هل أنّ مقام المؤذّن يعدّ فضيلة ؟

   سؤال : لقد ذهب بعض المثقفين والكتّاب الإسلاميين الذين تورطوا في شراك التعصّب المذهبي عندما يصل إلى هذه الآية الشريفة والروايات المذكورة فيها ينكر كون مقام المؤذّن فضيلة للإمام علي (عليه السلام)ويقول : «على فرض أن يكون المؤذن هو الإمام علي (عليه السلام)، ولكن هذا


1 . نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 394.

2 . نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 393.

3 . روح المعاني : ج 8، ص 107 (نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 393).

4 . ينابيع المودّة : ص 101 (نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 393).

5 . مناقب المرتضوي : ص 60 (نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 393).

[ 262 ]

المعنى لا يعدّ افتخاراً له، لأنه لابدّ أن يكون هناك مؤذن يوصل النداء الإلهي للناس في المحشر، ولا يختلف الحال فيمن يكون هو المؤذن».

   الجواب : والجواب على هذا الكلام واضح لأن هذا المؤذّن إنما يعلن شيئاً بأمر الله تعالى فهو رسول من الله لإلقاء هذا الكلام على أهل المحشر أي الناطق الرسمي عن الله وهي وظيفة خطيرة وثقيلة، وعليه فإنّ هذا المقام يدلُّ على أهمية ومكانة هذا الشخص بحيث يبين للناس الرسالة الإلهية بصورة جيّدة في يوم القيامة، ومع الإلتفات إلى محتوى هذه الرسالة وأنها تشمل لعنة الله على الظالمين فلابدّ أن لا يكون هذا المؤذّن من الأفراد الملوثين بالظلم في الدنيا، وإلاّ فلا يوجد أحد يلعن نفسه، ولهذا فإنّ مقام المؤذّن في ذلك اليوم لا يعدُّ مقاماً عادياً يستطيع أيُّ شخص أن يقوم به، وعليه فإنّ هذا المقام يعدّ فضيلة كبيرة لمن يناله.

   لماذا يغمض بعض مفسّري أهل السنّة أبصارهم عن إدراك الحقائق ويمرون على المضامين القرآنية مرور الكرام بهدف الإحتفاظ على عقائدهم الموروثة وأحياناً ينكرون مضامين الوحي من أجل ذلك ؟ !

 

تفسير الآية 3 من سورة التوبة

   أما تفسير «آية الأذان» في سورة التوبة والتي تعد هي الاُخرى من آيات فضائل الإمام علي (عليه السلام) ولها ارتباط وثيق بآية «المؤذّن» السابقة، نرى من اللازم بعض التوضيح حول الآيات الاُولى من سورة التوبة :

   عندما فتحت مكّة في السنة الثامنة للهجرة وتمّ القضاء على الشرك وعبادة الأوثان وإزالة الأصنام من أرض الوحي ودخل العرب في الإسلام ورأى مشركو مكّة تعامل النبي (صلى الله عليه وآله)معهم من موقع المحبّة والعفو والصفح، أدّى ذلك إلى دخول الناس في الإسلام زرافات ووحدانا، وانتهت هذه السنة بجميع ما وقع بها من حوادث كبيرة، وأراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) في السنة التاسعة للهجرة أن يحجّ حجّة الوداع ولكنه بسبب وجود بعض الاُمور لم يرَ من المناسب أن يحجّ في تلك السنة وذلك :

   الف : إنّ بعض المشركين وعبدة الأوثان كانوا يأتون من البادية لزيارة بيت الله الحرام، وعلى الرغم من أن الكعبة قد تمّ تطهيرها من الأصنام والأوثان إلاّ أنّ هؤلاء الوثنيين كانوا

[ 263 ]

يأتون إلى البيت الحرام ويطوفون حوله وينشدون بعض الأشعار والشعارات الجاهلية حين الطواف تخليداً لذكر الأصنام.

   ب : ما زال بعض الناس يطوفون بالبيت عراة كما كانوا في السابق لأنهم كانوا يعتقدون أن لباس الطائف الذي يطوف فيه حول البيت يجب عليه أن يتصدّق به إلى الفقير، ولهذا فلو أن الشخص خلع لباسه وطاف عرياناً ثمّ بعد أن ينتهي من الطواف يرتدي لباسه فلا يجب عليه التصدّق به على الفقير، ولذلك فمن لم يكن راغباً في التصدق بلباسه يقوم بخلع لباسه والطواف عارياً، وأحياناً يكون الطائف بالبيت امرأة، فنتصور كيف يكون حال الطواف مع وجود امرأة عريانة بين الطائفين وكيف تتبدل الأجواء المعنوية والروحية في ذلك المكان المقدّس إلى أجواء شهوانية وحيوانية ؟

   فنظراً إلى هذه الاُمور انصرف رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن أداء الحجّ في السنة التاسعة حتّى نزلت الآيات الاُولى من سورة التوبة وأمر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أن يعلن في مراسم الحجّ في السنة العاشرة للهجرة لجميع المشركين أربعة اُمور :

   1 ـ «لا يَحِجَّنَّ الْبَيْتَ مُشْرِكٌ» فبعد السنة العاشرة للهجرة لا يحقُّ لأي مشرك أن يحجّ البيت ولا يحقُّ له دخول المسجد الحرام، هذا البيت الذي بناه بطل التوحيد ومحطم الأصنام فلا يكون مكاناً للأصنام بعد الآن، ولا ينبغي للمشركين والوثنيين أن يطوفوا حول بيت الله إلاّ أن يتركوا عقائدهم الخرافية جانباً.

   2 ـ «وَلا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيانٌ» فبعد الآن لا يحقُّ لأي شخص أن يطوف بالكعبة عرياناً ويلوّث تلك الأجواء المعنوية والروحية بهذا العمل الشنيع.

   3 ـ «وَلا يَدْخُلَ الْبَيْتَ اِلاّ مُؤمِنٌ» ففي السابق كان الدخول إلى داخل الكعبة مباحاً للجميع (خلافاً لهذا الزمان حيث لا ينال هذه السعادة إلاّ بعض الأشخاص القليلين) فكان المسلمون والمشركون يدخلون داخل الكعبة باستمرار وبدون أي مانع ولكن بعد إبلاغ هذا النداء لا يحقُّ لمشرك أن يدخل الكعبة.

   4 ـ «وَمَنْ كانَتْ لَهُ مُدَّةٌ فَهُوَ إلى مُدَّتِهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُدَّةٌ فَمُدَّتُهُ اَرْبَعَةُ اَشْهُر» فالمشركون الذين كان لديهم عهد وميثاق مع رسول الله على ترك الحرب والقتال ولم

[ 264 ]

يذكروا مدّة محدودة لعهدهم هذا، فلهم فرصة أربعة أشهر لينضموا إلى الإسلام، وبعد انتهاء هذه المدّة لا يبقى عهد وميثاق بينهم وبين النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وأما من كان له عهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)لمدّة معيّنة ولم تنتهِ هذه المدّة ولم يرتكب ما يخالف العهد ولم يتحرّك على مستوى معونة أعداء الإسلام فإن عهده محترم إلى نهاية المدّة(1).

   وهكذا وجد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) نفسه مأموراً بإبلاغ هذه التعليمات والأوامر الإلهية في أيّام الحجّ من السنة العاشرة للهجرة وإخبار المشركين بها، فاختار النبي لهذه المهمة أبابكر ليقرأ الآيات الاُولى من سورة التوبة على المشركين في أيّام الحجّ، وتوجه أبوبكر نحو مكّة لأداء هذه المهمة ولكن لم يمض سوى القليل حتّى هبط جبرئيل الأمين على رسول الله (صلى الله عليه وآله)وقال له :

   «إنه لن يؤديها عنك إلاّ أنت أو رجل منك» فدعى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) الإمام علي (عليه السلام)وقال له : «إلحقه فردّ عليَّ أبابكر وبلّغها أنت» ففعل ذلك الإمام علي (عليه السلام) وأخذها من أبي بكر وأبلغها عامة المشركين في أيّام الحجّ(2).

   ويقول الطبرسي في هذا المجال :

   اجمع المفسّرون ونقلة الأخبار انّه لمّا نزلت براءة رفعها رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أبي بكر، ثمّ أخذها منه ودفعها إلى عليّ بن أبي طالب(3).

   وقد أوضحنا بالتفصيل ما ذكره «صاحب مجمع البيان» والمقدار المشترك بين جميع الروايات هو ما ذكرنا وقد أورد صاحب كتاب «احقاق الحقّ» هذا المعنى من أربعين كتاب من كتب أهل السنّة.(4)

 


1 . التفسير الامثل : ذيل الآية مورد البحث.

2 . التفسير الامثل : ذيل الآية مورد البحث.

3 . مجمع البيان : ج 3، ص 3.

4 . احقاق الحقّ : ج 3، ص 427 فصاعداً.

[ 265 ]

الإختلاف في الجزئيات

   وطبعاً الروايات المذكورة تختلف بعض الشيء في جزئياتها وتفاصيلها، ونشير إلى بعض منها :

   لقد ورد في بعض الروايات أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أركب علياً على ناقته المعروفة بـ «العضباء» فوصل علي إلى أبي بكر في مسجد الشجرة على مقربة من مكّة وأحد المواقيت المعروفة لحجّ التمتع والعمرة وأبلغه أمر رسول الله، فتألم أبوبكر من ذلك وعاد إلى المدينة وقال لرسول الله (صلى الله عليه وآله) : «اَنْزَلَ فِيَّ شَىْءٌ ؟».

   فقال له النبي (صلى الله عليه وآله) : «لا، إلاّ أنّي اُمِرْت أنْ اُبَلِّغُهُ أنا أو رَجُلٌ مِنْ أهْلِ بَيْتي»(1).

   والخلاصة أنه يستفاد من هذه الروايات أن تغيير الشخص المأمور بإبلاغ هذه الآيات لم يكن من جهة النبي بل إنّ الله تعالى هو الذي أمره بذلك، وعلى أيّة حال فإنّ هذه المهمة والمسؤولية قد اُلقيت على عاتق أميرالمؤمنين (عليه السلام) وبذلك تحرك الإمام نحو أداء هذه المأمورية وأراح النبي من القلق الذي كان يساوره في مورد الحجّ حيث أشرنا إليه سابقاً وبذلك تهيّأت مقدّمات سفر النبي (صلى الله عليه وآله)إلى مكّة للإتيان بحجّة الوداع.

 

الشرح والتفسير

الإنذار الهام للمشركين

   (بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكينَ) وبذلك تمّ إلغاء جميع العهود التي كانت بين المسلمين والمشركين والتي لم يكن لها مدّة زمنية محددة.

   (فَسيحُوا فِي الاَْرْضِ اَرْبَعَةَ اَشْهُر وَاعْلَمُوا اَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَاَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرينَ).

   سؤال : لماذا نقض رسول الله عهوده مع المشركين، وهل يشمل هذا النقض جميع معاهدات النبي ؟


1 . خصائص النسائي : ص 28 نقلاً عن التفسير الامثل : الآية مورد البحث.

[ 266 ]

   الجواب : يستفاد من الآيات التالية أن مسألة إلغاء العهود كانت في موارد العهود التي ليست لها مدّة أو انتهت مدّتها، وكذلك العهود التي لم تنته مدتّها ولكنّ المشركين نقضوا العهد وتعاونوا مع أعداء الإسلام والمسلمين كما حصل في حرب الأحزاب وأمثالها، وأما العهود التي لم تنته مدّتها ولم يتخلف أصحابها عن مضمون العهد ولم يساعدوا أعداء الإسلام بشيء فإنّ مثل هذه العهود باقية على قوّتها وفاعليتها إلى انتهاء المدّة المقررة كما ورد ذلك في الآية الرابعة من سورة التوبة لأن العهد محترم جدّاً في نظر الإسلام حتّى لو كان مع العدو، فلو اقتضت المصلحة أن يكون للمسلمين عهد وميثاق مع الكفّار فيجب أن يحترم المسلمون هذا العهد ويلتزموا به.

   (وَاَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ اِلَى النّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الاَْكْبَرِ).

   بالنسبة إلى «الحجّ الأكبر» وردت تفاسير مختلفة وأفضلها هو أن المراد من الحجّ الأكبر هو «حجّ التمتع» الذي يتضمّن في مناسكه الوقوف في عرفات والمشعر الحرام ومنى والهدي ورمي الجمرات وأمثال ذلك، والمراد من الحجّ الأصغر هو «عمرة التمتع»(1)، وعلى أيّة حال فلابدّ من دراسة هذا الإعلان الإلهي في حجّ التمتّع للسنة التاسعة للهجرة وماذا كان مضمونه ومحتواه ؟ وتستمر الآيات الشريفة بالقول :

   (أَنَّ اللهَ بَريءٌ مِنَ الْمُشْرِكينَ وَرَسُولُهُ) ولهذا فإنّ جميع المعاهدات ملغيّة بعد إعلان براءة الله ورسوله من المشركين، وعلى هذا الأساس فإنّ أمام المشركين والكفّار طريقان لا أكثر : الأوّل هو أن يتوبوا إلى الله ويتركوا الشرك ويدخلوا في الإسلام.

   (فَاِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) لأنّ ذلك يؤمن لهم الأمن في الدنيا والسعادة في الآخرة من خلال العمل بتعليمات الإسلام وأداء الواجبات وترك المحرمات.

   الثاني : (وَاِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَموُا اَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذينَ كَفَروُا بِعَذاب اَليم)فلو أصرّوا على الشرك والحرب مع الحقّ فإنهم لا يستطيعون الخروج من دائرة القدرة الإلهية ومضافاً إلى أن العذاب الإلهي الأليم بانتظارهم.


1 . وقد ورد في معنى «الحجّ الأكبر» أنه «يوم عرفة» و«يوم الأضحى»، وللمزيد من الإطلاع انظر : مجمع البيان : ج 2، ص 5، وتفسير الكشاف : ج 2، ص 244.

[ 267 ]

هل تعدّ هذه المهمة فضيلة ؟

   سؤال : طبقاً لما تقدّم آنفاً إنّ الإمام علي (عليه السلام) أصبح مأموراً من قبل النبي (صلى الله عليه وآله)بإبلاغ الآيات الاُولى من سورة التوبة إلى المشركين في أيّام الحجّ، وقد كانت هذه المأمورية بعهدة أبي بكر في البداية إلاّ أن رسول الله أخذها منه ودفعها إلى علي ابن أبي طالب (عليه السلام)فهل يعدُّ ذلك فضيلة للإمام علي (عليه السلام) ؟

   الجواب : إنّ بعض المتعصبين تحركوا على مستوى تهميش هذه الفضيلة والتقليل من أهميّتها فقالوا : إنّ علّة تبديل هذه المأمورية هو ما كان من التقاليد الرسمية والأعراف بين العرب، لأن العرب كانوا عندما يريدون إرسال رسالة إلى شخص معين يقوم صاحب الرسالة نفسه أو يختار واحداً من أهل بيته وأرحامه لأداء هذه الرسالة وايصالها إلى الطرف الآخر، ولهذا عزل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أبابكر وأرسل علي (عليه السلام) مكانه، وعليه فإنّ هذه المأمورية المذكورة لا تعدُّ فضيلة للإمام علي (عليه السلام)(1).

   ولكنّ الإنصاف أن هذا الكلام بعيد جدّاً عن الحقيقة لأنه :

   أوّلاً : من أين ثبت أن التقاليد العربية كانت كذلك ؟ وأيُّ كتاب ذكر هذه القضية ؟ وهل يمكن إلغاء فضيلة مهمة لمجرد احتمال غير ثابت ؟

   ثانياً : على فرض وجود مثل هذا العرف بين العرب في ذلك الوقت فإنّ تغيير المؤدي لهذه الرسالة المهمة لا يرتبط بتقاليد العرب وأعرافهم لأن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) كما ورد في الروايات المذكورة آنفاً قد تلقى الأمر بذلك من الله تعالى.

   وعلى هذا الأساس فلا شكّ في أن هذه المهمة والمأمورية تعدّ فضيلة كبيرة للإمام علي(عليه السلام)، ومع الإلتفات إلى هذا المطلب فلو أن الله تعالى أراد أن ينصب خليفة على المسلمين بعد رسول الله فلابدّ أن يكون هذا الإنسان هو الأفضل وله فضائل أكثر، وإذا أراد الناس انتخاب شخص لهذا الغرض فلابدّ أن يكون هو الأفضل بمقتضى العقل.

 


1 . الكشّاف : ج 2، ص 244.

[ 268 ]

ارتباط آية الأذان والمؤذّن

   إنّ المثوبات والعقوبات في الآخرة هي في الحقيقة انعكاس للأعمال الإنسان في الدنيا، ويتّضح هذا المطلب أكثر بالإلتفات إلى كيفية ارتباط هذه المثوبات والعقوبات الاُخروية بأعمال الإنسان في حركة الحياة الدنيوية.

   عندما يحشر الإنسان المرابي في عرصات المحشر في حالة من الإضطراب في السلوك وكأنه سكران لا يقدر على الحركة ويترنح ويسقط بين الحين والآخر إلى الأرض كلُّ ذلك يحكي عن سلوكه في الحياة الدنيا حيث كان بعمله القبيح يتحرك من موقع الإخلال الإقتصادي في المجتمع وإثارة الأزمات الإجتماعية بعمله وأكله الربا فيزلزل أساس المجتمع الإسلامي ويثير فيه الإرتباك والخلل، إذن فعدم تعادله في المشي يوم القيامة يحكي عن واقع دنيوي بهذا المعنى بسبب ارتكابه لهذا الذنب الكبير، فهو في الحقيقة إنعكاس لأعماله في الدنيا(1).

   وإذا كان الظالم في الآخرة يواجه الظلمات ويسير كالأعمى في عرصات المحشر فذلك بسبب أنه كان يحوّل الدنيا في نظر المظلومين إلى ظلام بحيث لا يرون كلّ شيء في حياتهم الدنيوية يعبّر عن الخير والسعادة والهناء، إذن فالظلمات التي تحيق بالظالم في الآخرة هي انعكاس ونتيجة للظلمات التي كان يقدمها للمظلوم في حياته الدنيوية.

   وإذا قرأنا في النصوص الدينية أن المؤمن يحشر يوم القيامة ومعه نور بين يديه وفي أيمانه يقوده إلى رضوان الله ومغفرته فإنما ذلك بسبب أن الكثير من الأشخاص قد اهتدوا بنور إيمانه في الدنيا وسلكوا طرق الحقّ والحقيقة وابتعدوا عن خطّ الباطل والإنحراف.

   والخلاصة أن جميع المثوبات والعقوبات في عالم الآخرة هي انعكاس لأعمال الإنسان في الدنيا.

   ومع الإلتفات إلى هذا المطلب فإذا كان الإمام علي (عليه السلام) هو المؤذّن للنبي في دار الدنيا والمبلغ رسالته إلى المشركين في مكّة وفقاً لما ورد في الآية الثالثة من سورة التوبة فإنه


1 . وتفصيل الكلام في هذا الموضوع المتعلق بالربا مذكور في كتابنا «الربا والبنك الإسلامي».

[ 269 ]

سيكون في الآخرة هو «المؤذّن» الذي يوصل النداء الإلهي إلى أهل النار ويخبرهم بأن اللعنة الإلهية قد شملتهم بسبب ظلمهم الذي ارتكبوه في الدنيا.

   إذا كان الإمام علي (عليه السلام) في الآخرة هو المؤذن والشخص الذي يختم الحوار الدائر بين أهل الجنّة وأهل النار فانّ ذلك بسبب كون كلامه في الدنيا فصل الخطاب بين الحقّ والباطل وقد أبلغ المشركين الكلام الأخير والإنذار النهائي، فهل هذه فضيلة قليلة ؟

   هل هناك شخص آخر غير الإمام علي من المسلمين أو من أتباع الأديان الإلهية الاُخرى يتمتع بمثل هذه الفضيلة ؟

 

الحكمة في تغيير المأمور بإبلاغ آيات سورة البراءة

   سؤال : تقدّم أن جميع المفسّرين من الشيعة وأهل السنّة أتفقوا على أن رسول الله (صلى الله عليه وآله)أرسل في البداية أبابكر لإبلاغ آيات سورة التوبة ثمّ عزله ونصب الإمام علي مكانه، فهل ندم رسول الله (صلى الله عليه وآله) على عمله الأوّل بحيث تحرّك على مستوى تغييره وتبديله، أو أن كلا الأمرين كان بتعليم الوحي وبأمر إلهي ؟ والخلاصة أنه ما هي الحكمة في هذا التبديل والتغيير ؟

   الجواب : وجواب هذا السؤال واضح فإنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) كان مدركاً لما يفعله في كلا الحالين وكان هدفه هو إعلام الناس وإخبارهم بالشخص الأفضل وإلفات نظرهم إلى هذه الحقيقة ليخرجوا تصورهم الساذج عن الأفضل الموهوم وليهديهم ويرشدهم إلى الأفضل الحقيقي والواقعي، ولهذا الغرض قام في البداية بتسليم هذه المأمورية إلى أبي بكر ثمّ عزله ونصب عليّاً مكانه ليفهم الناس بأن الإمام علي (عليه السلام)أفضل من أبي بكر ومن جميع المسلمين.

   ولم تكن هذه أوّل مرّة يقوم النبي (صلى الله عليه وآله)بهذا العمل بل سبق ذلك موارد اُخرى من هذا القبيل كلُّها تصب في هذا الهدف المهم.

   مثلاً نرى أن النبي (صلى الله عليه وآله) في واقعة خيبر قد أعطى الراية إلى أبي بكر ليقود جيش الإسلام ويفتح قلعة خيبر ولكنه استمر به الحال إلى العصر وهو يسعى جاهداً أن يتغلب على العدو ويفتح الحصن ولكنه لم يوفق بذلك، وفي اليوم الثاني سلّم رسول الله (صلى الله عليه وآله)الراية إلى عمر بن

[ 270 ]

الخطّاب ولكنه فشل في هذه المأمورية كصاحبه، وفي الليلة الثالثة قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

   «لأعطين الراية غداً لرجل يحبّ الله ورسوله ويحبُّه الله ورسوله كرّار غير فرّار لا يرجع حتّى يفتح الله على يديه». قال له أصحابه : إذا كان مقصودك هو علي بن أبي طالب فإنه أرمد.

   فدعاه النبي (صلى الله عليه وآله) إليه فلما رآه أرمداً يشكو من عينيه تفل في عينه فانفتحت وشفي من ذلك المرض فأعطاه رسول الله (صلى الله عليه وآله)الراية وكان الفتح على يديه.

   فلماذا أعطى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الراية في البداية إلى إثنين من أصحابه ثمّ أعطاها للإمام علي(عليه السلام) ؟

   الجواب على هذا السؤال واضح فإنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) يريد أن يبيّن للناس عملاً أفضلية الإمام علي (عليه السلام).

   وهكذا في معركة الأحزاب عندما جاء عمرو بن عبد ود بطل المشركين وعبر الخندق وطلب البراز فلم يبرز له أحد سوى الإمام علي (عليه السلام)، ولكنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)امتنع في البداية، وفي المرّة الثانية طلب عمرو بن عبد ود البراز فلم يقم له إلاّ علي (عليه السلام)، ومرة اُخرى طلب منه النبي (صلى الله عليه وآله) أن يجلس.

   وفي المرّة الثالثة طلب عمرو البراز أيضاً وأخذ يرتجز ويقول :

   ولقد بححت من النداء في جمعكم هل من مبارز...

   إنكم تقولون بأن قتلاكم يذهبون إلى الجنّة أليس فيكم من يشتاق إلى الجنّة ؟

   وفي هذه المرّة أيضاً لم يبرز له سوى علي ابن أبي طالب (عليه السلام).

   وهنا أذن له رسول الله بالبراز والتوجه إلى ميدان القتال وقد كتب الله النصر على يديه أيضاً واستطاع قتل عمرو بن عبدود العامري(1) وهنا نرى أيضاً أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) قام بهذه المناورة لاثبات أفضلية الإمام علي (عليه السلام) على مستوى العمل ليثبت للمسلمين مكانته ومنزلته الإجتماعية.

—–


1 . فروغ أبدية : ج 2، ص 135 فصاعداً.

[ 271 ]

 

آية المحسنين

7

«سورة الزمر / الآيات 32 ـ 34»

 

أبعاد البحث

   تحدّثت هذه الآيات من سورة الزمر عن طائفتين من الناس : الاُولى أظلم الناس والثانية أصدق الناس، ثمّ استعرضت عقوبات الظالمين ومثوبات الصادقين، والموضوع المهم الذي يجب دراسته والتأمل فيه في هذه الآيات هو : من هو أصدق الناس والذي عبّرت عنه الآية الشريفة بالمحسن ؟

 

الشرح والتفسير

أظلم الناس !

   (فَمَنْ اَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ اِذْ جائَهُ) فهنا نرى نحوين من الكذب :

   1 ـ الكذب على الله. 2 ـ الكذب على رسول الله، ولاشكّ أن جميع أنواع الكذب يُعتبر

[ 272 ]

رذيلة أخلاقية ومن الذنوب الكبيرة ولكن من الواضح أن الكذب على الله وعلى رسوله أقبح وأخطر أنواع الكذب وقد تترتب عليه إفرازات رهيبة ومعطيات مشؤومة.

   سؤال : ما هو الكذب الذي كان المشركون ينسبونه إلى الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) ؟

   الجواب : إنّ بعض أشكال الكذب للمشركين هو :

   ألف ) إنهم كانوا يرون أن الملائكة بنات الله.

   ب ) كان البعض منهم يعتقدون بأن الله تعالى راض عن عبادة الأوثان ويرون أن الأوثان واسطة بينهم وبين الله تعالى لتشفع لهم عنده.

   ج ) بعض المشركين كانوا يعتقدون بأن لله تعالى ولداً ويذهبون إلى أن المسيح ابن الله.

   د ) أحياناً يحرّمون بعض الأشياء ويحللون اُخرى وينسبون ذلك إلى الله تعالى كذباً وزوراً.

   هذه الاُمور وأمثالها من الأكاذيب كانوا ينسبونها إلى الله عزّوجلّ، وبما أنها تتزامن مع عدم التصديق بالرسالات الإلهية والأنبياء الإلهيين والتحرّك في حياتهم الدنيوية على مستوى التصدّي للدعوة السماوية ومحاربة أهل الحقّ الذين أرسلهم الله تعالى لهداية البشر فإنّ عملهم هذا يفضي في النهاية إلى تكذيب الأنبياء وإنكار دعوتهم الإلهية، ولذلك كان هؤلاء الأفراد هم أظلم الناس ليس لأنفسهم فحسب بل ظلم لجميع الناس ولجميع الرسالات السماوية والكتب الإلهية.

   أمّا ظلمهم لأنفسهم لأنهم أوصدوا أبواب السعادة والفلاح على أنفسهم بتكذيبهم هذا وسلكوا بأقدامهم في خطّ الضلالة والإنحراف والباطل متجهين إلى جهنم.

   وأما ظلمهم للناس فذلك لأنهم عملوا على إضلالهم وقادوهم نحو وادي الشقاء والضلالة، فحالهم حال أهل البدع الذين قد تستمر بدعتهم وآثار عملهم القبيح آلاف السنين وأحياناً إلى يوم القيامة بحيث إنهم لا يستطيعون جبران ما صدر منهم وإصلاح الخلل حتّى في صورة الندم.

   أما ظلمهم للآيات الإلهية والرسالات السماوية فكما ورد في الآية الشريفة 103 من سورة الأعراف حيث يقول الله تعالى :

   (ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ وَمَلاَِيهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ

[ 273 ]

عاقِبَةُ الْمُفْسِدينَ).

   وطبقاً لصريح هذه الآية الشريفة فإنّ عدم قبول الآيات الإلهية وإنكار الكتب السماوية ومعجزات الأنبياء يعدّ نوعاً من الظلم لهذه الآيات الإلهية لأنّ الإنسان عندما يتحرك لمنع الشيء القابل لهداية الناس من التأثير والفاعلية، ففي الحقيقة إنه يرتكب ظلماً بحقّه، مضافاً إلى أنه ظلم الناس حقّهم في الإستفادة منه، وعليه فإنّ الأشخاص الذين يعملون على تشويه سمعة الإسلام أو يقومون بالإساءة إلى الإسلام من خلال أعمالهم القبيحة أو يتحركون على مستوى تفسير وتأويل قوانين الإسلام حسب رأيهم وأفكارهم فكلُّ ذلك من أشكال الظلم للإسلام.

   والخلاصة هي أن أظلم الناس هو الشخص الذي يكذب على الله وعلى رسوله، وعقوبة مثل هذا الشخص شديدة جدّاً كما وردت في الآية الشريفة :

   (اَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرينَ) فإنّ مصير مثل هذا الإنسان الظالم الذي ظلم نفسه ومجتمعه والآيات الإلهية هو جهنم، فهي مثوى للكافرين، فهنا نرى أن الآية الشريفة لا تصرّح ببيان عاقبة أظلم الناس بل طرحت المسألة على شكل سؤال واستفهام، وهذا بنفسه تعبير دقيق ويحتاج إلى التأمل حيث إنّ مثل هذا المصير ومثل هذه العقوبة لهؤلاء الأشخاص تكون متوقعة لدى جميع الناس.

   (وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ اُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ).

   أما الطائفة الثانية فتقع في النقطة المقابلة للطائفة الاُولى فهم الذين يصدّقون بمن جاء بالنبوّة الصادقة ويصدّقون كذلك برسالتهم فهؤلاء هم المتّقون، فرغم أن الآية الشريفة لا تذكر مفردة «أتقى» ولكننا يمكننا أن نفهم بدليلين أن هاتين الفئتين هم أتقى الناس : أحدهما بقرينة المقابلة مع الطائفة السابقة وهم أظلم الناس، أي أن الآية عندما تجعلهم في مقابل المكذّبين لله ورسوله وفي مقابل أظلم الناس فإنّ هؤلاء المصدّقين بالله ورسوله هم أتقى الناس حتماً، والآخر إنّ جملة «هم المتقون» تدلُّ على الحصر، وتعني أن هؤلاء هم أهل التقوى فقط وهم المتقون الحقيقيون، وعلى هذا الأساس فإنّ المثوبات المقررة لهؤلاء المتقين في القرآن الكريم تختص بهؤلاء الأشخاص الذين أشارت إليهم هذه الآية الشريفة مضافاً

[ 274 ]

إلى ما يناله المتقون في الجنّة من النعم والمواهب العامّة التي ينالها جميع المؤمنين من أهل الجنّة فإنّهم يختصون بمواهب خاصّة ورد ذكرها في الآية التي بعدها :

   (لَهُمْ ما يَشاؤون عِنْدَ رَبِّهِم ذلِكَ جَزاءُ الْمحْسِنينَ).

   وهكذا نرى أن درجات ومقامات هؤلاء المتقين في الآخرة إلى درجة من العظمة والسمو بحيث إنهم ينالون من المواهب ما لا يعدُّ ولا يحصى فكلُّ ما يريدون ويطلبون فإنهم سيحصلون عليه، وهذه النعمة لا يمكن أن يتصور فوقها شيء.

 

من هو «الذي جاء بالصدق» ومن «صدّق به» ؟

   سؤال : ما هو المراد من جملة (الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ) وجملة (الَّذِي صَدَّقَ بِهِ) ؟

   الجواب : إنّ المراد من الجملة الاُولى هو النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، والمراد من الجملة الثانية هو الإمام علي (عليه السلام)، رغم أن الجملة الثانية تشمل جميع المؤمنين برسالة النبي (صلى الله عليه وآله) الذين آمنوا وصدّقوا برسالته ولكن بلاشكّ أن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)هو المصداق الأكمل والأتم لهذه العبارة.

   وقد ورد هذا المعنى في الكثير من كتب الشيعة وأهل السنّة، ونكتفي بالإشارة إلى بعض منها :

1 ـ نقل «ابن المغازلي» وهو من أساطين علماء أهل السنّة في كتابه المعروف بـ «المناقب» عن المفسّر المعروف «المجاهد» قوله :

   «فِي قَوْلِهِ تَعالى : (الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ); رَسُولُ اللهِ وَ (الَّذِي صَدَّقَ به) عَلِيٌّ(1).

   2 ـ ونقل «ابن عساكر» هذه الرواية أيضاً(2).

   3 ـ وكذلك العلاّمة «الگنجي» في «كفاية الطالب» نقل هذه الرواية من بعض العلماء(3).


1 . المناقب : نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 177.

2 . احقاق الحقّ : ج 3، ص 177.

3 . كفاية الطالب : ص 109 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3 ص 177.

[ 275 ]

   4 ـ وصرّح «القرطبي» بهذا المطلب في تفسيره(1).

   5 ـ واختار «أبو حيّان الأندلسي» هذا التفسير أيضاً(2).

   6 ـ وذهب «السيوطي» في تفسيره «الدرّ المنثور» إلى هذا الرأي(3).

   7 ـ وذهب «الترمذي» صاحب كتاب «المناقب المرتضوية» إلى هذا الرأي أيضاً(4).