ج ) القندوزي في «ينابيع المودّة»(3).

   د ) العلاّمة الگنجي في «كفاية الطالب».(4)

   2 ـ وقد ذكر العلاّمة الأميني روايات كثيرة بأسناد اُخرى أن الإمام علي (عليه السلام) هو أوّل ناصر للنبي (صلى الله عليه وآله) ولكنّها لا تصرّح بأن المراد من الآية الشريفة هو عليّ بن أبي طالب، ومن جملة هذه الروايات ما ورد عن «أنس بن مالك» عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه قال :

   «لَمَّا عُرِجَ بِي : رَأَيْتُ عَلى ساقِ العَرْشِ مَكْتُوباً : لا اِلهَ إلاَّ اللهُ، محمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، اَيَّدْتُهُ بِعَلِيٍّ، نَصَرْتُهُ بِعَلِيٍّ»(5).

   الحديث الشريف هذا مذكور في مختلف كتب أهل السنّة ومنها :

   1 ـ ذخائر العقبى(6).

   2 ـ مناقب الخوارزمي(7).

   3 ـ فرائد الحمويي(8).


1 . الرياض : ج 2، ص 172 نقلاً من الغدير : ج 2، ص 50.

2 . الدرّ المنثور : ج 3، ص 199 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3 ص 194.

3 . ينابيع المودّة : ص 94 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3 ص 194.

4 . كفاية الطالب : ص 110 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 194.

5 . تاريخ بغداد : ج 11، ص 173 نقلاً عن الغدير : ج 2، ص 50.

6 . ذخائر العقبى : ص 69 نقلاً من الغدير : ج 2، ص 50.

7 . مناقب الخوارزمي : ص 254 نقلاً عن الغدير : ج 2، ص 50.

8 . فرائد الحمويي : باب 46 نقلاً عن الغدير : ج 2، ص 50.

[ 247 ]

   4 ـ الخصائص الكبرى للسيوطي(1) وكتب اُخرى(2).

   امّا ما ذكر في هذا الحديث «على ساق العرش مكتوباً» فيدلُّ على أهمية هذه المسألة بحيث أنها كتبت على ساق العرش الإلهي وذكرت إلى جانب اسم الله تعالى واسم رسوله اسم علي ابن أبي طالب أيضاً، وهذا يدلُّ على أن الإمام علي (عليه السلام) هو المصداق البارز والفرد الكامل لعنوان الناصر، وبديهي أن الله تعالى إذا أراد أن يختار خليفة لرسوله الكريم فإنه يختار من بين المسلمين الأفضل والأكمل منهم لهذا المقام، وإذا أراد المسلمون أن يختاروا شخصاً لهذا المقام فإنّ العقل يحكم بضرورة اختيار مثل هذا الشخص.

 

توصية الآية

الدفاع عن الإسلام بكلّ القوى

   رأينا في الآيات الشريفة المذكورة آنفاً دور الإمام علي (عليه السلام) وأهميته الكبيرة في نصرة النبي الكريم (صلى الله عليه وآله) وحماية الرسالة السماوية، إنّ أميرالمؤمنين (عليه السلام) قد حصل على هذا المقام في ظلّ تحركه الدائب وسعيه المستمر في الدفاع عن قائد المسلمين في أحلك الظروف وأشد الأزمات، وعندما كان الإسلام على شرف الإنهيار والسقوط فإنّ الإمام علي (عليه السلام) كان يبذل كلّ ما اُوتي من قوّة للدفاع عن هذا الدين الإلهي، مثلاً في حرب اُحد حيث إنهزم جميع المسلمين وتركوا النبي (صلى الله عليه وآله)لوحده في ميدان القتال نجد أن الإمام علي (عليه السلام) استمر في قتال الأعداء ومناجزتهم ولم يكن له علم بحال النبي (صلى الله عليه وآله) ولكنه كان يعلم أن النبي ما زال في الميدان وأنه ليس بالإنسان الذي يفر من قتال العدو، ولهذا ففي حين أنه كان مشغولاً في قتال الأعداء كان يبحث عن النبي (صلى الله عليه وآله) في الميدان فرآه في أحد الجوانب وقد كسرت ثنيته المباركة وسال الدم من فمه وجبهته، فما كان من الإمام علي (عليه السلام) إلاّ أن أخذ يدور حوله ويذبّ الأعداء عنه حتّى تحمّل جراحاً بليغة في سبيل الدفاع عن النبي (صلى الله عليه وآله)(3)، وعلى الشيعة


1 . الخصائص الكبرى : ج 1، ص 7 نقلاً عن الغدير : ج 2، ص 51.

2 . راجع الغدير : ج 2، ص 50 و 51.

3 . نور الأبصار : ص 96 ـ 97.

[ 248 ]

أيضاً أن يبذلوا كلّ شيء من نفس ومال وأخلاق وحُسن معاشرة ومحبّة وعلم وجميع القابليات والإمكانات التي لديهم في سبيل الدفاع عن الإسلام لكي يردوا يوم القيامة مرفوعي الرأس ولا يردون عرصات المحشر في حالة الخجل من النبي (صلى الله عليه وآله)والإمام علي (عليه السلام).

[ 249 ]

 

 

آية علم الكتاب

4

«سورة الرعد / الآية 43»

 

أبعاد البحث

   الآية الاُخرى من آيات فضائل الإمام علي (عليه السلام) التي يمكن اعتبارها دليلاً على إمامته هي آية «علم الكتاب» حيث تقرر هذه الآية أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) استشهد بشاهدين على صدق ادعائه : أحدهما الله تعالى، والآخر «من عنده علم الكتاب» فكيف تقرر شهادة هذين على صدق دعوى النبي، ومن هو المراد بـ «من عنده علم الكتاب» ؟ فذلك ما سيأتي تفصيله لاحقاً، ولكن قبل استعراض تفسير الآية نرى أن من الضروري الإشارة إلى مقدمة :

 

لا تقبلوا أمراً بدون دليل

   إنّ أحد تعليمات القرآن الكريم الأساسية هو أنه يوصي جميع المسلمين بل جميع الناس أن لا يقبلوا شيئاً وفكرة وعقيدة بدون دليل، أجل فإنّ الإسلام يؤكد على قبول العقيدة إذا كانت مقترنة مع الدليل والبرهان.

   ونقرأ في القرآن الكريم أربع آيات تشير إلى هذا الموضوع حيث تقول :

[ 250 ]

   (قُلْ هاتُوا بُرهانَكُمْ)(1).

   المخاطَب في هذه الآيات تارةً هم اليهود والنصارى حيث يأمر الله تعالى نبيّه الكريم بأن يقول لهم أن يأتوا بدليل وبرهان على صدق مدّعياتهم (من قبيل أنه لا يرد أحد غيرهم الجنّة).

   وتارةً اُخرى يكون المخاطب هم المشركون الذين يدّعون ادعاءات زائفة في شأن الأصنام، فهؤلاء يجب عليهم أن يقدّموا الدليل العقلي على دعواهم وإلاّ فلا يقبل منهم ما يقولون.

   بل إنّ أحد الآيات هذه تشير إلى يوم القيامة أيضاً، فهناك لو أن أحداً إدعى شيئاً يجب أن يكون ادعاؤه مقروناً بالدليل والبرهان.

   وعلى هذا الأساس يستفاد من الآيات أعلاه أنه لابدّ لكلّ قوم وأتباع كلّ مذهب أن يأتوا بالدليل على أفكارهم وعقائدهم(2)، وهذه الثقافة القرآنية الراقية إذا تمّ تجسيدها على مستوى الممارسة والعمل فإنّ من شأنها أن تقف حائلاً أمام الخرافات والأفكار الزائفة


1 . جاءت هذه الجملة في الآيات 111 من سورة البقرة، و24 من سورة الأنبياء، و64 من سورة النمل، و75 من سورة القصص.

2 . سؤال : كيف يرجع الناس إلى العلماء والمراجع في مسائلهم الدينية من دون المطالبة بالدليل بل يجب عليهم اتّباعهم في الفتوى حتّى لولم يقيموا لهم دليلاً على فتواهم ؟

الجواب : إن الدليل يكون على نحوين : (أ) الدليل التفصيلي، (ب) الدليل الإجمالي، وبالنسبة إلى اُصول الدين والإعتقادات فلابدّ من الدليل التفصيلي بما يناسب حال المسلم ووضعه العلمي، وعليه أن يعتقد بالاُصول من قبيل التوحيد والنبوّة والإمامة والمعاد عن دليل وبرهان، ولكن في فروع الدين لا حاجة إلى الدليل التفصيلي بل لا يمكنه ذلك لأنه يستغرق من كلّ شخص عشرات السنين من البحث والدرس في الحوزات العلمية وترك الأعمال الاُخرى ممّا يستلزم انهدام النظم في المجتمع، وعليه فكما أن المريض يجب أن يراجع الطبيب الملتزم والمتخصص ليصف له الدواء من دون حاجة إلى الدليل، فكذلك في المسائل الدينية على المكلّف مراجعة الفقيه الذي قضى عمره في البحث والدرس والتحصيل في الحوزات العلمية وله تجربة كافية في استنباط الأحكام الشرعية، ويتّصف بالعدالة والأمانة ولا يحتاج حينئذ إلى دليل لاثبات صحة الفتوى لكلّ حكم من الأحكام الشرعية، والنتيجة أن الناس في تقليدهم للفقهاء لا يرجعون إليهم بدون دليل، بل يوجد دليل اجمالي وهو لزوم رجوع الجاهل إلى العالم.

[ 251 ]

والعقائد الواهية وحتّى أمام الشائعات وأنواع التهم والتخرّصات، وفي مثل هذا المجتمع
القرآني لا يمكن لأي فئة مغرضة إيجاد حالة من التشويش والإضطراب في الذهنية المسلمة ليصطادوا السمك في الماء العكر ويركبوا أمواج الضلالة والأزمات الإجتماعية وبالتالي يذبحوا الإسلام عند عتبة أغراضهم ومنافعهم الشخصية، وعلى هذا الأساس فإنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)استشهد لصدق دعواه بدليلين وشاهدين معتبرين بحيث يقبل شهادتهم كلُّ إنسان.

   ومع الإلتفات إلى هذه المقدمة نشرع في تفسير الآية الشريفة :

 

الشرح والتفسير

الشهود على النبوّة

   (وَيَقُوُلُ الَّذِينَ كَفَروُا لَسْتَ مُرْسَلاً) وعليه فإنه ينبغي على النبي (صلى الله عليه وآله) لإثبات صدق دعواه ورسالته أن يأتي بالدليل والبرهان وفقاً لما قرّره القرآن الكريم من قاعدة وقانون في دائرة الفكر والمعتقدات، ولهذا فإنّ الله تعالى يقول في سياق الآية الشريفة :

   (قُلْ كَفى بِاللهِ شَهيداً بَيْني وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ).

   فهنا ذكر النبي شاهدين : الأوّل هو الله تعالى، والثاني هو الشخص الذي عنده «علم الكتاب» أي الشخص الذي يعلم بجميع ما في الكتاب لا بجزء منه، وهذان الشاهدان كافيان لمن كان يتحرك في طلب الحقّ والحقيقة.

 

كيفية شهادة الله

   سؤال : إنّ الله تعالى غائب عن الأنظار ولا يستطيع أحد من الناس أن يراه فكيف يشهد بصدق رسالة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وصدق دعواه ؟

   الجواب : إنّ الله تعالى من خلال المعجزات التي يضعها تحت اختيار النبي (صلى الله عليه وآله)يمثّل شاهد صدق على رسالة نبي الإسلام لأنه من المحال على الله الحكيم أن يضع أكثر من معجزة بل مئات المعاجز بيد مدّعي النبوّة الكاذب ليضل عباده، فالله تعالى لا يمكن أن يضل عباده بهذه الصورة، وعليه فعندما يضع الله تعالى العديد من المعجزات بيد النبي فإنه يشهد بذلك على صدقه.

[ 252 ]

من هو الذي «عنده علم الكتاب» ؟

   يذكر العلاّمة الطبرسي في مجمع البيان ثلاث نظريات في هذا المجال :

   1 ـ أن المراد بقوله (مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ) هو الله تعالى، وفي الحقيقة فهذه الجملة بمثابة عطف تفسيري على «بالله» الذي ورد في صدر الآية، فكليهما بمعنى واحد، وعليه ففي هذه الآية الشريفة لا يوجد أكثر من شاهد واحد يشهد على صدق إدعاء نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله)وهو الله تعالى(1).

   ولكنّ هذه النظرية مردودة، لأن الأصل الأولي في العطف هو التعدد والجملة المعطوفة تقرر مطلباً جديداً غير المعطوف عليه، والعطف التفسيري خلاف الأصل، وهذه الحقيقة يذعن لها علماء اللغة والأدب العربي، وعليه فما لم يتوفر لنا دليل معتبر على أن الجملة أعلاه هي عطف تفسيري، فلابدّ من حملها على معنىً آخر غير المعطوف عليه لئلاّ نقع في إشكالية التكرار، ولذلك فالنظرية الاُولى غير مقبولة.

   2 ـ ومنهم من ذهب إلى أن المراد من جملة (مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ) هم اُولئك الأشخاص من أهل الذمّة الذين اعتنقوا الإسلام ومنهم «عبدالله ابن سلام»(2) العالم اليهودي، ولكنه كان منصفاً وقد قرأ علامات نبوّة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في التوراة وعندما رآها منطبقة على محمّد بن عبدالله (صلى الله عليه وآله) وعلم أنه مرسل من الله تعالى آمن به في حين أنه لو بقي على دين اليهودية كان يحظى بمنزلة كبيرة بينهم وقد يحصل من ذلك الكثير من الأموال والثروات، ولكنه عندما علم بحقيقة الأمر سحق أهواءه النفسية واعتنق الإسلام، ولهذا فإن هذا الشخص هو الذي عنده «علم الكتاب» أي كان يعلم بعلائم النبي في التوراة ويشهد بذلك، إذن فإن هذه الآية تقرر شاهدين على صدق ادعاء النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وبعبارة اُخرى إنّ الله تعالى والكتب السماوية السابقة تشهد بصدق نبوّة نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله).

   ولكنّ هذه النظرية أيضاً غير مقبولة، لأن سورة الرعد من السور المكية في حين أن


1 . مجمع البيان : ج 3، ص 301.

2 . نفس المصدر السابق.

[ 253 ]

عبدالله ابن سلام اعتنق الإسلام في المدينة، وعلى هذا الأساس فإنّ زمان نزول الآية محل البحث قبل إيمان عبدالله بن سلام بعدّة سنوات فلا يمكن أن تشير الآية إلى إيمان هذا الشخص وشهادته.

   3 ـ وهي النظرية التي وردت في الكثير من كتب التفسير والتاريخ والحديث حيث تقرر أن المراد بجملة «من عنده علم الكتاب» هو الإمام علي ابن أبي طالب  (عليه السلام)(1).

   يقول أبوسعيد الخدري من علماء الإسلام وصحابة النبي (صلى الله عليه وآله) والمقبول لدى أهل السنّة والشيعة :

   «سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن هذه الآية : الذي عنده علم من الكتاب(2) قال : ذاك وزير أخي سليمان بن داود (عليه السلام)، وسألته عن قول الله عزّوجلّ : قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب، قال ذاك أخي علي بن أبي طالب»(3).

   ويروي هذه الرواية مضافاً إلى أبي سعيد الخدري : عبدالله ابن عبّاس، سلمان، سعيد ابن جبير، محمّد ابن الحنفية، زيد بن علي وآخرون أيضاً، ومن جملة من ذكر هذه الرواية في كتابه : القرطبي(4)، السيوطي(5)، العلاّمة الدشتكي الشيرازي(6)، الترمذي(7) وآخرون، وعليه فإن أفضل تفسير لجملة «من عنده علم الكتاب» هو أن المراد منها الإمام علي ابن أبي طالب (عليه السلام).

 

كيف يشهد الإمام علي (عليه السلام) بالنبوّة ؟

   سؤال : مع الإلتفات إلى الروايات الكثيرة الواردة في شأن نزول هذه الآية الشريفة التي


1 . مجمع البيان : ج 3، ص 301.

2 . سورة النمل : الآية 40.

3 . ينابيع المودّة : ص 102 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 281.

4 . الجامع لأحكام القرآن : ج 9، ص 336 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 280.

5 . الإتقان : ج 1، ص 13 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 280.

6 . روضة الأحباب : ج 1، وقائع السنة التاسعة نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 280.

7 . مناقب المرتضوي : ص 49 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 280.

[ 254 ]

تؤيد أنها واردة في شأن الإمام علي (عليه السلام)، يثار هنا سؤال آخر وهو : كيف يمكن أن يشهد الإمام علي (عليه السلام) على نبوّة ورسالة النبي محمّد (صلى الله عليه وآله) ؟

   وفي مقام الجواب عن هذا السؤال نذكر مثالين على ذلك :

   ألف ) إذا دخل أحد الأشخاص مدينة معيّنة ولم يكن له فيها أيُّ شخص يعرفه، وحينما يحين وقت يتوجه إلى المسجد ليدرك فضيلة صلاة الجماعة وفضيلة الصلاة أوّل الوقت، فمع العلم بأنه لا يعرف أحداً من هذه المدينة كيف يمكنه أن يتثبت من عدالة إمام الجماعة ويقتدي به ؟

   يقول الفقهاء : إنّ مجرد حضور مجموعة من الأشخاص من أهل الإطلاع والفضل واقتداءهم به يمكنه أن يكون بمثابة الشهادة على عدالة إمام الجماعة، من قبيل أن مئات من رجال الدين والشيوخ يقتدون به في صلاتهم، فمن هنا يتبيّن لنا عدالة إمام الجماعة من خلال اقتداء المأمومين هؤلاء.

   ب ) إذا رأينا شخصاً من أهل الخبرة والفضل ومورد احترام الناس يأتي إلى اُستاذ من الأساتذة ويجلس بين يديه ليتعلم ويتتلمذ على يد هذا الاُستاذ الذي لا نعرفه إطلاقاً، فمن خلال معرفتنا بعلم وفضل التلميذ ندرك عظمة الاُستاذ وعلمه الواسع، وعلى سبيل المثال إذا رأينا الشيخ الأنصاري أو العلاّمة الحلّي يدرسان ويتعلمان عند اُستاذ غير معروف، فمن خلال التلميذ ندرك عظمة الاُستاذ.

   وبالنظر إلى هذين المثالين نجيب على السؤال المذكور :

   عندما نطالع شخصية الإمام علي (عليه السلام)ونراه متفوقاً في جميع الصفات الأخلاقية والإنسانية نرى أنّ مثل هذا الإنسان مع عظيم علمه ومعرفته بحيث إنّ الإنسان الذي يقرأ «نهج البلاغة» ويتدبر فيه وفيما يتضمنه من معارف عميقة وعلوم غزيرة لا يصدّق أن هذا الكتاب هو حصيلة ترشحات من فكر إنسان، ولهذا قيل عن نهج البلاغة : «دون كلام الخالق وأعلى من كلام المخلوق».

   الإمام علي مع ذلك القضاء العجيب والمحيّر في أدق المشكلات والمحاكمات والذي نجح بأفضل وجه في ردّ حقوق المظلومين...

[ 255 ]

   الإمام علي مع شديد عبادته وتقواه والتزامه الديني بحيث إنه في حال الصلاة لا يلتفت إلى شيء آخر سوى الله تعالى ولذلك كانوا في الموارد التي لا يستطيعون معالجته في غير الصلاة ينتظرونه ليصلّي حتّى يخرجوا السهام من بدنه الشريف وهو غافل عنها...

   الإمام علي مع شهامته وشجاعته المحيّرة والتي تضرب بها الأمثال بحيث لم يغلب في أيِّ حرب وقتال ولم يفر ولا مرّة واحدة من الأعداء...

   الإمام علي مع التزامه الشديد بالعدالة بحيث لا يمكن لأحد من الناس أن يخرجه عن حدّ العدالة وأخيراً استشهد بسبب هذا الإلتزام والإنضباط الأخلاقي بالعدالة.

   أجل، فإنّ الإمام علي (عليه السلام) بهذه الصفات والخصائص الاُخرى يمثل رمز الإنسان الكامل، وهذا الشخص قد آمن بنبي الإسلام (صلى الله عليه وآله)وجعل حياته وقفاً لتبليغ هذا الدين واعتبر نفسه عبداً من عبيد محمّد، ألا يتبين لنا من خلال إيمان الإمام علي (عليه السلام) حقانية إدّعاء النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)والرسالة السماوية ؟ وبهذا يكون الإمام علي شاهداً آخر على نبوّة نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله).

   ونعتقد أن هذا الشاهد على نبوّة النبي محمّد (صلى الله عليه وآله) إلى درجة من الأهمّية بحيث إنه لو فرضنا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يأتِ بأي دليل آخر سوى شهادة علي ابن أبي طالب لكفى.

 

المقارنة بين آصف بن برخيا وعلي بن أبي طالب (عليه السلام)

   كان آصف بن برخيا وزير النبي سليمان (عليه السلام) وقد وردت قصته في سورة النمل وهي :

   «عندما تحركت ملكة سبأ من اليمن باتجاه النبي سليمان لتسلم على يده خاطب سليمان وزراءه ومشاوريه من الجن والإنس وقال :

   أيكم يقدر على أن يأتيني بعرش الملكة من اليمن قبل أن تصل إلينا ؟

   فقال أحد العفاريت من الجنّ : أنا آتيك به ولكنّ ذلك يحتاج إلى مدّة من الزمان قد تصل إلى بضع ساعات وسوف أحضره عندك قبل إتمام هذه الجلسة.

   والظاهر أن النبي سليمان لم يقبل هذا الإقتراح وأراد حضور العرش بأسرع من هذا الوقت ولهذا قال شخص آخر وكان لديه علم من الكتاب وهو «آصف بن برخيا» : إنني

[ 256 ]

قادر على إحضاره عندك قبل أن تطرف عينك، فما أن فتح سليمان عينه وإذا به يرى عرش الملكة حاضراً عنده، وحينذاك توجه سليمان بالشكر إلى الله تعالى على هذه النعم والمواهب العظيمة(1).

   إن آصف بن برخيا وبسبب اطلاعه على بعض علم الكتاب والإسم الأعظم استطاع أن يقوم بهذا العمل الخارق للعادة، في حين أنّ الإمام علي (عليه السلام) لديه علم الكتاب أجمع وكذلك الإسم الأعظم فهل يمكن قياس قدرة آصف ابن برخيا بقدرة الإمام علي (عليه السلام) ؟

   من هذا البحث يمكننا التطرق إلى الولاية التكوينية للأئمّة الأطهار، لأن معنى العلم التكويني ليس هو أننا نعتقد بأن الإمام علي (عليه السلام)خالق السماوات والأرض «ونعوذ بالله» بل يعني أنّ هؤلاء الأولياء يتصرفون بعالم الوجود بإذن الله تعالى ومشيئته ويشبه تصرفهم عمل آصف ابن برخيا.

—–


1 . ما ورد أعلاه كان شرحاً مختصراً عن آصف بن برخيا الوارد في الآيات 38، 39، 40 من سورة النمل.

[ 257 ]

 

 

 

 

 

 

آية المؤذّن وآية الأذان

5 6

 

 

   ومن جملة الآيات التي تتعلق بفضائل الإمام علي (عليه السلام) هي الآيات 44 من سورة الأعراف، والآية 3 من سورة التوبة حيث يقول تعالى في الآية 44 من سورة الأعراف :

 

 

 

 

   ويقول في الآية 3 من سورة التوبة :

 

 

 

 

 

أبعاد البحث

   إنّ كلمة «مؤذّن» وردت في القرآن الكريم مرّتين حيث تتحدّث عن عالم الآخرة، وقد وردت في الآية 44 من سورة الأعراف، وفي الآية 70 من سورة يوسف وهكذا كلمة «أذان» وردت مرّة واحدة في الآية 3 من سورة التوبة، وكلُّ واحدة من هاتين الآيتين ترتبط بشأن الإمام علي(عليه السلام).

[ 258 ]

   «أذان» في الإصطلاح يراد به مجموعة الأذكار الخاصّة التي تقال حينما يحين وقت الصلاة لدعوة الناس إلى الصلاة والمسجد ولكن في اللغة يراد بها مطلق الإعلان، فتارةً يكون الإعلان مقارناً للتهديد، واُخرى لإعلان الحرب، وثالثة لإعلان وقت الصلاة، وبتعبير آخر أن «الأذان» تعني إخبار الناس بالخبر بصورة علانية، إذن فالأذان لا يختصُّ بالإعلان عن وقت الصلاة بل يستوعب معنىً واسعاً.

 

تفسير الآية 42 من سورة الأعراف

حوار أهل الجنّة وأهل النار

   ولأجل توضيح معاني ومفاهيم آية المؤذّن نرى من اللازم أن نبدأ بالآيات التي قبلها :

   (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلوُا الصّالِحاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً اِلاّ وُسْعَها اُولئِكَ اَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خالِدُون).

   جملة (لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً اِلاّ وُسْعَها) جاءت كجملة معترضة في الآية أعلاه وتشير إلى نكتة مهمة، وهي أن جميع الأشخاص لا يستوون في الإيمان والعمل الصالح ولا يصحّ أن يتوقع الإنسان من جميع الناس التساوي في الإيمان والعمل الصالح، بل كلُّ شخص يُكلّف بمقدار قدرته وإدراكه ولياقته، وبدون شك أن إيمان الإمام علي (عليه السلام) وسلمان وأبي ذرّ ليس بمستوى إيمان سائر الناس، ولذلك فالمتوقع من هؤلاء الأشخاص الأولياء غير ما يتوقع من الأشخاص العاديين، والخلاصة هي أن كلُّ إنسان مؤمن يدخل الجنّة بحسب قابليته وإيمانه وعمله الصالح.

   (وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ).

   فهنا تتحرّك الآية الشريفة لبيان صفات المستحقين للجنّة بعد ورودهم إليها فأوّل ما يواجه المؤمن لدى دخوله الجنّة هي أن الله تعالى يطهر قلبه من أدران الحسد والحقد تماماً ويعود إليها الصفاء والطهر والخلوص، وكلمة «غلّ» تقال لحركة الماء الخفية تحت النباتات، وبما أن عنصر الحسد والحقد يتحرك في قلب الإنسان بصورة خفية ومستورة فلذا قيل عنه بأنه «غلّ».

[ 259 ]

   سؤال : هل يعقل أنّ أهل الجنّة يعيشون الحسد والحقد ومع ذلك يدخلهم الله الجنّة ؟

   الجواب : يستفاد من بعض الروايات أن بعض الدرجات الخفيفة للحسد والحقد يمكنها أن تكون لدى المؤمن وما لم يظهرها الإنسان لا تحسب ذنباً ومعصية ولا تتنافى مع الإيمان(1)، وبهذا فإنّ الله تعالى يطهّر قلوب هؤلاء المؤمنين من أهل الجنّة من هذه الدرجة الضعيفة من الحسد والحقد ليعيشوا في الجنّة بكامل السعادة والطمأنينة والراحة النفسية.

   (تَجْري مِنْ تَحْتِهِمُ الاَْنْهارُ) إنّ أهل الجنّة يسكنون في قصور وبيوت تجري من تحتها الأنهار، أي أن الله تعالى قد بنى لهم هذه القصور والبيوت على الأنهار الجارية، وهذا من جملة النعم الاُخروية على أصحاب الجنّة والتي وردت في الكثير من الآيات الشريفة.

   (وَقالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ اَنْ هَدانا اللهُ لَقَدْ جائَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ) فعندما يشاهد أهل الجنّة كلُّ هذه النعم العظيمة والألطاف الإلهيّة الجليّة يتوجهون إلى ربّهم من موقع الشكر والثناء ويقولون : الحمد الذي هدانا لهذه النعم والمواهب الكثيرة ولولا عناية الله ورعايته ما كنّا لنهتدي إليها ولا نسلك الطريق إلى الجنّة، وأنّ رسل الله وأنبياءه كانوا يقولون الحقّ، أجل، فإنّ أهل الجنّة يعترفون بأن الهداية التشريعية للأنبياء والأولياء والكتب السماوية وكذلك الهداية التكوينية المنبعثة من الجوانب النفسانية والفطرية المودعة في وجود الإنسان هي التي أدّت بهم إلى اختيار طريق الجنّة وكسب رضا الله تعالى ونيل ألطافه وعناياته.

   (وَنُودُوا اَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ اُوْرِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) فبعد أن يشكر أهل الجنّة الله تعالى على عظيم نِعمه التي لا تحصى يقال لهم أن أدخلوا الجنّة فهي التي ورثتموها بأعمالكم.

   (وَنَادَى اَصْحابُ الْجَنَّةِ اَصْحابَ النّارِ اَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقّاً فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً) فعندما يستقر أهل الجنّة في مساكنهم وقصورهم وينظرون إلى ما حولهم بحثاً عن أصدقائهم ومعارفهم لا يجدون أفراداً منهم ويدركون أنهم صاروا من أهل النار وحرموا الورود إلى الجنّة وبذلك يخاطبون أهل النار :


1 . المنار، ج 8 ، ص 421 نقلاً عن التفسير الامثل : ذيل الآية مورد البحث.

[ 260 ]

   «إننا قد وجدنا ما وعد ربُّنا حقّاً وقد تبيّن لنا صحّة الطريق الذي سلكناه في الدنيا وأوصلنا هذا الطريق من خلال الإيمان والعمل الصالح إلى الجنّة وحظينا بجميع ما وعد الله تعالى للمؤمنين فهل وجدتم ما وعد ربُّكم حقّاً ؟ هل تحققت وعود الله في حقّكم من العقاب على ما ارتكبتم من الذنوب والجرائم ؟

   «قالُوا نَعَمْ» وهكذا يجيب أهل النار على هذا السؤال بالإيجاب وأن الله قد أنجز ما وعدهم من العذاب والعقاب الاُخروي.

   سؤال : لماذا يسأل أهل الجنّة هذه الاُمور من أهل النار ؟

   الجواب : يحتمل أن سؤالهم كان لغرض تحصيل إطمئنان أكثر وإيمان أعلى بما وعد الله رغم أن أهل الجنّة يؤمنون بجميع ما وعدهم الأنبياء من اُمور الغيب ويعتقدون به ولكنهم عندما يرون ذلك باُمّ أعينهم أو يسمعون من أهل النار تحقّق الوعيد الإلهي بحقّهم فإنّ إيمانهم سيزداد ويتعمق أكثر.

   الإحتمال الآخر هو أنهم يسألون أهل النار من أجل التهكم والذم والتقريع لهم كما كان أهل النار يلومون المؤمنين في الدنيا ويذّمونهم ويسخرون منهم على اعتقاداتهم وإيمانهم بالغيب فهذه المساءلة نوع من المقابلة بالمثل.

   (فَاَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ اَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمينَ) كختام للمحاورة المذكورة بين أهل الجنّة وأهل النار لابدّ وأن يكون هناك من يختم هذا الحوار ولذلك ورد النداء الإلهي «أن لعنة الله على الظالمين» وتنتهي بذلك المساءلة ويسدل الستار على هذه المحاورة.

 

من هو المؤذّن ؟

   سؤال : من هو المؤذّن في الآية 44 من سورة الأعراف ؟ ومن هو هذا الشخص الذي يختم الحوار المذكور بالنداء الإلهي والذي توحي الآية أن له سلطة على الجنّة والنار والقيامة ؟ ومن هو هذا الشخص الذي يسمعه جميع الناس في ذلك اليوم ويختم بكلامه عملية المحاورة بين أهل الجنّة وأهل النار ؟

   الجواب : هناك روايات متعددة مذكورة في مصادر الشيعة وأهل السنّة تؤكد على أن

[ 261 ]

المؤذّن هو الإمام علي (عليه السلام)، وعلى سبيل المثال نشير إلى نماذج منها :

   1 ـ أورد الحاكم الحسكاني الحنفي من أهل السنّة في «شواهد التنزيل» عن محمّد ابن الحنفية عن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال :

   «أَنا ذلِكَ الْمُؤذِّنُ».

   وروى الحاكم بسنده عن أبي صالح عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّه قال : قال علي(رضي الله عنه) : في كتاب الله أسماء لي لا يعرفها الناس منها المؤذن(1).

   2 ـ وكذلك نقل الحافظ أبو بكر ابن مردويه في كتاب «المناقب» أن المؤذّن هو عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)(2).

   3 ـ ونقل الآلوسي أحد المفسّرين المعروفين من أهل السنّة في تفسير «روح المعاني» عن ابن عبّاس أنه قال :

   «اَلْمُؤَذِّنُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ»(3).

   4 ـ وذكر الشيخ سليمان القندوزي مؤلف كتاب «ينابيع المودّة» في كتابه هذا أن المراد بالمؤذّن هو عليّ بن أبي طالب(4).