زَوَّجْتُكِ بأَوَّلِ مَنْ آمَنَ بِي وَعَرَفَنِي وَساعَدَنِي(3).


1 . احقاق الحقّ : ج 3، ص 114.

2 . احقاق الحقّ : ج 3، ص 115.

3 . روضة الأحباب : ج 3، ص 10 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 117.

[ 305 ]

   أجل، فطبقاً لهذه الروايات والروايات الاُخرى التي لم نذكرها هنا رعاية للاختصار فإنّ الإمام علي (عليه السلام) هو أسبق السابقين من جميع المسلمين، فهل من اللائق مع وجود مثل هذا الإمام اختيار شخص آخر لخلافة النبي ؟

   وما أجمل ما قاله الشاعر العربي :

اَلَيْسَ اَوَّلُ مَنْ صَلّى بِقِبْلَتِهِمْ *** وَاَعْلَمُ النّاسِ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ(1)   إذن فلماذا مع وجود عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) واعترافهم بأفضليته وأسبقيته يتم اختيار شخص آخر وترجيحه عليه ؟

   الروايات المذكورة آنفاً وردت في منابع متعددة لدى أهل السنّة ونكتفي هنا بذكر 10 مصادر ومنابع منها :

   1 ـ إبن المغازلي في المسند(2).

   2 ـ السبط ابن الجوزي في التذكرة(3).

   3 ـ ابن كثير الدمشقي(4).

   4 ـ محيي الدين الطبري في الرياض النضرة(5).

   5 ـ السيوطي في الدرّ المنثور(6).

   6 ـ ابن حجر في الصواعق المحرقة(7).

   7 ـ العلاّمة الشوكاني في فتح القدير(8).


1 . الشعر من خزيمة بن ثابت.

2 . نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 114.

3 . التذكرة : ص 21 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 115.

4 . تفسير ابن كثير : ج 4، ص 283 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 115.

5 . الرياض النضرة : ص 158 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 115.

6 . الدرّ المنثور : ج 6، ص 154 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 116.

7 . الصواعق المحرقة : ص 123 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 116.

8 . فتح القدير : ج 5، ص 148 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 117.

[ 306 ]

   8 ـ مير محمّد صالح الترمذي في المناقب المرتضوية(1).

   9 ـ الآلوسي في روح المعاني(2).

   10 ـ القندوزي في ينابيع المودّة(3).

   ومع الإلتفات إلى كثرة هذه الروايات الواردة في شأن الإمام علي (عليه السلام) في ذيل الآية الشريفة فهل يعقل أن الله تعالى يختار شخصاً آخر للخلافة مع وجود الإمام علي (عليه السلام)وفضائله الكثيرة ؟

 

تفسير السابقين على لسان النبي (صلى الله عليه وآله)

   وقد ورد في الحديث النبوي الشريف أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) قال :

   «السّابِقُونَ إلى ظِلِّ الْعَرْشِ طُوبى لَهُمْ».

   قيلَ : يا رَسُولُ اللهِ وَمَنْ هُمْ ؟ قال :

   1 ـ «الَّذِينَ يَقْبَلُونَ الْحَقَّ إذَا سَمِعُوهُ»

   إنّ السابقين يتّصفون بأنهم يذعنون للحقّ أياً كان ومن أي شخص سمعوه حتّى لو كان من عدو أو صبي صغير فلا يجدون في أنفسهم حرجاً ولا تعصباً أو تكبّراً على الحقّ، فعندما يدرك الإنسان خطأه وتتضّح له آفاق الحقيقة فيجب عليه أن يتحرك من موقع الشجاعة والشهامة ويعترف بخطئه ويقبل بالحقّ وليعلم أن ضرر الإعتراف بالخطأ أقلُّ بكثير من ضرر العناد والإصرار على الخطأ وعدم الإعتراف به.

   2 ـ «وَيَبْذَلُونَهُ إذا سَألُوهُ»

   فلا يحقُّ للسابقين كتمان الحقّ، لأن كتمان الحقّ من الذنوب الكبيرة، ولذلك لا يقولون أننا قد نتعرض للضرر من قول الحقّ أو قد يتألم والدنا أو والدتنا أو زوجتنا أو صديقنا وجارنا من قول الحقّ، فهم يعلمون أن الواجب يحتم عليهم أن يشهدوا بما يعلمون أنه الحقّ


1 . المناقب المرتضوية : ص 49 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 117.

2 . روح المعاني : ج 27، ص 114 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 118.

3 . ينابيع المودّة : ص 60 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 118.

[ 307 ]

والصواب كما ذكر الله تعالى ذلك في الآية الشريفة 283 من سورة البقرة وقال :

   (وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَاِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَليمٌ).

   3 ـ «وَيَحكُمُونَ لِلنّاسِ كَحُكْمِهِمْ لاَِنْفُسِهِمْ»(1).

   الخصوصيّة الاُخرى للسابقين هي أنهم يحبّون لغيرهم ما يحبّون لأنفسهم ولا يحكمون لغيرهم إلاّ بما يرونه صلاحاً لأنفسهم، وبعبارة اُخرى أنهم يرون منافعهم ومنافع الآخرين بعين واحدة، وبلاشك إنّ هذه المرتبة الأخلاقية لا تتيسر لكلِّ شخص وليس من اليسير أن ينظر الإنسان لمصالح الآخرين كما يرآها لنفسه ويذعن للحقّ من دون أن تتدخل في ذهنه عناصر الأنانية، وبذلك ينال مرتبة السابقين.

   إذا عمل الإنسان المعاصر بهذه التعليمات النبوية الثلاث فإنّ العالم سوف يتبدل إلى جنّة، ولكن مع الأسف فإنّ تعامل دعاة حقوق الإنسان مع الشعوب الاُخرى من موقع الإنتهازية والرياء حوّل المجتمع البشري إلى كيانات مهزوزة وبدّل العالم إلى جهنم محرقة ولم يبق من حقوق الإنسان في أذهان البشر سوى أوهام خاوية وتوهيمات زائفة، فعندما يسمع أبناء البشر إدعاءات هؤلاء المدّعين والمنادين لحقوق الإنسان يتبادر إلى أذهانهم مفاهيم جديدة وهي «حفظ منافع السلطات الإستكبارية بأي قيمة وبأي شكل كان».

—–


1 . نوادر الراوندي : ص 15 نقلاً عن بحار الأنوار : ج 66، ص 403.

[ 308 ]

[ 309 ]

 

 

آية اُذُن واعية

11

«سورة الحاقة / الآيات 11 و 12»

 

أبعاد البحث

   هذه الآية الشريفة «آية اُذن واعية» من الآيات الاُخرى التي تتحدّث عن فضائل أميرالمؤمنين (عليه السلام)، وطبقاً للروايات الواردة في ذيل هذه الآية الشريفة فإنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)قد دعا الله تعالى أن يكون علي ابن أبي طالب من جملة الأشخاص الذين يتمتعون بالاُذن الواعية وقد استجاب الله تعالى له هذا الدعاء، وسيأتي شرح وتفصيل هذه الروايات وتفسير الآية مورد البحث والمفهوم من عبارة «اُذن واعية» في البحوث اللاحقة.

 

الشرح والتفسير

قصة الأنبياء

   لقد بحث القرآن الكريم قصص الأنبياء في هذه السورة «سورة الحاقة» بل في غيرها من السور القرآنية الكريمة من زوايا مختلفة ومتنوعة.

   سؤال : لماذا تطرّق القرآن الكريم لبيان تاريخ الاُمم والأقوام السالفة واستعرض قصص الأنبياء السابقين، فهل أن القرآن كتاب تاريخ ؟

[ 310 ]

   الجواب : القرآن كتاب لتهذيب الإنسان، والتاريخ البشري له دور مهم في تعليم وتربية الإنسان في حركة حياته الفردية والإجتماعية، والخلاصة أن الإنسان يعيش التجربة والحوادث المتنوعة في هذه الحياة وما أحسن أن يستفيد الإنسان من تجارب الآخرين على مستوى العبرة والسلوك العملي لا أن يتمنّى كما يقول بعض الشعراء أن يعيش ويحيى مرتين ويجعل إحدى الحياتين لممارسة التجارب والثانية للاستفادة من تلكم التجارب الماضية.

   يقول تبارك وتعالى في الآية 111 من سورة يوسف :

   (لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاُِولِي الاَْلْبابِ).

   ويشير أيضاً في بداية سورة الحاقة إلى قصص الأنبياء والسابقين مع أقوامهم حيث سنتعرض هنا إلى شرح وتفسير هذه الآيات المباركة :

   (وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ).

   إنّ فرعون والأقوام التي سبقته أي قوم شعيب، عاد، ثمود وأقوام اُخرى وكذلك المدن المؤتفكة أي المنقلبة والمدمَّرة بسبب تلوّث أهلها بالخطيئة والذنوب الكبيرة، «المؤتفكات» جمع «مؤتفكة» وتشير إلى قصة قوم لوط عندما نزل عليهم العذاب الإلهي وأصابهم الزلزال المهيب ودمر بيوتهم ومنازلهم بحيث إنّ الرائي لها يحسبها قد انقلبت رأساً على عقب وبعد الزلزال نزل عليهم مطر من الشهب والأحجار الموسومة ودمّر ما تبقّى من آثارهم، والسبب في نزول هذا العذاب هو ممارستهم الخطيئة والإصرار على الذنوب حيث أشارت الآية إلى هذا المعنى «بالخاطئة».

   (فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَاَخَذَهُمْ اَخْذَةً رابِيَةً).

   إنّ الأقوام السالفة تحرّكوا في سلوكياتهم مقابل دعوة الأنبياء من موقع العناد والإبتعاد عن الحقّ ولذلك أنزل عليهم الله تعالى العذاب الشديد، والتعبير بقوله «ربّهم» إشارة إلى أنّ الله تعالى أراد تهذيبهم وصلاحهم بإرساله الأنبياء إليهم ولكنّ بعض الناس أصرّوا على معتقداتهم الزائفة ولم يستجيبوا لدعوات الأنبياء وتعاليمهم الإلهية والصادرة من ولي أمرهم ومربّيهم ولذلك استحقوا العذاب والعقاب الشديد.

   (اِنّا لَمّا طَغَا الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ).

[ 311 ]

   وتشير هذه الآية إلى قصة نوح عندما أمطرت السماء بأمر الله تعالى بماء منهمر وتفجّرت الأرض بالعيون الفوّارة وجرى السيل المهيب بحيث لم يستغرق سوى مدّة قليلة حتّى عمّ الماء أرض المعمورة ولم تسلم من الطوفان حتّى الجبال ولذلك أمر الله تعالى نوح ومن معه من المؤمنين بركوب السفينة لينقذوا أنفسهم من الغرق، ولكن الوثنيين والمشركين ومنهم ابن نوح الذين أصرّوا على سلوك خطّ الباطل والشرك والإنحراف غرقوا جميعاً في هذا الطوفان، هؤلاء كانوا يسخرون يوماً من النبي نوح (عليه السلام)لصنعه السفينة بعيداً عن البحر بل اتهموه بالجنون أيضاً وعندما حدث الطوفان وأمطرت السماء ذلك المطر العجيب وجدوا أنفسهم في معرض العقاب الإلهي وهلكوا جميعاً بسوء أفعالهم.

   (لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها اُذُنٌ وَاعِيَةٌ).

   فالقرآن الكريم يشير هنا إلى أن استعراض قصص الأقوام السالفة والأنبياء الإلهيين ليس بهدف بيان وقائع تاريخية محضة بل الهدف والغاية من ذلك هو كسب العبرة واستيحاء التجارب من أحداث التاريخ الغابر والإستفادة منها لممارسات الحاضر ولا يتدبّر في هذه الاُمور ويستفيد منها إلاّ من كانت له اُذن واعية ونفس متذكرة لتحفظ هذه الحوادث والقصص التاريخية، «وعى» بمعنى حفظ الشيء في القلب وفي المصطلح الجديد تطلق هذه الكلمة «الوعي» على من يتعامل مع الأحداث بذهنية متحركة وفكر جيّد، وعليه فعبارة «اُذنٌ واعية» تعني الشخصية التي تستوعب الحدث وتحفظه لتستفيد منه على مستوى التطبيق والممارسة ولا تتركه في طيّات النسيان كما هو الحال في المثال المعروف «يسمع من هذه الاُذن ويخرجه من اُذنه الاُخرى» فالإنسان الواعي لا يتعامل مع مستجدات الواقع بهذه الصورة بل يسمع بكلا اُذنيه ويحفظ ما سمعه في قلبه ليكون صاحب الاُذن الواعية، والعين البصيرة، والقلب السليم، والعقل المتفكّر.

 

من هو صاحب الاُذن الواعية ؟

   بالرغم من أن الآية الشريفة لها مفهوم واسع وشامل لجميع الأفراد الذين يتّسمون بهذه السمة «الاُذن الواعية» ولكن طبقاً لما ورد في الروايات الكثيرة في تفسير هذه الآية فإنّ

[ 312 ]

المصداق الأتم والأكمل للاُذن الواعية هو الإمام علي (عليه السلام).

   وقد ورد في بعض الروايات أنه عندما نزلت هذه الآية الشريفة قال النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)مخاطباً للإمام علي (عليه السلام) :

   «سَأَلْتُ اللهَ اَنْ يَجْعَلَها اُذُنَكَ يا عَلِيٌّ».

   ويقول الإمام علي (عليه السلام) : بعد هذه الواقعة كنت إذا سمعت شيئاً من النبي أحفظه ولا أنساه.

   وقد ورد في روايات اُخرى أيضاً أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) دعا بهذا الدعاء أوّلاً ثمّ نزلت الآية الشريفة.

   أما الرواية المذكورة آنفاً فقد وردت في مصادر متعددة لأهل السنّة وكنموذج على ذلك نشير إلى بعضها :

   1 ـ القرطبي في الجامع لأحكام القرآن(1).

   2 ـ العلاّمة المتقي الهندي في منتخب كنز العمّال(2).

   3 ـ العلاّمة الآلوسي في روح المعاني(3).

   4 ـ العلاّمة الواحدي النيشابوري في أسباب النزول(4).

   5 ـ أبو نعيم الاصفهاني في حلية الأولياء(5).

   6 ـ الطبري في تفسيره(6).

   7 ـ الزمخشري في الكشّاف(7).

   8 ـ الثعلبي في تفسيره(8).


1 . الجامع لأحكام القرآن : ج 18، ص 264 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 151.

2 . منتخب كنز العمّال : ج 5، ص 148 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 151.

3 . روح المعاني : ج 29، ص 43 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 153.

4 . أسباب النزول : ص 339 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 148.

5 . حلية الأولياء : ج 1، ص 67 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 148.

6 . تفسير الطبري : ج 29، ص 31 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 147.

7 . الكشّاف : ج 4، ص 134 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 149.

8 . نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 149.

[ 313 ]

   9 ـ العلاّمة الاُندلسي المغربي في البحر المحيط(1).

   10 ـ الگنجي في كفاية الطالب(2).

   ورغم أن الفخر الرازي يتحرك في مباحث الإمامة والولاية من موقع التعصّب الكبير إلاّ أنه نقل حديثاً طريفاً ذيل الآية الشريفة، فبعد أن ذكر دعاء النبي للإمام علي (عليه السلام) حول نزول هذه الآية قال نقلاً عن أميرالمؤمنين :

   «فَما نَسيتُ بَعْدَ ذلِكَ وَما كَانَ لِي اَنْ اَنْساهُ»(3).

   أي أن قلب الإمام علي أصبح خزانة الوحي الإلهي ومركز الكلمات النبويّة بعد دعاء النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) له.

 

التناقض في كلام الشيخ روزبهان

   وقد ذكر الشيخ روزبهان في ردّه على العلاّمة الحلّي عندما وصل إلى هذه الآية الشريفة وقال :

   لمّا نزلت هذه الآية، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) سألت الله تعالى أن يجعلها اُذنك، قال علي : «فَما نَسيتُ بَعْدَ هذَا شَيئاً». وهذا يدلُّ على علمه وحفظه وفضيلته.

   وذكر الشيخ روزبهان بعد نقله لهذا الحديث الشريف : إنّ هذه الرواية تدلُّ على علم الإمام علي وحافظته القوية وفضيلته السامية.

   ولكنه بعد أن ذكر الرواية الشريفة وما عقّب عليها من عبارات في ذيلها في مدح علي قال : ولكنّ هذه الاُمور لا تدلُّ على إمامته وخلافته بعد الرسول مباشرة(4).

   والجواب على هذا الكلام واضح، لأن أحد دعائم الإمامة وأركانها هو العلم والمعرفة، وبما أن الإمام هو خليفة الرسول فيجب أن يستوعب الشريعة وتعليمات النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)


1 . البحر المحيط : ج 8، ص 322 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 151.

2 . كفاية الطالب : ص 111 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 150.

3 . التفسير الكبير : ج 30، ص 107 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 149.

4 . احقاق الحقّ : ج 3، ص 154.

[ 314 ]

كاملاً ويكون بالتالي حلاّلاً لمشكلات الناس ومن البديهي أن اللازم للإمامة والخلافة هو أن يكون الخليفة بمستوىً كبير ومرتبة عالية من العلم والمعرفة ليكون مستحقاً للخلافة وأهلاً لقيادة الاُمّة إلى ساحل النجاة، ولذلك نقول إنّ عليّ ابن أبي طالب وباعترافكم أعلم وأفضل من جميع من يدعي الخلافة بعد رسول الله، فأيُّ عاقل يبيح لنفسه أن يختار شخصاً آخر للخلافة مع وجود مثل هذه الشخصية العظيمة ؟

   وعلى هذا الأساس فكيف تدلُّ هذه الآية الشريفة على علم الإمام علي (عليه السلام)وتقواه العظيمة ولا تدلُّ على خلافته وإمامته ؟ أليس هذا من التناقض ؟

 

ملاحظة ظريفة من الفخر الرازي

   الفخر الرازي في تفسيره لكلمة «اُذنٌ واعية» يطرح هذا السؤال :

   لماذا وردت «اُذنٌ واعية» بصورة المفرد والنكرة ولم ترد بصيغة الجمع والمعرفة ؟

   ثمّ يجيب على هذا السؤال بثلاث اُمور :

   1 ـ «للايذان بأنّ الوعاة فيهم قلّة» فإنّ الله تعالى يريد بهذا التعبير إفهام المخاطبين بأن أصحاب الاُذن الواعية قليلون وغير معروفين بين الناس.

   2 ـ «لتوبيخه الناس بقلّة من يعي منهم» فأراد الله تعالى بهذه العبارة توبيخ الناس وذمّهم على قلّة من يأخذ الاُمور من موقع الوعي والفهم السليم.

   3 ـ «للدّلالة على أنّ الاذن الواحدة إذا وعت وعقلت عن الله فهي السّواد الأعظم عند الله وأنّ ما سواه لا يلتفت إليهم»(1) فصاحب الاُذن الواعية يعادل جمع غفير من الناس في واقع الأمر.

   ومع الإلتفات إلى هذا البيان وكذلك ما ورد في الروايات من أن المراد بالاُذن الواعية هو علي بن أبي طالب (عليه السلام)، تكون النتيجة أنّ مصداق هذه الآية الشريفة هو أميرالمؤمنين (عليه السلام)وهذا المطلب يؤيد ما ورد في شأن النزول ومن دعاء النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)للإمام علي (عليه السلام).


1 . التفسير الكبير : ج 30، ص 107.

[ 315 ]

علي مع الحقّ والحقّ مع علي

   ومن أجل توضيح الأبعاد المختلفة من شخصية الإمام علي (عليه السلام) وامتيازات وخصائص خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالحقّ نلفت نظر القارئ الكريم إلى ثلاث روايات وردت في مصادر أهل السنّة :

   1 ـ ينقل الطبراني عن اُمّ سلمة زوجة الرسول عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال :

   عَلِيٌّ مَعَ القُرْآنِ وَالْقُرْآنُ مَعَ عَلِيٍّ لا يَفْتَرِقانِ حَتّى يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضَ(1).

   سؤال : عندما يقول النبي «علي مع القرآن والقرآن مع علي» فماذا يقصد بذلك ؟ هل يقصد أن الإمام علي كان يحمل معه القرآن دائماً، أو أن مراده هو أنه (عليه السلام)حافظ للقرآن، أو مراده شيء آخر ؟

   الجواب : إنّ مراده من هذه الجملة هو أن تفسير القرآن والعلم بآياته ومعارفه موجود لدى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ولا يفترق عنه وكذلك العمل بمضامينه ودستوراته فإنها تتجسد في سلوكيات أميرالمؤمنين فهو العالم والعامل بالقرآن الكريم، فالعلم في القرآن والعمل به لا ينفكّان عن الإمام علي (عليه السلام)، وهذا في الحقيقة امتياز كبير وفضيلة عظيمة لم ترد في حقّ أي واحد من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله).

 

دعاء النبي (صلى الله عليه وآله) في حقّ علي (عليه السلام)

   2 ـ وقد أورد الحاكم النيشابوري في كتاب «مستدرك الصحيحين» بسند صحيح ومعتبر عن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال :

   قالَ : بَعَثَني رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) إلَى الْيَمَنِ فقُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ بَعَثْتَنِي وَاَنَا شابٌّ اَقْضِي بَيْنَهُم وَاَنَا لا اَدْرِي ما الْقَضاءُ، فَضَرَبَ صَدْرِي ثُمَّ قالَ (صلى الله عليه وآله) : «اللّهُمَّ اهْدِ قَلْبَهُ وَثَبِّتْ لِسانَهُ» فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ(2) ما شَكَكْتُ فِي قَضاء بَيْنَ اثْنَيْنِ بَعْدُ(3).


1 . نور الأبصار : ص 89 .

2 . يعدّ هذا القَسَم مهماً جدّاً، ولذا ورد ذكره بكثرة في روايات المعصومين، فعندما تنفتح الحبّة عن نبتة زاهرة من بطن الأرض يكون حالها حال الجنين الذي يخرج من بطن اُمّه، فجميع القوانين الحاكمة على ظاهرة ولادة الجنين، حاكمة كذلك على خروج النبتة من الحبّة.

3 . مستدرك الصحيحين (نقلاً عن نور الأبصار : ص 88) حيث نقل الرواية المذكورة عن مستدرك الصحيحين : ج 3، ص 135، ولكن مع تفاوت يسير.

[ 316 ]

   فطبقاً لهذه الرواية الشريفة فإن الإمام علي (عليه السلام) كان يقضي بالحقّ دائماً ببركة دعاء النبي(صلى الله عليه وآله)له ولم يتفق له أن يشك أو يتردد في مورد من الموارد.

 

علي (عليه السلام) أفضل القضاة !

   3 ـ جاء شخص إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال :

   عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام) : إنّ ثوراً قتل حماراً على عهد النبي (صلى الله عليه وآله) فرفع ذلك إليه وهو في أناس من أصحابه فيهم أبوبكر وعمر، فقال : يا أبابكر اقضِ بينهم، فقال : يا رسول الله بهيمة قتلت بهيمة ما عليهما شيء. فقال (صلى الله عليه وآله) : يا عمر اقض بينهم. فقال مثل قول صاحبه. فقال : يا علي اقض بينهم. فقال : نعم يا رسول الله، إن كان الثور دخل على الحمار في مستراحه ضمن أصحاب الثور، وإن كان الحمار دخل على الثور في مستراحه فلا ضمان عليهم. فرفع النبي(صلى الله عليه وآله)يده إلى السماء فقال : الحمد لله الذي جعل مني من يقضي بقضاء النبيين(1).

   فقال النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) تأييداً لقضاء الإمام علي (عليه السلام) في هذا المورد :

   «اَقْضاكُمْ عَلِيٌّ»(2).

   إن قضاء الإمام علي (عليه السلام) في هذه الواقعة هو المصداق لما ورد في فقه الشيعة كقاعدة كلية وهي «عندما يكون السبب أقوى من المباشر فالسبب ضامن» وفي القصة المذكورة آنفاً كانت البقرة هي المباشرة للقتل وصاحب البقرة الذي تركها حرة ولم يربطها هو المسبب للقتل، وبما أن السبب أقوى لمكان العقل والشعور وليس للحيوان ذلك العقل والشعور ولهذا فالسبب هو الضامن(3).


1 . قضاء أميرالمؤمنين : ص 193.

2 . نور الأبصار : ص 88 .

3 . كما هو الحال فيما لو دعى صاحب البيت شخصاً لضيافته، وكان في البيت كلب هار يهجم على الغرباء ولم يخبر صاحب البيت ضيفه بأمر هذا الكلب ولم يهتم لدفع الخطر عن الضيف، فلمّا دخل الضيف إلى البيت هجم عليه الكلب وجرحه، فهنا يضمن صاحب البيت، لأن الكلب وإن كان هو المباشر، وصاحب البيت هو السبب، إلاّ أن السبب هنا أقوى من المباشر، فيكون الضمان عليه.

[ 317 ]

   وطبقاً لما تقدّم فصاحب «الاُذن الواعية» هو الإمام علي (عليه السلام) الذي لا يفترق عن القرآن الكريم وأعلم المسلمين بأمر القضاء وأفضل الصحابة وأعرفهم بكتاب الله، ومع الأخذ بنظر الإعتبار ما تقدّم فإن الله تعالى إذا أراد أن ينصب شخصاً للخلافة والإمامة بعد النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) فهل يعقل أن ينصب شخصاً آخر لهذا المقام غير الإمام علي (عليه السلام) ؟ ولو قلنا بأن هذا المقام يتم باختيار الناس فهل يقرر العقلاء وأصحاب الفكر مع وجود الإمام علي (عليه السلام)بكلُّ هذه الفضائل والصفات السامية، انتخاب غيره لهذه المهمة ؟

   نرى أن من اللازم أن نتوجه مرّة اُخرى إلى الله تعالى ونرفع أيدينا بالشكر والثناء من صميم القلب على هذه النعمة العظيمة وهي أن وفقنا لاتباع مثل هذا الإنسان الكامل والعظيم وجعلنا من شيعة الإمام علي (عليه السلام) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) ونشكر كذلك آباءنا واُمهاتنا الذين عرّفونا بالإمام علي (عليه السلام) وعملوا على تربيتنا بحبّ هذا الإنسان العظيم وولايته ونشكر أيضاً جميع المعلمين والأساتذة والعلماء على طول التاريخ على ما تحمّلوا من أتعاب ومشقّات لكي يرفعوا لواء الولاية في هذا البلد الإسلامي العريق «ايران» ونطلب من الله تعالى أيضاً :

   إلهنا، أرزقنا العشق والمودّة الدائمة لهذا الإمام العزيز واحيي قلوبنا وأرواحنا بهذه الولاية والمحبّة واجعل نسلنا وذريتنا إلى يوم القيامة من شيعة الإمام علي (عليه السلام)الحقيقيين.

   ربّنا، اغثنا في اللحظات الحرجة وساعات الإحتضار ومواقف المحشر والقيامة بالإمام علي وأهل بيته الطاهرين.

   إلهنا وفّقنا إلى أن نكون في أعمالنا وأقوالنا من أتباع أهل البيت (عليهم السلام) بحيث ننال بذلك رضاك والمنزلة عندك.

—–

[ 318 ]

[ 319 ]

 

 

 

 

 

آية صالح المؤمنين

12

 

 

 

«سورة التحريم / الآية 4»

 

أبعاد البحث

   الآية الشريفة المذكورة آنفاً هي الآية المعروفة بآية «صالح المؤمنين» وهي من جملة الآيات التي تدلُّ باعتراف الشيعة وأهل السنّة على فضيلة اُخرى من فضائل الإمام علي (عليه السلام)الكثيرة، والحديث عن دلالة هذه الآية على فضيلة أميرالمؤمنين (عليه السلام) وارتباطها بمسألة الولاية والإمامة سيأتي في الأبحاث اللاحقة بالتفصيل.

 

شأن النزول

   هذه الآية هي الآية الرابعة من آيات سورة التحريم، وقد وردت روايات عديدة في أسباب نزول هذه السورة في كتب الحديث والتفسير والتاريخ عن الشيعة والسنّة انتخبنا أشهر تلك الروايات وأنسبها وهي :

   كان رسول الله يذهب أحياناً إلى زوجته (زينب بنت جحش) فتبقيه في بيتها حتّى «تأتي إليه بعسل كانت قد هيّأته له (صلى الله عليه وآله) ولكن لمّا سمعت عائشة بذلك شقّ عليها الأمر، ولذا قالت : إنّها قد اتّفقت مع «حفصة» إحدى «أزواج الرسول» على أن يسألا الرسول بمجرّد أن

[ 320 ]

يقترب من أي منهما بأنّه هل تناول صمغ «المغافير»(1) وفعلاً سألت حفصة الرسول (صلى الله عليه وآله)هذا السؤال يوماً وردّ الرسول بأنّه لم يتناول صمغ «المغافير» ولكنه تناول عسلاً عند زينب بنت جحش، ولهذا أقسم بأنّه سوف لن يتناول ذلك العسل مرّة اُخرى، (خوفاً من أن تكون زنابير العسل هذا قد تغذّت على شجر صمغ «المغافير») وحذّرها أن تنقل ذلك إلى أحد (لكي لا يشيع بين الناس أنّ الرسول قد حرّم على نفسه طعاماً حلالاً فيقتدون بالرسول ويحرّمونه أو ما يشبهه على أنفسهم، أو خوفاً من أن تسمع زينب وينكسر قلبها وتتألّم لذلك).

   لكنها أفشت السرّ فتبيّن أخيراً أنّ القصة كانت مدروسة ومعدّة فتألّم الرسول (صلى الله عليه وآله) لذلك كثيراً فنزلت عليه الآيات السابقة لتوضّح الأمر وتنهى من أن يتكرر ذلك مرة اُخرى في بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله)(2).

   وجاء في بعض الروايات أنّ الرسول ابتعد عن زوجاته لمدّة شهر بعد هذا الحادث(3)، انتشرت على أثرها شائعة أنّ الرسول عازم على طلاق زوجاته، الأمر الذي أدّى إلى كثرة المخاوف بينهنّ(4) وندمن بعدها على فعلتهن.

 

الشرح والتفسير

أصحاب وأنصار النبي(صلى الله عليه وآله)

   نرى من اللازم في تفسير الآية مورد البحث إلقاء نظرة إجمالية على الآيات السابقة لها لتوضيح المراد منها.

   بلا شك أن شخصية كبيرة مثل شخصية النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) لا تتعلق بذاته وشخصه


1 . «مغافير» صمغ يؤخذ من أشجار الحجاز باسم «عرفط» له رائحة كريهة.

2 . أصل هذا الحديث مذكور في صحيح البخاري : ج 6، ص 194، والتوضيحات المذكورة بين الأقواس مقتبسة من مصادر اُخرى (انظر التفسير الامثل : ج 18، ص 440).

3 . تفسير القرطبي: ذيل الآيات مورد البحث.

4 . تفسير (في ظلال القرآن) : ج 8، ص 163.

[ 321 ]

كواحد من الناس بل تتعلق بجميع أفراد المجتمع الإسلامي والمجتمع البشري أيضاً، وعليه فلو واجه مؤامرة في بيته ومن أقرب الناس إليه فإنّ هذه المؤامرة رغم كونها خاصّة ومحدودة بدائرة صغيرة إلاّ أن ذلك لا يعني أن نمرُّ عليها مرور الكرام ومن موقع عدم الإهتمام فإنّ حيثية النبوّة وهذا المقام العظيم لا ينبغي أن يكون «والعياذ بالله» اُلعوبة بيد هذا وذاك، فلو فُرض أن واجه النبي مثل هذه الحال فلابدّ أن يتعامل مع هذا الموقف بجديّة وقاطعيّة لئلاّ يسري الأمر إلى موارد اُخرى.