(وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبينَ).

   فهؤلاء يعيشون بنظام من القيم الأخلاقية التي تدور حول محور القوى الإنسانية والإقتصادية، وطبقاً لهذه العقيدة وهذه الرؤية فإنّ الإنسان الجيّد والمحترم هو من يتمتع بأموال كثيرة وثروة طائلة وأبناء كثيرين وخاصّة إذا كان هؤلاء الأبناء ذكور كما هو حال العرب في زمن الجاهلية حيث كانت العائلة السعيدة هي التي يتوفر فيها كثرة في الأولاد الذكور، لأن ذلك يمنحهم القدرة على القتال والغارة وعمليّات السلب والنهب أو ينتفع الأب من معونتهم في أعماله الشخصية والإجتماعية.

   والخلاصة أن مثل هذا النظام الأخلاقي يعتمد بالدرجة الاُولى على مبدأ القوّة البشرية والكثرة في الأموال والأولاد.


1 . سورة الزخرف : الآية 53.

[ 349 ]

   وأمّا بالنسبة إلى الرؤية الإسلامية ومنظومة القيم في دائرة المفاهيم القرآنية فإنها تختلف عمّا تقدّم من النظم والمعايير الثقافية، فكلُّ ذلك لا يعدّ في نظر الإسلام معياراً وقيمةً ذات أهميّة على مستوى حياة الإنسان الأخلاقية والمعنوية رغم أنها قد تنفع أحياناً في كونها وسيلة وأداة للتوصل بها إلى الأهداف المقدسة والغايات الدينية فتكون مطلوبة وإيجابية حينئذ.

   القرآن الكريم يردُّ على ما ذكرناه آنفاً من النظام القيمي للطائفة الأخيرة ويقول :

   (وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَاُولِئكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ في الْغُرُفاتِ آمِنُونَ)(1).

   فهذه الآية الشريفة وضمن رفضها للنظام الأخلاقي الذي يستوحي مقوماته من القوّة البشرية والإقتصادية تطرح النظام الأخلاقي والمعيار القيمي في دائرة المفاهيم الإسلامية وتذكر «الإيمان» و«العمل الصالح» كمفردات معيارية للنظام الأخلاقي في الإسلام، لأن هذه الاُمور هي التي توصل الإنسان إلى معراج الكمال المعنوي وتقوده في حركته الصاعدة نحو الله تعالى لا المال والأولاد والاُمور الدنيوية الاُخرى.

   ويقول تبارك وتعالى في الآية 13 من سورة الحجرات ضمن اعتبار التقوى محور آخر من محاور النظام الأخلاقي في الإسلام ويخاطب الناس كافة :

   (يا أَيُّهَا النّاسُ إنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَر وَاُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إنَّ اللهَ عَليمٌ خَبيرٌ).

   عندما جاء الإسلام بنظام أخلاقي جديد يقوم على الإيمان والعمل الصالح والتقوى فإنه استبدل القيم الجاهلية القديمة بهذه القيم السماوية والإنسانية وخلق بذلك تحولاً عظيماً في هيكلية المجتمع البشري وقدّم إلى البشرية أشخاصاً مثل «أبي ذرّ» و «سلمان» و «ميثم التمّار» بدلاً من «أبي جهل» و«أبي لهب» و«أبي سفيان».

   إنّ آية «خير البريّة» تقرر إنّ منظومة القيم في الإسلام تقوم على أساس «الإيمان» و


1 . سورة سبأ : الآية 37.

[ 350 ]

«العمل الصالح» و«الإحساس بالمسؤولية» وتقرر بأن أفضل الناس هم الذين يتميّزون بهذه السمات الأخلاقية والدينية الثلاث، ولكننا نرى مع الأسف في عالمنا المعاصر أن قيم
الجاهلية عادت لتحكم من جديد فالإنسان الأفضل هو الذي يمتلك دولارات أكثر أو يتمتع بقدرة اقتصادية أعظم أو يمتلك قوّة عسكرية أكبر، ولكن كلّ هذه الاُمور لا تعدّ معياراً أساسياً في منظومة القيم والمفاهيم الإنسانية.

 

2 ـ تاريخ ظهور الشيعة

   يتصور البعض أو يلقّن نفسه بهذا المفهوم الزائف عن الشيعة، وهو أن الشيعة ظهرت إلى الوجود كمذهب وتيار إسلامي منذ زمن الصفويين أو بعد ذلك وليس لهم امتداد تاريخي في القرون السابقة.

   ولكن يتضح بطلان هذا التصور بمجرّد إلقاء نظرة عابرة على ما ورد في الروايات الإسلامية وكتابات المؤرّخين ومن ذلك ما ورد في الروايات الشريفة في ذيل آية «خير البريّة» والتي تقدّم ذكرها وأن كلمة «الشيعة» ذكرت لأوّل مرّة على لسان الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)وأراد منها أتباع علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وعلى هذا الأساس فإنّ تاريخ ظهور الشيعة يتزامن مع تاريخ ظهور الإسلام وقد سبق ظهور هذا المذهب جميع المذاهب الإسلامية الاُخرى.

   ومع الأخذ بنظر الإعتبار هذا الأمر يتّضح جيّداً أن بعض الأشخاص الذين يتحركون من موقع الغفلة أو التغافل أو العناد على مستوى اتهام الشيعة والتعريض بهم بما تقدّم، هم بعيدون عن الحقّ والصواب ومشمولون لقول الشاعر :

وَإن كُنْتَ لا تَدْري فَتِلْكَ مُصِيبَةٌ *** وَإنْ كُنْتَ تَدْري فَالْمُصيبَةُ أَعْظَمُ

   أي أن بعض العلماء من الفرق الإسلامية إذا لم يكونوا يعلمون بهذه الأحاديث والروايات وغير مطّلعين عليها فهذه مصيبة (بحيث إنّ الإنسان الذي يدّعي العلم يجهل هذه الروايات).

   وإذا كانوا مطّلعين عليها ولكنهم ينكرونها ويتغافلون عنها من موقع العناد والتعصّب فمصيبتهم أعظم وأكبر.

[ 351 ]

   إلهنا أحفظنا من التورط في منزلقات التعصّب الأعمى وأبعدنا عن آثاره المشؤومة وعواقبه الوخيمة.

3 ـ ماذا تعني كلمة الشيعة ؟

   سؤال : إنّ الروايات الواردة في هذا البحث تصف شيعة الإمام علي (عليه السلام) كأنهم أفضل من خلق الله تعالى، ومع الإلتفات إلى هذا المقام السامي للشيعة، نريد أن نعرف من هم هؤلاء الشيعة ؟

   الجواب : وفي المقام الجواب على هذا السؤال لابدّ من استعراض معنى كلمة «الشيعة» والبحث فيها من ثلاث جهات :

   ففي البداية نبحث المعنى اللغوي لهذه الكلمة، ثمّ موارد استعمالها في القرآن الكريم، في الثالثة نستعرض بعض الروايات التي تتعرض لوصف الشيعة الحقيقيين.

   الف : الشيعة في اللغة : إنّ هذه الكلمة «الشيعة» تعني في اللغة «الإنتشار مع القدرة»، فالشيء الذي يمتد وينتشر في مناطق مختلفة مع القدرة والقوّة يطلق عليه «شيعة» والنتيجة أن الشيعة في اللغة تطلق على الفئة والجماعة المنتشرة والقوية في نفس الوقت.

   ب : الشيعة في القرآن : وردت هذه الكلمة في القرآن الكريم في أربعة موارد، أحداها ما ورد في شأن النبي إبراهيم (عليه السلام) في سورة الصافات، الآية 83 و 84 :

   (وَاِنَّ مِنْ شيعَتِه لاَِبْراهيمَ * إذْ جاءَ رَبَّهُ بَقَلْب سَليم).

   هذه الآية الشريفة وصفت إبراهيم بأنه من شيعة النبي نوح (عليه السلام)، أي أنه استمرار لخطّ النبي نوح (عليه السلام)، والآية الثانية ترسم معالم التوفيق الذي ناله إبراهيم في هذا المجال حيث توجه إلى خالقه وربّه بقلب سليم(1) من أدران الشرك وتلوثات الخطايا.


1 . ورد في تعريف القلب السليم في الروايات أنه القلب الذي لا يوجد فيه غير الله، أي حتّى الاُمور التي يريدها الإنسان من المقام والثروة والمرأة والأطفال والصحّة والأمان فإنما يريدها للتقرب إلى الله تعالى، ولو أرادها الإنسان بصورة مستقلة ووقعت في قلبه من دون غاية التقرب إلى الله فإن مثل هذا القلب لا يكون سليماً، وقد وردت عبارة «القلب السليم» في القرآن مرتين، أحداهما في سورة الشعراء : الآية 89، والاُخرى في سورة الصافات : الآية 84. (وللمزيد من التفاصيل في معنى القلب السليم يراجع التفسير الامثل، ذيل تفسير هاتين الآيتين).

[ 352 ]

   والآية الاُخرى التي وردت فيها كلمة الشيعة هي الآية 15 من سورة القصص حيث تتعرض هذه الآية إلى قصة موسى (عليه السلام) وتقول :

   (وَدَخَلَ الْمَدينَةَ عَلَى حينِ غَفْلَة مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ...).

   كلمة «شيعة» في هذه الآية الشريفة اُطلقت على أتباع النبي موسى (عليه السلام) ويمكننا أن نستوحي من هذا التعبير أن النبي موسى كان قد شكّل جماعة له قبل النبوّة وربّاهم على طريق الحقّ والإيمان.

   والنتيجة هي أن كلمة شيعة في الآيات أعلاه وردت في حقِّ بعض الأنبياء وأتباعهم.

   ج : الشيعة في الروايات : لقد وردت كلمة «شيعة» في الروايات الشريفة بشكل واسع ومستفيض، ونكتفي هنا بذكر ثلاث نماذج منها :

   1 ـ ما ورد في خطاب الإمام علي لأحد أصحابه ويدعى «نوف البكالي» قال :

   «أَتَدْري يا نَوْفُ مَنْ شيعَتِي ؟»

   فقال نوف : لا وَالله.

   فشرع الإمام يبين له أوصاف الشيعة الحقيقيين ومن ذلك أنه قال : «رُهْبانٌ بِاللَّيْلِ وَاُسْدٌ بِالنَّهار»(1) فيعيشون في الليل الشوق والمناجاة والتبتل إلى الله تعالى، وفي النهار يتحركون في دفاعهم عن الإسلام وخدمة المسلمين من موقع الإخلاص والشجاعة الفائقة ولا تأخذهم في ذلك لومة لائم.

   2 ـ وورد في رواية اُخرى في أوصاف الشيعة :

   «إنَّما شَيعَتُنا أَصْحابُ الاَْرْبَعَةِ الأعْيُنِ; عَيْنانِ فِي الرَّأْسِ وَعَينانِ فِي الْقَلْبِ»(2)

   أي أن الشيعي ينبغي أن يكون شخصاً قوياً، شجاعاً، واعياً، يقظاً، فاهماً وعالماً لا أن


1 . بحار الأنوار : ج 75، ص 28.

2 . الكافي : ج 8، ص 215.

[ 353 ]

يكون ساذجاً وسطحياً ويتعامل مع الأحداث من موقع الهويمات والأوهام الهشة والمطلقات الخاوية.

   3 ـ وقال شخص للإمام الباقر (عليه السلام) : «الحمد لله على كثرة شيعتكم».

   فنظر إليه الإمام نظرة ذات مغزى وقال له : إنما تقوله عن شيعتنا :

   هَلْ يَعْطِفُ الْغَنيُّ عَلَى الْفَقيرِ ؟ وَيَتَجاوَزُ الْمُحْسِنُ عَنِ الْمُسِيءِ وَيَتَواسَوْنَ ؟

   قُلتُ : لا.

   قالَ : لِيْسَ هؤُلاءِ الشِّيعَةُ، الشِّيعَةُ مَنْ يَفْعَلُ هَكَذا(1).

   أجل، فإنَّ الشخص الشيعي يجب أن يكون قائم الليل يقظ وعامل في النهار ويتعامل مع الواقع والأحداث بمنطق العقل والفهم السليم ويساعد الفقراء والمساكين ويعفو عن المسيئين ويشارك الناس في همومهم ويواسيهم في غمومهم.

—–


1 . بحار الأنوار : ج 71، ص 313.

[ 354 ]

[ 355 ]

 

 

 

آية الحكمة

15

«سورة البقرة / الآية 269»

 

أبعاد البحث

   بلاشك إنّ الإسلام له دور هام وأساسي في ترويج العلم وتشويق الناس إلى سلوك طريق المعرفة أكثر من جميع الأديان الإلهية والشرائع السماوية، ولذلك فلو قيل عن الإسلام بأنه دين العلم والمعرفة فلايعدُّ هذا الكلام جزافاً، والآية مورد البحث من جملة الآيات التي عبّرت عن «الحكمة والمعرفة» بأنها «خير كثير»، أما ما هي علاقة الآية الشريفة بفضائل أميرالمؤمنين(عليه السلام) ؟ فسيأتي في الأبحاث اللاحقة ونسأل الله تعالى أن يجعلنا من جملة هؤلاء الأشخاص الذين رزقوا الحكمة وأدركوا حقائق الاُمور، آمين يا ربّ العالمين.

 

الشرح والتفسير

الحكمة هي الخير الكثير !

   (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ) ذكروا للحكمة معاني كثيرة من قبيل : «أن الحكمة عبارة عن معرفة أسرار عالم الوجود» و«العلم بحقائق القرآن» و«الوصول إلى الحقّ على مستوى

[ 356 ]

القول والعمل» وأخيراً «الحكمة هي معرفة الله»(1) ويمكن جمع هذه المعاني كلّها بمعنى ومفهوم واسع.

   وبما أن القرآن الكريم تحدّث في الآية السابقة (الآية 268 من سورة البقرة) أن الله تعالى وعد أن يبارك على الإنفاق وأن يغفر لمن ينفق في سبيل الله وحذّره من وسوسة الشيطان وتخويفه من الفقر، ففي هذه الآية الشريفة أشار إلى هذه الحقيقة القرآنية وهي أن «الحكمة» هي الأداة والوسيلة للتمييز بين «الإلهي» و«الشيطاني» وبذلك يستطيع الإنسان أن يتخلص من وساوس الشيطان ويبعد نفسه عن الوقوع في مصائده وفخاخه.

   وأما في عبارة «من يشاء» فلا تتضمن أن الله تعالى يرزق الحكمة والمعرفة بدون مبرر وبطريقة عشوائية بل إنّ مشيئة الله وإرادته مقرونة دائماً مع الحكمة، أي أنه لا يعطي الحكمة لمن لا يستحق ولا يليق بها، بل يؤتي الحكمة ويروي عطش الإنسان لها فيما لو كان الإنسان قابلاً لها ومستعداً لتقبلها.

   (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ اُوتِيَ خَيْراً كَثيراً).

   وبالرغم من أن الله تعالى هو الذي يؤتي الحكمة لعباده إلاّ أن هذه الآية لم تذكر الفاعل لهذا العطاء، بل اقتصرت على القول «ومن يؤتَ الحكمة» وهذا التعبير يشير إلى أن الحكمة والمعرفة بذاتها حسنة وجيّدة من أي مكان حصل عليها الإنسان فلا يختلف حالها في الحسن باختلاف مصدرها، والملفت للنظر أن الآية الشريفة تقرر هذه الحقيقة، وهي أن كلّ من رزق العلم والمعرفة والحكمة فقد رزق الخير الكثير لا «الخير المطلق» لأنّ الخير المطلق أو السعادة المطلقة لا تكمن في العلم والحكمة فقط بل إنّ العلم والحكمة هي أحد أدوات الخير والسعادة.

   (وَما يَذَّكَّرُ إلاّ اُولُوا الاَْلْبابِ) «تذّكر» يعني حفظ العلوم والمعارف في واقع النفس والروح و«الألباب» جمع «لُب» وبما أن لُب الشيء هو أهم جزء من أجزائه وأفضل أقسامه ولذلك اطلق على العقل كلمة «لُب» لأنه أفضل أجزاء الإنسان، فالآية الشريفة تقول : إنّ


1 . وردت الإحتمالات الأربعة مع ستة احتمالات اُخرى في «مجمع البيان» : ج 2، ص 382.

[ 357 ]

أصحاب العقل والمعرفة هم فقط الذين يدركون هذه الحقائق، ويتذكرونها وينتفعون منها،
ورغم أن جميع الناس يتمتعون بالعقل «سوى المجانين» ولكنّ اُولوا الألباب لا يقال لجميع العقلاء بل المراد الأشخاص الذين يستخدمون عقولهم ويتحركون في سلوكهم العملي من موقع الإستفادة من نور العقل وضياء الحكمة ويتدبّرون في اُمورهم.

 

الإمام علي (عليه السلام) صاحب الحكمة

   إنّ آية الحكمة هذه تدلُّ على أن «كلُّ من رُزق الحكمة فقد رُزق الخير العميم والكثير» ولكنها ساكتة عن مصداق هذا المفهوم العام ولا تقرر من هو هذا الشخص في الواقع الخارجي، ولكن الروايات العديدة المذكورة في طرق الشيعة وأهل السنّة ذكرت بأن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) هو المصداق لها وهو الذي يتمتع بالحكمة الإلهية، وهنا نستعرض بعض هذه الروايات :

   1 ـ ذكر «الحاكم الحسكاني» العالم السنّي المعروف نقلاً عن «ربيع بن خيثم» أنه ذكر علي(عليه السلام) عنده فقال :

   لَمْ اَرَهُمْ يَجِدُونَ عَلَيْهِ فِي حُكْمِهِ وَاللهُ تَعالى يَقُولُ : «وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ اُوتِيَ خَيْراً كَثيراً»(1).

   2 ـ ويقول ابن عبّاس : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

   مَنْ أَرادَ أَنْ يَنْظُرَ إلى إبْراهِيمَ فِي حِلْمِهِ وَإلَى نُوح فِي حِكْمَتِهِ وَاِلى يُوسُفَ فِي إجْتماعِهِ فَلْينَنْظُرْ إلى عَلِيِّ بْن اَبي طالِب(2).

   ونفس هذه الرواية وردت بشكل آخر عن «ابن الحمراء» حيث يقول : كنّا عند رسول الله(صلى الله عليه وآله) فجاء علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

   مَنْ سَرَّهُ اَنْ يَنْظُرَ إلى آدَمَ فِي عِلْمِهِ وَنُوح فِي فَهْمِهِ وَإبْراهيمَ فِي خُلَّتِهِ فَلْيَنْظُرْ إلى عَلِيِّ بْنِ أبي طالِب(3).


1 . شواهد التنزيل : ج 1، ص 107، ح 150.

2 . شواهد التنزيل : ج 1، ص 106، ح 147.

3 . شواهد التنزيل : ج 1، ص 79، ح 116.

[ 358 ]

   3 ـ وفي رواية اُخرى عن ابن عبّاس يقول :

   «كنت عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسئل عن علي، فقال :

   قُسِّمَتِ الْحِكْمَةُ عَشْرَةَ أَجْزاءَ، فَاُعْطِيَ عَليٌّ تِسْعَةَ اَجْزاءَ وَاُعْطِيَ النّاسُ جُزْءاً وَاحِداً»(1).

   هذه المضامين الواردة في الروايات الشريفة توضح بصورة جيّدة أن الشخص الذي رُزق الحكمة والمعرفة في الاُمّة الإسلامية بعد رسول الله هو علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأنه لا يصل إليه أحد من الصحابة في العلم والمعرفة، وبما أن أهم ركن من أركان الإمامة هو العلم والحكمة والمعرفة فإنّ أجدر الناس لهذا المقام بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو علي بن أبي طالب (عليه السلام).

 

سعة علم الإمام علي (عليه السلام) وحكمته

   إنّ دائرة علم علي بن أبي طالب (عليه السلام) وحكمته واسعة إلى درجة أن شعاع نور علمه بلغ مبلغ اعترف به حتّى مخالفيه ولم يقدروا على إنكاره بل كانوا يرجعون إليه في قضاياهم وما تشتبك عليهم من الاُمور، فكان مرجعاً علمياً لهم حيث كان الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه يرجعون إليه في كثير من التعقيدات العلميّة والمشاكل الفقهيّة أيّام المحنة والسكوت الطويل، والأمثلة على ذلك كثيرة في تاريخ صدر الإسلام ونكتفي هنا بذكر نماذج منها :

 

1 ـ المرجعية العلمية للإمام علي(عليه السلام)

   يقول أنس ابن مالك خادم رسول الله (صلى الله عليه وآله) : إنّ رسول الله قال لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) :

   «اَنْتَ تَبيّنُ لاُِمَّتِي ما اخْتَلَفُوا فِيهِ بَعْدِي»(2).

   وأحد وظائف الإمامة والولاية المهمة هي حفظ حريم القرآن وخزانة العلوم النبوية ونقلها بصورة صحيحة إلى العلماء والفقهاء وشرح ما أشكل عليهم من مفاهيم وأحكام إلهية، وتتّضح أهمية هذا الدور والوظيفة للإمامة فيما لو علمنا أن الكثير من الاُمم والبلدان


1 . شواهد التنزيل : ج 1، ص 105، ح 146.

2 . مستدرك الصحيحين : ج 3، ص 122، وكنز العمّال : ج 6، ص 156، والمرحوم التستري في إحقاق الحقّ : ج 6،ص 52 و 53،إضافة إلى المصدرين المذكورين وردت هذه الرواية في أربعة كتب اُخرى أيضاً.

[ 359 ]

التي حققت انتصارات على اُمم اُخرى كبيرة ولكنها عجزت في نفس الوقت عن التصدّي للثقافة الأجنبية وبالتالي لم تستطع حفظ ثقافتها ودينها وغلبت أخيراً على أمرها كما هو الحال في هجوم المغول على البلاد الإسلامية وانتصارهم في ميادين القتال والحرب على المسلمين إلاّ أنهم سرعان ما غُلبوا في مقابل القرآن والإسلام واعتنقوا بذلك الإسلام بل أصبحوا من المدافعين عنه والمروّجين له.

   الإمام علي (عليه السلام) اهتم بعد رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بهذا الأمر المهم جدّاً «الثقافة الإسلامية» وشرع بجمع القرآن وأقسم على أن لا يرتدي رداءه ويخرج من البيت قبل إتمام هذه المهمة إلاّ أن يكون خروجه للصلاة(1)، ثمّ شرع بتعليم وتفسير القرآن الكريم في ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وظاهره وباطنه، إلى أولاده وتلاميذه كالإمام الحسن والحسين (عليهما السلام)وابن عبّاس وابن مسعود وأمثالهم كما تعلّمها من رسول الله (صلى الله عليه وآله)وليكون ذلك حصناً ثقافياً للاُمّة الإسلامية أمام الغزو الثقافي والعقائدي الذي قد يتعرض له علماء الإسلام في ظلّ الفتوحات الكثيرة واختلاط الحضارات والثقافات السائدة بين الأقوام البشرية حينذاك وليأمن حاجة المسلمين الفقهية والحقوقية من هذه المعارف الإلهية ويبيّن الاُصول العقائدية والأحكام الفقهية وغيرها من المسائل الثقافية بأفضل وجه وأحسن صورة للمسلمين.

 

2 ـ الإمام علي (عليه السلام) باب مدينة العلم

   وقد ورد في صحيح الترمذي أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) قال :

   «اَنَا دارُ الْحِكْمَةِ وَعَلِيٌّ بابُها»(2).

   ومن المسلّم أن كلُّ من أراد الدخول في الدار فعليه أن يردها من بابها كما ورد في الآية الشريفة 189 من سورة البقرة (وَاْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ اَبْوابِها) وعليه فكلُّ من أراد العلم


1 . الإستيعاب : ص 1109 والاحتجاج للطبرسي : ص 239.

2 . صحيح الترمذي : ج 5، ص 637 (نقلاً عن نفحات القرآن : ج 9) وهناك روايات كثيرة بهذا المضمون، ولكن بما أن الرواية أعلاه ذكرت كلمة (الحكمة) فقد أوردناها خاصة، والروايات الاُخرى من قبيل «أنا مدينة العلم وعلي بابها» مستفيضة وقد أورد منها في البحار : ج 40، 12 رواية في هذا المعنى.

[ 360 ]

والمعرفة والوصول إلى خزائن الحكمة لدى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) فعليه أن يبدأ مساره من الإمام
علي (عليه السلام) فهو مفتاح هذه الخزائن ويطلب منه العلم والمعرفة.

3 ـ الإمام علي (عليه السلام) وتفسير القرآن

   مع مراجعة سريعة إلى تفاسير القرآن الكريم يتّضح جيّداً أن الإمام علي (عليه السلام)كان على قائمة المفسّرين وأئمّة التفسير كما ذكر ذلك السيوطي حيث قال : «إنّ أكثر ما ورد في التفسير من الخلفاء هو من علي بن أبي طالب»(1).

   ويعدّ ابن عبّاس على رأس المفسّرين في صدر الإسلام وكان في ذلك تلميذاً للإمام علي(عليه السلام) وعندما قيل له : ما علمك إلى علم ابن عمّك ؟ قال : كالقطرة بالنسبة إلى البحر(2). وهكذا نقرأ في كتب التاريخ أن تلامذة الإمام علي (عليه السلام) في مكّة والمدينة والكوفة كان لكلٍّ منهم مدرسة للتفسير.

 

4 ـ الإمام علي (عليه السلام) واضع علم النحو

   لقد أمر الإمام علي (عليه السلام) لغرض صيانة القرآن من التحريف اللغوي والأدبي أبا الأسود الدؤلي أن يكتب قواعد علم النحو كما علّمه اُصوله ومبادئه، ثمّ إنّ أبا الأسود الدؤلي وبالإستفادة من علم النحو هذا عمل على إعراب القرآن الكريم(3).

 

5 ـ الإمام علي (عليه السلام) وعلم الكلام

   يقول ابن أبي الحديد في مقدمة شرح نهج البلاغة : إنّ علم الكلام هو أشرف العلوم وقد اقتبسه العلماء من الإمام علي (عليه السلام)(4).

   ويقول الأربلي في كشف الغمّة إنّ أئمّة الكلام يعني الأشاعرة، المعتزلة، الشيعة والخوارج،


1 . الاتقان : نوع 80، طبقات المفسّرين.

2 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 1، ص 18 و 19.

3 . طبقات النحويين : ج 7، ص 14.

4 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 1، ص 17.

[ 361 ]

كلُّهم ينتسبون إلى ذلك الإمام(1).

6 ـ الإمام علي (عليه السلام) وعلم الفقه

   مضافاً إلى فقهاء الإمامية الذين أخذوا فقههم من الإمام علي (عليه السلام) نرى أن أحمد ابن حنبل أخذ فقهه من الشافعي، والشافعي أخذ فقهه من محمّد بن الحسن ومالك، ومحمّد بن الحسن تعلم الفقه من أبي حنيفة، وتعلّم كلٌّ من مالك وأبو حنيفة الفقه على يد الإمام الصادق (عليه السلام)، وفقه الإمام الصادق (عليه السلام) ينتهي إلى جدّه علي بن أبي طالب (عليه السلام)(2).

 

7 ـ الإمام علي (عليه السلام) وعلم الباطن

   يقول الدكتور أبو الوفاء الغنيمي التفتازاني اُستاذ جامعة القاهرة وشيخ الطريقة في مقدّمته على كتاب «وسائل الشيعة» : «إنّ المشايخ وأصحاب الطريقة كالرفاعي، البدوي، الدسوقي، الگيلاني وهم من أجلّة علماء أهل السنّة يصلون بطريقتهم إلى أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ومنهم إلى الإمام علي (عليه السلام) ومنهم إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله) قال : «انا مدينة العلم وعليّ بابها»(3) وهذه الحقيقة لدى العرفاء والتي تسمّى بعلم المكاشفة وعلم الباطن لم يملكها أحد سوى الإمام علي (عليه السلام)(4)، وهناك شواهد كثيرة في أكثر كتب أهل السنّة على اختصاص الإمام علي (عليه السلام)بهذا العلم، وكمثال على ذلك نرى أن عمر بن الخطّاب عندما أراد استلام الحجر قال : اُقبّلك وإنّي لأعلم أنك حجر لا تضرُّ ولا تنفع ولكن كان رسول الله بك حفياً، ولولا أنني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك.

   فقال له الإمام علي (عليه السلام) : بلى، والله إنه ليضرّ وينفع، قال : وبمَ قلت ذلك يا أباالحسن ؟ قال : بكتاب الله تعالى. قال : أشهد أنك لذو علم بكتاب الله تعالى، فأين ذلك من الكتاب ؟ قال : قول الله عزّوجلّ : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا)... فلمّا أقروا له بالربوبية كتب أسماءهم في رقّ


1 . كشف الغمّة : ج 1، ص 21.

2 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 11، ص 18.

3 . تفصيل الكلام فيما يتعلق بعالم الذر في التفسير الامثل : سورة الأعراف ، الآية 172.

4 . كيهان فرهنگي : الرقم 184، ص 16.

[ 362 ]

وأودعه هذا الحجر ثمّ قال له : اشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة... فقال عمر : لا عشتُ في اُمّة لست فيها يا أباالحسن (بتلخيص).

8 ـ الإمام علي (عليه السلام) وخلافة النبي (صلى الله عليه وآله)

   لقد اتّضحت من خلال الأبحاث السابقة للقاريء الكريم هذه الحقيقة، وهي : أن الشخص الذي يعترف الجميع (الموافقون والمخالفون والأصدقاء والأعداء) أنه أعلم الناس وأفضلهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو اللائق لمقام الخلافة والإمامة بعد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)لا غير، ولهذا ورد أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ذكر في خطبته الغرّاء في غدير خمّ هذين المطلبين (المرجعيّة العلميّة والخلافة) وقال :

   «مَعاشِرَ النّاسِ ! هذا اَخِي وَوَصِيّي وَواعِي عِلْمِي وَخَليفَتِي»(1).

   والتأمّل والتفكّر بهذه الخصوصيات الأربع المذكورة في هذا الحديث الشريف تبيّن حقائق كثيرة لطلاّب الحقيقة :

   1 ـ «أخي» : فلو أن الإنسان أراد إظهار احترامه وتقديره لمن يكبره في السنّ فإنه يعبّر عنه بكلمة «أبي» وعندما يريد إظهار المحبّة والعاطفة بالنسبة إلى من هو أصغر منه سنّاً فيقول عنه «ابني» وعندما يريد إظهار العلاقة والمحبّة لمن يكون رديفه في السنّ فإنه يعبّر عنه بأنه «أخي» لأن الاُخوة المعنوية تعني الإرتباط الروحي القريب بين شخصين على أساس المساواة، وعليه فإنّ عبارة «أخي» في الحديث الشريف تتضمن حقيقة كبيرة، وهي أن الإمام علي (عليه السلام) في واقعه وشخصيته يساوي النبي (صلى الله عليه وآله) أو أن شخصيته تقترب إلى حدٍّ كبير إلى شخصية الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وبعبارة اُخرى إنّ كلمة «أخي» تتضمن المفهوم والمعنى الذي ورد في آية المباهلة «أنفسنا وأنفسكم».

   2 ـ «وصيّي» : طبقاً لعقيدة أهل السنّة فإنّ الأنبياء لا يورثون، وعليه فإنّ الإمام علي (عليه السلام)لا يكون وصيّاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في مجال الأموال والثروة، ونعلم أن النبي لم يخلف من ذريته عند وفاته سوى فاطمة الزهراء (عليها السلام) ولذلك لا معنى لأن يكون الإمام علي (عليه السلام)


1 . الغدير : ج 3، ص 117.

[ 363 ]

وصيّاً على أبنائه وذريته، وعلى هذا الأساس فإنّ الإمام علي (عليه السلام)وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله)في المسائل المتعلقة بالدين، أجل إنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)ولغرض تكميل واستمرار الدعوة السماوية والدين الإلهي جعل من الإمام علي (عليه السلام) وصيّاً له على هذا الأمر.