ومن الجدير بالذكر أن إيمان الأشخاص في المراحل البعدية يعدّ ثمرة لإيمان الأوائل، ولهذا فإنّ القسم الأعظم من أصحاب وأتباع النبي موسى قد أمنوا به بسبب إيمان وشهادة هؤلاء السحرة، وهذه إحدى الآثار الكثيرة لدماء الشهداء.

—–

 

توصية الآية

معرفة الفضائل مقدّمة للعمل !

   عندما نتحدّث عن فضائل الإمام علي (عليه السلام) أو سائر أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) فلا ينبغي أن نكتفي بمجرد الكلام والإستماع، بل يجب بعد معرفة هذه الفضائل أن نتحرّك على مستوى


1 . نهج البلاغة : الخطبة 201.

2 . يقول العلاّمة الطبرسي في مجمع البيان ج 3، ص 464 : «كانوا أوّل النهار كفّاراً سحرة، وآخر النهار شهداء بررة».

[ 290 ]

الممارسة والعمل لتجسيد هذه الفضائل والمناقب في حياتنا وأفعالنا وأقوالنا، وتأسيساً على هذا فإذا رأينا أن الآيات الكريمة تتحدّث عن أميرالمؤمنين (عليه السلام) من موقع المدح والثناء وأنه «صادق ومصدق» فلابدّ أن يكون الشيعي كذلك أيضاً في تأييد كلام الحقّ والصدق وأن يبعد عن نفسه المؤثرات العاطفيّة والمزاجيّة، واللطيف أن المؤمن إذا سمع كلام الحقّ حتّى من الشيطان نفسه فعليه أن يستمع له ويصدّق بكلام الحقّ كما أمر الله تعالى نبيه نوح بأن يستمع لكلام الشيطان عندما نصحه حتّى لو كانت النصيحة من الشيطان نفسه(1).

   وهنا نلفت نظر المؤمنين الصادقين والمصدّقين إلى حديثين شريفين في هذا المجال :

   1 ـ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

   لا تَنْظُرُوا اِلى كَثْرَةِ صَلاتِهِمْ وَصَوْمِهِمْ وَكَثْرَةِ الْحَجِّ وَالْمَعْرُوفِ وَطَنْتَنَتِهِمْ بِاللَّيْلِ، وَلكِنِ انْظُرُوا إلى صِدْقِ الْحَديثِ وَأداءِ الاَْمانَةِ.(2)

   والخلاصة هي أنه طبقاً لهذا الحديث النبوي الشريف أن الملاك والمعيار في تقييم الإنسان هو صدقه وأمانته.

   2 ـ قال الإمام علي (عليه السلام) :

   اَلاْيمانُ اَنْ تُؤْثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى الْكِذْبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ.(3)

   فطبقاً لهذا الحديث الشريف فإنّ مقتضى الإيمان هو ملازمة الصدق والحقّ وأن المؤمن لا يمكن أن يكون كاذباً.

   نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتحلّين بالإيمان والسائرين على خطى أميرالمؤمنين (عليه السلام)وأن نقتبس من فضائله ومناقبه وخاصّة فضيلة الصدق والتصديق بالحقّ والحقيقة.

—–


1 . نصائح الشيطان للنبي نوح مذكورة في كتاب «الشيطان عدو الإنسان» ص 67، وكتاب «مواعظ الأنبياء» ص 42 فصاعداً.

2 . ميزان الحكمة : ج 5، ص 288، الباب 2192، ح 1095.

3 . نهج البلاغة : الكلمات القصار، الرقم 458.

[ 291 ]

 

آية المحبّة

9

 

«سورة مريم / الآية 96»

 

أبعاد البحث

   هذه الآية الشريفة وبشهادة كتب أهل السنّة ومصادرهم نزلت في شأن الإمام علي (عليه السلام)حيث تذكر الروايات الشريفة أن الإمام علي (عليه السلام) هو المصداق الأكمل والأتم لهذه الآية الشريفة، وقد ذكرت لهذه الآية بحوث متنوّعة منها : ارتباط الإيمان والعمل الصالح بالمحبّة في القلوب، وكذلك آراء ونظريات علماء أهل السنّة في شأن نزول هذه الآية، ومباحث اُخرى أيضاً من هذا القبيل سيأتي تفصيلها لاحقاً.

 

التوغّل والنفوذ في القلوب أهم رأس مال القادة

   إنّ أهم رأس مال للقادة السياسيين والإجتماعيين في مختلف المجتمعات البشرية هو ما يتمتعون به من محبّة في قلوب الناس، بحيث إنّ المشاريع والاطروحات الإجتماعية المهمّة لا تتحقق بدون وجود هذه العاطفة والإنجذاب نحو القائد في عرصات المجتمع وعلى مستوى الجمهور.

   ولهذا فإنّ مشاركة الناس في الاُمور الإجتماعية والسياسية والثقافية وحتّى العسكرية

[ 292 ]

يعدّ أمراً ضرورياً جدّاً في عملية الإصلاح الإجتماعي أو نجاح الحكومة، ومن أجل تحصيل هذه الغاية فلابدّ من النفوذ إلى قلوب الناس وجذب مودّتهم وكسب حبّهم، وعندما نرى أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) قد نجح في مدّة قصيرة أن ينشر دعوته السماوية إلى شرق العالم وغربه ويوحّد قلوب المسلمين ويزيل عنهم الأحقاد والتعصّبات القديمة ويشكّل جيشاً موحّداً وقويّاً استطاع بواسطته أن يوصل دعوته الإلهية إلى شتّى بقاع المعمورة فإنّ ذلك كان بسبب أخلاقه السامية ونفوذه العجيب في قلوب الناس من المسلمين وغير المسلمين كما يحدّثنا القرآن الكريم عن هذه الحقيقة ويقول :

   (فَبِمَا رَحْمَة مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَليظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ).(1)

   وهكذا بالنسبة إلى النبي إبراهيم (عليه السلام) عندما هاجر بأمر من الله تعالى إلى مكّة وأسكن زوجته وطفله الرضيع في أرض قاحلة لا ماء فيها ولا غذاء ومن دون زاد ومتاع إلى جانب بيت الله الحرام، رفع يديه للدعاء وقال :

   (رَبَّنا اِنّي اَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِيَّتِي بِواد غَيْرَ ذِي زَرْع عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ اَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوي اِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ).(2)

   فكان إبراهيم (عليه السلام) يعلم أن النفوذ إلى القلوب هو أعظم رأس مال للإنسان ولهذا طلب من الله تعالى أن يجعل محبّة أهل بيته في قلوب الناس.

   الإمام الخميني (رحمه الله) بدوره لم يكن لديه منذ بداية الثورة ولآخر يوم من أيامها سلاحاً مهمّاً من الأسلحة المتعارفة ليواجه بها أعوان الشاه وجيشه المسلّح، ولكنه كان يمتلك سلاحاً أقوى فاعليّة وأمضى قوّة من جميع الأسلحة المتطورة لطاغوت زمانه، وهو المحبّة في قلوب الناس وتعاطف الجماهير مع دعوته الإلهية، والخلاصة أن عنصر النفوذ في القلب يعدّ أهم رأس مال للقادة والمصلحين في سائر المجتمعات البشرية.

 


1 . سورة آل عمران : الآية 159.

2 . سورة إبراهيم : الآية 37.

[ 293 ]

الشرح والتفسير

إرتباط الإيمان والعمل الصالح بمسألة النفوذ في القلوب

   (اِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدّاً).

   في هذه الآية الشريفة نرى ارتباطاً بين الإيمان والعمل الصالح من جهة والنفوذ إلى قلوب الناس من جهة اُخرى، حيث يقرر الله تعالى في هذه الآية الشريفة المحبّة في قلوب الناس نتيجة الإيمان والعمل الصالح، ومعنى هذه العبارة هي أنه من الممكن أن يتسلط الإنسان بقوّة السلاح والسيف على الناس بأجسادهم وأبدانهم، ولكنه لا يستطيع إطلاقاً أن يتسلط على قلوبهم وأرواحهم ويفتح طريقاً إلى أعماق وجدانهم بالقوّة والقهر.

   سؤال : إذن ما هي حقيقة العلاقة بين الإيمان والعمل الصالح من جهة وبين النفوذ إلى قلوب الناس والمقبولية العامة في أوساط المجتمع من جهة اُخرى ؟ هل يمكننا أيضاً تحصيل هذه النعمة الكبيرة من خلال الإيمان والعمل الصالح ؟

   الجواب : بالإمكان تصوير هذه العلاقة الثنائية على نحوين :

   الأوّل : أن يكون هذا الإرتباط المعنوي والإلهي وفقاً لحكمة الله تعالى التكوينية كما هو الحال في المحبّة التي جعلها الله تعالى لموسى (عليه السلام) في قلب فرعون وزوجته في حال طفولة موسى، حيث إن فرعون أمر بأن يقتل جميع الأطفال الذكور من بني إسرائيل في مصر بهدف القضاء على العدو المحتمل، ولكن الله تعالى قد قذف في قلبه حبّ موسى وجعله يربّي موسى في بيته وقصره، ومن هنا أراد الله تعالى أن يظهر قدرته الفائقة لفرعون والفراعنة بأنهم لا يمكنهم التصدّي لإرادة الله ومشيئته ولا يمكن لأي قدرة أن تقف مانعاً وحائلاً دون إرادة الله فيما لو تعلقت بشيء من الأشياء، فمثل هذه العلاقة العاطفية والمحبّة القلبية لا تكون اكتسابية بل هي موهبة من الله تعالى.

   الثاني : العلائق العاطفية العاديّة القابلة للتحليل المنطقي، فإنّ العمل الحسن والصالح يتمتع بجاذبيّة وحتّى الأشخاص المنحرفين والفاسدين ينجذبون نحو حسن الأعمال وجمالها الأخلاقي.

   مثلاً «الأمانة» تعتبر من الأعمال الصالحة، والإنسان الأمين يعدّ إنساناً صالحاً ومورد

[ 294 ]

قبول الناس وحبّهم واحترامهم، فحتّى اللصوص وقطّاع الطرق يحبّون من يتمتع بهذه الفضيلة ويعتمدون عليه على مستوى الإرتباط الإجتماعي وقد يضعون أموالهم المسروقة أمانة ووديعة عنده، وعليه فإنّ العمل الصالح وكذلك الإيمان لهما جاذبية لقلوب الناس، والثمرة المترتبة على ذلك هي النفوذ إلى قلوب الناس، والشخص الذي يرغب في أن تكون له مكانة ومحبّة في قلوب الناس يكفي أن يكون إنساناً مؤمناً صالحاً، فإذا أدرك الناس ذلك منه فإنّ قلوبهم ستتجه نحوه ولا حاجة إلى عمل خاص في هذا السبيل.

   الطهارة والعفّة هي الاُخرى أحد الأعمال الصالحة ذات القيمة الأخلاقية العالية، وهذه الفضيلة إلى درجة من الأهمّية بحيث إنّ الأشخاص الذين يعيشون التلوّث في الخطيئة يعشقونها فعندما يريدون الزواج وتشكيل اُسرة يتوجهون إلى العوائل الشريفة ويخطبون النساء العفيفات ويجتنبون الزواج من الملوّثات، والملفت للنظر أن الإمام علي (عليه السلام) وهو مورد البحث في هذه الآية قد وصل في معراجه المعنوي وتكامله الإنساني إلى أعلى درجة من حيث الإيمان والعمل الصالح من جهة ونفوذه في قلوب الناس من جهة اُخرى.

 

شأن نزول آية المحبّة

   بالرغم من أن مفهوم الآية الشريفة مورد البحث عام وشامل لكلِّ مؤمن يعمل الأعمال الصالحة حيث ينتج هذا الإيمان والعمل الصالح المحبّة في قلوب الناس، ولكن بلا شك أن المصداق الأكمل والأدق لهذه الآية الشريفة هو أميرالمؤمنين (عليه السلام)، كما ورد التصريح بذلك في كتب أهل السنّة المختلفة رغم سعي البعض لإنكار هذه الحقيقة الواضحة.

   ويقول العلاّمة الحلّي في كتاب «احقاق الحقّ»(1) في شأن نزول الآية المذكورة أنها نزلت


1 . يعتبر كتاب «إحقاق الحقّ» من الكتب القيّمة والمهمّة جدّاً لدى الشيعة، ويحتوي على أربعة أقسام، ومؤلفه العلاّمة الحلّي، وقد كتب القاضي روزبهان من علماء أهل السنّة ردّاً على هذا الكتاب ثمّ ادرجه ضمن الكتاب، ثمّ إن القاضي نورالله التستري كتب ردّاً على ما ذكره القاضي روزبهان وأيّد العلاّمة الحلّي وتم ادراج ردّه أيضاً ضمن الكتاب، وأخيراً قام آية الله العظمى المرعشي النجفي وبمساعدة بعض الفضلاء من أصحابه بإضافة هوامش مفيدة على هذا الكتاب وتم طبعه ونشره بصورة نهائية.

[ 295 ]

في حقّ علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكن القاضي روزبهان من علماء أهل السنّة يردّ على كلام العلاّمة هذا ويقول :

   ليس هذه الرواية في تفسير أهل السنّة، وإن صحت دلّت على وجوب محبّته وهو واجب بالاتّفاق(1).

   والملفت للنظر أن المحققين من الشيعة ذكروا في هامش الكتاب المذكور «احقاق الحقّ» نقلاً عن 17 كتاب من كتب أهل السنّة أن روايات تتعلق بالإمام علي (عليه السلام) في هذا المورد، من بين هذه الكتب ستة منها من كتب التفسير، فكيف يبرر مثل هذا التناقض في كلمات علماء أهل السنّة ؟ هل أن القاضي روزبهان لم يقرأ هذه الكتب، أو أنه قرأها ولكن حجاب التعصّب والعناد منعه من قبول هذه الروايات ؟

   وعلى أيّة حال فالكتب المذكورة هي ما يلي :

   1 ـ تفسير الثعلبي(2).

   2 ـ تفسير الكشّاف لمؤلفه الزمخشري المفسّر المعروف لدى أهل السنّة(3).

   3 ـ تفسير العلاّمة النيشابوري والذي ورد في هامش تفسير الطبري(4).

   4 ـ السيوطي في الدرّ المنثور(5).

   5 ـ العلاّمة الشوكاني في تفسيره(6).

   6 ـ الآلوسي في روح المعاني(7).

   ونكتفي في ذكر روايتين من هذه الكتب المذكورة :

   الف : ما أورده «روح المعاني» أن البراء بن عازب الصحابي المعروف قال :


1 . احقاق الحقّ : ج 3، ص 87 .

2 . تفسير الثعلبي : ص 151 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 82 .

3 . الكشّاف : ج 2، ص 425 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 83 .

4 . تفسير الطبري : ج 16، ص 74 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 84 .

5 . الدرّ المنثور : ج 4، ص 487 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 85 .

6 . تفسير الشوكاني : ج 3، ص 342 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 86 .

7 . روح المعاني : ج 16، ص 130 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 86 .

[ 296 ]

   قالَ رَسُولُ الله (صلى الله عليه وآله) لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ تَعالى وَجْهَهُ : «قُلِ اللّهُمَّ اجْعَلْ لِي عِنْدَكَ عَهْداً وَاجْعَلْ لِي فِي صُدُورِ الْمُؤْمِنينَ وُدّاً» فَاَنْزَلَ اللهُ سُبْحانَهُ هذِهِ الاْيَةَ.

   وَكانَ مُحَمَّدُ بْنُ الحنفيّة (رضي الله عنه) يَقُولُ : لا تَجِدُ مُؤْمِناً اِلاّ وَهُوَ يُحِبُّ عَلِيّاً كَرَّمَ اللهُ تَعالى وَجْهَهُ وَاَهْلَ بَيْتِهِ(1).

   سؤال : ما هو المراد من العهد المذكور في هذه الرواية ؟

   الجواب : يحتمل أن يكون هذا العهد هو ما ورد في آية سابقة قبل هذه الآية محل البحث، أي الآية 87 من سورة مريم حيث ورد فيها :

   (لا يَمِْلكُونَ الشَّفاعَةَ اِلاّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً).

   وعليه فالمراد من العهد هو الشفاعة، فالنبي الأكرم يقول للإمام علي (عليه السلام) : اُطلب من الله تعالى أن تنال مقام الشفاعة وأن يجعل محبّتك في قلوب المؤمنين وهي المحبّة التي وردت في دعاء إبراهيم الخليل واستمرت إلى زمان نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) وستبقى إلى يوم القيامة.

   ب : ويذكر العلاّمة الشوكاني نقلاً عن الطبراني عن ابن عبّاس إنه قال :

   نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ اَبي طَالِب (اِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ...) قالَ مَحَبَّةً فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنينَ(2).

   وعلى أيّة حال فقد رأينا أن هذه الآية الشريفة تقرر وجود رابطة وثيقة بين الإيمان والعمل الصالح من جهة والمحبّة في قلوب الناس من جهة اُخرى، وطبقاً للروايات الواردة فإنّ المصداق الأكمل لها هو أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).

 

التفاسير الاُخرى للآية مورد البحث

   ومضافاً إلى التفسير المتقدم فهناك تفاسير اُخرى للآية المذكورة ومنها :

   الف ) إن المراد من الآية الشريفة ليس هو أن المحبّة توجد في قلوب المسلمين والمؤمنين


1 . احقاق الحقّ : ج 3، ص 86 .

2 . نفس المصدر السابق.

[ 297 ]

جميعاً اتجاه فرد معيّن أو أفراد بالخصوص، بل المراد أن الإيمان والعمل الصالح يورثان المحبّة في قلوب جميع المؤمنين بالنسبة إلى بعضهم البعض، وبعبارة اُخرى إنّ المحبّة في قلوب المؤمنين متوجهه لجميع المؤمنين لا إلى فرد بالخصوص.

   ب ) إنّ هذه الآية الشريفة تشير إلى يوم القيامة فإنّ الله تعالى في ذلك اليوم يجعل المحبّة في قلوب المؤمنين بحيث يحبُّ بعضهم بعضاً، وعليه فهذه الآية لا تتعلق بما نحن فيه.

   ج ) إنّ المراد من الآية الشريفة هو الإمام علي (عليه السلام) فقط ولا تشمل أي مؤمن آخر، وما ورد في العبارة من صيغة الجمع لا يثير مشكلة، لأن صيغة الجمع تأتي أحياناً لغرض الإحترام(1).

   ولكن الانصاف أن جميع التفاسير هذه غير متنافية فيما بينها وبالإمكان الجمع فيما بينها في المفهوم من الآية الشريفة والتي تستوعب جميع المؤمنين الذين يعملون الصالحات رغم أن المصداق الأكمل والأتم هو أميرالمؤمنين (عليه السلام)، كما هو الحال في اختلاف الأنوار شدة وضعفاً من قبيل : نور الشمعة، المصباح، القمر، الشمس، ولكن بلا شكّ أن نور الشمس هو المصداق الأكمل والأتم لمفهوم النور.

 

 

توصية الآية الشريفة

الشيعة بمثابة السراج المنير

   تقدّم أن قلنا أكثر من مرّة إنه ينبغي على الشيعة وأتباع أميرالمؤمنين (عليه السلام) السعي لمعرفة فضائل ومناقب الإمام علي وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) ولكن بلا شك لا ينبغي الإكتفاء بهذا المقدار بل يجب التحرّك بعد معرفة هذه الفضائل في خطّ العمل بها وتجسيدها على مستوى الواقع النفسي والإجتماعي والسعي في طريق النجاة والفلاح وإرشاد الناس إلى هذا الطريق أيضاً، يجب على شيعة الإمام علي (عليه السلام) أن يكونوا قدوة واُسوة في الإيمان والعمل الصالح لكي


1 . الإحتمالات الثلاثة واحتمالات اُخرى مذكورة في مجمع البيان : ج 3، ص 532 ـ 533.

[ 298 ]

يهتدي الناس بنور إيمانهم إلى خطّ الصلاح والتقوى والإنفتاح على الله، وهذا المعنى هو الذي يبعث المحبّة لهم في قلوب الآخرين وبالتالي يستوجب رضا أهل البيت (عليهم السلام) عنهم وسرورهم بمثل هؤلاء الأتباع، لا أن يتحرك الشيعة بشكل يبعث على خجل هؤلاء الأولياء من أعمالهم(1).

 

مباحث اُخرى

1 ـ نفوذ المحبّة في قلوب الجميع

   إنّ ظاهر الآية الشريفة هي أن الإيمان والعمل الصالح لا يستوجبان فقط نفوذ المحبّة في قلوب المؤمنين بالنسبة إلى ذلك الشخص بل إنّ شعلة هذه المحبّة تسري إلى قلوب غير المؤمنين وتعمل على تسخيرها ولهذا فإنّ أعداء الإمام علي (عليه السلام) أيضاً يشعرون بالمحبّة له رغم أن أهواءهم النفسانية لا تسمح لهم بإظهار هذا الحبّ ولكن قد يفلت من كلماتهم هذا الأمر.

   وهذا ما ورد في كتب التاريخ مراراً من أن معاوية كان يسأل من بعض شيعة الإمام علي(عليه السلام) عند ملاقاتهم به عن حالات أميرالمؤمنين وأفعاله، وبعد أن يستمع لما يذكرونه من ثناء ومدح لأميرالمؤمنين يؤيدهم في ذلك(2).

   وأما عمرو بن العاص وهو الرجل الثاني من قادة العصيان والتمرد والإنحراف والذي يعدّ الشريك الأوّل لجرائم معاوية بل إنّ معاوية كان يأتي بالدرجة الثانية في المكر والحيلة والإفساد بعد عمرو بن العاص، هذا الشخص يقول في قصيدته المعروفة باسم «الجلجليّة»(3)


1 . وقد ورد هذا المعنى في الروايات الشريفة أيضاً، ومن ذلك ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام)قال : «كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شيناً» (بحار الأنوار : ج 68، ص 286) ومثله ما ورد عن الإمام الرضا والإمام الحسن العسكري(عليهما السلام). (بحار الأنوار : ج 75، ص 348 و 372).

2 . وقد أوردنا نماذج من هذه المحاورات في كتاب «110 قصة من حياة الإمام علي» الفصل الخامس.

3 . إن السبب الذي دفع عمرو بن العاص إلى إنشاد هذه القصيدة أن معاوية عندما ولاّه على مصر كان المفروض أن يرسل بعض خراجها إلى الحكومة المركزية في الشام كما هو السائد في الإمارات في ذلك الزمان، إلاّ أن عمرو بن العاص أبى ذلك، فأرسل إليه معاوية كتاباً يوبّخه فيه فاضطر عمرو إلى إرسال بعض خراج مصر إلى معاوية، ولكنه لما رأى أن معاوية قد نسى خدماته الجليلة له وإنقاذه لحكومة الشام في ظروف صعبة ومواقف حرجة، كتب إلى معاوية هذه القصيدة، وعندما قرأها معاوية فكأنه ندم على ما صدر منه تجاه عمرو بن العاص وأمر بأن يترك لحاله ولا يؤخذ من خراج مصر شيئاً.

[ 299 ]

يعترف فيها بالجرائم التي ارتكبت في زمن معاوية وكذلك في فضائل الإمام علي (عليه السلام)ويقول :

مُعاوِيَةُ الْحالَ لا تَجْهَل *** وَعَنْ سُبُلِ الْحَقِ لا تَعْدِل

وَكِدْتُ لَهُمْ اَنْ اَقامُوا الرُّماحَ *** عَلَيْهَا الْمَصاحِفَ فِي الْقَسْطَل

نَسيتَ مُحاوَرَةَ الاَْشعَري *** وَنَحْنُ عَلى دُومَةِ الْجَنْدَل ؟

خَلَعْتُ الْخِلافَةَ مِنْ حَيْدَر *** كَخَلْعِ النَّعالِ مِنْ الاَْرْجُل

وألبستها فيك بعد الأياس *** كلبس الخواتيم بالأنمل

وكم قد سمعنا من الْمُصْطَفى *** وَصَايَا مُخَصَّصَةً فِي عَلِيٍّ ؟

وَفِي يَوْمِ خُمٍّ رَقى مِنْبراً *** يُبَلّغُ والرَّكْبُ لَمْ يَرْجُل

وَفِي كَفِّهِ كَفِّهِ مُعْلِناً *** يُنادِي بِاَمْرِ الْعَزيزِ الْعَلِيّ

وَقالَ فَمَنْ كُنْتُ مَوْلىً لَهُ *** فَهذا لَهُ الْيَوْمَ نِعْمَ الْوَلِيّ

وَاِنّا وَما كَانَ مِنْ فِعْلِنا *** لَفِي النّارِ فِي الدَّرْكِ الاَْسْفَلِ(1)

 

2 ـ مفهوم العمل الصالح في القرآن

   إنّ العمل الصالح في نظر الإسلام في دائرة المفاهيم القرآنية أمر مهم جدّاً بحيث إنّ سبعين آية من آيات القرآن الكريم بحثت هذا المعنى والمفهوم، والعمل الصالح له مفهوم واسع وشامل لكلِّ عمل يصبُّ في دائرة رضا الله تعالى، وقد ورد في الحديث النبوي الشريف ما يوضح سعة دائرة هذا المفهوم للعمل الصالح :

   اَلاْيمانُ بِضْعَةٌ وَسَبْعُونَ (سِتُّونَ خ ل) شُعْبَةً أَعْلاها شَهادَةُ اَنْ لا اِلهَ اِلاَّ اللهُ واَدْناها اِماطَةُ الاْذى عَنِ الطَّريقِ(2).


1 . الغدير : ج 2، ص 114.

2 . عوالي اللئالي : ج1، ص431 والرواية المذكورة وردت في صحيح مسلم مع اختلاف يسير، في كتاب  أالإيمان، الباب 12، ح 58، وهو : «الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستّون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلاّ الله وأدناها إماطة الاذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان» وقد وردت الرواية هذه في مسند أحمد : ج 2، ص 379 أيضاً مع اختلاف يسير.

[ 300 ]

   هذه الرواية الشريفة مضافاً إلى أنها تشير إلى سعة دائرة العمل الصالح فإنها تقرر هذه الحقيقة وهي أن الإسلام يهتم بأدنى وأصغر مسائل الحياة الفردية والإجتماعية للمسلمين ويوصي المسلمين بالإهتمام حتّى بالاُمور الجزئية.

—–

[ 301 ]

 

 

 

 

 

آية السابقون

10

 

 

 

«سورة الواقعة / الآيات 10 ـ 12»

 

أبعاد البحث

   هذه الآيات الشريفة تستعرض فضيلة اُخرى من فضائل الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام) أيضاً والتي اعترف بها علماء السنّة بصورة واسعة، فنقرأ في هذه الآيات الشريفة التي تتحدّث عن طوائف ثلاث من الناس يوم القيامة، تعليمات راقية ومطالب مهمة تتعلق بمسيرة الإنسان في حركة الحياة الدنيوية، وسيأتي تفصيل البحث لاحقاً.

 

مضمون سورة الواقعة

   إنّ سورة الواقعة كسائر سور القرآن الكريم تتضمن مفاهيم عميقة ومواضيع مثيرة للغاية، والأصل والمحور في مواضيع آيات هذه السورة المباركة هو الحديث عن المعاد والحياة الاُخروية، فالآيات الاُولى من هذه السورة تستعرض علائم وآثار يوم القيامة حيث يبدأ هذا اليوم بانقلاب كبير في عالم الوجود كما هو الحال في الإنقلاب والإنفجار الذي حدث في بداية ظهور الأرض والمجرّات والسماوات، وعليه فإنّ الدنيا بدأت بإنفجار مهيب وستنتهي أيضاً كذلك، فعندما تقوم القيامة تهتزّ الأرض بشدّة وتتحطم الجبال

[ 302 ]

العظيمة
وتتلاشى في الفضاء نتيجة اصطدامها فيما بينها في الفضاء بحيث تتحول إلى غبار منثور، وبعد ذلك يقوم الله تعالى بخلق عالم الآخرة على خرائب وأطلال عالم الدنيا ويخلق أرضاً وسماءاً جديدة، وفي ذلك اليوم تدبُّ الحياة في الأموات ويبعثون من قبورهم مرّة ثانية ويكونون على ثلاث طوائف :

   1 ـ «أصحاب الميمنة» وهم السعداء والمفلحون في ذلك اليوم.

   2 ـ «أصحاب المشئمة»(1) وهم الأشخاص الذين يواجهون الشقاء والمصير السييء وتقدّم إليهم صحيفة أعمالهم بيدهم الشمال.

   3 ـ (السّابِقُونَ السّابِقُونَ) وهذه الطائفة من الناس هم أسعد حظاً من الطائفة الاُولى وهم الذين ينالون وسام مقام القرب من الله تعالى بحيث لا يدانيهم في هذا المقام والمنزلة أحد من المؤمنين.

   وبهذا التقسيم القرآني لطوائف الناس في ذلك اليوم تشرع الآيات الكريمة باستعراض أنواع المثوبات والعقوبات المقرّرة لأفراد هذه الطوائف الثلاث، المثوبات التي تثير الوجد والفرح في قلوب المؤمنين، والعقوبات الرهيبة التي تثير الفزع والخوف لدى كلّ إنسان.

   وتتحدّث الآيات 11 إلى 26 عن المثوبات المقرّرة للسابقين والمقرّبين، وهي المثوبات غير القابلة للتصور أحياناً، وتتحدّث الآيات 27 إلى 40 عن مثوبات أصحاب اليمين، ومن الآية 41 فما بعد يتحدّث القرآن الكريم عن عقوبات أصحاب الشمال بصورة مفصلة.

 

الشرح والتفسير

من هم السابقون ؟


1 . «الميمنة» و«المشئمة» يمكن تفسيرهما بمعنيين :

أحدهما : أن يكون المراد منهما هو اليُمن والبركة في الاُولى، والشؤم والشر في الثانية، والآخر أن يكون المراد هو اليد اليمنى واليسرى، حيث استخرج منهما هاتان الكلمتان للدلالة على أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ولكن يمكن القول بأن المعنى الأوّل أقرب إلى أجواء الآيات من خلال التقابل الموجود بينهما في سياق الآيات، وكذلك يمكن القول بالثاني بلحاظ ما يرد في هذه الآيات من إعطاء كتاب الأعمال للصالحين بأيديهم اليمنى، وإعطاء كتاب الأعمال للمجرمين بأيديهم الشمال.

[ 303 ]

   (وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ * اُولئِكَ المُقَرَّبُونَ) وهم الذين ينبغي أن يكونوا اُسوة وقدوة لجميع أفراد البشر في حركتهم المعنوية وسيرهم التكاملي في خطّ الإيمان والرسالة.

   سؤال : من هم هؤلاء السابقون الذين ينالون مقام القرب من الله تعالى ؟

   الجواب : لقد ذكرت تفاسير مختلفة للمقصود من هذه العبارة :

   1 ـ السابقون في الإيمان.

   2 ـ السابقون في الجهاد.

   3 ـ السابقون في العبادة والصلاة اليومية.

   4 ـ السابقون في التوبة.

   5 ـ السابقون في طاعة الله.

   6 ـ السابقون في دخول الجنّة.

   7 ـ السابقون في الهجرة.

   8 ـ السابقون في أعمال الخير.

   وهناك تفاسير اُخرى أيضاً(1).

   ولكننا نرى عدم وجود منافاة بين هذه التفاسير المذكورة للآية الشريفة، وعليه فلا ينبغي أن نقيّد الآية بأحد الموارد المذكورة بل نرى أن المفهوم منها يستوعب جميع ما ورد لها من هذه التفاسير، وعلى أيّة حال فالسابقون يتّسمون بفضائل جمّة ويختصّون بخصائص مهمّة ترتفع بهم في عالم الملكوت، وأسمى مقام لهم هو مقام القرب الإلهي، وبلاشك أن اللذّة التي يعيشها هؤلاء السابقين في هذا المقام العظيم ترتفع عن كلِّ لذّة اُخرى.

   (فِي جَنّاتِ النَّعيمِ) وهذا التعبير بصيغة الجمع يشمل كافة النِعم المادية والمعنوية في الجنّة، وقد يشير أيضاً إلى أن بساتين الجنّة هي محل النعيم الحقيقي لا غير خلافاً لبساتين الدنيا التي قد تكون سبباً للتعب والشقاء، وهكذا بالنسبة إلى حال المقرّبين وتفاوت مقامهم


1 . هذه الإحتمالات وردت أيضاً في التفسير الامثل ذيل الآية مورد البحث، وتفسير التبيان : ج 9، ص 490، ومجمع البيان : ج 5، ص 215.

[ 304 ]

في الآخرة بالنسبة إلى الدنيا لأنّ مقامهم الدنيوي كان مقترناً مع تحمل المسؤوليات والأتعاب والمشاكل في حين أن مقامهم الاُخروي هو التنعم الخالص بالمواهب الإلهية في الجنّة.

   فهل تليق هذه المواهب والمثوبات الإلهية لغير السابقين ؟

   نسألك اللّهمّ بلطفك وكرمك أن تحشرنا مع هذه الطائفة وتجعلنا من المقرّبين عندك.

 

الإمام علي (عليه السلام) المصداق الأتم والأكمل للسابقين

   كما تقدّم آنفاً فإنّ مفهوم الآية الشريفة شامل وعام في دائرة السابقين ويستوعب في مضمونه جميع الأشخاص الذين سبقوا الآخرين في الإيمان والجهاد والصلاة والتوبة والمسير في خطّ الطاعة والعبودية والدخول إلى الجنّة وأمثال ذلك، ولكن طبقاً لما ورد في الروايات الشريفة أن الإمام علي (عليه السلام) هو أسبق السابقين في هذه الموارد والمصداق الأتم والأكمل لهذه الآية الشريفة، وهنا نلفت النظر إلى بعض ما ورد في هذه الروايات :

   الف ) ما ورد عن المفسّر والراوي المعروف ابن عبّاس المقبول لدى السنّة والشيعة أنه قال :

   سابِقُ هذِهِ الاُْمَّةِ عَلِيُّ بْنُ أبي طَالِب(1).

   ب ) وقال ابن عبّاس أيضاً في رواية اُخرى :

   يُوشَعُ بْنُ نُونْ سَبَقَ إلى مُوسى، وَمُؤْمِنُ آلِ ياسين سَبَقَ اِلى عيسى، وَعَلِيُّ بْنُ اَبي طالِب سَبَقَ إلى مُحَمَّد(2).