بل أردت أن أقول أن سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام لا تعتبر أرقى افتخار يناله الإنسان بل هناك مقامات أعلى وافتخارات أكبر من ذلك، وهنا نزلت الآية الشريفة محل البحث وأيّدت كلام الإمام علي (عليه السلام)(1).

   وقد ورد شأن النزول هذا في اثني عشر كتاباً على الأقل معروفاً لدى أهل السنّة تتحدّث عن تفسير القرآن، أو التاريخ الإسلامي، أو الروايات الشريفة فمن ذلك :

   1 ـ أسباب النزول لمؤلفه العلاّمة الواحدي(2).

   2 ـ تفسير العلاّمة خازن البغدادي(3).

   3 ـ تفسير العلاّمة القرطبي(4).

   4 ـ تفسير الفخر الرازي(5).

   5 ـ الدرّ المنثور للعلاّمة السيوطي(6).

   6 ـ تفسير أبو البركات النّسفي(7).

   7 ـ الفصول المهمّة للصبّاغ المالكي(8).

   8 ـ كفاية الطالب للگنجي الشافعي(9).

   9 ـ تاريخ الخطيب البغدادي(10).


1 . شواهد التنزيل : ج 1، ص 249 ببعد.

2 . أسباب النزول : ص 182 (نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 123).

3 . تفسير الخازن : ج 3، ص 57 (نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3 ص 123).

4 . تفسير القرطبي : ج 8 ، ص 91 (نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 125).

5 . تفسير الفخر الرازي : ج 16، ص 10 (نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 125).

6 . الدرّ المنثور : ج 3، ص 218 (نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 126).

7 . تفسير النّسفي : ج 2، ص 221 (نقلاً من الغدير : ج 2، ص 54).

8 . الفصول المهمّة : ص 106 (نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 126).

9 . كفاية الطالب : ص 113 (نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 125).

10 . تاريخ الخطيب البغدادي : نقلاً عن الغدير : ج 2، ص 54 و 55.

[ 232 ]

   10 ـ مناقب ابن المغازلي(1).

   11 ـ تاريخ ابن العساكر(2).

   12 ـ ربيع الأبرار للزمخشري(3).

   وعلى هذا الأساس فإن شأن النزول المذكور لا يدانيه شك ولا ريب.

 

ملاحظة مهمّة !

   بلا شكّ كان العبّاس ابن عبدالمطلب عند نزول آية سقاية الحاج مؤمناً مجاهداً وهكذا الحال مع «شيبة» فقد كان مؤمناً وله سوابق جهادية، إذن فكيف افتخر الإمام علي (عليه السلام)بإيمانه وجهاده عليهما والحال أنهما يتصفان بصفة الإيمان والجهاد أيضاً ؟

   وجواب هذا السؤال هو أن الإمام علي (عليه السلام) أراد أن يقول لهما أنا أوّل شخص آمنت بالله وبرسوله من الرجال وأوّل شخص هاجر إلى المدينة بعد هجرة النبي الكريم (صلى الله عليه وآله)، وأوّل مجاهد في سبيل الله ورسوله، وبهذا فقد سبقهما في الإسلام والهجرة والجهاد، وهذه الفضيلة منحصرة في عليّ بن أبي طالب.

 

الشرح والتفسير

الإيمان بالله، أفضل الاُمور !

   (اَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ).

   من هذا السياق للآية الشريفة يتّضح جيّداً وقوع مثل هذه المقارنة بين سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام من جهة، وبين الإيمان بالله والجهاد في سبيله من جهة اُخرى، ولكن الله تعالى قرّر أنّ هذه المقارنة غير صحيحة وغير سليمة فإنّ الإيمان بالله واليوم الآخر


1 . مناقب ابن المغازلي : نقلاً عن الغدير : ج 2، ص 54 و 55.

2 . تاريخ ابن العساكر نقلاً عن الغدير : ج 2، ص 54 و 55.

3 . ربيع الأبرار نقلاً عن الغدير : ج 2، ص 54 و 55.

[ 233 ]

والجهاد في سبيل الله لا يقارن مع سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام لأن الإيمان والجهاد بلا شكّ أعلى وأفضل من السقاية والعمارة.

   (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمينَ) ولعلّ هذا التعبير يشير إلى أن المقارنة المذكورة ليست فقط غير صحيحة بل هي نوع من الظلم للشخص الذي سبق الناس في الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيله.

   (الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبيلِ اللهِ بِاَمْوالِهِمْ وَاَنْفُسِهِمْ اَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَاُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ) فهؤلاء الذين تحركوا بهدف حفظ إيمانهم ونشر الدين والرسالة السماوية من موقع الهجرة وضحّوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وإعلاء كلمته هم أفضل عند الله وأعظم درجة.

   وبعد أن يردّ الله تعالى في الآية الاُولى أصل المقارنة المذكورة يعبّر عنها بأنها نوع من الظلم ويصرّح في هذه الآية بأن الإيمان والهجرة والجهاد أهم وأعظم من السقاية والعمارة.

   (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمة مِنْهُ وَرِضْوان) فبعد أن يردّ على المقارنة المذكورة ويصرح بأن الإيمان والجهاد والهجرة أفضل وأعظم يشير في الآيتين التاليتين إلى عاقبة أهل الإيمان والجهاد والهجرة ويبشّرهم بما يلي :

   1 ـ إنّ الله تعالى يبشّر هؤلاء بأنهم مشمولين برحمته ومرتبة القرب منه.

   2 ـ البشارة الاُخرى هي أن الله تعالى قد رضي عنهم، وما أعظم النعمة في أن يعلم الإنسان بأن محبوبه ومعبوده راض عنه !

   3 ـ (وَجَنّات لَهُمْ فِيها نَعيمٌ مُقيمٌ * خَالدِينَ فِيها أَبَداً) وليست البشارة بجنّة واحدة بل ورد التعبير بجنّات ونِعم ومواهب خالدة في ذلك العالم، ومعلوم أن أحد معايب النِعم الدنيوية هي أنها معرّضة للزوال والفناء ولكنّ النِعم والمواهب الاخروية خالدة وباقية أبداً.

   (اِنَّ اللهَ عِنْدَهُ اَجْرٌ عَظيمٌ) فهل أن هذه الجملة بشارة إلى نعمة اُخرى قد أعدّها الله تعالى لأهل الإيمان والجهاد والهجرة مضافاً إلى رحمة الله ورضوانه والجنّات الخالدة، وهي النعمة التي لا يمكن للإنسان أن يتصورها ولا يقدر على وصفها ولذلك أجملت الآية بيانها، أو أنها إشارة إلى النِعم والمواهب المذكورة آنفاً وهي تأكيد لها.

   كلا الإحتمالين واردان في مفهوم الآية الشريفة.

[ 234 ]

إرتباط آية سقاية الحاج مع الإمامة

   بما أن الإمام علي (عليه السلام) يتمتع بفضيلة السبقة إلى الإيمان والجهاد وليس أحد من المسلمين غيره يتمتع بهذه الفضيلة، فعليه يكون الإمام علي (عليه السلام) أفضل المسلمين، ومن الواضح أن الله تعالى إذا أراد نصب خليفة لرسوله فإنه لا يتجاوز الأفضل فيختار المفضول بل وحتّى الفاضل، لأن الله تعالى حكيم وتقديم المفضول على الفاضل والفاضل على الأفضل يخالف مقتضى الحكمة الإلهية، ولو كانت مسألة الخلافة انتخابية فإنّ عقلاء الناس لا يتوجهون ويختارون الفاضل أو المفضول مع وجود الأفضل، وعليه فإنّ هذه الآية الشريفة يمكنها أن تكون دليلاً لإثبات إمامة أميرالمؤمنين.

 

اعتراف أحد علماء السنّة

   وقد ذكر أحد علماء السنّة أنه :

   «أنتم الشيعة يمكنكم إثبات جميع اُصول الدين التي تعتقدون بها بواسطة الروايات الموجودة في كتبنا، لأن كتبنا ومصادرنا الروائية مليئة بالروايات التي تؤيد عقائدكم وآراءكم».

   ثمّ أضاف يقول : «إنّ قدماءنا كانوا سطحيين وساذجين حيث كانوا ينقلون أيّة رواية تصل إليهم في كتبهم»(1).

   ونحن نتعجب من هذا التناقض، لأنهم يذكرون بالنسبة إلى كتبهم ومصادرهم وخاصّة «الصحاح الستة» على مستوى التعريف والثناء والمدح :

   «إنّ روايات هذه الكتب منتخبة بدقّة كبيرة وجميع الروايات المذكورة فيها معتبرة لأنه أحياناً يتمُّ انتخاب عدد قليل من الروايات من بين ألف رواية»(2).


1 . ما هو المراد من هذا الكلام ؟ هل أن مرادهم هو أن هذه الروايات معتبرة إلاّ أنه لا ينبغي ذكرها لأنها تخالف ذوق هؤلاء الأشخاص ؟ أو أن هذه الروايات غير معتبرة أساساً ؟ وفي هذه الصورة فما هي الضمانة لاعتبار سائر الأحاديث والروايات الواردة في كتب الصحاح ؟ !

2 . يقول الإمام البخاري أحد أصحاب الصحاح الستة : «إنّ أحاديث هذا الكتاب (والتي تبلغ أكثر من سبعة آلاف حديثاً صحيحاً) قد استخلصها من بين ستمائة ألف رواية وفي مدّة 16 سنة» ـ انظر صحيح البخاري : ج 1، ترجمة الإمام البخاري ـ  .

[ 235 ]

   ألا يتناقض هذا الكلام مع كلام ذلك العالم السنّي المذكور آنفاً ؟ إنّ هذه الأشكال من التناقض هي نتيجة نوعية التفكير لدى الإنسان الذي يؤمن أوّلاً ثمّ يتوجه نحو الآيات والروايات الشريفة ويحاول إسقاط عقائده عليها، ولو أن الإنسان حضر مقابل الآيات والروايات وجلس متتلمذاً عندها ومستوحياً من مضامينها ومرتوياً من منهلها فإنه سوف لا يواجه مثل هذا التناقض العجيب.

 

 

توصية الآية

الإتّباع العملي لأولياء الدين

   إنّ بيان فضائل ومناقب الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) وخصوصيّاتهم الأخلاقية والإجتماعية والسياسية أمر جيّد وضروري ولكنه لا يكفي في مقام الإعتقاد والإيمان بل ينبغي على الإنسان أن يجعلهم اُسوة وقدوة له في ممارساته وسلوكياته في حركة الحياة والواقع الإجتماعي، وفي الآيات مورد البحث نقرأ ثلاثة اُمور بعنوان أنها أركان الدين، وأن الإمام علي (عليه السلام) قد بلغ ما بلغ من المرتبة السامية بسبب حركته في خطّ هذه الأركان الثلاثة وهي : الإيمان، الهجرة، الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس. فإذا أردنا الإقتداء بالإمام علي (عليه السلام)وبأولياء الدين فلابدّ من تجسيد هذه الاُصول الثلاثة في حياتنا العملية وإحيائها في أعماق وجودنا وقلوبنا.

   ومن أجل تقوية الإيمان في وجودنا هناك طريقان : الأوّل : مطالعة ودراسة الشيء الذي نؤمن به، مثلاً لأجل تقوية إيماننا بالله وتعميقه في قلوبنا لابدّ من النظر والتفكّر في أسرار عالم الخلقة والسعي إلى زيادة الآفاق العلمية في أسرار الكون وآيات الكتاب السماوي كما يحثّنا القرآن دائماً على ذلك، والخلاصة هي أن تعميق الإيمان بأي شيء يحتاج إلى دراسة ذلك الشيء والإنفتاح الفكري على تفاصيله.

[ 236 ]

   الثاني : هو طريق بناء الذات وتهذيب النفس وتطهير القلب من شوائب التعلّقات الدنيوية، لأن الإيمان نور يشرق على قلب الإنسان، وكلّما كانت مرآة القلب صافية وشفافة انعكس النور عليها بصورة أفضل، فلو كان القلب ملوثاً بالخطايا والذنوب فإنّ مرآة القلب لا تعكس نور الإيمان حينئذ بصورة جيّدة.

   وأما بالنسبة إلى الهجرة فقد يتصور البعض أن هذا الأصل المهم في أجواء الدين السماوي خاصٌّ بالمسلمين في صدر الإسلام، وبعد هجرة المسلمين إلى المدينة انتهى عهد الهجرة في حين أن روايات أهل البيت (عليهم السلام) تقرر خلاف هذا المطلب، حيث نقرأ في الرواية الواردة عن الإمام علي (عليه السلام)قوله :

   «اَلْهِجْرَةُ قائِمَةٌ عَلى حَدِّها الاَْوَّل».(1)

   وتأسيساً على هذا فإنّ الهجرة مستمرّة كالإيمان والجهاد إلى يوم القيامة، والواجب على المسلمين أن يهاجروا في مختلف الظروف والأحوال، وطبعاً ففي الكثير من الحالات يختلف شكل الهجرة، ولذلك نقرأ قول الإمام علي (عليه السلام) :

   «يَقُولُ الرَّجُلُ هاجَرْتُ وَلَمْ يُهاجِرْ، اِنَّمَا الْمُهاجِرُ مَنْ هاجَرَ السَّيِّئاتِ وَلَمْ يَأْتِ بِها»(2).

   أجل، فالمهاجر الحقيقي هو الشخص الذي ترك القبائح والرذائل والذنوب وتحرّك في خطّ الطاعة والعبودية والتقوى وهاجر من السيئات إلى الحسنات والأعمال الصالحة، والمهاجر الواقعي هو الشخص الذي يهجر أصدقاء السوء ورفاق مجالس البطالين والملوثين بالذنوب ويبتعد عنهم، الهجرة من المال الحرام، من المقام الحرام، من الذنوب، واجبة ولازمة، وبديهي أن هذا النمط من الهجرة لا يختصّ بالمسلمين في أوائل البعثة بل هو وظيفة جميع المسلمين إلى يوم القيامة.

   وأمّا الأصل الثالث وهو الجهاد بالنفس والمال فذلك أيضاً مورد الإبتلاء في كلّ عصر وزمان، فالجهاد بالنفس والمال لا يقبل التعطيل والنسخ وخاصّة مع وجود الأعداء الحاقدين الذين يعبّر عنهم القرآن الكريم (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ اَفْواهِهِم)(3)، الأعداء


1 . ميزان الحكمة : ج 10، ص 302، باب 3989، ح 20755.

2 . بحار الأنوار : ج 97، ص 99.

3 . سورة آل عمران : الآية 118.

[ 237 ]

الذين لا يلتزمون بأي مبدأ إنساني وأصل أخلاقي ومستعدون لإرتكاب كلّ جناية وجريمة في سبيل المحافظة على منافعهم اللامشروعة، ففي مقابل مثل هذا العدو الخطر ينبغي على المسلمين أن يكونوا مستعدين دائماً للتصدي له والجهاد ضده وأن يكونوا دائماً في حيوية ونشاط وحماسة، ولهذا السبب فنحن نعتقد بأن الأشخاص الذين يتحركون على مستوى تضعيف أو إماتة روحية الشجاعة والجهاد والتصدي للظالمين في نفوس المسلمين بذريعة الألعاب الملوّثة أو حتّى التسليات الدنيوية الرخيصة فإنّ هؤلاء يقومون بخيانة كبيرة لبلدهم ولأنفسهم ولدينهم.

   ربّنا، زد في حرارة نور الإيمان في قلوبنا حتّى نتمكن بنور الإيمان أن نهاجر من أجواء الذنوب الظلمانية وننقذ أنفسنا والآخرين بسلاح الجهاد في سبيل الله.

 

بحثان

1 ـ لماذا لم يرد إسم الإمام علي (عليه السلام) في القرآن ؟

   سؤال : إذا كان الإمام علي (عليه السلام) هو المنصوب من الله لأمر الخلافة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)مباشرة ـ كما تعتقدون بذلك وتسعون لإثبات هذا المطلب من خلال الآيات القرآنية ـ إذن فلماذا لم يرد اسم الإمام علي بصراحة في القرآن الكريم حتّى ننتهي من كلِّ هذه الأبحاث والإختلافات ؟

   الجواب : نظراً إلى أن إسم «علي» لم يكن منحصراً بالإمام علي (عليه السلام) كما هو الحال في «أبو طالب» حيث لم تكن هذه الكنية منحصرة بوالده، بل هناك العديد من الأشخاص بين العرب يسمون باسم «علي» و «أبو طالب» وعلى هذا الأساس لو ورد اسم «علي» بصراحة في القرآن الكريم فإن هؤلاء الأشخاص الذين لم يروق لهم قبول هذه الحقيقة سيتحركون
بذرائع مختلفة إلى تطبيق هذا الإسم على شخص آخر، ولهذا كان من الأفضل ذكر الصفات والخصائص المنحصرة بالإمام علي (عليه السلام) في القرآن الكريم وتعريفه للناس من هذا الطريق لكيلا يتم تطبيق هذه الصفات والخصائص على غيره من الأشخاص، ولهذا اختار الله تعالى في القرآن الكريم هذا المنهج والسبيل لإرشاد الناس إلى الإمام علي (عليه السلام)بعنوانه وليّ

[ 238 ]

المؤمنين وخليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بلا فصل، رغم أن الأشخاص الذين في قلوبهم مرض ويتحركون في خطّ الإنحراف والزيغ يفسّرون هذه الآيات الكريمة بشكل آخر.

   سؤال آخر : ورد في الحديث الشريف عن يونس بن عبدالرحمن قال : قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) : إن قوماً طالبوني باسم أميرالمؤمنين في كتاب الله عزّوجلّ، فقلت لهم : من قوله تعالى : (وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْق عَلِيّاً)(1).

   فقال : «صَدَقْتَ هُوَ هكَذا»(2).

   فهل أن هذه الرواية تتفق مع ما ذكرتم من عدم ذكر اسم الإمام علي (عليه السلام) صريحاً في القرآن الكريم ؟

الجواب : بلا شكّ إنّ مفردة «عليّا» الواردة في الآية الشريفة هذه ليست اسم شخص معيّن (أي ليست اسم علم) بل هي وصف لكلمة «لسان»، وأما الرواية المذكورة فغير معتبرة من حيث السند، لأن أحد رواتها «أحمد بن محمّد السياري» وهو ضعيف جدّاً، وهو الشخص الذي نقل الكثير من روايات تحريف القرآن، ولهذا فالروايات التي يقع في سندها هذا الرجل غير مقبولة وغير معتبرة، ويقول العلاّمة الاردبيلي في شرح حاله : «هو رجل ضعيف وفاسد المذهب ورواياته فارغة وغير قابلة للاعتماد»(3) وعلى هذا الأساس فالرواية أعلاه غير معتبرة.

 

2 ـ لماذا لم يقضِ النبي (صلى الله عليه وآله) على المنافقين ؟

   سؤال : إنّ المنافقين وجّهوا بلا شكّ في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) وبعد رحلته ضربات قاسية للدعوة الإسلامية وللمجتمع الإسلامي وهم الذين تبنوا الإنحراف الذي حصل في مسألة الخلافة والإمامة، ولا شكّ أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) كان يعرف هؤلاء الأشخاص ويعلم بنفاقهم، ومع الإلتفات إلى هذا المعنى فلماذا لم يتحرك النبي (صلى الله عليه وآله) في حال حياته للقضاء


1 . سورة مريم : الآية 50.

2 . البرهان في تفسير القرآن : ج 3، ص 14.

3 . جامع الرواة : ج 1، ص 67.

[ 239 ]

عليهم ليضمن بذلك سلامة الدعوة الجديدة والاُمّة الإسلامية ؟

   الجواب : إنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أجاب على هذا السؤال في حديث شريف حيث قال :

   «لولا إنّي أكره أن يقال : إن محمّداً استعان بقوم حتّى إذا ظفر بعدوّه قتلهم، لضربت أعناق قوم كثير»(1).

   ولكن مع الإلتفات إلى هذا الإتّهام الذي يفضي في الواقع إلى اهتزاز عقيدة الناس بالنبوّة والدين الجديد، فمن أجل أن لا يثور هذا التوهم والتصور في أذهان الناس فإنّ النبي لم يحرك ساكناً ضد المنافقين بل كان يتحمل آذاهم ويصبر على مشاكساتهم.

—–


1 . وسائل الشيعة : ج 18، باب 5 من أبواب حدّ المرتد، ح 3.

[ 240 ]

[ 241 ]

 

 

آية النصرة

3

«سورة الأنفال / الآية 62»

 

أبعاد البحث

   هذه الآية الشريفة التي تسمّى بآية النصرة هي آية اُخرى من آيات فضائل ومناقب أميرالمؤمنين (عليه السلام).

   سؤال : إنّ موضوع البحث هو الآيات المتعلقة بمسألة الإمامة والخلافة لأميرالمؤمنين (عليه السلام)فما هو ارتباط هذه الآية مع مسألة الإمامة ؟

   الجواب : إنّ الآيات المستخدمة لإثبات إمامة وخلافة أميرالمؤمنين (عليه السلام) بعد رسول الله  (صلى الله عليه وآله)على قسمين :

   القسم الأوّل : الآيات التي تدلُّ بصراحة ووضوح على إمامة أميرالمؤمنين مثل آية «إكمال الدين» و «آية الولاية» وأمثال ذلك التي تقدّم الكلام عنها في الفصل الأوّل.

   القسم الثاني : الآيات التي لا تدلُّ على مسألة الإمامة والخلافة بصورة مباشرة بل تتضمن فضائل أميرالمؤمنين الخاصّة، وبالإمكان مع الإستعانة بمقدمة عقلية إثبات الإمامة أيضاً بهذه الآيات الكريمة، كما تقدّم نظير ذلك في الآيات السابقة وسيأتي أيضاً في شرح وتفسير آية النصرة وسائر الآيات من هذا القبيل.

[ 242 ]

الشرح والتفسير

التعبئة الكاملة والإستعداد التام

   لأجل توضيح مضمون آية النصرة نرى من اللازم الحديث عن آيات 60 ـ 63 من سورة الأنفال، وهي قوله تعالى :

   (وَاَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ).

   هذه الآية الشريفة مطلقة وتستوعب جميع الأمكنة والأزمنة والأدوار التاريخية في المجتمعات الإسلامية، لأنها لا تتحدّث عن أسلحة معيّنة وخاصّة ينتهي مفعولها بانتهاء زمانها وتخرج من حيّز الإستعمال، بل ورد التعبير بكلمة «قوّة» أي أن المسلمين يجب عليهم التهيؤ دائماً للأعداء والتسلّح بأنواع الأسلحة التي تثير فيهم القوّة والقدرة على التصدي لأعداء الإسلام فيجب عليهم أن يتسلحوا بالأسلحة المتطورة ويجهّزوا جيوشهم بالأنظمة العسكرية المتقدمة، وكلمة «قوّة» تشمل مضافاً إلى الأسلحة الأشياء الاُخرى التي تستخدم في الحرب ضد الأعداء من قبيل : أجهزة الإعلام التي تعتبر في العصر الحاضر سلاحاً فعّالاً يستخدم في القضاء على روحية العدو، كما أن هذه الكلمة تشمل أيضاً الاُمور الاقتصادية والأخلاقية والإجتماعية كذلك، والخلاصة إنّها تطلق على كلِّ ما ينفع المسلمين في جهادهم ضد العدو ويمكّن المسلمين من إجهاض محاولاته الرامية إلى الإستيلاء على البلاد الإسلامية والقضاء على الإسلام.

   (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ).

   في هذا المقطع من الآية الشريفة يتحدّث القرآن عن الهدف والغاية من تهيئة وسائل القوّة والسلاح للمسلمين، فالهدف من هذا التهيؤ والإستعداد ليس هو قتل الناس وتخريب العالم والإغارة على المساكين والمحرومين بل الهدف هو الدفاع المشروع فيجب تعبئة جميع القوى والطاقات وتهيئة جميع أنواع الأسلحة لكيلا يتجرأ العدو على الهجوم على البلد الإسلامي بل لا يدور في ذهنه أن يهجم يوماً عليكم، لأن الظالمين والجبّارين متى ما وجدوا فرصة للهجوم والغارة على الضعفاء والدول الفقيرة والضعيفة فإنهم لا يجدون رادعاً أمامهم من العدوان والحرب، والقوّة العسكرية هي العامل الأساس لمنع هؤلاء من

[ 243 ]

عدوانهم، ولذلك فإنّ رفع المستوى العسكري بإمكانه أن يخيف الأعداء، أي أعداء الله وأعداءكم، والعدو الظاهر والعدوّ الخفي والمستور، فالهدف من زيادة القوّة الدفاعية والقدرة العسكرية يجب أن يكون من منطلق الدفاع المنطقي والمشروع أمام تعدّي الآخرين.

   (وَما تُنْفِقوا مِنْ شَيْء فِي سَبيلِ اللهِ يُوَفَّ إلَيْكُمْ وَاَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ).

   بلا شك فإنّ تقوية البنية الدفاعيّة للبلد الإسلامي ورفع مستوى القوّة العسكرية لجيش الإسلام واستخدام مختلف الأسلحة المتطورة ورفع المستوى الفني، الإقتصادي، الإعلامي، الأخلاقي، الإجتماعي وأمثال ذلك رغم أنه يحتاج إلى رصيد مالي ضخم وكبير ولكن يجب على المسلمين تأمين هذه النفقات فكلّما ينفق في هذا السبيل وفي خطّ تقوية الإسلام والبلد الإسلامي فإنّ الله تعالى سيعيده إليكم وسوف لا تتضررون من ذلك حتماً.

   (وَاِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ اِنَّهُ هُوَ السَّميعُ الْعَليمُ).

   فرغم أن المسلمين ينبغي عليهم تعبئة جميع طاقاتهم ورفع مستواهم العسكري والنظامي ولكن إذا أراد العدو يوماً أن يمدّ إليكم يد الصلح فعلى المسلمين أن يقبلوا بذلك ولا ينبغي عليهم الإصرار على الحرب، فهذه الآية الشريفة تعتبر جواباً قاطعاً لبعض الأبواق الإستعمارية التي تصر على أن الإسلام دين السيف ويدعو إلى الحرب دائماً، فإنّ الإسلام إذا كان دين الحرب فلا معنى لأن يدعو إلى الصلح ويفرض على المسلمين أن يصافحوا اليد التي تمتد إليهم بالصلح والسلم.

   ثمّ إنّ الله تعالى يحذّر المسلمين :

   (وَاِنْ يُريدُوا اَنْ يَخْدَعُوك فَاِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي اَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنينَ).

   فرغم أن الإسلام يدعو إلى الصلح ويأمر المسلمين كذلك أن يستجيبوا لدعوات الصلح التي تصدر من العدو ولكنه يحذّر المسلمين أن يأخذوا جانب الحيطة والحذر من مكر الأعداء وخدعهم، فحتّى في حال الصلح يجب على المسلمين أن يحتفظوا بقوّتهم العسكرية وقدرتهم الدفاعية بأعلى المستويات لكيلا يطمع فيهم العدو ويستغل هذه الفرصة في أجواء الصلح ويهاجم المسلمين على حين غرّة، فقد يكون طلبه للصلح بسبب أنه وجد

[ 244 ]

نفسه ضعيفاً ويريد أن يجدد قواه ويزيد من قدراته العسكرية فيقترح على المسلمين الصلح
الكاذب ويشغلهم مدّة لمحادثات الصلح حتّى يتهيأ من جديد لانزال ضربة قاصمة بالمسلمين، ولكنّ المسلمين إذا تحركوا في أجواء الصلح من موقع الحذر والإحتياط واحتفظوا بقواهم العسكرية فإنهم سيأمنون من كيد العدو، الإمام علي (عليه السلام)يوصي قائده الشجاع مالك الأشتر في عهده له بأن يستغل أية فرصة للصلح مع العدو ولكنه يحذّره من مكر الأعداء ويقول :

   «ولا تدفعنّ صلحاً دعاك إليه عدوّك ولله فيه رضى... ولكن الحذر كلّ الحذر من عدوّك بعد صلحه، فإنّ العدوّ ربّما قارب ليتغفّل فخذ بالحزم، واتّهم في ذلك حسن الظّن».(1)

   ثمّ إنّ الله تعالى في ختام الآية الشريفة يقول للنبي الكريم (صلى الله عليه وآله) بأن الله تعالى سيكفيك مكرهم في هذه الصورة فهو الذي أيّدك بنصره وبالمؤمنين :

   (وَاَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَو اَنْفَقْتَ ما فِي الاَْرْضِ جَميعاً ما اَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللهَ اَلَّفَ بَيْنَهُمْ اِنَّهُ عَزيزٌ حَكيمٌ).

   فليس بإمكانك أن تؤلف بين قلوب العرب والقبائل العربية المتنازعة والمتعادية بأدوات المال والقوّة وأمثالها فلو أنك أنفقت عليهم جميع ثروات الأرض لم تتمكن من تأليف قلوبهم ولكنّ الله تعالى هو الذي ألّف بينهم، وهذه نعمة عظيمة عليك وعلى المسلمين.

   إنّ الآيات الأربع المذكورة آنفاً تحتاج إلى أبحاث معمّقة ودراسات كثيرة لاستكشاف مضامينها واستجلاء معانيها ولكننا نكتفي بهذا المقدار ونصرف النظر إلى مباحث اُخرى.

 

من هم المؤمنون ؟

   سؤال : في حقّ من نزلت آية النصرة هذه، ومن هو المقصود بالمؤمنين ؟


1 . نهج البلاغة : الكتاب 53.

[ 245 ]

   الجواب : وردت روايات كثيرة في هذا المجال ذكرها العلاّمة الأميني في «الغدير»(1)، وكذلك ذكرها صاحب «احقاق الحقّ»(2) وهذه الروايات على قسمين :

   الأوّل : الروايات التي تقول : بأن أوّل ناصر ومعين للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) هو الإمام علي (عليه السلام)وهذه الآية الشريفة تشير إلى الإمام علي.

   الثاني : الروايات التي تتحدّث عن نصرة الإمام علي (عليه السلام) للنبي ولكنّها لا تذكر شيئاً عن تطبيق آية النصرة عليه، ونكتفي بذكر رواية واحدة من كلٍّ من هذين القسمين :

   1 ـ ما أورده ابن عساكر صاحب كتاب «تاريخ دمشق» عن أبي هريرة(3) أنه قال :

   «مَكْتُوبٌ عَلَى الْعَرْشِ لا اِلهَ إلاّ أنَا وَحْدِي، لا شَريكَ لي، وَمُحَمَّدٌ عَبْدي(4) وَرَسُولي، اَيَّدْتُهُ بِعَلِيٍّ وَذلِكَ قَوْلُهُ (هُوَ الَّذِي اَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنينَ)».(5)

   وهنا لابدّ من التلميح بثلاث نقاط :

   أوّلاً : بالرغم من أن أبا هريرة لم يصرّح بنسبة هذه الرواية إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)ولكن مع الأخذ بنظر الإعتبار جملة «مَكْتُوبٌ عَلَى الْعَرْشِ» يتّضح جيّداً أن أبا هريرة سمعها من النبي لأنه لا يمكنه أن يدّعي هذا بنفسه.

   ثانياً : إنّ شأن نزول آيات القرآن على نحوين : الأوّل : شأن النزول المنحصر بفرد معيّن مثل آية «إكمال الدين» و «آية الولاية» وأمثالهما من الآيات التي نزلت في شأن عليّ ابن أبي طالب بالخصوص ولا تستوعب في أجواءها غيره من المسلمين.

   الثاني : شأن النزول العامّ والذي لا ينحصر بفرد معيّن ولكن هناك مصداق أكمل لمضمون هذه الآيات الشريفة حيث يرد ذكر هذا المصداق عادةً في الروايات من قبيل «آية


1 . الغدير : ج 2، ص 49 فصاعداً.

2 . احقاق الحقّ : ج 3، ص 194 فصاعداً.

3 . لقد وردت هذه الرواية بطرق اُخرى أيضاً غير طريق أبي هريرة، ومنها عن ابن عبّاس، وجابر، وأنس.

4 . مسألة العبودية إلى درجة من الأهمّية أنها ذكرت قبل الرسالة والنبوة كما أن المصلّي في التشهد يذكر الشهادة بالعبودية قبل الشهادة بالرسالة لرسول الله.

5 . نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 194.

[ 246 ]

النصرة» الواردة في حقّ المسلمين بشكل عامّ ولكنّ الإمام علي (عليه السلام) هو المصداق البارز والكامل لها.

   ثالثاً : مضافاً إلى ابن عساكر هناك مؤرّخين وعلماء نقلوا في كتبهم هذه الرواية أيضاً ومنهم :

   الف ) محبّ الدين الطبري في «الرياض»(1).