(يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما اَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغي مَرْضاتَ اَزْواجِكَ).

   ومعلوم أن هذا التحريم لم يكن تحريماً شرعياً بل كما سيأتي توضيحه في الآيات اللاحقة أنه كان بمثابة قَسَم من النبي الكريم (صلى الله عليه وآله)، ونعلم أن القسم على ترك بعض المباحات لا يعدُّ من الذنوب، وعليه فإنّ جملة «لِمَ تحرّم» لم ترد بعنوان عتاب وتوبيخ بل هو نوع من الشفقة واللطف، كما يقال لمن يتعب نفسه كثيراً في خدمة الآخرين ومن دون أن يعود عليه إلاّ بالنفع القليل : لماذا تتعب نفسك كثيراً وتعمل كلّ هذه الأعمال ولا تنتفع منها إلاّ القليل ؟

   (وَاللهُ غَفُورٌ رَحيمٌ)، ثمّ إنّ الله تعالى يختم الآية الشريفة بالغفران والرحمة للزوجات اللواتي سببّن وقوع هذه الحادثة فيما لو صدقن في التوبة إلى الله تعالى، أو هي إشارة إلى أنّ الأفضل للنبي الكريم (صلى الله عليه وآله) أن لا يقسم مثل هذا القسم بحيث يحتمل أن يتسبب في إقدام بعض زوجاته على مستوى الجرأة والجسارة.

   وتضيف الآية التالية (قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ اَيْمانِكُمُ) وبهذا جعل الله تعالى كفّارة القسم ليتحرر الإنسان من قَسَمه ولا يتورط في الذنب في الموارد التي يكون ترك العمل مرجوحاً «من قبيل الآية مورد البحث» في هذه الصورة يجوز حنث اليمين ولكن لأجل حفظ حرمة اليمين فالأفضل دفع كفّارة.

   (وَاللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَليمُ الْحَكيمُ) وهو الذي بيّن لكم طريق النجاة والتخلّص من

[ 322 ]

هذه الأيمان وفتح لكم أبواب حلّ المشكل بحكمته، ويستفاد من الروايات الشريفة أن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) بعد نزول هذه الآية أعتق رقبة وتحرر من القسم الذي حرّم بواسطته ما كان حلالاً له.

   وتتحرّك الآية التي بعدها على مستوى شرح وبيان الواقعة بتفصيل أكثر وتقول :

   (وَاِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَديثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَاَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَاَعْرَضَ عَنْ بَعْض).

   فهنا تتحدّث الآية الشريفة عن حديث النبي (صلى الله عليه وآله) لبعض أزواجه في سرّ معيّن ولكنّ هذه الزوجة لم تحفظ السرّ بل أفشته وأعلنت عنه، ولكن ماذا كان هذا السرّ ومن هي الزوجة التي تحدّث النبي معها وأطلعها على هذا السرّ فسوف يأتي في بحث شأن النزول لاحقاً.

   ويتّضح من مجموع هذه الآيات القرآنية أنّ بعض نساء النبي (صلى الله عليه وآله) مضافاً إلى توجيه الإساءة إليه بكلامهنّ فإنّهنّ لم يحفظنّ السرّ معه والذي يعتبر أهم العناصر في العلاقات الزوجية بأن تكون الزوجة وفيّة لزوجها وتحفظ أسراره، ولكننا نرى خلاف ذلك في بيت النبوّة، ومع ذلك فنلاحظ أن سلوك النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) مع كلّ هذه التعقيدات والمواقف السلبية من بعض زوجاته إلاّ أنه لم يكن مستعداً للكشف عن جميع السرّ الذي أفشته زوجته ويوّبخها على ذلك بل اكتفى بالإشارة إلى بعضه فقط «عرّف بعضه وأعرض عن بعض» ولذا ورد في الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين (عليه السلام) أنه قال :

   ما اسْتَقْصى كَريمٌ قَطُّ لاَنَّ اللهَ يَقُولُ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَاَعْرَضَ عَنْ بَعْض(1).

   ثمّ تتوجه الآية بالخطاب إلى الزوجتين مورد البحث وتقول :

   (اِنْ تَتُوبا إلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) فلو انتهيتما من إساءة النبي (عليه السلام) وتبتما إلى الله فإنّ ذلك يعود عليكما بالنفع لأنّ قلوبكما قد انحرفت بهذا العمل عن خطّ الحقّ وتلوثت بالذنب.

   والمراد بهاتين الزوجتين كما صرّح به المفسّرين من الشيعة والسنّة : «حفصة» بنت عمر


1 . الميزان : ج 19، ص 338.

[ 323 ]

بن الخطّاب و«عائشة» بنت أبي بكر(1)، وبما أن مثل هذه الحالات السلبية تعتبر ظاهرة خطيرة في بيت النبوّة فيما لو تكررت في المستقبل فإنّ الله تعالى يحذّرهما في هذه الآية من الإستمرار في سلوك هذا الطريق الشائن ويقول :

   (وَاِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَاِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهيرٌ).

   وهذا التعبير يشير إلى هذه الحقيقة وهي أن هذه الواقعة قد أضرّت بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)كثيراً وآلمت قلبه الطاهر إلى درجة أن الله تعالى يهبُّ للدفاع عنه، ورغم أن القدرة الإلهية كافية في عملية الدفاع عن النبي إلاّ أن القرآن الكريم أضاف إليها حماية جبرئيل والمؤمنين الصالحين والملائكة في دفاعهم عن رسول الله.

 

من هو صالح المؤمنين ؟

   إنّ ما يلفت النظر في الآية المذكورة ويقع في البحث هو أنه : ما المراد من عبارة «صالح المؤمنين» ؟ هل يقصد بها شخص معيّن، أو أن هذا التعبير شامل لجميع المؤمنين الصالحين ؟

   بلاشك أن «صالح المؤمنين» له معنى شامل وعام بحسب الظاهر حيث يستوعب جميع المؤمنين الصالحين والمتقين رغم أن كلمة «صالح» قد وردت في هذه الجملة بصيغة المفرد لا الجمع، ولكن بما أنها استعملت بمعنى الجنس فيستفاد منها المفهوم العام، ولكن لاشكّ أن مفهوم «صالح المؤمنين» له مصداق أتمّ وأكمل، ويستفاد من خلال الروايات المتعددة أن هذا المصداق الأكمل والفرد الأتم هو «أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)» وهذا المعنى ذكره الكثير من علماء أهل السنّة في كتبهم ومن ذلك :

   1 ـ العلاّمة الثعلبي(2).


1 . يقول ابن عبّاس : «سألت عمر : من اللتان تظاهرتا على النبي من أزواجه ؟ فقال : تلك حفصة وعائشة. قال : فقلت والله إن كنت لاُريد أن أسألك عن هذا منذ سنة فما أستطيع هيبة لك، قال : فلا تفعل ما ظننت أن عندي من علم فاسألني فإن كان لي علم أخبرتك به، قال : ثمّ قال عمر : والله إن كنا في الجاهلية ما نعدّ النساء أمراً حتّى أنزل الله فيهنّ ما أنزل وقَسَم لهنّ ما قَسَم.(صحيح البخاري : ج 6،ص 195،سورة التحريم).

2 . العمدة لابن بطريق : ص 152 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 311.

[ 324 ]

   2 ـ العلاّمة الگنجي في كفاية الطالب(1).

   3 ـ أبوحيان الأندلسي(2).

   4 ـ السبط ابن الجوزي(3).

   5 ـ السيوطي في الدرّ المنثور(4).

   6 ـ الآلوسي في روح المعاني(5).

   7 ـ الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل(6).

   8 ـ العلاّمة البرسويي في روح البيان(7).

   9 ـ ابن حجر في الصواعق(8).

   10 ـ علاء الدين المتقي في كنز العمّال(9).

   وقد ذكر الحاكم الحسكاني الحنفي في ذيل هذه الآية الشريفة «ثمانية عشر رواية» من طرق مختلفة تؤكد على أن المراد بكلمة «صالح المؤمنين» هو علي بن أبي طالب، ونكتفي هنا بذكر ثلاث روايات منها :

   1 ـ تقول اسماء بنت عميس إنّني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول :

   صالِحُ الْمُؤْمِنينَ عَلِيُّ بْنُ أَبي طالِب(10).

   2 ـ وينقل ابن عبّاس عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه قال عن أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) :


1 . كفاية الطالب : ص 53 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 311.

2 . البحر المحيط : ج 8، ص 291 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 312.

3 . التذكرة : ص 267 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 312.

4 . الدرّ المنثور : ج 6، ص 244 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 313.

5 . روح المعاني : ج 28، ص 135 نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 314.

6 . شواهد التنزيل : ج 2، ص 254 ببعد.

7 . روح البيان : ج 10، ص 53.

8 . نقلاً عن نفحات القرآن : ج 9، ص 299.

9 . نقلاً عن نفحات القرآن : ج 9، ص 299.

10 . شواهد التنزيل : ج 2، ص 256، ح 982.

[ 325 ]

   هُوَ صالِحُ الْمُؤْمِنينَ(1).

   3 ـ ويقول عمّار ابن ياسر إنني سمعت علي بن أبي طالب (عليه السلام) يقول : دعاني رسول الله (صلى الله عليه وآله)وقال :

   أَلا اُبَشِّرُكَ ؟ قُلْتُ : بَلى يا رَسُولَ اللهِ وَما زِلْتَ مُبَشِّراً بِالْخَيْرِ ! قالَ : قَدْ اَنْزَلَ اللهُ فيكَ قُرْآناً. قُلْتُ : وَما هُوَ يا رَسُولَ اللهِ ؟ قالَ : قُرِنْتَ بِجَبْرَئيلِ ثُمَّ قَرَأَ : وَجِبرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنينَ...(2)

   وخلاصة الكلام أن الروايات الواردة في هذا المورد كثيرة وقد ذكر المفسّر المعروف «البحراني» في تفسيره «البرهان» بعد أن ذكر رواية في هذا المجال عن محمّد بن عبّاس أنه نقل 52 حديثاً وروايةً حول هذا الموضوع من طرق الشيعة وأهل السنّة ثمّ نقل بعض هذه الأحاديث.

   والنتيجة هي أن الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام) يعتبر أفضل ناصر ومعين لرسول الله (صلى الله عليه وآله)بعد الله تعالى وجبرئيل الأمين، وعليه فمن يكون مؤهلاً لمقام الخلافة والإمامة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)غيره ؟ ألا تعتبر هذه الروايات دليلاً على أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أفضل أفراد الاُمّة وأعلاهم شأناً بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟

   وإذا كان هكذا وأراد الله تعالى أن ينصب شخصاً لمقام الخلافة والإمامة بعد النبي الأكرم فهل تسمح الحكمة الإلهية بأن يختار الله تعالى شخصاً آخر غيره لهذا المقام ؟ وإذا أراد الناس والعقلاء أن يختاروا لهم شخصاً لحيازة هذا المقام المهم فهل يسمح العقل السليم أن يختاروا شخصاً غير من كان أفضل ناصر ومعين لنبي الإسلام بعد الله وجبرئيل ؟

   أجل، فإنّ الإمام علي (عليه السلام) كان يعيش النصرة الدائمة للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في جميع المواقف والأحداث والميادين وأنه الأولى بحيازة مقام الخلافة بعد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله).

توصية الآية


1 . شواهد التنزيل : ج 2، ص 258، ح 987.

2 . شواهد التنزيل : ج 2، ص 259، ح 989.

[ 326 ]

   نستوحي من عبارة «صالح المؤمنين» أن الآية الشريفة توصي الجميع بالإيمان والصلاح والخير، وتوصي جميع أتباع أميرالمؤمنين أن لا يتوقفوا على عتبة «قبول الإسلام» بل يتحركوا من موقع تعميق الإيمان بالله وباليوم الآخر وأن يمتد هذا الإيمان إلى أعماق وجدانهم وقلوبهم ويتجسد على مستوى الجوارح وممارسة الأعمال الصالحة ليكونوا من صالح المؤمنين.

—–

[ 327 ]

 

آية الإنذار والهداية

13

«سورة الرعد / الآية 7»

 

أبعاد البحث

   هذه الآية الشريفة أيضاً من الآيات المتعلّقة بولاية وإمامة أميرالمؤمنين (عليه السلام)حيث بحث فيها العلماء والمفسّرون أبحاثاً متنوعة، ويستفاد من الروايات أنها تدلُّ مضافاً إلى ولاية أميرالمؤمنين (عليه السلام) ولاية وإمامة جميع الأئمّة المعصومين (عليهم السلام)كما سيأتي تفصيل ذلك في الأبحاث القادمة.

 

الشرح والتفسير

ذرائع مختلفة

   (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا اُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) والظاهر من هذه الآية الشريفة أن الكفّار طلبوا هذه المرّة أمراً منطقياً لأنّ كلّ نبي لابدّ له لإثبات حقانيّته وأنه مرسل من الله تعالى من معجزة يثبت فيها هذا الإدعاء، وهنا طلب الكفّار معجزة من نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله)، ويجيبهم الله تعالى على طلبهم المعقول هذا بقوله :

   (اِنَّما اَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هاد).

[ 328 ]

تناسب صدر الآية وذيلها

   سؤال : هل هناك تناسب وانسجام بين صدر الآية الشريفة وذيلها ؟ وهل أن الجواب على طلب المشركين من النبي بأن يأتيهم بآية ومعجزة هو «إنّما أنت منذر...» ؟

   الجواب : لأجل العثور على الترابط بين صدر الآية وذيلها لابدّ من مراجعة الآيات الاُخرى التي تتحدّث عن طلب الكفّار للمعجزة من النبي الكريم (صلى الله عليه وآله).

   ويحدّثنا القرآن الكريم في الآيات 90 ـ 93 من سورة الإسراء على لسان المشركين :

   (وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ) هنا يقول الكفّار بإننا لن نؤمن لما تقول حتّى تأتينا بمعجزة، ثمّ طلبوا منه سبع معاجز كما نريد ونشتهي، أي أن المعجزات التي تأتي بها من دون أن تكون مطابقة لميلنا ورغبتنا فلا فائدة فيها، بل لابدّ أن تكون المعجزة حسب رغبتنا وميلنا(1).

   ويستفاد من ظاهر الآية أنهم ذكروا سبع معاجز في دائرة طلبهم وتوقعهم من النبي، والظاهر أن هذا الطلب صدر من أشخاص متعددين كلُّ واحد منهم طلب معجزة معيّنة :

   1 ـ (حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الاَْرْضِ يَنْبُوعاً) فأوّل معجزة طلبوها من النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)هو أن يفجر لهم في أرض الحجاز وصحراءها المحرقة عيناً تفيض بالماء الزلال وتفور بالمياة العذبة ليشرب منها الناس ودوابهم ويسقون مزارعهم.

   2 ـ (أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيل وَعِنَب فَتُفَجِّرَ الاَْنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً) وهذه المعجزة أيضاً لها بعد في إحياء الأراضي الميّتة وعمران المنطقة من خلال إيجاد بساتين مليئة بأشجار العنب والنخيل وتجري من خلالها المياه.

   3 ـ (أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً) وهنا نرى طلباً غير معقول وهو أنهم أرادوا من النبي أن يدعو الله تعالى لإنزال العذاب عليهم على شكل مطر من الأحجار السماوية لهلاكهم، وهذا الطلب إذا تحقّق فإنهم سيؤمنون ويذعنون لدعوة النبي.

   4 ـ (أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبيلاً) وهكذا نرى إنّ الإنسان عندما يصل به العناد واللجاجة إلى أعلى المراتب لا يلتفت إلى ما يقول، فهؤلاء لم يقولوا : إذهب بنا إلى الله


1 . انظر تفصيل شأن النزول لهذه الآيات في التفسير الامثل : ج 7 ذيل الآية.

[ 329 ]

والملائكة بل طلبوا من النبي (صلى الله عليه وآله) أن يأتي إليهم بالله والملائكة ويحضرهم عندهم.

   5 ـ (أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُف) والطلب الخامس لإثبات النبوّة أنهم أرادوا أن يبني النبي لنفسه قصراً مجللاً بالذهب والزخارف والنقوش، لأن سكّان مكّة كانوا فقراء غالباً فلو أنك كنت تملك مثل هذا القصر العظيم والجذّاب فهذا يدلُّ على أنك مرسل من الله تعالى.

   6 ـ (أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ) والذريعة السادسة هي أنهم طلبوا من النبي لإثبات صدق دعواه أن يطير في السماء أمام أعينهم ليذعنوا للحقّ ويؤمنوا بدعوته.

   7 ـ (وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ) وتمادى بعض الكفّار في عنادهم ولجاجتهم وطلبوا من النبي مضافاً إلى طيرانه في السماء أمام أعينهم عليه أن يأتيهم بكتاب من الله إليهم ليقرؤوه.

   وكما ترون أن هذه المعاجز السبعة المذكورة في الآية الشريفة تتعلّق بعضها بعمران وإحياء الأرض، وبعض آخر تتضمن الهلاك والموت لهؤلاء المعاندين والمغرورين، والقسم الثالث يتضمن أعمال غير معقولة وغير منطقية، والقسم الرابع لا يتعدّى أن يكون مجرد ذريعة واهية وليس طلباً حقيقياً.

   لو كان الأنبياء يتحرّكون في تعاملهم مع أقوامهم من موقع القبول لكلِّ مقترحاتهم والإتيان بالمعجزات كما يرغبون فإنّ بعض الجهلاء والمعاندين والمتذرّعين سيطلبون كلّ يوم معجزة من نبيّهم وسيكون الدين الإلهي ملعبة بأيديهم، ولهذا فإن الله تعالى كان يعطي لكلِّ نبي من الأنبياء معجزة أو معجزات عديدة لبيان حقّانيته وإثبات رسالته ولا يهتم لمطالبات مثل هؤلاء الأشخاص اللجوجين.

   ومع الإلتفات إلى هذا المقدمة المطوّلة نعود إلى الآية الشريفة حيث تقول الآية (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا اُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ).

   وفي الجواب على هذا الطلب المعقول حسب الظاهر يمكن القول : إنّ نبي الإسلام قد أتى بالمعجزة من الله تعالى بحيث عجز الجن والإنس عن الإتيان بمثلها كما تصرّح الآية 88 من هذه السورة :

   (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الاِْنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيراً).

[ 330 ]

   فعندما جاء النبي (صلى الله عليه وآله) لهم بمعجزة من الله تعالى لن يتمكنوا من الإتيان بمثلها مضافاً إلى معجزات اُخرى، فلا معنى لطلبهم معجزة اُخرى من النبي الكريم، ولذلك أمر الله تعالى أن يقول في جوابهم : (اِنَّما اَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هاد) فمسؤوليتك هي الإنذار والتحذير وليست الإتيان بالآية والمعجزة فإننا نحن الذين نقرر شكل المعجزة وكيفيتها، ولكلِّ قوم شخص يهديهم إلى الحقّ.

   وعلى هذا الأساس يتّضح التناسب والإنسجام بين صدر الآية وذيلها.

 

من هو المنذر والهادي ؟

   ولغرض توضيح معنى هاتين المفردتين يمكننا البحث في هذا الموضوع من طريقين :

 

الأوّل : تفسير الآية بدون ملاحظة الروايات

   فهل تعني هذه الآية الشريفة أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) هو «المنذر» وهو «الهادي» ؟ أو أنه منذر فقط والهادي شخص آخر ؟

   وهنا توجد ثلاث نظريات في تفسير هاتين الكلمتين :

   1 ـ يرى البعض أن هاتين الكلمتين تعودان كلاهما إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، فهو المنذر وهو الهادي في نفس الوقت.

   ولكن الإنصاف إن هذا القول مجانب للصواب ولا ينسجم مع ظاهر الآية ولا يتناسب مع أجواء الفصاحة والبلاغة في اللغة العربية، لأنّ هاتين الكلمتين لو كانتا تعودان على شخص واحد فمقتضى الفصاحة والبلاغة أن تقول الآية :

   (أَنْتَ لِكُلِّ قَوْم مُنْذِرٌ وَهاد) لا أن تكون كلمة «هاد» في جملة مستقلة ومنفصلة عن الجملة الاُولى، وعليه فإنّ الظاهر من الآية أن تكون كلمة «هاد» متعلّقة بشخص آخر غير نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) حيث ينبغي استكشافه من خلال القرائن والشواهد الاُخرى.

   2 ـ وذهب آخرون إلى أن «المنذر» يعود إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) بينما «الهادي» يعود إلى الله تعالى، فالنبي هو المنذر للناس، والله تعالى هو الهادي لكلِّ قوم إلى الصراط المستقيم وطريق الحقّ.

[ 331 ]

   ولكن يمكن أن يقال في مقام الجواب أن هذه النظرية أيضاً لا تنسجم مع ظاهر الآية الشريفة لأن كلمة «هاد» وردت في هذه الآية «نكرة» في حين أن الله تعالى هو أعرف المعارف وأجلى ما يكون عن الخفاء والتنكير، مضافاً إلى أن ظاهر الآية يدلُّ على وجود «هاد» لكلِّ قوم من الأقوام السالفة لا أن الهادي لجميع الأقوام هو شخص واحد، وعليه فإنّ هذا التفسير لا يتناسب مع أجواء الآية الشريفة.

   3 ـ هو أن يقال بأن الهادي شخص آخر غير الله تعالى وغير نبيّه الكريم، فهل يمكن أن يكون المقصود بهذه الكلمة هم العلماء من كلِّ قوم وطائفة ؟ كلا، لا يمكن أن يكون المقصود هو العالم من كلِّ قوم، لأن كلمة «هاد» وردت نكرة كما تقدّم، والنكرة تدلُّ على الوحدة، أي أن لكلِّ قوم وطائفة هاد واحد من الناس، فمن هو هذا الشخص الهادي للاُمّة الإسلامية ؟

   ومع الأخذ بنظر الإعتبار مجموع ما تقدّم من أبحاث في تفسير هذه الآية يمكن القول في شرح معناها والمراد منها كما يلي :

   «أيُّها النبي : أنت المنذر والمؤسس للرسالة الإسلامية والدين الإسلامي ولكلِّ دين هناك شخص بمثابة الحافظ والحارس لهذا الدين والذي يأخذ بعهدته هداية الناس إلى الله تعالى وسوقهم إلى الحقّ».

   ومن جهة اُخرى فإنّ اتحاد السياق يقتضي أن يكون تعيين هذا الهادي ونصبه من قبل الله تعالى، كما أن المنذر وهو النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) معيّن ومنصوب من الله تعالى.

   وعلى هذا الأساس فإنّ الهادي لا يقصد به الله تعالى أو النبي أو علماء الاُمّة بل يجب أن يكون شخصاً آخر معيّناً ومنصوباً من قبل الله تعالى.

   ومن جهة ثالثة فإنّ الشخص الوحيد الذي ورد في حقّه نصٌّ صريح من رسول الله (صلى الله عليه وآله)على ولايته وإمامته هو الإمام علي (عليه السلام) ولا يوجد نصٌّ في هذا الشأن لغيره من الصحابة، وحتّى أن علماء أهل السنّة لم يدّعوا مثل هذا الإدعاء، وعليه فلو قلنا أنّ «المنذر» هو رسول الله و «الهادي والإمام» هو الإمام علي (عليه السلام) المنصوب لهذا المقام من قبل الله تعالى وبواسطة نبيّه الكريم فإنّ هذا المعنى يتناسب مع أجواء الآية الشريفة.

 

[ 332 ]

الطريق الثاني : تفسير الآية بملاحظة الروايات الشريفة

   وهناك روايات عديدة ناظرة إلى بيان المراد من هذه الآية الشريفة حيث نشير هنا إلى خمسة نماذج منها، ثلاثة منها من مصادر وكتب أهل السنّة ورواية واحدة من مصادر الشيعة، أما الرواية الخامسة فمذكورة في كتب الفريقين.

   1 ـ يقول ابن عبّاس الراوي والمفسّر المعروف :

   لَمّا نَزَلَتْ (أَنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْم هاد) وَضَعَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ، فَقالَ : أَنَا الْمُنْذِرُ وَلِكُلِّ قَوْم هاد، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ عَلَى مِنْكَبِ عَلِيٍّ، فَقالَ : أَنْتَ الْهادِي يا عَلِيّ، بِكَ يَهْتَدِي الْمُهْتَدُونَ مِنْ بَعْدِي(1).

   هذه الرواية الشريفة مذكورة في مصادر أهل السنّة وهي صريحة على أن المقصود بـ «الهادي» هو علي ابن أبي طالب (عليه السلام).

   2 ـ وجاء في كتاب «شواهد التنزيل»(2) و«الدرّ المنثور» عن أبي برزة الأسلمي أنه قال :

   سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله) يَقُولُ : (إنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ) وَضَعَ يَدَهُ عَلى صَدْرِ نَفْسِهِ، ثُمَّ وَضَعَها عَلى صَدْرِ عَلِيٍّ وَيَقُولُ (لِكُلِّ قَوْم هاد)(3).

   وهذه الرواية أيضاً مذكورة في كتابين من الكتب المعتبرة لدى أهل السنّة، وقد رواها شخص آخر غير ابن عبّاس ونجد أنها تصرّح بأن «الهادي» هو علي بن أبي طالب  (عليه السلام).

   3 ـ وجاء في كتاب «مستدرك الصحيحين» المعروف لدى علماء أهل السنّة، رواية في تفسير الآية المذكورة عن الإمام علي (عليه السلام) نفسه :

   عَنْ عَلِيٍّ : (إنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هاد) قالَ عَلِيُّ : رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) الْمُنْذِر وَأَنَا الْهادِي(4).

   وطبقاً لهذه الرواية المذكورة في كتاب آخر من كتب ومصادر أهل السنّة المعروفة أن الإمام علي (عليه السلام) هو الهادي.


1 . الدرّ المنثور : ج 4، ص 45.

2 . شواهد التنزيل : ج 1، ص 298.

3 . الدرّ المنثور : ج 4، ص 45.

4 . مستدرك الصحيحين : ج 3، ص 129.

[ 333 ]

   سؤال : من المعلوم في علم الدراية والحديث أن الراوي لو روى حديثاً يتضمن مدحه والثناء عليه فإنّ هذه الرواية لا تكون مقبولة، فكيف يمكن الإستدلال بالرواية المذكورة آنفاً على المطلوب والحال أن الراوي هو الإمام علي (عليه السلام) نفسه ؟

   الجواب : إنّ هذا الكلام صحيح بالنسبة إلى غير المعصومين، ولكن بالنسبة إلى المعصومين الذين لا يتصور في حقّهم الخطأ والذنب فغير صادق، والإمام علي (عليه السلام)باعتقاد جميع الشيعة معصوم، وكذلك يرى أهل السنّة أن الأحاديث والروايات الواردة عن جميع الصحابة وأحدهما الإمام علي (عليه السلام)، حجّة ودليلاً شرعياً، وعليه فالإشكال المذكور مردود وغير وارد لدى كلا الفريقين.

   4 ـ ما ورد في مصادر الفريقين العامّة والخاصّة من حديث الإسراء حيث رواه أهل السنّة عن ابن عبّاس(1) ورواه علماء الشيعة عن ابن مسعود، ويروي هذان عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) هذه الرواية، حيث قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

   لَمّا اُسْرِيَ بي اِلَى السَّماءِ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وبَيْنَ رَبّي مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلا نَبِيُّ مُرْسَلٌ وَلا حاجَةٌ سَأَلْتُ إلاّ أَعْطانِي خَيْراً مِنْها، فَوَقَعَ فِي مَسامِعي (إنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هاد)فَقَلْتُ : إِلهي أَنَا الْمُنْذِرُ، فَمَنِ الْهادِي ؟ فَقالَ : يا مُحَمَّد ذاكَ عَلِيُّ بْنُ أَبي طالِبِ غايَةُ الْمُهْتَدِينِ، إمامُ الْمُتَّقِينَ، قائِدُ الغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ(2); وَمَن يَهْدِي مِنْ اُمَّتِكَ بِرَحْمَتِي إلَى الْجَنَّةِ(3).

   هذه الرواية الجذّابة والشيقة تبيّن بجلاء تطبيق الآية محل البحث على النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)والإمام علي (عليه السلام) في السماء.

 


1 . شواهد التنزيل : ج 1، ص 296.

2 . جملة «قائد الغرّ المحجلين» ورد في روايات عديدة. و«الغرّ» جمع «أغرّ» وهو الأبيض النوراني، ويقال للشخص ذي الوجه النوراني «أغرّ»، وأما «محجّل» فمن «حَجَل» وهو نوع من الطير الأبيض، ثمّ اطلق على الفرس الأبيض، ثمّ على كلّ شخص ذي سمعة طيبة ومكانة مرموقة في المجتمع، وعليه فيكون معنى الجملة «قائد الوجهاء والشخصيات الراقية في المجتمع».

3 . تفسير فرات الكوفي : ص 78.

[ 334 ]

توصيات آية الولاية والإنذار

   هذه الآية الشريفة لا تقتصر على بيان بعض البحوث الإعتقادية والتاريخية، بل تتضمن توصيتان لجميع المسلمين والشيعة في عصرنا الحاضر وتفتح لهم أبواب الحياة الكريمة والعقيدة السليمة في هذا الزمان وجميع الأزمنة وبإمكانها فيما لو جسّدها الإنسان على مستوى الممارسة والعمل أن تحلّ كثيراً من مشكلاته في حركة الحياة :

 

1 ـ التعصّب هو الحجاب والمانع !

   يستفاد من المقطع الأوّل لهذه الآية الشريفة أن الإنسان لا يمكنه أن يصل بأدوات التعصّب واللجاجة إلى أي مرتبة من مراتب المعرفة والكمال الإنساني، فلو أراد الإنسان أن يدرك الحقّ والحقيقة فينبغي عليه أن يتحرّك في خطّ الحقّ من موقع التسليم والإذعان لا من موقع التفسير بالرأي وتحكيم الآراء المسبقة وإتّباع الأهواء النفسية، ولهذا نرى أن الآيات القرآنية والروايات الشريفة قد نهت بشدّة عن «الجدال بالباطل» وحذّرت من عاقبة إتّباع هذا الطريق المنحرف للوصول إلى الحقّ، حيث يقول القرآن الكريم في الآية الثالثة من سورة الحجّ :

   (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بَغَيْرِ عِلْم وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطان مَرِيد).