ونقرأ في الروايات الإسلامية ما يؤكد هذا المضمون من أن أحد الحجب والموانع المهمة للإيمان والوصول إلى مرتبة اليقين هو الجدال بالباطل والمناقشة مع الطرف المخالف بلغة الإتهام وعدم التمسك بالبرهان المنطقي والعقلاني، فقد ورد عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) قوله :

   «ما ضَلَّ قَوْمٌ إلاّ أَوْثَقُوا الْجِدالَ»(1).


1 . بحار الأنوار : ج 2، ص 138.

[ 335 ]

   فطبقاً لهذه الرواية الشريفة أن العامل الوحيد للضلالة والإبتعاد عن الحقّ هو البحث غير المنطقي والجدال من موقع الخصومة والتعصّب المذهبي.

   سؤال : لماذا كانت جميع أسباب وعوامل الضلالة والزيغ تمتد بجذورها إلى الجدال بالباطل ؟

   الجواب : لأن الإنسان لو وجد في نفسه إذعاناً وتسليماً للحقّ فإنّ الدعاة إلى الحقّ كثيرون في هذه الدنيا وبإمكان الإنسان أن يجد طريق الهداية والإيمان الصحيح بيسر وسهولة، وقد ورد أن الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) في جوابه لهارون الرشيد عندما طلب منه الموعظة والنصيحة قال :

   «ما مِنْ شَيء تَراهُ عَيْناكَ إلاّ وَفِيهِ مَوْعِظَةٌ»(1).

   أي أن جميع ما في الأرض من كائنات ومخلوقات وظواهر طبيعية هي في الحقيقة موعظة لمن فتح قلبه على الله والحقّ، فالسماء بكلِّ ما تحوي مجرّات عظيمة وشموس منيرة ما هي إلاّ موعظة، ظاهرة الزمان والمكان موعظة، الحوادث المفرحة والمرّة موعظة، أجل فكلّ هذه الاُمور تكون موعظة بشرط أن يتمتع الإنسان باُذنٌ واعية وعينٌ بصيرة وفؤاد حيّ.

   وتأسيساً على هذا فإنّ الحقّ لا يخفى على طلاّب الحقّ وعشّاق الحقيقة، ومن وقع في وادي الضلالة والإنحراف فإنه يعاني من مشكلة في واقعه النفساني قبل كلِّ شيء وبالتالي يعيش مرض الجدال بالباطل.

   وقد أتّضح ممّا تقدّم أنه لا تفاوت بين المباحث والمواضيع الدينية والأخلاقية والسياسية وأمثال ذلك، فمثلاً ما نقرأه في الصحف والإعلام حول المسائل السياسية يتدخل فيه هذا العنصر بالذات، أي أن كلُّ طرف من الأطراف المتنازعة لا يريد أن يذعن ويسلّم للحقّ بل يريد أن يحكّم رأيه ويفرض نظره على الآخرين بعيداً عن معايير الحقِّ والإنصاف، وإلاّ فإنّ تشخيص الحقّ في المسائل السياسية لا يكون مشكلاً وعسيراً أيضاً، ولكن عندما تتدخل المسألة في إطار التعصّب المذهبي والمنافع الشخصية والحزبية فإنّ


1 . ميزان الحكمة : باب 4120، ح 21711.

[ 336 ]

الإنسان يبتعد عن أجواء الحقّ وسيختفي نور الحقّ بغشاوة سميكة من ظلمات الأهواء النفسانية.

   ونقرأ في رواية اُخرى عن أميرالمؤمنين ومولى المتقين أنه قال :

   «اَلْجَدَلُ فِي الدِّينِ يُفْسِدُ الْيَقِينَ»(1).

   لأن الإنسان عندما يعيش حالة الجدل الدائم مع الآخرين فتدريجياً يطرح رغباته وميوله وأفكاره الشخصية المستوحاة من الأهواء النفسية في لباس الدين والمذهب ويتصور أن هذا الرأي ما هو إلاّ قراءة سليمة للدين وللمفاهيم القرآنية.

   والخلاصة أنه ورد النهي الشديد والأكيد في الآيات والروايات الشريفة عن الجدل بالباطل، وأما الجدل بالحقّ والحوار المنطقي والهادف والذي يقوم على أساس الأدلّة والبراهين العقليّة ويكون الهدف منه هو إيضاح الحقيقة واستجلاء كوامن الحقّ من دون أن تكون رغبة لدى الطرفين في الإستعلاء والغلبة والتفوق على الخصم فإنّ مثل هذا الجدال والحوار ليس فقط لا إشكال فيه بل هو مأمور به من قبل الله تعالى، حيث نقرأ في الآية 125 من سورة النحل قوله :

   (وَجادِلْهُمْ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ).

 

2 ـ الإقتداء بالهادي

   والتوصية الثانية للآية الشريفة والتي تستفاد من المقطع الثاني لها هي أن المسلمين لو أرادوا الهداية إلى الله تعالى والسير في خطّ التقوى والإيمان فلابدّ أن يتّخذوا الإمام علي (عليه السلام)قدوة وعلى أساس من كونه «هادياً» للمسلمين.

   الإمام علي (عليه السلام) في أخلاقه وسلوكياته وأقواله وكتبه المشحونة بالمعارف العالية والمفاهيم السامية وكلماته القصار المليئة بالموعظة والحكمة، وتاريخ حياته المليء بالدروس والعبر، وآداب معاشرته وأخلاقه الجذّابة مع الآخرين، ومديريته القوية والرصينة،


1 . ميزان الحكمة : باب 492، ح 2285.

[ 337 ]

واُسلوب تعامله وتفاعله مع الأحداث والأشخاص والأقوام من الداخل والخارج، وأخيراً إرشاداته وتعليماته الإنسانية كلُّها يمكن أن تكون اُسوة وقدوة لجميع المسلمين في حركتهم الدنيوية وسلوكهم المعنوي في خطّ التكامل الأخلاقي والإلهي.

   ونحن الذين ندّعي الولاية لهذا الإمام العظيم وندّعي أننا من أتباعه فما هو مقدار الفاصلة بين حياتنا وتعاملنا وأفكارنا مع حياة ذلك الإمام وأفكاره وأخلاقه ؟ لنرى طعام الإمام علي (عليه السلام) كم كان زهيداً وبسيطاً، ولباسه في أوج اقتداره وحكومته كم كان رخيصاً وساذجاً، فهل أن زخارف الدنيا وتجملاتها استطاعت أن تقيّد الإمام علي (عليه السلام) وهو في أعلى مواقع القدرة بحبائلها وأن تؤسره بأسلاكها، بل نقرأ في التواريخ أن تشييع الإمام ومراسم تكفينه ودفنه كانت بسيطة للغاية، ولكن مع الأسف أنّ بعض من يدّعي أنه شيعة علي (عليه السلام)يعيش في عالم الزخارف الدنيوية البرّاقة وقد أصبح أسيراً لاحابيلها الموهومة، بل إنّ المراسم التي تجرى لهم بعد وفاتهم من بذل الطعام ومجالس الفاتحة والعزاء مليئة بالمظاهر البرّاقة ومشحونة بعناصر الهوى والفخفخة بحيث لا نجد شبهاً بينها وبين مجالس العزاء الحقيقية بل قد تنفق في هذه المجالس ملايين الدنانير من دون أن تكون الدوافع سليمة والغايات إلهية.

   وقد سمعت قبل مدّة خبراً قد يكون مفرحاً من جهة ومثيراً للقلق من جهة اُخرى، وهو :

   «مات أحد الأشخاص فقرر أولياء الميت وأبناؤه أن ينفقوا مصارف مجلس العزاء ومراسم الفاتحة على الاُمور الخيرية، فجلسوا لمحاسبة نفقات مجلس العزاء هذا فتبيّن أنه قد يصل إلى خمسة ملايين تومان، فقرّر هؤلاء الأبناء أن ينفقوا هذا المبلغ على البنات من العوائل الفقيرة لكي يأمّنوا لهم جهاز العرس وأثاث البيت الزوجي بدلاً من صرفه على مجلس العزاء والفاتحة، فكان هذا المبلغ يكفي لتجهيز عشرة بنات، أي يكفي لتكوين عشر عوائل جديدة ومحتاجة».

   هذا الخبر هو مقلق ومثير للتشويش من جهة المبالغ الطائلة التي تصرف على مجالس العزاء هذه، ومن جهة اُخرى مفرح ومثير للإرتياح والإنبساط بأن يقوم أولياء الميت وورثته بخطوة مهمة مستوحاة من العقل والوجدان ويقرّروا إنفاق ذلك المبلغ الكبير على اُمور خيرية وإنسانية.

[ 338 ]

   ما المانع من أن يقوم المسلم بإنفاق مثل هذه المبالغ الكبيرة على اُمور إنسانية وموارد خيرية بدلاً من بذلها لمظاهر خاوية وتشريفات زائفة ؟

   عزيزي القارئ : إنّ توفير مقدّمات الزواج للشباب المحتاجين ليست وظيفة وتكليف الوالدين فقط بل هو تكليف عام لجميع المسلمين كما تقول الآية الشريفة :

   (وَأَنْكِحُوا الاَْيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإمائِكُمْ)(1).

   فهذه الوظيفة في الحقيقة تتعلق بجميع أفراد المجتمع، ولا يقتصر الحال على مسألة الزواج بل سائر المشكلات والمعضلات التي تواجه الشباب والفتيات في مجتمعاتنا الإسلامية حيث ينبغي أن نمدُّ لهم يد العون ونسعى في حلّ مشاكلهم والتخفيف من آلامهم وهمومهم في حركة الحياة من قبيل مشكلة «العطالة» التي تمثل العامل المهم لكثير من المفاسد الإجتماعية، وكذلك مشكلة «المسكن» ومشكلة «التحصيل الدراسي» وأمثال ذلك.

   ينبغي علينا وبالإلهام من سيرة أميرالمؤمنين (عليه السلام) أن نتحرر من قيود وأسر التشريفات والظواهر البرّاقة والإبتعاد عن منزلقات الزخارف الدنيوية ونعيش البساطة والطهارة والنقاء في الحياة الفردية والإجتماعية بل يجب على الحكومة الإسلامية مضافاً إلى توفير المناخ المناسب لمثل هذه السلوكيات والقيم الأخلاقية والثقافية لجميع أفراد المجتمع أن يقوم المسؤولون أنفسهم بالعمل بهذا المبدأ المقدّس لكي يمكنهم في حال إصلاح هذه الأزمة الإجتماعية والإدارية، إصلاح قسم مهم من الفساد الإقتصادي والتخلف الإجتماعي الذي تعاني منه البلدان الإسلامية وبالتالي يتسنّى للمسلمين التخلص من التبعية للأجنبي والإستعمار الذي لا يفكر إلاّ في مصالحه الشخصية ومنافعه المادية، ونستطيع إن شاء الله ببركة ذلك الإمام الهمام أن نحفظ عزّة وكرامة الاُمّة الإسلامية ونحلّ مشكلاتها.

   نسأل الله تعالى أن يوفقنا لاستماع قول الحقّ ويرزقنا اُذناً واعية لفهم هذه التعليمات المهمة الواردة في دائرة المفاهيم القرآنية ثمّ يوفقنا لتجسيد هذه المفاهيم على مستوى العمل والتطبيق والإستفادة من ثمراتها الكثيرة وبركاتها العميمة إنه أرحم الراحمين... آمين يا ربّ العالمين.


1 . سورة النور : الآية 32.

[ 339 ]

 

 

آية خير البريّة

14

«سورة البيّنة / الآية 7 و 8»

 

أبعاد البحث

   هذه الآية الشريفة أيضاً من الآيات التي تتعلّق بموضوع الإمامة والخلافة، وتدلُّ بدقائق عباراتها الظريفة على أحقيّة مقام الإمامة والخلافة للإمام علي (عليه السلام)، ولا يوجد فيها اختلاف على مستوى السياق والمدلول «خلافاً للآيات السابقة» وأما كيفية الإستدلال بهذه الآية لإثبات الولاية والإمامة فيحتاج إلى دقّة وتدبّر خاصّ كما سيأتي بيانه لاحقاً.

 

 

الشرح والتفسير

أفضل المخلوقات وشرّها

   من أجل إيضاح المراد من الآية الشريفة «آية خير البريّة» واستجلاء المفهوم منها نرى
من الضروري أن نشرع بشرح الآية السادسة من سورة البيّنة :

   (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتابِ وَالْمُشْرِكينَ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدينَ فِيهَا).

[ 340 ]

   أي أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين لم يقبلوا بالإسلام وكذلك المشركون وعبادة الأوثان يشتركون في العاقبة والمصيرالاُخروي فجميعهم يردون جهنم خالدين فيها.

   (اُولِئكَ هُمْ شَرُّ الْبَريَّةِ).

   وهذا هو السبب في أنهم مخلّدون في نار جهنم، وكأن هذه الجملة وردت في مقام الدليل لبيان سبب خلود هؤلاء في نار جهنم(1).

   ويستفاد من الآيات السابقة لهذه الآية الشريفة أن هؤلاء ليسوا من الكفرة العاديين بل هم طائفة من الكفّار الذين فهموا الرسالة الإلهية واتّضحت لديهم الحجّة والبيّنة وعلموا بحقّانيّة الإسلام والرسالة السماوية ولكنّهم مع ذلك أصرّوا على عنادهم ولجاجتهم وانطلقوا في عداءهم مع الحقّ والعدل من موقع الخصومة والعدالة، وعليه فإنّ هذه الآية لا تشمل كلُّ الكفّار والمشركين وأهل الكتاب حتّى لو تحرّكوا في خطّ الباطل والكفر من موقع الجهل والغفلة، فالخطأ الذي ينطلق من موقع الغفلة والإندفاع العفوي ليس كالخطأ الذي ينطلق من موقع التمرّد والجحود مع وعي الموقف ووضوح الرؤية.

   وبعد أن ذكرت الآية الشريفة شرّ المخلوقات تحرّكت الآية التي بعدها لبيان أفضل المخلوقات وقالت :

   (إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالحاتِ اُولِئكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ).

   فقد ذكرت هذه الآية الشريفة لأفضل مخلوقات الله ثلاث صفات وخصوصيات :

   1 ـ «الَّذينَ آمَنُوا» فالخصوصية الاُولى لهؤلاء هي إيمانهم بالله تعالى والنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)ويوم القيامة، وعليه فإنّ المشركين وجميع الأشخاص الذين لا يدينون بدين الإسلام خارجون عن هذه الدائرة ولا يتّصفون بهذه الصفة الكريمة.


1 . عبارة «اُولئك هم شرّ البريّة» عبارة قارعة مثيرة، وتعني أنّه لا يوجد بين الأحياء وغير الأحياء موجود أفل وأسوأ من الذين تركوا الطريق المستقيم بعد وضوح الحقّ وإتمام الحجّة وساروا في طريق الضلال، مثل هذا المعنى ورد أيضاً في قوله تعالى : (إنّ شرّ الدواب عند الله الصمّ البكم الذين لا يعقلون)الأنفال : 22. وكذلك في قوله سبحانه يصف أهل النار : (اُولئك كالأنعام بل هم أضلّ اُولئك هم الغافلون) الأعراف : 179. وهذه الآية مورد البحث تذهب في وصف هؤلاء المعاندين إلى أبعد ممّا تذهب إليه غيرها، لأنها تصفهم بأنهم شرّ المخلوقات. (التفسير الامثل : ج 20، ص 364، ذيل الآية).

[ 341 ]

   2 ـ (وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ) الخصوصية الثانية للأشخاص الذين هم «خير البريّة» هو أنهم يتحرّكون في واقعهم الإجتماعي من موقع العمل الصالح الذي يستوحي مقوّماته من الإيمان والإعتقاد في عالم القلب والروح.

   «العمل الصالح»(1) يتضمن معنىً عاماً وشاملاً، وقد ورد في الروايات الشريفة أن أدنى مرتبة له هو «اِماطَةُ الاْذى عَن الطَّريقِ» وأعلى مرتبة له هو اعتناق دين الحقّ والشهادة بالتوحيد «وأعْلاها شَهادَةُ اَنْ لا اِلهِ إلاّ الله»(2).

   والخلاصة أن الصفة الثانية لهؤلاء هي أنهم يعملون الأعمال الصالحة.

   3 ـ (ذلِكَ لَمِنْ خَشِىَ رَبَّهُ) الخصوصية الثالثة لهؤلاء الأشخاص هي أنهم يتمتعون بمقام «الخشية» من الله تعالى، فمضافاً للإيمان والعمل الصالح فإنهم يعيشون حالة الخشية والخضوع والإذعان للحقّ تعالى والتسليم لأوامره وتعليماته.

   سؤال : هل أن «الخشية» هي شيء آخر غير الإيمان والعمل الصالح ؟

   الجواب : نعم، إنّ الخشية مرتبة أعلى من الإيمان والعمل الصالح، والظاهر أنها تعني الإحساس بالمسؤولية، فتارةً يعيش الإنسان الإيمان والعمل الصالح ولكن ذلك لا يعني أنه يتحلّى بعنصر الإحساس بالمسؤولية ولا يكون إيمانه وعمله الصالح مسترفداً من إحساسه بالمسؤولية بل بسبب العادة والتربية وأجواء الاُسرة والمحيط الإجتماعي، وتارةً اُخرى يتحرّك الإنسان في إيمانه وعمله الصالح على أساس من أحساسه بالمسؤولية، فمثل هذا الإنسان يتعامل مع الأحداث والأشخاص والمواقف المختلفة من منطلق إحساسه بالمسؤولية ويكون سلوكه وممارساته في حركة الحياة الفردية والإجتماعية قائمة على هذا الدافع النفساني والوجداني.

   والنتيجة هي أن «خير البريّة» هم الذين يتمتعون بثلاث صفات : الإيمان، العمل الصالح، الإحساس بالمسؤولية.


1 . لبيان أهمية العمل الصالح يكفي أن نعلم أن هذه العبارة وردت في القرآن الكريم سبعين مرّة تقريباً.

2 . عوالي اللئالي : ج 1، ص 431، والرواية أعلاه وردت في صحيح مسلم، كتاب الإيمان، الباب 12، ح 58، مسند أحمد : ج 2، ص 379.

[ 342 ]

   وبعد ان تنتهي الآية الشريفة من تعريف «خير البريّة» وتبيين صفاتهم وخصائصهم تتعرض كذلك لبيان أجرهم وثوابهم عند الله وتقول :

   (جَزائُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْن تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الاَنْهارُ).

   إنّ ثواب «خير البريّة» في الدار الآخرة يتضمن الثواب المادي والمعنوي على السواء، لأن الإنسان مركّب من جسم وروح، فجسمه يطلب الثواب المادي، وروحه تشتاق إلى الثواب المعنوي.

   أما الثواب المادي لهؤلاء الصالحين فهو عبارة عن الجنّة الخالدة والبساتين اليانعة التي تجري من تحت أشجارها الأنهار(1) والمياة العذبة بصورة دائمة.

   البساتين على نحوين :

   1 ـ البساتين التي تردُّ إليها المياه من خارجها ويتمُّ سقي أشجارها بالماء بين كلِّ حين وآخر وعلى فواصل زمنيّة معيّنة، فالمياه لا تجري دائماً في جداولها وسواقيها.

   2 ـ البساتين التي تتوفر فيها المياه بصورة دائمة وتجري في سواقيها وبين أشجارها، وبلاشك أن مثل هذه البساتين تنعم أشجارها بطراوة خاصّة ومشهد جذّاب ولا يخشى عليها الجفاف والذبول، فبساتين الجنّة التي تقدّم وصفها في الآية الشريفة هي من النوع الثاني، فهي خضراء يانعة دائماً.

   (خالِدينَ فِيها أَبَداً) فكما أن الكفّار والمشركين وأهل الكتاب الذين وقفوا من الرسالة الإلهية موقف المعاند والعدو مخلدون في نار جهنم، وكذلك المؤمنون الذين يعيشون الإحساس بالمسؤولية ويترجمون إيمانهم وإحساسهم هذا على مستوى الممارسة والأعمال الصالحة هم مخلدون في الجنّة أيضاً.

   (رَضِيَ اللهُ عَنْهُم وَرَضُوا عَنْهُ) وتشير هذه الجملة إلى الثواب المعنوي لهؤلاء المؤمنين، وهو أن الله تعالى ينعم عليهم بالمواهب الاُخروية العظيمة إلى درجة أنهم يعيشون الرضا والسرور الفائق، ومن جهة اُخرى فإنّ لطف الله تعالى ورحمته بهؤلاء يبلغ إلى الحدّ الذي يرضى الله عزّوجلّ عنهم.


1 . صفة «الخلود» يمكن استفادتها من كلمة «عدن» بمعنى الخالدة، ويقال «معدن» للأشياء المعدنية الثابتة والمستقرة في ذلك المكان بصورة دائمية.

[ 343 ]

   فما أعظم هذا المقام الشامخ، وما أعظم هذه المرتبة السامية التي لا تتصور فوقها مرتبة في عالم الكمال والنعمة والسعادة.

   والنتيجة التي نستخلصها من هذه الآيات الشريفة الثلاث أنها ذكرت خصوصيّات «شرُّ البريّة» وعقوباتهم في الدار الآخرة، وكذلك صفات وخصوصيّات «خير البريّة» وأجرهم وثوابهم عند الله في يوم القيامة.

 

خير البريّة في الروايات

   سؤال : هل أن المفهوم من هذه الآية الشريفة عام أو خاصّ ؟

   وبعبارة اُخرى : هل أنّ «خير البريّة» يشمل جميع المؤمنين الذين يعملون الصالحات، أو يتحدد بفئة خاصّة منهم ؟

   الجواب : ومن أجل التوصل إلى جواب هذا السؤال نرى من اللازم الرجوع إلى الروايات الواردة في شأن نزول هذه الآيات الكريمة :

   طبقاً للروايات الكثيرة الواردة في مصادر وكتب الشيعة وأهل السنّة أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)ذكر في تفسير «خير البريّة» أنهم : عليّ وشيعته، وقد وردت هذه الروايات في كتب مختلفة، منها :

   1 ـ «شواهد التنزيل» لمؤلفه الحاكم الحسكاني(1).

   2 ـ «الصواعق المحرقة» تأليف ابن حجر الهيثمي(2)

   3 ـ «الدرّ المنثور» للسيوطي(3).

   4 ـ «نور الأبصار» لمحمّد الشبلنجي(4).


1 . الحاكم الحسكاني النيشابوري من علماء أهل السنّة في نيشابور، و«حسكان» قرية من قرى نيشابور، ويعتبر من العلماء المعتدلين والبعيدين عن التعصّب، وقد سعى لجمع جميع الروايات الواردة في شأن نزول آيات القرآن الكريم في كتابه.

2 . الصواعق المحرقة : ص 96 نقلاً عن نفحات القرآن : ج 9، ص 261.

3 . الدرّ المنثور : ج 6، ص 379 نقلاً عن نفحات القرآن : ج 9، ص 260.

4 . نور الأبصار : ص 70 و 110 نقلاً عن نفحات القرآن : ج 9، ص 261.

[ 344 ]

   5 ـ «تفسير الطبري»(1).

   6 ـ «روح المعاني» للآلوسي(2).

   7 ـ «المناقب» للخوارزمي(3).

   8 ـ «فتح الغدير» للعلاّمة الشوكاني(4).

   وقد أورد صاحب كتاب «شواهد التنزيل» في كتابه هذا أكثر من عشرين رواية في ذيل آية خير البريّة، وقد اخترنا منها ثلاث روايات كنموذج لتقرير المطلوب، وهي كالتالي :

   الف ) يقول جابر بن عبدالله الأنصاري الصحابي المعروف : كنت جالساً مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)وجماعة من أصحابه عند الكعبة، وإذا بعليّ قد ظهر لنا من بعيد، فلمّا رآه رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال لأصحابه :

   «قَدْ أَتاكُمْ أَخي، ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى الْكَعْبَةِ، فَقالَ وَرَبِّ هذِهِ الْبُنْيَةِ ! إنَّ هذا وَشِيعَتَهُ هُمُ الفائزونَ يَوْمَ الْقيامَةِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ : أَما وَاللهِ إنّهُ أَوَّلُكُمْ إيماناً باللهِ، وَاقْوَمُكُمْ بأمر اللهِ وَأَوفاكُم بِعَهْدِ اللهِ وَأَقْضاكُمْ بِحُكْمِ اللهِ وَأَقْسَمُكُمْ بِالسَّوِيَّةِ وَأَعْدَلُكُمْ فِي الرَّعيَّةِ وَأَعْظَمُكُمْ عِنْدَ اللهِ مَزِيَّةً. قالَ جابِرُ فَأَنْزَلَ الله : (إنَّ الَّذينَ آمَنُوا... خَيْرُ البَرِيَّةِ) فَكانَ عَلِيٌّ إذا أَقْبَلَ قالَ أَصْحابُ مُحَمّد : قَدْ أَتاكُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ بَعْدَ رَسُول اللهِ»(5).

   ويستفاد من العبارة الواردة في ذيل هذه الرواية الشريفة أنها كانت مشهورة بين المسلمين في صدر الإسلام، وعليه فإنّ الرواة لها لا يقتصرون على ابن عبّاس وجابر بن عبدالله وأبو برزة.


1 . تفسير الطبري : ج 30، ص 171.

2 . روح المعاني : ج 30، ص 207.

3 . المناقب الخوارزمية : ص 421، طبعة طهران نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 289.

4 . فتح الغدير : ج 5، ص 464، طبعة مصر نقلاً عن احقاق الحقّ : ج 3، ص 291.

5 . شواهد التنزيل : ج 2، ص 362.

[ 345 ]

   ب ) ويقول جابر في رواية اُخرى : أنه عندما نزلت آية خير البريّة، التفت النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقال :

   «هُمْ أَنْتَ وَشِيعَتُك، تَرِدُّ عَلَيَّ وَشِيعَتُكَ رَاضِينَ مَرْضِيِّيْنَ»(1).

   ج ) يقول أبو برزة الأسلمي : عندما نزلت آية خير البريّة قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)لعلي بن أبي طالب :

   «هُمْ أَنْتَ وَشِيعَتُكَ يا عَلِيّ، وَميعادُ ما بَيْني وَبَينكَ الْحَوْضُ»(2).

   د ) ويروي ابن عساكر في شرح هذه الآية الشريفة «آية خير البريّة» عن عائشة رواية طريفة، (ورغم أن عائشة لم تكن على علاقة جيّدة مع علي بن أبي طالب وقد قامت بوجهه في حرب الجمل) قال :

   «وفي رواية لعائشة عن عطاء قال سألت عائشة عن علي فقالت : ذاك خير البشر لا يشك فيه إلاّ كافر»(3).

   والنتيجة أنه طبقاً للروايات الكثيرة الواردة في تفسير آية خير البريّة أن المراد من «خير البريّة» هو علي بن أبي طالب (عليه السلام).

   سؤال : ويطرح الآلوسي في روح المعاني سؤالاً بهذه الصورة :

   إذا كان المراد من خير البريّة هو علي بن أبي طالب (عليه السلام) فهل أنه أعلى مقاماً من رسول الله(صلى الله عليه وآله) ؟ لأنّ كلمة «خيرالبريّة» في الآية الشريفة وردت بشكل مطلق، ومفهومها أن المصداق لها هو أفضل من جميع الناس.

   الجواب : لو تدبرنا في مضمون الآية الشريفة لأتضح الجواب عن هذا السؤال، لأنه كما تقدّم أن أحد الشروط التي لابدّ أن تتوفر في «خير البريّة» هو الإيمان، أي الإيمان بالله والرسول وسائر مبادئ وأحكام الإسلام، وعليه فإنّ الإمام علي من جهة اعتقاده وإيمانه العميق بالله تعالى ورسوله الكريم هو خير البريّة، فكيف يمكن أن يكون الإمام علي


1 . شواهد التنزيل : ج 2، ص 360.

2 . شواهد التنزيل : ج 2، ص 359.

3 . احقاق الحقّ : ج 2، ص 288.

[ 346 ]

وبسبب اعتقاده وإيمانه برسول الله هو خير البريّة وفي نفس الوقت يكون أعلى مرتبة من رسول الله(صلى الله عليه وآله)نفسه ؟ ولهذا السبب ورد في رواية جابر بن عبدالله الأنصاري المذكورة في منابع أهل السنّة أنّ عليّ بن أبي طالب خير البريّة بعد رسول الله.

   سؤال آخر : ما هي العلاقة بين الآية الشريفة وبين مسألة الإمامة والخلافة لأميرالمؤمنين(عليه السلام) ؟ وعلى فرض أن يقبل أهل السنّة بأن علي بن أبي طالب هو خير البريّة كما ورد في رواياتهم، ولكن كيف يمكن الإستدلال بهذه الآية على إمامته وخلافته بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) ؟

   الجواب : بالنسبة إلى طريقة تعيين الخليفة بعد النبي هناك اختلاف بين الشيعة وأهل السنّة، فالشيعة يرون أن الخليفة والإمام بعد رسول الله يجب أن يكون منصوباً ومعيّناً من قبل الله تعالى(1)، إذن فتعيين الخليفة في نظر الشيعة هو أمر انتصابي لا انتخابي، ولكنّ أهل السنّة يرون أن تعيين الخليفة بعد النبي هو أمر انتخابي ويجب أن يختاره الناس إماماً وزعيماً لهم، فإذا حظى بموافقة الناس وانتخابهم له صار خليفة لرسول الله.

   وطبعاً إنّ هذا الإختلاف في مفهوم وطريقة تعيين الخليفة لا يؤثر في المفهوم من الآية الشريفة لأنه لو كانت الخلافة انتخابية أو انتصابية فإنّ الإمام علي هو الوحيد اللائق لهذا المقام، لأنه لو كانت انتصابية كما يعتقد الشيعة فمع وجود الإمام علي الذي هو خير البريّة وأفضل مخلوقات عالم الوجود فإنّ الله الحكيم لا يختار شخصاً آخر غيره لهذا المقام وإلاّ لكان منافياً لمقتضيات الحكمة الإلهية، ولو كانت المسألة انتخابية فهل يعقل مع وجود أفضل الناس وأعلمهم أن يختار العقلاء شخصاً آخر لهذا المقام ؟

   من الواضح أن ما يعتذر به البعض من أنّ المسلمين في ذلك الزمان لم يكونوا يعرفون الأفضل والأعلم هو عذر غير مقبول مع وجود كل هذه الروايات الكثيرة التي مرّت سابقاً ومع اشتهار مقام الإمام علي (عليه السلام) ومناقبه وفضائله بعنوان إنه «خير البريّة».


1 . لأنّه كما تقدّم سابقاً لابدّ أن يكون خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) معصوماً، وملكة العصمة لا يدركها سوى الله تعالى، إذن فيجب أن يكون تعيين الخليفة المعصوم من قبل الله تعالى.

[ 347 ]

   ومع الإلتفات إلى ما تقدّم يتّضح جيّداً ارتباط الآية الشريفة مع مسألة الولاية والإمامة.

   السؤال الثالث : إنّ الأفضل عادةً يكون شخصاً واحداً لا أكثر، وعليه كيف يكون الإمام علي وشيعته هم الأفضل ؟

   الجواب : إنّ مقام أفضل الخلق له مراتب، فيمكن أن يكون أحد الأشخاص على رأس الهرم في سلسلة الأفاضل، وهناك أشخاص آخرون يقعون في المراتب التي تلي هذه المرتبة، وهناك طائفة ثالثة أدنى منها وهكذا، وعليه فإنّ الإمام علي يقف على رأس الهرم في الأفضلية ويأتي شيعته في المراحل الدانية.

   والنتيجة لجميع هذه الأبحاث أن «خير البريّة» ومن يحوي الصفات الثلاثة : الإيمان، العمل الصالح والإحساس بالمسؤولية، هم علي وشيعته.

 

توصيات آية خير البريّة

   إنّ هذه الآية الشريفة والروايات الواردة في تفسيرها تتضمن توصيات مختلفة، منها :

 

1 ـ نظام القيم في الإسلام

   إنّ قيمة كلُّ دين أو مذهب تكمن في منظومة القيم لذلك الدين أو المذهب، وببيان أوضح : إنّ كلُّ دين أو مدرسة فكرية وفلسفية تدور حول محور أساسي، وذلك المحور يكون بمثابة النظام القيمي والمعيار الذي ترسل فيه معالم ذلك الدين والمدرسة الفكرية، وكمثال على ذلك :

   الف : ذكرت الآيات الكريمة في حديثها عن منظومة القيم الأخلاقية للمجتمع الفرعوني الطاغوتي كما ورد ذلك في الآية 51 من سورة الزخرف على لسان فرعون :

   (وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الاَْنْهارُ تَجْري مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِروُنَ).

   هنا نرى أن فرعون يفتخر بتسلطه على مصر واستلامه زمام الاُمور في حكومة مصر،

[ 348 ]

تلك الحكومة المستبدة والديكتاتورية، وهذا السياق القرآني يعبّر في الحقيقة عن نظام القيم في حكومة فرعون، وعلى هذا الأساس فالإنسان الجيّد في نظر فرعون والفراعنة هو الحاكم والمتسلط على الناس حتّى لو كان متوغلاً في الفساد والجريمة والظلم، أما الإنسان السافل والساقط فهو من يعيش بعيداً عن أجواء السلطة والحكومة حتّى ولو كان من الناحية الأخلاقية يتّصف بأفضل الصفات والفضائل الأخلاقية، ولهذا اعترض فرعون على موسى ودعواه النبوّة والرسالة من الله تعالى وقال :

   (فَلَوْلا اُلْقِيَ عَلَيْهِ اَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَب أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ)(1) (ليؤيدوا كلامه من كونه مرسل من الله تعالى).

   أي أن موسى (عليه السلام) وطبقاً لرؤية الفراعنة ونظامهم الأخلاقي كان يعيش بعيداً عن أجواء القدرة والثروة والحكومة إذن فلا يستحق مقام النبوّة والرسالة.

   والنتيجة هي أن المعيار الأخلاقي في النظام الفرعوني هو القدرة والثروة والزينة.