الامامة والحكومة

محمد حسين الأنصاري

 

[ 1 ]

الامامة والحكومة في الاسلام

 

[ 5 ]

 

تأليف

محمد حسين الانصاري

 

[ 6 ]

 

الاهداء

أهدي مجهودي المتواضع هذا إلى استاذي الاول ومعلمي بأفعاله قبل أقواله..

والدي المبجل راجيا منه أن يقبل بعض نتاجه، فإنه أهل للعطأ والجود والكرم..

ودمتم يا والدي لخادمكم محمد حسين الانصاري

 

[ 7 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين.

والصلاة والسلام على أشرف خلقه، وسيد بريته، الحاكم بامره محمد المصطفى وآله الطيبين الطاهرين، وعلى صحبه المنتجبين، والتابعين لهم باحسان إلى قيام يوم الدين.

واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين من الاولين والاخرين: وقع الاختلاف بين الناس.

والله يقول: (وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله).

وكل يدعي أنه الحق..

(والله يقص الحق وهو خير الفاصلين).

وهو القائل: (يا أيها الناس قد جأكم الرسول بالحق من ربكم).

فعلى المسلمين كافة أن يرجعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، ويتمعنوا فيما أتى وثبت.

وعليهم أخيرا أن يذعنوا وألا يقولوا إلا سمعنا وأطعنا، إذعانا وتسليما لقوله

 

[ 8 ]

(إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا).

حتى نكون جميعا من المؤمنين، ونوفق للقول الثابت، والعمل الصالح في الحياة الدنيا وفي الاخرة.

وهذا ما أردته في كتابي هذا.

قم المقدسة محمد حسين الانصاري

 

[ 9 ]

 

القسم الاول

الحكومة

 

[ 11 ]

تمهيد:

الحاكم وهو على زنة فاعل، مشتق من مادة حكم.

وكل معاني مادة (حكم) لو تدبرناها لرأيناها مأخوذة من ربط شي بشي، بحيث تسد الفجوات وتملا الفراغات بلا خلل.

سوأ قلنا أن الحكم هو (الصرف والمنع للاصلاح ومنه حكمة الفرس، ومنه الحكيم، والاحكام والاتقان أيضا) (1).

أو قلنا أن الحكم هو (الفصل والبث والقطع على الاطلاق، وآيات محكمات معناه أحكمت عبارتها بأن حفظت من الاحتمال) (2).

قال الراغب في مفرداته: - حكم أصله منع منعا لاصلاح، ومنه سميت اللجام حكمة الدابة (3).

والمنع، وسد الخلل كلاهما واحد، إذ بسد الخلل يمنع الاغيار من الدخول ويمنع الشي من الانحلال.

ولقد أجاد صاحب الميزان قد.

إذ قال: (مادة الحكم تدل على نوع من الاتقان، يتلائم به أجزأ الشي، وينسد به

 

(1) و (2) القاضى ايوب بن موسى الحنفي الكفوى (أبو البقاء) الكليات في اللغة / فصل الحاء / 16 الحكم / ص 144.

(3) مادة حكم.

 

[ 12 ]

خلله وفرجه، ولا يتجزئ إلى الا جزأ، ولا يتلاشى إلى الابعاض حتى يضعف أثره، ويكسر سورته، وإلى ذلك يرجع المعنى بين تفاريق مشتقاته، كالاحكام، والتحكيم، والحكمة والحكومة وغير ذلك) (1). إلى أن يقول قد.

- (وبالجملة الامر في أمره، والقاضي في قضائه، كأنهما يوجدان نسبة في مورد الامر والقضأ يحكمانه بها، ويرفعان به وهنا وفتورا، وهو الذي يسمى الحكم).

ويقول بعدها (فهذا ما نعقله من معنى الحكم وهو إثبات شي لشي، أو إثبات شي عند شي) (2).

ولو دققنا النظر لرأينا أن الحكم بإثبات شي لشي أو غيره، لا يتم إلا بوجود طرفين على الاقل، ويجب أن يكون صاحب الحكم ومنشؤه صاحب سلطة وسلطنة على الاطراف كلها، وإلا لما تعقلنا الامر كله فيه أصلا.

وبما أن صاحب السلطنة الحقيقية هو الله تعالى لانه الموجد والمكون ولا يمكن للممكن أن يستمر بوجوده إلا بالواجب الوجود إذا يكون صاحب الحكم الحقيقي هو الله تعالى دائما.

ومن هنا تعقلنا الحكم التشريعي، والحكم التكويني له تعالى.

ويظهر الحكم التكويني له سبحانه في آيات كثيرة منها قوله تعالى في خطابه لرسوله صلى الله عليه وآله: (قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله..) (3).

ولم يستعجلوا حكما تشريعيا، بل استعجلوا أمرا آخر من معجزات هم اقترحوها، وامور هم تصوروها.

 

(1) العلامة السيد محمد حسين الطبا طبائى / تفسير الميزان / ج 7 / ص 115 .

(2) نفس المصدر السابق.

(3) الاية " 57 " سورة الانعام - 6 - (*)

 

[ 13 ]

وكذلك يظهر الامر هذا في سورة يوسف في خطاب يعقوب لولده (وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب منفرقة وما أغني عنكم من الله من شي إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون) (1).

فليس المراد به هنا الحكم التشريعي على ما هو الظاهر.

بناء على هذا يمكن أن نقسم الحكم بدوا إلى قسمين:

- القسم الاول: الحكم التكويني.

القسم الثاني: الحكم التشريعي.

والحكم التشريعي بدوره يقسم إلى قسمين هما:

1 - الحكم التكليفي.

2 - الحكم الوضعي.

وقد عرفوا الحكم التشريعي بقسميه الوضعي منه، والتكليفي بأنه:

- (جعل بالتكليف أو بالوضع متعلق بفعل الانسان من حيث المنع عنه، والرخصة فيه، أو ترتب الاثر عليه) (2).

والجاعل هو الله تعالى كما قدمنا لانه صاحب السلطنة الحقيقية أولا وبالذات.

ومنه سبحانه وتعالى تمتد تلك السلطنة بحسب ما يريد هو لمن يريد لان من له الحكم له الحق ومن له الحق له الولاية، لان الولاية معناها السلطان على من عليه يكون متسلطا، وذلك لتمكنه منه، فتكون حينئذ الولاية المطلقة لله تعالى وحده أولا وبالذات.

ثم منه تمتد تلك السلطنة كما في ولاية النبي على المؤمنين، ويظهر ذلك في قوله تعالى: -

 

(1) الاية " 67 " سورة يوسف - 12 - .

(2) السيد محمد بحر العلوم / بلغة الفقيه / في رسالته الموسومة ب " الفرق بين الحق والحكم " ط 4 / ج 1 / ص 13.

 

[ 14 ]

(النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم..) (1).

وبنأا على تلك الولاية الاصلية والمترشحة قال تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم..) (2).

وقال تعالى (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا واطعنا) (3).

فسلطنة النبي وحكمه منه سبحانه وتعالى وإذا بين حينئذ رسوله (صلى الله عليه وآله) بإن ما ثبت له ثبت لغيره يكون كلامه هو الحق الذي يجب اتباعه.

(وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) (4).

(وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عند فانتهوا) (5).

من هنا ثبتت سلطنة بعض على بعض.

ومنها ثبتت ولاية علي عليه السلام على المؤمنين بتمهيد من الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) في غدير خم في السنة العاشرة للهجرة المباركة في يوم (18) من ذي الحجة المبارك بقوله: - (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم قالوا: بلى يا رسول الله.. قال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه،..)(6).

فإذا تم هذا ثبتت له تلك السلطنة.

ومنها ثبتت ولاية باقي الخلفأ الاثني عشر من قريش، وبأدلة مفصلة ثبتت سلطنة اخرى لنوابهم العلمأ بحسب الدليل سعة وضيقا.

 

(1) الاية " 6 " الاحزاب - 33 - .

(2) الاية " 36 " الاحزاب - 33 - .

(3) الاية " 51 " سورة النور - 24 - .

(4) الاية " 3 " - " 4 " سورة النجم - 53 - .

(5) الاية " 7 " سورة الحشر - 59 - .

(6) وستأتى تخريجاته.

 

[ 15 ]

ولقد قال الله تعالى في بيان خطابه لداود على نبينا وآله وعليه السلام (إنا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق) (1).

وقال تعالى عن قوم آخرين (اولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم..)(2).

وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله (فاحكم بينهم بما أنزل الله) (3).

بل خاطبه جل اسمه: - (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله..)(4).

ولم يخاطب أحدا غيره بذلك أبدا.

فالحكم بالاصالة له سبحانه وتعالى ويكون لغيره تبعا سعة وضيقا.

وربما يكون ذلك للناس دون اصفيائه وخلصائه.

قال تعالى: - (وليحكم أهل الانجيل بما أنزل الله فيه) (5).

ومثال ذلك واضح في أمور كثيرة منها مثلا العزة..

قال تعالى: - (فلله العزة جميعا) (6).

بل أكد ذلك في مورد ثان فقال تعالى: (فإن العزة لله جميعا) (7).

ثم قال في مورد آخر (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) (8).

 

(1) الاية " 26 " سورة " ص " - 38 - .

(2) الاية " 89 " سورة الانعام - 6 - .

(3) الاية " 48 " سورة المائدة - 5 - .

(4) الاية " 105 " سورة النساء - 4 - .

(5) الاية " 47 " سورة المائدة - 5 - .

(6) الاية " 10 " سورة فاطر - 35 - .

(7) الاية " 139 " سورة النساء - 4 - .

(8) الاية " 8 " سورة المنافقون - 63 -.

 

[ 16 ]

بل قد ينسب الفعل له تارة واخرى لمسبباته التي جعلها له..

قال تعالى (الله يتوفى الانفس حين موتها) (1).

وقال تعالى (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم) (2).

وقال تعالى (الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) (3).

وقال تعالى (الذين تتوفاهم الملائكة طيبين) (4).

وهكذا..

 

(1) الاية " 42 " سورة الزمر - 39 - .

(2) الاية " 11 " سورة السجدة - 32 - .

(3) الاية " 28 " سورة النحل - 16 - .

(4) الاية " 32 " سورة النحل - 16 -.

 

[ 17 ]

الفصل الاول

الحاكم الاول

 

[ 19 ]

بعد هذه التوطئة نقول متوكلين على الله تعالى: - الحاكم الاول المطلق هو الله تعالى.

الحاكم الاول في الاسلام المنصوص والمدلول عليه من قبل الله تعالى هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

قال تعالى: - (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) (1).

بعد استقرار الدليل العقلي على أن لله سبحانه وتعالى خلقا يمثلونه في الارض مبشرين ومنذرين.

قال أبو عبد الله عليه السلام: (إنا لما اثبتنا أن لنا خالقا صانعا متعاليا عنا وعن جميع ما خلق، وكان ذلك الصانع حكيما، لم يجز أن يشاهده خلقه، ولا يلامسهم ولا يلامسوه، ولا يباشرهم ولا يباشروه، ولا يحاجهم ولا يحاجوه، فثبت أن له سفرأ في خلقه وعباده يدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه

 

(1) الاية " 65 " سورة النساء - 4 - .

 

[ 20 ]

فناؤهم، فثبت الامرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه.

وثبت عند ذلك أن له معبرين وهم الانبياء وصفوته من خلقه، حكمأ مؤدبين بالحكمة، مبعوثين بها غير مشاركين للناس في أحوالهم على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب) (1).

وقد ثبت ذلك في كتابه، قال تعالى: - (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا) (2).

وقال تعالى: (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما) (3).

وهؤلا يصطفون من خلقه.

قال تعالى: (الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس) (4).

وقال تعالى: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) (5).

فتوفر شروط كثيرة في هذا المبلغ عن الله تعالى منها ظاهرية ومنها خفية لا يستطيع أن يلم بها بشر، بل هو سبحانه أعلم بها وبارشاد منه سبحانه وبيان نستدل بوجودها فيه، ومن أروعها وأجلاها العصمة.

وكفى قوله تعالى دليلا على ذلك بالنسبة إلى نبينا (صلى الله عليه وآله) (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) (6).

ولذا أمرنا بطاعته مطلقا ويظهر ذلك جليا في آيات كثيرة منها: قوله تعالى

 

(1) الشيخ الصدوق " قدس " / التوحيد / ص 249 .

(2) الاية " 6 " سورة القصص - 28 - .

(3) الاية " 166 " سورة النساء - 4 - .

(4) الاية " 76 " سورة الحج - 22 - .

(5) الاية " 125 " سورة الانعام - 6 - .

(6) الاية " 3 "، " 4 " سورة النجم - 53 -.

 

[ 21 ]

(وما ارسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) (1).

بل طاعته طاعته بعينها قال تعالى (من يطع الرسول فقد اطاع الله) (2).

بل قال تعالى: - (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا بعيدا) (3).

 

(1) الاية " 56 " سورة النساء - 4 - .

(2) الاية " 81 " سورة نساء - 4 - .

(3) الاية " 37 " سورة الاحزاب - 33 -.

 

[ 23 ]

 

الفصل الثاني

الحاكم الثاني

 

[ 25 ]

وهو الذي يسمى عند المسلمين بالامام. والعبئ الذي يقوم به يسمى بالامامة.

ويؤمن بالامامة المسلمون قاطبة، وعليها قام إجماعهم، وهي تمثل الخلافة عندهم. إلا أن الاختلاف وقع في نمطها وكيفيتها.

فهل هي مثل النبوة لا تكون إلا بالتعيين من المصدر الاول للسلطة والحاكمية أم لا ؟!! بل هي أمر متروك للرعية، فهي التي تختار.

وعلى هذا تكون الامامة بنأا على الرأي الاول أصلا من أصول الدين.

وتكون على الرأي الثاني فرعا من فروعه.

فعلى الاول حينئذ لا يجوز فيها التقليد بتاتا ولا الاختيار، بل هي أمر تعبدي ثابت من السمأ يجب إتباعه لا يمكن تغييره كالنبوة.

وعلى الثاني فيجوز التقليد فيها.

ومن هنا حدث أهم أفتراق بين المسلمين.

 

[ 26 ]

الاطروحة الاولى: - الامامة الراجعة إلى الامة طريق ثبوتها إما أن يكون: - ألف - بالاجماع.

ب - بالشورى.

ح‍ - بالبيعة.

وركيزة هذه الافرع الثلاثة أما أن يكون: -

1 - الكثرة.

2 - أو اتفاق أهل الحل والعقد.

ولو أحببنا أن نسبر غور كلا منهما لرأينا.

1 - في جانب الكثرة لا يقف إلا زيادة العدد.

وازدياد العدد لم يكن يوما من الايام بحجة شرعا ولا عقلا.

ويشير إلى ذلك الفرآن الكريم في مواطن كثيرة، فها هو يذم الكثرة ويمدح القلة.

قال تعالى: (وقليل من عبادي الشكور) (1).

وقال تعالى: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (2).

(1) الاية " 13 " سورة سبأ - 34 - .

(2) الاية " 187 " سورة الاعراف - 7 -.

[ 27 ]

وقال تعالى: (وأكثرهم للحق كارهون) (1).

فلا نرى سببا عقلائيا واحدا يحدونا للتمسك بهذا أبدا.

إذ حتى في أشد الامور احتياجا للكثرة، صرح القرآن بعدم نفعها مع وجود القلة المدركة إذ قال تعالى: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين) (2).

2 - اتفاق أهل الحل والعقد.

الامر فيه سيتضح بعد المداولة والمذاكرة لكل من الطرق الثلاثة.

الطريق الاول: الاجماع ومدرك حجيته إما الكثرة وتقدم ما فيها - بالاضافة إلى أنها تحتاج إلى من يثبت حجيتها فترجع بهذا إلى الشق الثاني، أو غيرها.

فإما أن تكون الحجية مصدرها الكتاب أو السنة أو العقل ولا يمكن أن يكون الاجماع للزوم الدور كما هو واضح.

 

(1) الاية " 70 " سورة الاعراف - 7 - .

(2) الاية " 249 " سورة البقرة - 2 -.

 

[ 28 ]

المصدر الاول: -

1 - الكتاب واستدلوا بآيات (لا تنهض دليلا على مقصودهم.

وأولاها بالذكر آية سبيل المؤمنين، وهي قوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وسأت مصيرا) (1).

ويكفينا في رد الاستدلال بها ما استظهره الشيخ الغزالي منها إذ قال: - والظاهر أن المراد بها أن من يقاتل الرسول ويشاقه، ويتبع غير سبيل المؤمنين في مشايعته ونصرته ودفع الاعدأ عنه نوله ما تولى.

فكأنه لم يكتف بترك المشاقة، حتى تنضم إليه متابعة سبيل المؤمنين من نصرته والذب عنه، والانقياد له فيما يأمر وينهى.

ثم قال: (وهذا هو الظاهر السابق إلى الفهم)، وهو كذلك كما استظهره) (2).

(فسبيل المؤمنين بما هم مجتمعون على الايمان هو الاجتماع على طاعة الله ورسوله وإن شئت فقل على طاعة رسوله - فإن ذلك هو الحافظ لوحدة سبيلهم).

وقال تعالى: (وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل

 

(1) الاية " 114 " سورة نساء - 4 - .

(2) محمد رضا المظفر / اصول الفقه / ج 2 / ص 90.

 

[ 29 ]

فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) (1) (2).

(أما الايات الاخرى فقد اعترف الغزالي كغيره في عدم ظهورها في حجية الاجماع فلا نطيل بذكرها، ومناقشة الاستدلال بها) (3).

 

(1) الاية " 153 " سورة الانعام.

(2) السيد محمد حسين طباطبائي / الميزان في تفسير القران / ج 5 / ص 82 (3) المظفر / الاصول / ج 2 / ص 90.

 

[ 30 ]

المصدر الثاني: -

2 - السنة ، لقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) (لا يجمع الله هذه الامة على الضلالة أبدا) وما يؤدي هذا المعنى في عدة من الروايات.

ويشكل أمر هذه الروايات من جهتين: ـ

الاولى: جهة السند.

الثانية: جهة المضمون، والدلالة.

 

[ 31 ]

الجهة الاولى: - السند وهو غير معتبر.

أما لدى الخاصة فواضح.

وأما عن طريق الجماعة فهي مروية بطرق مجهولة، ولذا لو حوكمت بميزان أصول الحديث لسقطت عن الاعتبار. فالصحاح الستة خالية منها.

نعم رواها الحاكم في مستدركه، إلا أنه أشار إلى عدم نقأ سندها (1).

(وأما تعدد الرواية فلا ينفعنا في المقام بدعوى الاستفاضة، فإننا نحتمل قويا اختلاقها بنكتة عامة لتصحيح الاجماع الذي تخيل أنه يصحح أساس مذهبهم، ومع احتمال نكتة عامة في الاختلاف لا يتحقق شرط الاستفاضة أو التواتر.

ولعل من يلاحظ ظروف نقل هذه الروايات، وحال رواتها يزداد ظنا باختلاقها بنكتة عامة في الجميع) (2).

 

(1) من اراد تفصيل عدم نقاء السند فعليه بكتاب " مباحث الاصول " / ج 2 / من القسم الثاني / السيد كاظم الحائري / ص 289 / الهامش.

(2) السيد كاظم الحائري / مباحث الاصول / تقريرا لابحاث السيد محمد باقر الصدر (قدس) / ج 2 / ص 292.

 

[ 32 ]

الجهة الثانية:

- دلالة المضمون (لا تجتمع امتي على ضلالة). أو ما يؤدي هذا المعنى معناه: - أنها معصومة.

فوصف العصمة هذا، هل يترشح إلى جميع الافراد بنحو أفرادي ؟ ولا أظن أن أحدا يقول به.

وإذا كان على البعض دون الاخر، فهذا وصف البعض لا وصف الامة، فإذا اجتمع هذا البعض كانت العصمة، وفيه: - أولا: إن القائل لا يدعي العصمة لاحد، فكيف يصح منه هذا القول.

ثانيا: إن ذلك سيكون وصفا لذلك البعض لا للامة فيصبح الكلام المقدس في غير محله، كما هو واضح.

ثالثا: من رجح هذا البعض على الاخرين، ولم يبين رسوله الكريم ذلك ؟ ! وحديثنا في قوة ذلك المرجح لو كان.

ورابعا: الاخبار كان عن جميع الامة، وأنها لا تجتمع على خطأ ولا على ضلال.

والذي يراد أن يثبت هو اجتماع أهل الحل والعقد فاين هذا من ذاك.

إذ أن أهل الحل والعقد جز من الامة، ولا يمكن أن يكونوا هم الامة هذا وأهل الحل والعقد لا يراد منهم في أغلب الاحيان إلا أنفسهم في زمن من الازمنة، وفي عصر من العصور.

ولا يراد بهم في أحيان أخرى إلا فقهأا معروفين.

 

[ 33 ]

وهؤلا أيضا يكونون من طائفة معينة من الامة.

وهذه كلها ليست أمة محمد (صلى الله عليه وآله) بألفها ولامها ولا يأها، فكيف يصح لا تجتمع امتي، أو هذه الامة، على الضلالة إذا كان يراد منها ذلك ؟ ! ولذا صرح السيد الطبا طبائي في ميزانه بأن الرواية (أجنبية عن المورد فإنها إن صحت فإنما تنفي اجتماع الامة على خطأ، ولا تنفي اجتماع أهل الحل والعقد منهم على خطأ، وللامة معنى ولاهل الحل والعقد معنى آخر.

ولا دليل على إرادة معنى الثاني من لفظ الاول).

ثم أضاف (قدس).

(وكذا لا تنفي الخطأ عن اجتماع الامة، بل تنفي الاجتماع على خطأ.

وبينهما فرق) (1).

ثم من حقنا أن نتسأل: - (ما هو العامل الموجب لعصمة أهل الحل والعقد من المسلمين فيما يرونه من الرأي ! ؟ هذه العصابة التي شأنها الحل والعقد في الامور غير مختصة بالامة المسلمة، بل كل امة من الامم العظام، بل الامم الصغيرة، بل القبائل والعشائر، لا تفقد عدة من أفرادها لهم مكانة في مجتمعهم ذات قوة وتأثير في الامور العامة، وأنت إذا فحصت التاريخ في الحوادث الماضية وما في عصرنا من الامم والاجيال وجدت موارد كثيرة اجتمع أهل الحل والعقد منهم في مهام الامور وعزائمها على رأي استصوبوه ثم عقبوه بالعمل، فربما أصابوا، وربما أخطأوا، فالخطأ وإن كان في الارأ الفردية أكثر منه في الارأ الاجتماعية، لكن الارأ الاجتماعية ليست بحيث لا تقبل الخطأ أصلا.

فهذا التاريخ وهذه المشاهدة يشهدان منه على مصاديق وموارد كثيرة جدا:

 

(1) الاية " 189 " سورة البقرة - 2 -.

 

[ 34 ]

فلو كان الرأي الاجتماعي من أهل الحل والعقد في الاسلام مصونا عن الخطأ فإنما هو بعامل ليس من سنخ العوامل العادية، بل عامل من سنخ العوامل المعجزة الخارقة للعادة، ويكون حينئذ كرامة باهرة تخص بها هذه الامة تقيم صلبهم، وتحفظ حماهم، وتقيهم من كل شر يدب في جماعتهم ووحدتهم، وبالاخرة سببا معجزا إلهيا يتلو القرآن الكريم، ويعيش ما عاش القرآن، نسبته إلى حياة الامة العملية، نسبة القرآن إلى حياتهم العلمية.

فكان من اللا زم:

- أن يبين القرآن حدوده، وسعة دائرته، ويمتن الله به كما امتن بالقرآن وبمحمد (صلى الله عليه وآله)، ويبين لهذه العصابة وظيفتهم الاجتماعية كما يبين لنبيه ذلك، وأن يوصي به النبي صلى الله عليه وآله امته، ولا سيما أصحابه الكرام وهم الذين صاروا بعده اهلا للحل والعقد، وتقلدوا ولاية الامة، وأن يبين أن هذه العصابة المسماة بأولي الامر ما حقيقتها ؟ ! وما حدها ؟ ! وما سعة دائرة عملها ؟ ! وهل يتشكل هيئة حاكمة واحدة على جميع المسلمين في الامور العامة لجميع الامة الاسلامية ؟ ! أو تنعقد في كل جمعية اسلامية جمعية أولي الامر فيحكم في نفوسهم وأعراضهم وأموالهم ؟ ! ولكان من اللا زم أن يهتم بها المسلمون ولا سيما الصحابة فيسألوا عنه ويبحثوا فيه وقد سألوا عن أشياء لا قدر لها بالنسبة إلى هذه المهمة كالاهلة، وماذا ينفقون والانفال.

قال تعالى: (يسألونك عن الاهلة) (1).

 

(1) الاية " 189 " سورة البقرة - 2 -.

 

[ 35 ]

(يسألونك ماذا ينفقون) (1).

(يسألونك عن الانفال) (2).

فما بالهم لم يسألوا ؟ ! ! أو أنهم سألوا ثم لعبت به الايدي فخفي علينا ؟ ! فليس الامر مما يخالف هوى أكثرية الامة الجارية على هذه الطريقة حتى يقضوا عليه بالاعراض، فالترك حتى ينسى.

(ولكان من الواجب أن يحتج به في الاختلافات والفتن الواقعة بعد ارتحال النبي صلى الله عليه وآله حينا بعد حين).

فما لهذه الحقيقة لا توجد لها عين ولا أثر في احتجاجاتهم ومناظراتهم، وقد ضبطها النقلة بكلماتها وحروفها، ولا توجد في خطاب ولا كتاب ؟ ! ! ولم تظهر بين قدمأ المفسرين من الصحابة والتابعين حتى ذهب إليه شرذمة من المتأخرين: الرازي وبعض من بعده) (3)، وقد أشار بهذا لما فسر عند من ذكر بأن أولي الامر الوارد في آية.

(وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) (4).

بأنهم أهل الحل والعقد.

وأني لهم أن يثبتوا ذلك ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ؟ !

 

(1) الاية " 215 " سورة البقرة - 2 - .

(2) الاية " 1 " سورة الانفال - 8 - .

(3) السيد الطبا طبائي / الميزان / ج 4 / ص 394 - 396.

(4) الاية " 59 " سورة النساء - 4 -.

 

[ 36 ]

ولنستعرض الروايات: - (لا يجمع الله هذه الامة على الضلالة أبدا).

(لا يجمع الله هذه الامة (أو أمتي) على الضلالة).

(لا يجمع الله أمتي (أو هذه الامة) على الضلالة أبدا، ويدالله مع الجماعة).

أو كما نقل (لا تجتمع أمتي على خطأ) (1).

نحاور هذه المرويات بطريق آخر: - نقول إن الرواية الاخيرة يمكن أن تكون اللام فيها للنهي لا للنفي، فتكون وصية للامة.

ونقول بعدها: - أ - ورد عن طرق الفريقين بما لا مجال للشك فيه أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: تفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلهم هالك إلا واحدة.

وأي كانت هذه الفرقة.

هل يشك شاك بعد هذا أن اجتماع فرقة من الامة، أو طائفة من الامة، لا يعني بأي حال من الاحوال اجتماع الامة ؟ ! ! نعم لو إلتزمنا بما يقولون جدلا فستكون النتيجة أن اجتماع تلك الفرق كلها على أمر، كاشف عن أن هذا الامر ليس فيه ضلالة كاجتماعهم على وجوب الصلاة مثلا، أو بقية الضروريات.

وهذا اجنبي عن الاجماع المدعى.

ب‍ - ورد عنه صلى الله عليه وآله عن طرق الفريقين أيضا (اختلاف أمتي رحمة)

 

(1) انظر مستدرك الصحيحين / الجلد الاول / ص 115 - 117.

 

[ 37 ]

فعلى توجيههم لهذا الحديث، وأخذهم بظاهره كيف سيجتمع مع قوله صلى الله عليه وآله (لا يجمع الله هذه الامة على الضلالة أبدا) فإذا كان الاختلاف رحمة، فالاجتماع الذي ليس فيه ضلالة لا تكون فيه الرحمة، أو أنه يريد أن يبين أن امته لا تجتمع على أمر أبدا فتكون النتيجة منافية لغرضهم فمن يلتزم بهذا ؟ ! نعم يمكن أن توجه الاحاديث تلك بطريقين اثنين لا ثلاث لهما: - الطريق الاول: - ما وجه به صاحب الميزان قد.

مضمون تلك الروايات بمؤدى لا تجتمع أمتي على خطأ (إلى أن الخطأ في مسألة من المسائل لا يستوعب الامة، بل يكون دائما فيهم من هو على الحق: أما كلهم أو بعضهم ولو معصوم واحد.

فيوافق مادل من الايات والروايات على أن دين الاسلام، لا يرتفع من الارض بل هو باق إلى يوم القيامة.

قال تعالى: (فإن يكفر بها هؤلا فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين) (1).

فعلى هذا تجتمع مع الروايات الواردة على افتراق الامة إلى ثلاثة وسبعين فرقة.

 

(1) الاية " 89 " سورة الانعام - 6 -.

 

[ 38 ]

الطريق الثاني: - بيان أن الامة المقصود منها قوم بالخصوص، لا كل المسلمين إذ ورد عن أبي عبد الله عليه السلام فيما رواه أبو بصير: - (قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: من آل محمد صلى الله عليه وآله ؟ ! قال ذريته.

فقلت: أهل بيته ؟ ! قال: الائمة الاوصيأ.

فقلت: من عترته ؟ ! قال: أصحاب العبأ.

فقلت: من أمته ؟ ! قال: المؤمنون الذين صدقوا بما جاء به من عند الله عزوجل، والمتمسكون بالثقلين اللذين أمروا بالتمسك بهما: كتاب الله عزوجل، وعترته أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وهما الخليفتان على الامة بعده) (1).

وعلى هذين تخرج هذه المرويات عما استدلوا عليه أصلا.

 

(1) الشيخ الصدوق / معاني الاخبار / ص 94.

 

[ 39 ]

المصدر الثالث: -

3 - العقل وغاية ما يمكن تصويره به أن الصحابة إذا بينوا أمرا وقطعوا به، فلابد أن يكون قطعهم راجعا إلى حجة شرعية، وكلما أزداد عددهم أزداد احتمال الاشتباه والخطأ عليهم بعدا. والتابعون بما أنهم أخذوا عنهم، فكلما اجتمعوا عليه فكذلك. وتابعوا التابعين كذلك. وهكذا. فيقرب من المستحيل، بل يستحيل عادة إلا يكونوا قد أدركوا الحكم الشرعي بهذا. وهذا كما ترى.

فيه: أولا: المفروض أن الصحابة كلهم قد أجمعوا على أمر، وكذا الباقين فكيف إذا لم يكن ذلك، بل شذ عنهم من شذ.

ثانيا: إذا اجتمعوا اجتماعا نستكشف به رأي المعصوم، الواجب الاتباع فبها ونعمت، وسيكون حينئذ رأي المعصوم هو المتبع، ولا يكون الاجماع حينئذ دليلا قائما بذاته مقابل كل من الكتاب والسنة الشريفة.

ثالثا: إذا اجتمعوا وفرضنا بإننا لم نكتشف رأي المعصوم بهذا الاجتماع فسيكون قطعهم مهما كان قابلا للغفلة، أو الاشتباه، أو الغلط أو بعضها أو كلها مجتمعة، فكيف نقطع بحكمهم أنه هو الحكم الشرعي.

 

[ 40 ]

رابعا: ربما يكون هذا الاجماع قد أتى من مجرد عادة كانت عندهم، أو عقيدة طمست على أعينهم.

بالاضافة إلى أن هذا كما ذكرنا سابقا يكون موردا للشك إذ ربما ميل إليه لاجل تصحيح ما حدث بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، فما كان حاله كذلك لا يصلح أن يكون حجة.

ولذا اشترط المنطقيون في قبول الخبر المتواتر إلا يتطرق إليه احتمال اشتباه المخبرين، أو غلطهم في فهم الحادثة، أو تعمد الركون إلى أمر لتصحيح آخر دبر بليل.

فلا تنفع حينئذ الاستفاضة ولا التواتر.

ولذا لا يؤخذ بهما فيما استفاض أو تواتر عند الملل المنحرفة عندنا بأي حال من الاحوال.

ونقول أخيرا: - إن الحقائق الدينية لاي دين سماوي يكون طريقها الوحي الالهي.

ولا يخرج الاسلام عن هذه الدائرة.

والوحي فيه متمثل بالقرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

والقرآن كما لاحظنا، ونلاحظ أكد على حجية سنة رسول الله صلى الله عليه وآله بمعناها الشامل، واشار أن لم يصرح بصورة واضحة إلى حجية سنة اهل البيت عليهم السلام كما بين ووضح واشار إلى ذلك الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم كذلك، فكانت عندنا حجية السنة بمعناها الاعم واضحة وضوحا لا مجال للشك فيه.

ولا يعدو الاجماع عن ذلك.

 

[ 41 ]

فلابد من تصريح وتوضيح وبيان له ولحجيته.

وإذا ألقينا السمع باصرين فلا يعدو الاجماع عن ان يكون بمنزلة (الخبر الواحد)، أو بمنزلة حكم الخبر الواحد. والخبر الواحد كما نعلم لا يفيد إلا ظنا. والظن لا يغني من الحق شيئا.

فإذا قلنا أن الامامة من اصول الدين فالامر فيها واضح، إذ لا يكون - الظن - فيها حجة اصلا، لانها كما نعلم يجب أن تكون مستندة على امر وعلم قطعي، وهو ليس كذلك.

وإذا قلنا أن الامامة فرع من فروع الدين فكذلك، وذلك لانه لا يكون الظن فيها حجة ما لم يقم دليل معتبر يبين حجية ذلك الظن بالخصوص من الكتاب والسنة كما قلنا أولا، أو بعد قبول حجية العقل أيضا عن طريقهما في هذه الامور، والعقل لا يقول بحجية الظن أصلا وخاصة في مثلها، إلا عند الانسداد والدليل موجود فلا إنسداد، ولا دليل معتبر على حجيته لا من الكتاب ولا من السنه، فالنتيجة تكون عدم حجية الاجماع باي حال من الاحوال.

ب - الشورى.

ج‍ - البيعة.

والكلام المتقدم كله أوجله يأتي فيهما فلا نعيد (1).

بقي شي: لو تنزلنا وقلنا بحجيتها وإن كان ذلك أشبه بالمستحيل لما بين أيدينا من أدلة قدمها القوم ويقدمونها لا تقوى على النهوض، وكأنهم بعملهم هذا يطرقون على حديد بارد، يريدون بذلك بعث الحياة فيه، وما هو بذي حياة، ولا هم بباعثين.

 

(1) وسيأتي زيادة توضيح في مطاوي البحوث التاليه.

 

[ 42 ]

مصداقية الاجماع في حكومة الخلفأ: - نقول مقدما أن الحكومة ثبتت في الدولة الاسلامية لكل من أبي بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب.

ولم يحظ واحد منهم بنصيب من الاجماع إلا الاخير.

بيان ذلك: - إن أريد بالاجماع كثرة الناس في ذلك الوقت، فهذا ليس بحجة جزما مع وجود المخالف.

وإن أريد بالاجماع، الاجماع الحاصل من أهل الحل والعقد كما هو المدعى فالمناقشة فيه ظاهرة وثابتة على المسلكين المعروفين، على المسلك الاول من المسلمين وهو الذي يقول بأنه لا حجة بالاجماع ما لم يحرز دخول المعصوم فيه، وهذا الاجماع خال من المعصوم فلا يكون حجة.

وعلى المسلك الثاني أيضا، وذلك لان قوة حجية الاجماع مأخوذة من اجتماع أهل الحل والعقد من امة محمد صلى الله عليه وآله، وهذا - مع الاسف - لم يحصل لا للخليفة الاول لان اللبنة الاولى للخلافة أسست في سقيفة بني ساعدة ولم يكن حاضرا فيها إلا مجموعة من الانصار ومجموعة أخرى من المهاجرين قد لا يتعدون أصابع اليد عددا (1)، أغلبهم لم يكن من أصحاب الحل والعقد، إن لم يكن كلهم.

وأما أهل الحل والعقد من المسلمين فكانوا مشغولين بالنبي الكريم صلى الله

 

(1) وهم أبو بكر وعمر وابو عبيدة بن الجراح، وسالم مولى ابى حذيفة راجع كتب التاريخ والسير، ومنها شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد / ص 187.

 

[ 43 ]

عليه وآله بالاتفاق، كعلي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وعبد الله بن العباس والزبير بن العوام وطلحة، والمقداد بن أبي الاسود الدؤلي، وعمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وفروة بن عمرو، وخالد بن سعيد بن العاص، وأبي بن كعب، والبراد بن عازب، وقيس بن سعد بن عباده، وخزيمة بن ثابت، وبقية بني هاشم (1).

ومن الغريب أنهم قالوا للانصار على لسان عمر (من ينازعنا سلطان محمد وميراثه، ونحن أهله وعشيرته) (2).

ومن العجيب أنهم في ذلك اليوم تركوا النص الجلي في إمامة أمير المؤمنين علي وتشبثوا بنص آخر في حسم النزاع بينهم وبين الانصار، إذ بعد رد وبدل قال الانصار منا أمير ومنكم أمير فقال أبو بكر: إن النبي صلى الله عليه وآله قال: الائمة من قريش.

فسقط ما في أيدي الانصار، إذ قام عمرو أبو عبيدة وصفقا على يد أبي بكر وقالا: السلام عليك يا خليفة رسول الله.

ولم يلحظ مدى صحة ذلك القول، المنسوب إليه صلى الله عليه وآله.

ولا مدى دلالة ما جاء عنه صلى الله عليه وآله على هؤلا، أو أن المقصود بهذا غير أولئك، وهم ما أتفق عليه القوم كل القوم بانهم إثنا عشر، وأنهم من أهل

 

(1) انظر مروج الذهب / ج 2 / ص 301، العقد الفريد / ج 4 / ص 259، تاريخ الطبري / ج 3 / ص 208، الكامل في التاريخ / ج 2 / ص 325، تاريخ اليعقوبي / ج 2 / ص 103، تاريخ ابي الفداء / ج 2 / ص 63 .

(2) وهم قد منعوا ابنته ميراثها، ومنعوا سلطان محمد صلى الله عليه واله ابن عمه وعميد عشيرته وقومه. راجع ما قالوه وما فعلوه كتب التاريخ مثل كتاب الطبري / ج 7 / ص 198 الامامه والسياسه / ابن قتيبه النظام السياسي في الاسلام / احمد حسين يعقوب 126 - 133.

 

[ 44 ]

البيت، وأن جلهم من نسل علي وفاطمة، كل هذا ضاع في غمرة لحظات تلك الساعة القصيبة والحرجة ليس في تاريخ المسلمين فحسب بل في تاريخ الانسانية كلها.. (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) (1).

فتم الامر على حين غفلة من أولى الحل والعقد، وعجلة من قوم آخرين.

ولذا خرج سعد بن عبادة مغضبا.

وإذا قيل أن من ذكرت بايعوا بعد ذلك.

فلقائل أن يقول: ان منهم من لم يبايع حتى قتلته (الجن) كسعد بن عباده سيد الخزرج بل الانصار يومها.

كما أن اتفاقهم بعد ذلك لا يمكن أن يكون حجة، وذلك لاحتمال الاجبار والاكراه، والمحافظة على بيضة الاسلام وكلمته.

وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال.

والاكراه وارد على كل حال، وظاهر لمن تتبع تاريخيا أحداث تلك الايام.

ذكر ابن أبي الحديد المعتزلي في باب نبذ من أخبار عمر إن عمر هو الذي وطأ الامر لابي بكر، وقام فيه حتى أنه دفع في صدر المقداد، وكسر سيف الزبير، قال: - (وعمر هو الذي شيد بيعة أبي بكر ووقم المخالفين فيها فكسر سيف الزبير لما جرده، ودفع في صدر المقداد، ووطي في السقيفة سعد بن عبادة، وقال: اقتلوا سعدا، قتل الله سعدا، وحطم أنف الحباب بن المنذر الذي قال يوم السقيفة: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، وتوعد من لجأ إلى دار فاطمة عليها السلام

 

(1) الاية " 25 " سورة الانفال - 8 -.

 

[ 45 ]

من الهاشميين، وأخرجهم منها) (1).

وفي موضع ثان قال: أن الحباب بعد ما قال ما قال أخذ ووطئ في بطنه ودسوا في فيه التراب (2).

وقال غيره: - أنه نادى على سعد بغضب (أقتلوا سعدا، إنه منافق) (3).

وقد قام إليه قائلا (لقد هممت أن أطأك حتى يندر عضوك، أو تندر عيونك) (4).

وأخذ قيس بن سعد بلحية عمر قائلا (والله لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة) (5).

وعندما رفع الزبير يومها سيفه قائلا (لا أغمده حتى يبايع على).

قال عمر: (عليكم الكلب).

فؤخذ سيفه منه، عندما عثر، وضرب به الحجر، وكسر (6).

عندما بعث أبو بكر عمر وجماعة إلى من كان في بيت فاطمة الزهرأ بنت النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وقال له: (فإن أبوا فقاتلهم).

فأقبل الرجل بقبس من نار، يريد إحراق بيت النبوة، فصاحت عليه الزهرأ فاطمة عليها السلام: (أجئت لتحرق دارنا ؟ !).

قال: (نعم، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الامة) (7).

 

(1) نهج البلاغة / شرح ابن ابي الحديد / ج 1 / ص 86 / نبذة من اخبار عمر.

(2) النهج / ج 2 / ص 129.

(3) ابن عبد ربه / العقد الفريد / ج 3 / ص 62، شرح النهج / ج 2 / ص 128 .

(4) نفس المصدرين السابقين .

(5) تاريخ الطبري / ج 3 / ص 210 .

(6) تاريخ الطبري / ج 3 / ص 199.

(7) العقد الفريد / ج 3 / ص 63، ابن قتيبة / الامامة السياسة / ج 1 / ص 19، ابن ابى الحديد.

 

[ 46 ]

وفي رواية الطبري أنه قال: (لتخرجن إلى البيعة، أو لاحرقن على من فيها).

فقيل له: (إن فيها فاطمة). قال: (وإن).

فخرجت الزاهرأ عليها السلام بعدها وهي تنادي باعلى صوتها: - (يا أبت يا رسول الله ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب، وابن أبي قحافة ؟ !) (1).

وقد سيق الامام علي عليه السلام إلى المسجد، وقيل له: (بايع).

فقال: (إن لم أفعل فمه ؟ !) فقال: (إذن والله الذي لا إله إلا هو، نضرب عنقك).

قال: (إذن تقتلون عبد الله واخارسو له) (2).

ولهذا وغيره كثير قالت أم مسطح بن أثاثة (3) وهي تخاطب الرسول صلى الله عليه وآله.

قد كان بعدك انبأ وهنبثة * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب إنا فقدناك فقد الارض وابلها * واختل قومك فاشهدهم ولا تغب (4) (وقال البرأ بن عازب:..

وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة، وهم محتجزون بالازر الصنعانية، لا يمرون بأحد

 

< - / ج 2 / ص 134.

والشهرستانى في الملل والنحل بلفظ مقارب / ج 1 / ص 56 (1) الامامة والسياسة / ج 1 / ص 20، اعلام النساء / عمر رضا كحاله / ج 4 / ص 114 (2) نفس المصدر الاول السابق (3) وقد تنسب هذه الابيات بالاضافة الى غيرها الى الزهراء فاطمة عليها السلام كما في الاحتجاج / 1 (4) ابن ابي الحديد / شرح النهج / ج 2 / ص 136، ابن سعد / الطبقات / ط دار الفكر / ج 2 / ص 332.

 

[ 47 ]

إلا خبطوه، وقدموه فمدوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه، شأ ذلك أو أبي، فأنكرت عقلي..

فمكثت أكابد ما في نفسي، ورأيت في الليل المقداد، وسلمان، وأبا ذر، وعبادة بن الصامت، وأبا الهيثم بن التيهان، وحذيفة، وعمارا، وهم يريدون أن يعيدوا الامر شورى بين المهاجرين) (1).

 

(1) شرح النهج / ابن ابي الحديد / ج / ص 106 وان كان في كلامه ونقله نحو تأمل، وذلك لان اعادة الامر شورى لا محل لها هنا اصلا، إذ لو رجعنا الى نص حديثه الذي يذكره هو بنفسه بعد ذلك في صفحة (184) فيقول فدعوني إليهم فاتيتهم، فوجدت المقداد بن الاسود..

ويذكرهم واحدا بعد واحد، وإذا بحذيقة يقول لهم " والله ليكونن ما اخبرتكم به، والله ما كذبت ولا كذبت، " فلو تأملت هذا القول ستري غرابة " وإذا القوم يريدون ان يعيدوا الامر شورى بين المهاجرين "، ويحتمل في هذه الاضافة واحتمالين اما ان تكون قد جاءت من قبل الراوي، واضيفت الى كلام البراء أو انها جاءت تبرعا من الناقل نفسه، ولم يفهم حديثهم، فظن هذا الظن والا فمقتضي سياق الكلام ان حذيقة وبما انه من الاشخاص العارفين بالمنافقين وباسمائهم واشخاصهم، فلديه علم من المعصوم عليه السلام بما سيجري على هذه الامة بعد بيعة السقيفة، فاخبرهم بذلك، والقرينة على هذا قوله ما كذبت ولا كذبت فهذا يقتضى الاخبار لا الانشاء بحدوث امر معين هذا اولا، وثانيا قوله ثم قال: ائتوا ابي بن كعب، فقد علم ما علمت، قال فانطلقنا الى ابي، فضربنا عليه بابه، حتى صار خلف الباب فقال: من انتم ؟ ! فكلمه المقداد، فقال ما حاجتكم ؟ ! فقال له: افتح عليك بابك فان الامر اعظم من ان يجري من وراء حجاب قال: ما انا بفاتح بابى، وقد عرفت ما جئتم له، كانكم اردتم النظر في هذا العقد.

فقلنا: نعم فقال افيكم حذيقة ؟ ! فقلنا: نعم، قال: فالقول ما قال، وبالله ما افتح عنى بابي حتى يجرى على ما هي جارية، ولما يكون بعدها شر منها، والى الله المشتكي " شرح النهج / ج 1 / ص 184 وهناك قرينة خارجية توضح هذا الامر بصورة جلية إذ بعد قتل عثمان، ومبايعة علي عليه السلام، خطب حذيقة هذا في الكوفة مع شدة مرضه ومن جملة ما قال " فعليكم بتقوى الله وانصروا عليا وازروه، فوالله انه لعلى الحق اخرا واولا وانه لخير من مضى بعد نبيكم وخير من بقى الى يوم القيامة.

ثم اطبق بيمينه على يساره ثم قال: اللهم اشهد اني قد بايعت.

 

[ 48 ]

وأما ما روي من طرق الخاصة فهو كثير.

وقد كان بنو هاشم منشغلين بالنبي الكريم صلى الله عليه وآله، إذ مكث ثلاثة أيام لم يدفن.

والقوم قد تلاقفوها تلاقف الكرة بيد الصبيان على حد وصية أبي سفيان لبني أمية أيام أن أتت إلى عثمان.

وبهذا لم يثبت الاجماع المدعى على حكومة الخليفة الاول (1).

وأما الثاني: فواضح فيه ذلك أكثر وذلك لانه قد تعين من قبله، فلا يكون ثمة إجماع.

وأما الثالث: فالامر فيه كما في أخويه من قبل، لان الاجماع ما حصل، بل الذي حصل هو اجتماع ستة من المهاجرين قدتم تعيينهم مسبقا من قبل الحاكم الثاني، ودخلت الاهوأ في البين فضيعت على الامة فرصة النهوض تارة أخرى مع الاسف.

وأما الرابع: فقد تم الامر له من قبل المهاجرين والانصار جميعا وسلموا له تسليما لولا هن وهن، فحدث ما حدث من سؤ تصرفات سابقة، وأمور لاحقة.

نعم لا نقاش لنا مع من قال بانعقاد الخلافة لشخص بشخصين (2) إذ هذا لا يتعقل بدين كالاسلام، فضلا على أن ينظر فيه ويناقش.

هذا هو حال الطريق الاول.

 

< - عليا " والتفت الى ابنيه صفوان وسعد قائلا لهما " احملاني وكونا معه فستكون له حروب كثيرة فيهلك فيها خلق من الناس، فاجتهدا ان تستشهدا معه فانه والله على الحق ومن خالفه على الباطل ".

راجع مروج الذهب / المسعودي / ج 3 / ص 65 - 66.

(1) راجع " الاحتجاج " للطبرسي مثلا لتجد ذلك واضحا ج 1 / ص 75 - 80.

(2) الاحكام السلطانيه / المارودى / ص 4.

 

[ 49 ]

مصداقية الطريق الثاني: - الشورى ما قام الاول، ولا الثاني بالشورى كما هو واضح وأما الثالث فحدث ما حدث من أمرها، ولم يكن بقية أهل الحل والعقد من حضارها.

ولا هم من عينوهم.

فلا تكون شوراهم حجة حينئذ على مسلك من يقول بحجيتها.

بل هذه الشورى صوريه، لا شكل لها ولا مضمون..

إذ كيف يجتمع قول من جعلها: - (إن رسول الله مات وهو راض عن هذه الستة من قريش، على وعثمان وطلحة والزبير وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وقد رأيت أن أجعلها شورى بينهم ليختاروا لانفسهم) (1).

وقوله بعد ذلك لطلحة: (أما إني أعرفك منذ أصيبت اصبعك يوم أحد، والبأو (أي الكبريأ) الذي حدث لك، ولقد مات رسول الله صلى الله عليه وآله ساخطا عليك بالكلمة التي قلتها يوم أنزلت آية الحجاب) (2).

وقد علق ابن أبي الحديد في شرحه على ذلك قائلا: (قال شيخنا أبو عثمان الجاحظ لو قال لعمر قائل: انت قلت: أن رسول الله صلى الله عليه وآله مات وهو راض عن الستة، فكيف تقول الان لطلحة أنه مات ساخطا عليك للكلمة التي

 

(1) ابن ابي الحديد / شرح النهج / ج 1 / ص 91.

(2) نفس المصدر السابق.

 

[ 50 ]

قلتها ؟ ! لكان قد رماه بمشاقصه) (1).

وكذلك بين قوله الاول وبين أمره بقتلهم ؟ ! إذ أنه دعا أبا طلحة الانصاري، وقال له: (انظر يا أبا طلحة، إذا عدتم من حفرتي فكن في خمسين رجلا من الانصار حاملي سيوفكم فخذ هؤلا النفر بامضأ الامر وتعجيله، واجمعهم في بيت، وقف باصحابك على باب البيت، ليتشاوروا ويختاروا واحدا منهم، فإن أتفق خمسة وأبى واحد فاضرب عنقه، وأن اتفق أربعه وأبى إثنان فاضرب أعناقهما، وإن اتفق ثلاثة وخالف ثلاثة، فانظر الثلاثة التي فيها عبد الرحمن فارجع إلى ما قد اتفقت عليه، فأن أصرت الثلاثة الاخرى على خلافها فاضرب أعناقها.

وإن مضت ثلاثة أيام ولم يتفقوا على أمر، فاضرب أعناق الستة، ودع المسلمين يختاروا لانفسهم) (2).

وما هذا التقسيم ؟ ! ! وما وجه ترجيح عبد الرحمن وهو قد خاطبه قبل ذلك (ولكن ليس يصلح هذا الامر لمن فيه ضعف كضعفك، وما زهرة وهذا الامر ؟ ! !) (3).

وكيف سيختار المسلمون لانفسهم ؟ ! إلى غيرها من الاستفسارات التي لا تجد جوابا أصلا لا في مسألة الشورى ونظريتها، ولا في أطروحة عدم التعيين. وانظر إلى قوله أولا (وقد رأيت أن اجعلها شورى بينهم ليختاروا لانفسهم). تجد العجب.

هل جاء بذلك ملك كريم؟! أم أنه أخذه عن رسول الله صلى الله عليه واله؟!!

 

(1) نفس المصدر السابق / ص 92 .

(2) - (3) نفس المصدر السابق.

 

 

[ 51 ]

أم ماذا ؟ ! ولا بأس بنقل خلاصة كلام الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر (قدس).

في أبطال مبدأ الشورى، حيث يذكر تلميذه السيد كاظم الحائري تلك الخلاصة بقوله: - (إننا لا نحتمل أن يكون الرسول صلى الله عليه وآله قد اعتمد على مبدأ الشورى في تعيين الخليفة من بعده، وذلك لانه لو كان صلى الله عليه وآله اعتمد عليه، لكان على الرسول صلى الله عليه وآله أن يوضح هذا المبدأ، ولا يمكن أن يكتفي بهذه الاية - ويقصد بها (وأمرهم شورى بينهم) (1) إذ لابد من إيضاح حدود الشورى وشرائطها.

وما هو الحل فيما لو اختلف المتشاورون، فهل يؤخذ برأي الاكثرية ؟ ! أو برأي الثلة الواعية ولو كانوا أقلية ؟ ! وما هي شرائط المشتركين في عملية الادلاء بالارأ ؟ !.. وما إلى ذلك..

فهذه الامور وغيرها لم توضح للامة، بل إننا نرى أن فكرة الشورى لم تكن موجودة حتى عند أعمدة الخط السني وقتئذ (أبي بكر، وعمر) أنفسهم، فحينما حضرت الوفاة أبا بكر نراه أوصى بالخلافة - من بعده - إلى عمر بن الخطاب.

فلو كان الرسول صلى الله عليه وآله قد أوضح للامة مبدأ الشورى، فمن عمل به، هل السنة أم الشيعة ؟ ! فالشيعة طريقهم واضح، والمسألة عندهم مسألة نص.

وأما السنة، فهذا أبو بكر لم يعمل بشي من هذا القبيل، فقد عين عمر بن الخطاب.

وكذا عمر بن الخطاب الذي كان قد ناقش في بيعة أبي بكر نفسه، حيث

 

(1) الاية " 38 " سورة الشورى - 42 -.

 

[ 52 ]

وصفها بأنها فلتة، ولم يعمل بهذا المبدأ عند ما حضرته الوفاة - أيضا - حيث حصر الامر في ستة أشخاص، وجعلها شورى بينهم فقط، ولم يجعلها شورى ضمن الامة كلها.

إذن فمن الذي فهم فكرة الشورى وقتذاك ؟ فالشيعة لم يقولوا بها، والسنة لم يفهموها ولم يطبقوها حتى من قبل أئمتهم) (1).

فلذا نرى لما تقدم مجانبة من عرف الدولة الاسلامية ببنود كان الخامس منها (إن الامة هي صاحبة الحق في السلطة، وتختار ولاة الامور عن طريق الشورى، واختيار الكفئ والاصلح قال تعالى: (وأمرهم شورى بينهم) (2) (3).

ونضيف لما تقدم أن الخليفة نفسه لا يلتزم بمبدأ الشورى بعد قوله (لو ادركت ابا عبيدة باقيا استخلفته ووليته، ولو ادركت معاذ بن جبل استخلفته.

ولو ادركت خالد بن الوليد لوليته، ولو ادركت سالما مولى أبي حذيفة وليته..)(4).

بل لا يلتزم بما أخذ السلطة به من الانصار يوم السقيفة هو وصاحبه إذ في ذلك اليوم رفعا شعار (الائمة من قريش، نحن عشيرة رسول الله صلى الله عليه

 

(1) السيد كاظم الحائري / امامة وقيادة المجتمع / ص 57.

(2) الاية " 38 " الشورى - 42 - .

(3) كتاب سيرة الرسول صلى الله عليه واله واهل بيته عليهم السلام / لجنة من مؤسسة البلاغ / ج 2 / ص 707 وفات اولئك بان تفسيرها لا يمكن ان يكون ذلك لاختلاف المصطلحات - بل مؤداه - بلسان العرب - هو مشاورة العقل، لا راى الاغلبيه كما هو المصطلح الان، هذا اولا وثانيا لو تنزلنا وقلنا بانه يؤدى الى راى الا غلبيه جدلا لبطل ما يذهبون إليه انفسهم من ترجيح " النخبة " ولا تقوم لهم بذلك قائمة ابدا .

(4) راجع في ذلك كله الامامة والسياسة / ص 6 - 8 وموارد اخر منها تاريخ الطبري / ج 2 / ص 580، الانساب للبلاذرى / ج 5 / ص 16 بتفاوت بسيط.

 

[ 53 ]

وآله، العرب لا ينبغي أن تولى هذا الامر إلا من كانت النبوة فيهم، من ينازعنا سلطان محمد وميراثه، نحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لاثم، أو متورط في هلكة) (1).

إذ شتان بين هذه الاقوال وبين قوله الاخير هذا - وحبل الكذب قصير - فسالم من الموالي، ولا يعرف له نسب في العرب. ومعاذ من الانصار.

(فابتسم ألما وحسرة بينك وبين نفسك إذ ترى حجم المؤامرة).

وخالد من بني مخزوم، وقد اسلم بعد اللتيا والتي فلعله يعد من الطبقة العاشرة من طبقات الصحابة وليست له سابقة في الاسلام.

فأين بقية المهاجرين والانصار ؟ ! ! واين الشورى وغيرها ؟ !

 

(1) راجع في ذلك كله الامامة والسياسة / ص 6 - 8 وموارد اخر منها تاريخ الطبري / ج 2 / ص 580، الانساب للبلاذري / ج 5 / ص 16 بتفاوت بسيط .

 

[ 54 ]

مصداقية الطريق الثالث: - البيعة ولما تقدم نرى أن البيعة لم تكن حاصلة إلا بالاكراه والاجبار أو المباغتة وعدم الروية، أو بعد ذلك حفاظا على بيضة الاسلام وكلمته فلا تكون تامة بأي حال من الاحوال.

والبيعة كما تقدم لا يمكن أن تكون لازمة إلا إذا كان لها رصيدها الالهي وحجيتها، فإين حجية بيعة القوم ؟ ! ! من الكتاب أو السنة، أو العقل المويد بهما.

وكل ما جمعوه استحسانات وتقولات.

وبعد الرجوع لاحداث تلك الساعات والايام والسنين والتي نقلنا جزا يسيرا منها، لاختفأ اغلبه، لانه ضد السلطة، والتاريخ يكتبه المنتصر، ومع هذا ظهر هذا وغيره فنرى أن ما اسسوه وما سماه اللاحق بعد السابق يصح أن يخاطبوا بان هذه الامور كلها ماهي إلا اسمأ سميتموها أنتم وآباؤكم ما انزل الله بها من سلطان.

فالبيعة بما هي لا تكون حجة إلا إذا قامت على أسس شرعية صحيحة، وإلا لو تمت كما تمت لمروان بن الحكم بعد اتفاقه مع روح بن زنباع الذي كان معه أربعمائة رجل من حزام جعلهم يؤيدون ولده عبد العزيز بن مروان في تنصيبه لابيه (1)، هل تكون صحيحة مسلمة (2) ؟ ! !

 

(1) راجع الامامة والسياسة / ابن قتيبة / ج 2 / ص 16 .

(2) وقال الشاعر:

 

[ 55 ]

وأخيرا لنا وقفة مع: - من قال: - أقل ما تنعقد به الامامة من أهل الحل والعقد خمسة يجتمعون على عقدها، أو يرضى أربعة منهم بما عقده الخامس منهم مستدلين على ذلك بأن بيعة أبي بكر تمت كذلك فقد بايعوه أولا خمسة، ثم تابع الناس ذلك (1).

أولا: نقول له من حدد هذا العدد ألله ورسوله ؟ ! فجعل به سلطة لفرد من الامة على آلاف الناس من الامة بل ملايينها.

وثانيا: الحكم حتى على مبنى من قال أن المصدر للتشريع هو الكتاب ثم السنة.

لا يوجد هذا لا في كتاب الله ولا في سنته كما ذكرنا أولا، ؟ ؟ ؟ ؟ سنة الخلفأ أو غير الخلفأ لا يمكن أن تكون سنة مشرعة لنا، بأي حال من الاحوال، مع ما يلتزم القائل بهذا بأن رسول الله صلى الله عليه وآله ليس معصوما إلا في تبليغ الاحكام، كيف يقول بعصمة غيره ؟ ! وليس له أن يقول بأني لا أدعيها، فالالتزام بجعل تصرفه حجة ملزمة استنبط منها الحكم يجعله معصوما وهذا من موارد اختلاف النظرية عن التطبيق عند العامة كما أشرنا إلى ذلك في كتابنا (المعايير العلمية لنقد الحديث).

وثالثا: لو قال بأنكم نسيتم المصدرين الاخرين وهما الاجماع والعقل فالاجماع مر ما فيه فراجع، وأما العقل فأي عقل يقصدون ؟ ! ! لا يمكن أن يساعد على ما ذكر بأي حال من الاحوال، لما تقدم.

 

 

< -

لي الله قوما امروا " خيط باطل " * * على الناس يعطي من يشاء ويمنع

لان مروان هذا كان يمسي ب‍ " خيط باطل " / راجع مروج الذهب للمسعودي.

(1) راجع / الاحكام السلطانية / المارودي / ص 4 (*)

 

[ 56 ]

وقال علمأ من الكوفة: إنها تنعقد بثلاثة.

ومع من قال من علمأ الكوفة: بإنها تنعقد بثلاثة يتولا ها أحدهم برضا الاثنين ليكون ثمة حاكمان وشاهدان، كما يصح عقد النكاح بولي وشاهدين، وأنت ترى ما في هذا كله.

فعقد الولاية ليست كعقد النكاح.

وحتى لو تنزلنا وقلنا هما واحد، فالنكاح متقوم ليس بالشاهدين ولا بالحاكم، بل هما يؤيدان رضى الطرفين وتلفظهما بهذا الرضا، واثبات ذلك.

فالولاية لو جعلناها كذلك، فليست هي متقومه، بالشاهدين ولا بمن يحكم بإن هذا أصبح متوليا وواليا، بل تقول ان هؤلا يؤيدون رضى الطرفين وتلفظهما بالولاية، وإثبات ذلك وهما هنا الامة والحاكم المنصوب.

والامة لا يمكن أن تمثل بأي حال من الاحوال بعد دمعين لا باثنين ولا بثلاثة ولا بخمسة، كما هو واضح لكل من تدبر وتفكر، وخاصة لو عقدوا بلا مشاورة ولا مراجعة.

إذ من جعل السلطة لاي عدد من الناس في جعل زمام أمور امة كاملة بيد فرد واحد ؟ ! ما هذا إلا افترأ.

من هذا نرى ما في قول من قال، من أنها تنعقد وإن لم تجتمع الامة، فلا يشترط في عقد الامامة الاجماع.

والعجيب أنه أيضا يستدل بامامة أبي بكر وإنها لما عقدت ابتدر بإمضأ أحكام المسلمين، ولم يتأن لانتشار الاخبار إلى من نأى من الصحابة في الاقطار.

أو حتى من قال إنها لا تنعقد إلا بجمهور أهل الحل والعقد من كل بلد ليكون الرضا عاما، والتسليم لامامته إجماعا.

 

[ 57 ]

لان هذا لم يحدث، ولن يحدث، لانه ما حدث عندما كان المجتمع قليلا فكيف يحدث والمجتمع بهذه السعة وبهذا العدد ! ؟ وكيف الامر سيكون لو بايعوه، ثم لم يرض به عدد منهم، أولم يرض به جلهم، أو لم يرض به كلهم ؟ ! ما هذا إلا أثارة فتن وعداوات وما هو إلا اختلاف كبير ولو كان من عند ألله لما وجدوا فيه اختلافا كبيرا.

والعجيب أنهم يستدلون ببيعة أبي بكر وفيها: - أولا: إنها بحد ذاتها ليست حجة بأي حال من الاحوال.

ثانيا: أنها (فلتة) على حد تعبير الخليفة الثاني وعلى حد تعبير الاول كذلك، فعلى أي معنى حملنا (الفلتة) فلا يمكن أن تكون مقياسا للحكم.

وذلك لانه إن كانت فلتة بمعنى إنها ليست ذات أسس صحيحة وليس لها رصيد إلهي فهي ساقطة من الجذور جزما.

وإن كانت على رأي من دافع عن الحاكمية الاولى بمعنى المباغتة فكذلك لان ما كان حاله كذلك كيف يجعل مقياسا لاستنباط الاحكام الالهية.

وثالثا: إنها لم تثبت للخليفة الثاني كذلك.

ورابعا: إنها لم تكن باعتراف الخليفة الثاني أيضا لا من الله ولا من رسوله إذ قام وقال بصريح العبارة وواضحها: - (ايها الناس إني كنت قلت لكم بالامس مقالة ما كانت مما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهدا عهده إلي رسول الله صلى الله عليه وآله) (1).

فالبيعة نعود ونكرر ونقول بإنها لا يمكن أن تكون حجة علينا أو على أي

 

(1) راجع سيرة ابن هشام / ح 4 / ص 311.

 

[ 58 ]

مسلم ما لم تملك رصيدا إلهيا.

كأن يكون وعلى أقل تقدير مثلا بيعة أهل الحل والعقد من المسلمين، وقد رأيت فيما تقدم ما كان فيها من خدش. (قل الله أذن لكم..) (1).

بل نفس أهل الحل والعقد من جعل لهم السلطة على هذا الامر ؟ ! ! وكما قلنا أولا بإن السلطة الحقيقية والاولى له سبحانه وتعالى ولا يمكن أن تترشح على أحد، ويدعيها أحد إلا منه وحده، فالذي يعطيها إياه فهو صاحب السلطة، وإلا فلا.

وإذا جعل له سلطنة وسلطه في جعل السلطة والسلطنة لاي أحد كان الامر كما أفاد بحدودها التي يجعلها ويبينها هو، وإلا لتغيرت أحكام الله وقوانينه في البر والبحر.

فلذا نقول بأنه لا يمكن أن يكون إجتماع أهل الحل والعقد حجة بأي حال من الاحوال ما لم يقم دليل واضح على حجيته.

فتكون حينئذ سلطنتهم وسلطنته ثابتة ونافذة.

 

(1) الاية " 59 " سورة يونس - 10 -.

 

[ 59 ]

الاطروحة الثانية: -

الامامة لا تثبت إلا بالتعيين نقول مقدما:

- أضرار عدم التعيين وإشكالاته:

- أولا: لا يمكن للرسول صلى الله عليه وآله وهو العظيم في خلقه وخلقه أن يترك الانصار بعد وفاته عرضة لقريش واحقادها، ولقمة سهلة لمن وتربهم حينما أقاموا صرح الاسلام وشيدوه، إذا قام الموتورون أنفسهم بالامر من بعده، ووصلوا إليه، إن لم يعين فيكون بذلك خاذلا لمن نصره وأيده أول الامر - وحاشاه أن يكون كذلك -.

(روى أبو بكر (أحمد بن عبد العزيز الجوهري) قال: أخبرنا أحمد بن إسحق بن صالح: قال حدثنا عبد الله بن عمر، عن حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد، قال: لما توفي النبي صلى الله عليه وآله اجتمعت الانصار إلى سعد بن عباده، فأتاهم أبو بكر وعمر وأبو عبيده، فقال الحباب بن المنذر: منا أمير ومنكم أمير.

إنا والله ما ننفس (أي نحسد) هذا الامر عليكم أيها الرهط، ولكنا نخاف أن يليه بعدكم من قتلنا أبنأهم وآبأهم، وإخوانهم).

فقال عمر بن الخطاب: (إذا كان ذلك قمت إن استطعت..).

قلت: قرأت هذا الخبر على أبي جعفر بن محمد العلوي الحسيني المعروف

 

[ 60 ]

بابن أبي زيد نقيب البصرة في سنة عشر وستمائة من كتاب السقيفة لاحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال: - (لقد صدقت فراسة الحباب، فإن الذي وقع يوم الحرة، وأخذ من الانصار ثأر المشركين يوم بدر) (1).

ثانيا: لا يمكن له صلى الله عليه وآله ولا ينبغي له أن يترك آله وذريته، عرضة لاطماع الطامعين والموتورين كذلك.

ولذا أتم ابن أبي الحديد المعتزلي نقله بقوله: - (ثم قال لي: - ومن هذا خاف رسول الله صلى الله عليه وآله على ذريته وأهله، فإنه كان عليه السلام - وآله - قد وتر الناس وعلم إن مات وترك ابنته وولدها سوقة ورعية تحت أيدي الولاة، كانوا بعرض خطر عظيم، فمازال يعزز لابن عمه قاعدة الامر من بعده، حفظا لدمه ودمأ أهل بيته، فإنهم إذا كانوا ولاة الامر كانت دماؤهم اقرب إلى الصيانة والعصمة مما إذا كانوا سوقة تحت يد وال من غيرهم، فلم يساعده القضأ والقدر (2).

وكان من الامر ما كان. ثم أفضى أمر ذريته فيما بعد إلى ما قد علمت.) (3).

ثالثا: لا يمكن له صلى الله عليه وآله أن يترك ابن عمه، وناصره في المواطن كلها لهذا الخطر العظيم.

(قرأت في كتاب صنفه أبو حيان التوحيدي في تقريظ الجاحظ.

 

(1) ابن ابي الحديد / شرح النهج / ج 1 / ص 184 - 185 .

(2) تمعن في عبارته، لتجد الحق واهله.. لم لم يساعده القضاء والقدر ؟ ! هذا من عجائب الامر وغرائبه.

(3) ابن ابي الحديد / شرح النهج / ج 1 / ص 185.

 

[ 61 ]

قال: نقلت من خط الصولي قال: الجاحظ...

(ولست ألوم العرب، لا سيما قريشا في بغضها له (1)، وانحرافها عنه، فإنه وترها، وسفك دمأها، وكشف القناع في منابذتها، ونفوس العرب واكبادها كما تعلم.

وليس الاسلام بمانع من بقأ الاحقاد في النفوس، كما نشاهده اليوم عيانا، والناس كالناس الاول، والطبائع واحدة.

فاحسب أنك كنت من سنتين أو ثلاث جاهليا أو من بعض الروم وقد قتل واحد من المسلمين ابنك واخاك، ثم اسلمت أكان اسلامك يذهب عنك ما تجده من بغض ذلك القاتل وشنانه ؟ ! ! كلا.

إن ذلك لغير ذاهب، هذا إذا كان الاسلام صحيحا، والعقيدة محققة، لا كأسلام كثير من العرب، فبعضهم أسلم تقليدا، وبعضهم للطمع والكسب وبعضهم خوفا من السيف، وبعضهم على طريق الحمية والانتصار، أو لعداوة قوم آخرين من أضداد الاسلام واعدائه.

وأعلم أن كل دم أراقه رسول الله صلى الله عليه وآله بسيف علي عليه السلام وبسيف غيره، فإن العرب بعد وفاته صلى الله عليه وآله عصبت تلك الدمأ بعلي بن أبي طالب عليه السلام وحده، لانه لم يكن في رهطه من يستحق في شرعهم وسنتهم وعادتهم أن يعصب به تلك الدمأ إلا بعلي وحده.

وهذه عادة العرب إذا قتل منها قتلى طالبت بتلك الدمأ القاتل، فإن مات، أو تعذرت عليها مطالبته، طالبت بها أمثل الناس من أهله) (2).

فإذا علم ذلك الجاحظ أجهله رسول الله صلى الله عليه وآله ! ؟

 

(1) يقصد بذلك عليا عليه السلام.

(2) المصدر السابق / المجلد الرابع / ص 130 - 131.

 

[ 62 ]

ولذا لا نعجب من سؤال ابن أبي الحديد حيث يقول: - (سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن زيد، فقلت له: إني لاعجب من علي عليه السلام كيف بقي تلك المدة الطويلة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ! وكيف ما اغتيل، وفتك به في جوف منزله، مع تلظي الاكباد عليه ؟ ! فقال: لولا أنه أرغم أنفه بالتراب، ووضع خده في حضيض الارض لقتل.

ولكنه أخمل نفسه، واشتغل بالعبادة والصلاة والنظر في القرآن، وخرج عن ذلك الزي الاول، وذلك الشعار ونسي السيف، وصار كالفاتك يتوب ويصير سائحا في الارض، أو راهبا في الجبال.

ولما أطاع القوم الذين ولوا الامر، - ويصعب علي أن أنقل كلمته ولكن أذكرها لابين مدى الجرأة منهم على الله ورسوله وأوليأه - وصار أذل لهم من الحذأ (1) تركوه وسكتوا عنه.

ولم تكن العرب لتقدم عليه إلا بمواطأة من متولي الامر، وباطن في السر منه.

فلما لم يكن لولاة الامر باعث وداع إلى قتله وقع الامساك عنه.

ولولا ذلك لقتل، ثم أجل بعد معقل حصين).

وهم كادوا يفعلون ولما، فها هو يتم حديثه قائلا (فقلت له: أحق ما يقال في حديث خالد ؟ ! فقال: إن قوما من العلوية يذكرون ذلك.

ثم قال: وقد روي أن رجلا جاء إلى زفر بن الهذيل صاحب أبي حنيفة فسأل

 

(1) وقد نقل هذه العبارة مع ضخامة وقعها على السمع والفؤاد والروح والجسد ابن ابي الحديد في شرحه لنهج البلاغة بلا تعليق أو تعقيب مع انه يرد ابسط الكلمات ويوجهها إذا اتت موجهة للخلفاء، وقد نقلتها لرد اولئك الذين يدعون ان ابن ابى الحديد المعتزلي من الشيعة فهذا اوضح دليل وانصعه، لانه لو كان من شيعته لما نقلها، وإذا فعل لعلق بما يشفي الغليل.

 

[ 63 ]

عما يقول أبو حنيفة في جواز الخروج من الصلاة بأمر غير التسليم، نحو الكلام والفعل الكثير والحدث.

فقال: إنه جائز، قد قال أبو بكر في تشهده ما قال..) (1).

فبنأا على ذلك نستبعد من شخص كريم، كرسول الله صلى الله عليه وآله أن يترك من نصره وآواه على وجه العموم، وأهل بيته بالخصوص، وأقرب الناس إليه بالاخص غرضا لكل تلك الدواهي العظيمة.. فهيهات ثم هيهات.

رابعا: أكان حرص أبي بكر على الاسلام أشد من حرص رسول الله صلى عليه وآله (أحضر أبو بكر عثمان - وهو يجود بنفسه فأمره أن يكتب عهدا، وقال: - أكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد عبد الله بن عثمان (وهو اسم أبي بكر واسم أبيه) إلى المسلمين، أما بعد. ثم أغمي عليه..

وكتب عثمان قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب.

وأفاق أبو بكر، فقال: اقرأ.

فقرأه، فكبر أبو بكر، وسر.

وقال: أراك خفت أن يختلف الناس إن مت في غشيتي ! قال: نعم.

قال: جزاك الله خيرا عن الاسلام وأهله.

ثم أتم العهد.

وأمر أن يقرأ على الناس فقرئ عليهم.) (2).

فإذا خاف أن يختلف الناس إن مات في غشيته، فكيف لا يخاف رسول الله

 

(1) شرح النهج / المجلد الرابع / ص 131 .

(2) راجع كتب الاخبار والسير ومنها / شرح النهج / ج 1 / ص 82، تاريخ الطبري / ج 3 / ص 429، سيرة عمر / ابن الجوزى / ص 37، تاريخ ابن خلدون / ج 2 / ص 120.

 

[ 64 ]

صلى الله عليه وآله، وهو أولى بذلك.

وأقف أخيرا مذهولا، وأزداد تعجبا ممن لا يقر بالنص وهو يقرأ هذا في التاريخ ! ! ! أكان أبو بكر أوعى من محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله ؟ ! أم كان أحرص على إلا يختلف الناس ؟ ! أم كانت الشورى واضحة لدى الخليفة، ولم يعرها أي أهمية، ونصب عمر على المسلمين فخالف الله ورسوله بذلك ؟ ! ثم لاحظ عبد الله بن عمر حين دخل على أبيه وهو يلفظ انفاسه الاخيرة قائلا له: - (يا أمير المؤمنين، استخلف على امة محمد، فإنه لو جأك راعي إبلك أو غنمك وترك إبله وغنمه ولا راعي لها للمته وقلت له: كيف تركت أمانتك ضائعة ؟ ! فكيف يا أمير المؤمنين بأمة محمد ؟ !) (1).

أتراه وضح له من الامر ما لم يتضح لنبي الله صلى الله عليه وآله ؟ ! أو لاحظ قول عائشة قبل ذلك حين خاطبت عبد الله بن عمر هذا (يا بني أبلغ عمر سلامي، وقل له: لا تدع أمة محمد بلا راع، إستخلف عليهم، ولا تدعهم بعدك هملا، فإني اخشى عليهم الفتنة) (2).

فلاحظ قولها ولا تدعهم بعدك هملا..

وقولها فإني اخشى عليهم الفتنة. فهل الرسول صلى الله عليه وآله يا - أم المؤمنين - ويا - مؤمنون - ويا - عقلا - قد ترك امته بعده هملا..

 

(1) الامامة والسياسة / ص 23، تاريخ الطبري / ص 34، مروج الذهب للمسعودي / ج 2 / ص 353.

(2) المصدر السابق نفسه.

 

[ 65 ]

وهل لم يخش عليهم الفتنة..

مالكم كيف تحكمون ؟ ! وهل ينادي الرسول - صلى الله عليه وآله - من بعد - وحاشاه ثم حاشاه - مثل ما نادى خليفة خليفة المسلمين وآخذ الامور من بعده عمر بن الخطاب (كل الناس افقه منك يا عمر حتى المحجلات في البيوت.) ؟ !

خامسا: إن كتب التاريخ والسير تذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله ما ترك المدينة في أيام حياته يوما، إلا وعين فيها واليا عليها من قبله، حتى يرجع، فكيف يتركها بلا تعيين من عنده، وهو يعلم بأنه سيفارق الدنيا.

سادسا: الناس العاديون حتى البسطأ منهم يفعلون ذلك، فضلا عن القادة والملوك والرؤسأ، فكيف مالا يخفى على هؤلا خفي على رسول الله صلى الله عليه وآله وهو القائد النبيه، وبالاخص أن الامة لم تنضج بعد.

سابعا: الامبراطورية الكسروية من جهة، والامبراطورية القيصرية من جهة ثانية وهما أقوى قوتين في عالم ذاك اليوم تراقبان بقلق كل ما يجري في الجزيرة العربية، كيف يترك القائد المحنك امته الفتية لسبب مهم للانقسام والفرقة مع وجود هاتين القوتين الضاربتين، مع وجود الاعوان لهم من الداخل المتمثلين بالمنافقين، وهي فرصة عظيمة للدخول في هذا الامر الخطير والتأثير على مجريات أحداث المنطقة كلها.

 

[ 67 ]

 

دواعي التعيين

 

[ 69 ]

 

دواعي التعيين:

- كل ما مر عليك سابقا يستدعي التعيين، مع الحفاظ على كلمة الامة الفتية، وعدم نضوجها لاختيار القائد من بينها، وعدم توضيح الامر لهم وخصوصياته لا من سابق ولا من لاحق كما عرفت.

وعدم ترك أي سبب للانقسام حتى وإن كان بسيطا في مجتمع لا زالت العصبية تلعب دورا مهما فيه، ووجود المنافقين والذين يتربصون الدوائر به.

وكما هو ديدن العقلا في التعيين، والشارع رأسهم وأميرهم.

ولذا حتى اعمدة الفكر الامني قد أقر بهذا ومنهم ابن خلدون حيث يقول (أن الامام ينظر للناس في حال حياته، ويتبع ذلك أن ينظر لهم بعد وفاته..)(1).

فهل هذه الخصوصية لكل نبي الائمة، وإمام الانبياء ؟ ! مالكم كيف تحكمون ؟ ! وكما هو مقتضى كون الرسالة هي الرسالة الخاتمة، كما سيمر عليك.

أو يشك فضلا على أن يقطع وحتى أن يظن بان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مات ولم يعين ؟ ! ! (فإذا قال المسلمون أنه لم يعين المرجع من بعده، ولم يحدد من الذي سيقوم بوظائفه، ولا حدد من سيبين للناس أحكام العقيدة، ولامن الذي يحدد لهم دائرة

 

(1) ابن خلدون المقدمة.

 

[ 70 ]

الشرعية والمشروعية، ولا بين من هو ولي الامة من بعده، ولا من هو ركن مجدها القائم مقامه، ولا من هو ثقلها، ولا من هو مثلها الاعلى ولا من هو الذي سيقود معركة تحرير البشرية وإنقاذها.

فإذا قال المسلمون ذلك، فإن قولهم هذا يناقض كمال الدين وتمام النعمة، لان هذه الامور من صلب الدين ومن صميم النعمة، ومن المحال أن تغفلها العقيدة الالهية، ثم أنهم لو اصروا على ذلك لوجدوا أن العقيدة الالهية تتحدى إصرارهم هذا وتعيبه ولا تقره، وان هذا الاصرار يتعارض مع المنطق، والعقل، واساسيات الحياة، فضلا عن تناقضه الصارخ مع قواعد العقيدة الالهية)(1).

 

التعيين:

- الذي يمكن أن نستشف منه التعيين أمران:

- الاول منهما: كلي له مصاديق كثيرة، قد لا يتحقق في بعض موارده إلا بمصداق واحد، وقد يذكر هذا المصداق في موارد أخر، وسنتعرض لبعضها على سعة المجال.

والثاني: واقعة واحدة قد تكون نافعة في المقام عند بعض.

ونقدم الحديث عن الواقعة الثانية أولا.

 

(1) نظرية عدالة الصحابة / احمد حسين يعقوب / ص 158.

 

[ 71 ]

الواقعة اليتيمة في التعيين على الخليفة الاول: - وهو المورد الاول: - فأمر النبي صلى الله عليه وآله أبا بكر بالصلاة بالمسلمين عندما اشتد به المرض، وجعله بذلك إماما في الصلاة يقتضي هذا الامر وهذا الفعل تقديمه على كافة المسلمين بمقدمة مفادها أن المقدم فيها مقدم في غيرها.

فهل هذه الواقعة أولا ومقدماتها ثانيا ونتائجها ثالثا تتحمل الصمود أمام ما يأتيها من نقاش وتبقى على ثباتها، أم يكون حالها حال رماد اشتدت به الريح، لاقرار لها ولا اعتبار؟!!! والمناقشة تتم من وجوه: ـ

1 - في نفس الواقعة

2 - في مقدمات ما جعلوه نصا.

3 - في النتائج بالاضافة إلى المقدمة.

4 - في الكل كمجموع.

إن ذلك لو كان تاما فهو نص منه صلى الله عليه وآله، ولو كان كذلك لاحتج به هو نفسه وأنصاره يوم السقيفة فيما احتجوا به على الانصار.

فكيف ما لم يكن حجة عندهم وعند الصحابة نجعله حجة وأصلا نبني عليه.

3 - في النتائج: -

التقديم حتى لو ثبت فهو لا يعني شيئا، وإلا لو كان يعني لكان صهيب الرومي أولى من الستة الذين عينهم عمر بن الخطاب لاختيار من يلي المسلمين، لانه عين صهيبا ليصلي بالناس.

2 - في مقدمات الاستدلال:

- إن التقديم في الصلاة لا يعني أنه مقدم في غيرها، ولا في الامامة بالخصوص أصلا وذلك: -

 

[ 72 ]

ألف - لان الصلاة أمر خاص، والامامة أمر عام، وما يدل على الخاص لا يمكن أن يدل على العام بأي وجه من الوجوه.

ب - على مذهب القائل والمائل لهذا الرأي يجوز تقديم الفاسق في الصلاة جزما إذا كان يحسن القرأة، ولا يشترط العدالة فيها.

أما من جهة الامامة فقد قام الاجماع على اشتراط العدالة في الامام بحيث لو فسق وجب على الامة عزله.

فإذا كان كذلك بطل ما بنوا عليه الاستدلال من أن، كل مقدم في الصلاة مقدم في غيرها.

لانه قد يتقدم من كان حاله الفسق فلا يتم الاستدلال.

1 - في نفس الواقعة:

- هذا التقديم باطل عند الكل، لانه قد وردت روايات عند الخاصة والعامة توضح بإن ذلك لم يكن بامر من الرسول صلى الله عليه وآله.

فإذا لم يكن منه صلى الله عليه وآله بطل الاستدلال من أصله.

وأما من يدعي أن ذلك حصل بامر منه صلى الله عليه وآله فيمكن المناقشة بدعواه لما يلي: - أولا: إن ما جاء به بلال من الامر لم يكن مشافهة من رسول الله صلى الله عليه وآله، بل كان بواسطة.

ولم يعلم مدى صدق الواسطة بذلك، مع وجود لغط في كذبها، وهي - أي الواسطة - لم تكن معصومة باي حال من الاحوال، وإذا وجد احتمال ذلك لم تبق حجة في هذا الاخبار أصلا.

بالاضافة إلى أن خروجه صلى الله عليه وآله وهو على تلك الحالة من المرض، وتنحيته لابي بكر من الصلاة، وصلاته هو بالناس يدل على ذلك بصورة واضحة جدا، هذا ثانيا.

 

[ 73 ]

وثالثا: إذا كان الامر منه صلى الله عليه وآله، فكيف خرج ونحاه وأتم الصلاة بنفسه الشريفة على ما اتفق روايته من الجميع، وما هما إلا عملان ينقض أحدهما الاخر، وحاشا لرسول الله صلى الله عليه وآله أن يفعل ذلك.

ورابعا: لو ثبت ما قلتم أولا لثبت النسخ أخيرا، إذ أن تنحيته عن ذلك بمنزلة نسخه لذلك الامر الاول.

وأخيرا نقول: - لو كان أمر إمامة الصلاة صالحا للدلالة على الامامة، لصلح أمر إمرة الجيش المبعوث - إمام الصلاة - فيه في الحملة الاخيرة بطريق أولى وأوضح، فهو تابع لا متبوع، فإذا تقدم هو تقدم ذاك عليه، لانه من مجموعته وهو الذي يعين من يتقدم بالصلاة ممن يتأخر.

فكان من نصب أميرا جزما على من نصب لامامة الصلاة فقط أولى بالامامة قطعا، لانه أحد جنوده بامر صريح منه صلى الله عليه وآله.

وبذا يكون اسامة بن زيد أولى بالامامة من أبي بكر أو أي فرد في حملته، فبهذا نرى بطلان هذا التقديم.

لانه إما غير واقع أصلا، أو قد وقع إلا أنه لا يصلح أبدا لانه خاص والامامة أمر عام، أولا يدل على مزية، ولو كان ذا مزية فمزية الامر تقتضي التقديم على الجندي، أو أنه قد نسخ.

وهذا الامر لما فيه لا يناسب أهمية التعيين وعظمته، فيسقط من الاعتبار.

ولا يدفع كثيرا من مضار عدم التعيين التي سبق وذكرناها خاصة مع وجود قول غيره أوضح منه وأقرب.

 

[ 74 ]

المورد الثاني: - الذي هو كلي له مصاديق كثيرة، بعضها صريح في ذلك، وبعضها يستشف منها ذلك، وبعضها كلي والذي صرح به أحد المصاديق، وبعضها على شخص ذلك المصداق تنطبق أنطباقا، ولو لم يكن كل واحد منها دليلا قائما بنفسه، فعلى الاقل بعضها، ولو لم يكن هذا البعض كذلك فمجموعها يولد الاطمئنان بل الجزم بهذا الامر.

النص في شريعتنا له طريقان لا ثالث لهما: -

1 - الكتاب.

2 - السنة.

ونتعرض لذلك بحسب خطة الكتاب، وهو مطلب دقيق لا يمكن استيعابه بصورة شاملة وتامة، ومن أراد الاستزادة فعليه بكتب العقائد المطولة، وبالمناظرات التاريخية المنقولة

 

[ 75 ]

الدليل الاول: - الكتاب الكريم بما أن الحاكمية لها طرفان طرف مرتبط بالحاكم ذي السلطة، وطرف مرتبط بالمحكوم.

فيكون في الطرف الاول سلطه وسلطنة الحاكم التي معناها ولاية الحاكم على المحكوم، وإلا لما استطاع الحاكم أن يحكم الطرف الثاني فيصدر حكمه عليه أوله ولا أن ينفذ حكمه فيه.

وهذا واضح لا لبس فيه.

ومقابل هذا حتى يجري ما قرر الحاكم وينفذ يجب أن يكون هناك خضوع لتلك السلطة والسلطنة من الطرف الثاني وهذا ما يسمي بالاطاعة.

فمن جانب هناك ولاية، ومن الجانب الاخر تكون إطاعة، ليتم الامر، وتجري الامور بالشكل المطلوب.

وإذا أردنا أن نتبع كتاب الله المجيد لنجد هذه النقطة المهمة فيه، لرأينا آياته موافقة لحكم العقل الذي اثبت خالقية الباري عزوجل، وافتقار الممكن له، فثبتت سلطنته عليه باجلى صور السلطة والسلطنة، وهذا يظهر في الامور التكوينية باتم صورة واوضحها.

قال تعالى: - (ثم استوى إلى السمأ وهي دخان فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو

 

[ 76 ]

كرها قالتا أتينا طائعين) (1).

فالسلطة الحقيقية، وأولا وبالذات له سبحانه وتعالى كما كررنا ذلك مرارا.

إلا أنه لو أرادها لاحد فمقتضى سلطنته ونفوذها أنها تثبت له بالحدود التي حددها هو سبحانه وتعالى.

فهل أشار القرآن الكريم إلى غير الباري عزوجل بهذا الامر الخطير ؟ ! لو تتبعنا آياته كاملة لرأينا أن ذلك ثابت لاشخاص معينين بأوضح صور التعيين وأدقها.

ألف - الرسل والأنبياء.

ب - الرسول الكريم صلى الله عليه وآله بالتعيين.

وعن هذه الصورة التي نبحث عنها بالخصوص يتجلى الامر واضحا للنبي الكريم صلى الله عليه وآله الطرف الاول قال تعالى فيه: - (النبي أوى بالمؤمنين من أنفسهم..) (2).

فثبتت له هذه الولاية وهي الطرف الاول..

أما الطرف الثاني الذي هو الاطاعة فقد برز في كثير من آياته منها قوله تعالى: (واطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون) (3).

ومنها (يا أيها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول..) (4).

إلى ما شأ الله من الايات الكثيرة التي تبين بعضها أن إطاعته إطاعته قال تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) (5).

 

(1) الاية " 11 " سورة فصلت - 41 - .

(2) الاية " 6 " سورة الاحزاب - 33 - .

(3) الاية " 132 " سورة ال عمران - 3 - .

(4) الاية " 33 " سورة محمد - 47 - .

(5) الاية " 80 " سورة النساء - 4 -.

 

[ 77 ]

فهل هذان الجانبان موجودان لاحد غيره.. ومن عجيب المقادير، ودقة الخلق، واتقان الامر، (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) (1).

نرى أن ذلك لم يثبت إلا لبعضهم باعلى مراتب الاثبات وانصعها..

فولايتهم جاء إثباتها وقد حصرت مع ولاية الله ورسوله باداة حصر، فلا ولاية لاحد بهذه السعة إلا للمحصورين بها، وقد أوضح ذلك الطرف الاخر الذي تذكر فيه الطاعة وقد جأت كذلك مقرونة مع إطاعة الله ورسوله فانظره وتفكر واغتنم.

قال تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون).

وإنما في لغة العرب تفيد الحصر، فنستفيد منها حصر الولاية بالله وبرسوله وبالذين آمنوا الذين لهم صفة خاصة قد وضحت وقد تعينت بالروايات المتضافرة أن لم تكن المتواترة بإنها مخصوصة بأفراد معينين، وجأ ذلك وله الحمد من طرق الفريقين.

ولو أدعيت لاحد، فعلينا أن نبحث عن الطرف الاخر هل هو ثابت له من الكتاب المجيد، فإن وجد فالامر تام وإلا تبقى الدعوى لا رصيد لها ولا بقأ، تحتاج إلى تصريح من صاحب السلطة والسلطنة الحقيقية.

فليس لاحد على أحد سلطه وسلطنة، وخاصة بهذه القوة إلا لمن قام الدليل القطعي عليه، وتمت الحجة على الناس به.

فهل الاطاعة موجودة لاحد أدعى تلك المنزلة، وكان مصداقا للاية ؟ !

 

(1) الاية " 82 " سورة النساء - 4 -.

 

[ 78 ]

لو تتبعنا القرآن الكريم لشاهدنا أن الاطاعة قد وردت فيه لكل من: -

1 - الباري عزوجل.

وهذا لا حديث فيه.

2 - الرسل والأنبياء. وهذا قد تم.

3 - رسولنا بالخصوص. وهو قد ثبت.

4 - إطاعة الشيطان، والسادات. الخ وهو ما عاب عليهم الله به.

5 - إطاعة الزوجة لزوجها. قال تعالى: - (الرجال قوامون على النسأ بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللا تي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن اطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا) (1).

فهي مخصوصة في النسأ فقط، وليس كلهن بل النسأ المتزوجات فالمورد خارج عن الحديث هذا أولا.

ولدفع كثير من الالتباس والشبه نقول إن الطاعة هنا ليست مطلقة، بل جأت مقابل النشوز، فهي مخصصة المورد بلا ريب ولا شك.

فإن اطعنكم في عدم النشوز فلا تبغوا عليهن سبيلا.

والنشوز وعدمه قد بين في كتب الفقه بالمقدار الذي يعرفه كل مسلم تقريبا وعدمه التمكين.

فالاطاعة ليست مطلقة على كل حال.

وهذه المنزلة بينها الباري عزوجل بهذا المقدار لاهميتها.

 

(1) الاية " 34 " سورة النساء - 4 -.

 

[ 79 ]

ولاهمية البيت الاسلامي وتمشية أموره أمر بها، لكن بحدود عدم النشوز وقد ثبت بمالا مجال للشك فيه أن الاطاعة ليست مطلقة.

فهذا بهذا يخرج من حديثنا لمحدوديته ولان الطرف الاول فيه عليه محدد بحدود قد بينته الروايات، ولم يشر إليه في كتاب الله المجيد، وقد ذكرناه دفعا للشبهة، ورفع اللبس، دفعا لمن يقول بإن الاطاعة قد وردت لغير من ذكرت.

6 - إطاعة قوم معينين: قال تعالى: -

(يا أيها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الامر منكم..)(1).

أولا نقول بدأ الباري عزوجل هذه الاية المباركة بخطاب الذين آمنوا وهو مزيد اعتنأ بالامر الذي سيصدر، وثانيا تنبيه على أن إطاعة ذلك الامر هو من صفات الذين آمنوا.

وثالثا: إذا لاحظنا الاية المباركة لشاهدنا، إن هناك إطاعة وبجانبها إطاعة أخرى، ولو كانت إطاعة الله وبجانبها إطاعة الرسول صلى الله عليه وآله فقط لما كان ذلك مستغربا، إذ ورد ذلك في كثير من آياته، إلا أن هناك إطاعة وبجانبها إطاعة الرسول منظمة لها إطاعة قوم آخرين.

وإطاعة الله معلومة وهو صاحب الحق الازلي.

وإطاعة رسوله ثابتة ومفصلة وهي مترشحة منها.

فتكون إطاعة أولئك أيضا بهذه القوة.

وقد تعرضنا في كتابنا (المدخل إلى سنن التاريخ في القران الكريم) لتفصيل ما تؤدي إليه هذه الاية المباركة من الاطاعة المطلقة لله ولرسوله ولاولي الامر.

 

(1) الاية " 59 " النساء - 4 -.

 

[ 80 ]

وبما أن الله سبحانه وتعالى قد أمر الذين آمنوا بذلك مطلقا، والله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، فيجب أن يكون الرسول محض نور وأولوا الامر نورا مثله كذلك، ولا يمكن أن يكون ذلك إلا إذا كانوا معصومين.

فباضافة هذا إلى ذاك نعلم من أن الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، والذين حصر الباري عزوجل ولاية المؤمنين بالله وبرسوله صلى الله عليه وآله وبهم، ما هم إلا أولوا الامر الذين أمر الذين آمنوا أن يطيعوهم كما يطيعون الله ورسوله.

وبهذا تكتمل الصورة، الطرف الاول الولاية لهؤلا والاخر الاطاعة لهم.

ولو تتبعنا تفاسير المسلمين قاطبة وأسباب النزول لعلمنا من هم أولئك القوم.

بالاضافة إلى ورود سنة متظافرة من رسول الله صلى الله عليه وآله إن لم تكن متواترة توضح هذه الولاية بصورة أوضح واصرح، بظروف مناسبة لذلك جدا، وبهذا يتبين أنه حتى لو وجدت تفاسير أخر لقوم آخرين ستكون محكومة بالخيبة والكذب، لتوافق الكتاب في أكثر من مورد، مع الروايات لكلا الطرفين وهما ما اجتمعا عليه على أن ذلك لهؤلا وليس لاولئك، وقد تمت الحجة.

ومن هنا نرى وضوح يوم الغدير وضوحا تاما.

وقد ذكر المفسرون وعلمأ الفريقين أن هاتين الايتين المباركتين آية الولاية الاطاعة نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام، حتى أنه نقل الاجماع من بعضهم في ذلك كالقوشجي في مبحث الامامة من كتاب شرح التجريد (1).

 

(1) ومن اراد معرفة المصادر الكثيرة لذلك فليراجع كتاب نظريه عدالة الصحابة للاستاذ احمد حسين يعقوب / ص 190 وص 191 ففيه ما يبغى.

وقد اخترنا هذا الكتاب بالذات لانه اثبت للقلب واكثر اطمئنانا لان مؤلفه كان من مفكري ومثقفي اخواننا السنة والذين زادوا هدى اخيرا فاتبعوا الصراط المستقيم فنطق بالحق وبه جاء.

 

[ 81 ]

وكذا قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أزل إليك من ربك..) (1) وقوله تعالى بعد ذلك بعد ادائه التبليغ في يوم الغدير العظيم (اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا.) (2).

ولو استقصينا الايات الواردة في آل البيت عليهم السلام، وفي علي بالخصوص التي تدل على مرجعيتهم وإمامتهم للمسلمين والمؤمنين لرأيناها كثيرة، ومن أراد الاستزادة فعليه بالمطولات (3)

 

(1) و (2) ومن اراد معرفة المصادر الكثيرة لذلك فليراجع كتاب نظريه عدالة الصحابة للاستاذ احمد حسين يعقوب / ص 190 وص 191 ففيه ما يبغي.

وقد اخترنا هذا الكتاب بالذات لانه اثبت للقلب واكثر اطمئنانا لان مؤلفه كان من مفكري ومثقفي اخواننا السنة والذين .

(3) قد اقتصرنا هنا على الاكثر ظهورا ووضوحا في الحاكميه والامامة.

 

 

[ 82 ]

الدليل الثاني: - السنة جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله حديث الثقلين ويعني بهما الكتاب الكريم وأهل بيت النبوة عليهم السلام في أكثر من طريق، وبعدة صيغ، من كلا الطرفين بحيث لا يشك المتتبع لما رواه الفريقان من أن هذا قد صدر منه صلى الله عليه وآله وسلم، فإن لم يكن تواترا لفظيا فهو متواتر تواترا معنويا عند كلا الطرفين بلا ريب ولا شك.

فقد جاء عنه صلى الله عليه وآله.

(يا أيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي) (1).

وقد روي عنه صلى الله عليه وآله.

(إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الاخر كتاب الله حبل ممدود من السمأ إلى الارض، وعترتي أهل بيتي.

ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما ؟ !) (2).

فهنا إخبار وتأييد بعدم الضلال بالاخذ بهما، واخبار وتأييد بعدم افتراقهما، فكما علمنا عصمة القرآن الكريم يقتضي بهذا عصمة عترته أهل بيته أيضا مطلقا،

 

(1) صحيح الترمذي / باب مناقب اهل بيت النبي صلى الله عليه واله / ج 13 / ص 199 .

(2) المصدر السابق / ص 201، اسد الغابة في معرفة الصحابة / ابن الاثير في ترجمة الامام الحسن عليه السلام، الدر المنثور / السيوطي / في تفسير اية المودة.

 

[ 83 ]

وإلا لافترقا في موارد عدم العصمة، وما صدق حينئذ كلام الرسول صلى الله عليه وآله وهذا ما لا يقوله مسلم، هذا أولا وثانيا يريد أن يبين أن الذي يأخذ بالقرآن بالصورة الصحيحة لابد أن يرجع لاهل البيت عليهم السلام، وإلا لا يكون رجوعه الاول رجوعا للقرآن الكريم وذلك لعدم أفتراقهما واقرب مثال لذلك الصلاة، فالله تعالى يقول (إن الصلاة تنهى عن الفحشأ والمنكر) فعندما يصلي الانسان ولا تنهاه صلاته عن الفحشأ والمنكر يعلم جزما بإن صلاته ليست بتامة، بل وجودها كعدمها لان الله سبحانه وتعالى أكد في كتابه الكريم بأنها تنهى عن الفحشأ والمنكر والخارج ليس كذلك فيعلم من عدم وجود التالي عدم وجود المقدم.

ومثله ورد في مكان آخر: - (إني تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الاخر، كتاب الله وعترتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما ؟ ! فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) (1).

وقد ورد الحديث بصيغة الامر كذلك.

(إني تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به.. وأهل بيتي) (2).

كما جاء بألفاظ مقاربة لهذه (3).

 

(1) مستدرك الصحيحين / ج 3 / ص 109.

(2) صحيح مسلم / باب فضائل علي بن ابى طالب. مسند احمد / ج 4 / ص 366. سنن البيهقي / ج 2 / ص 148، ج 7 / ص 30 سنن الدارمي / ج 2 / ص 431 .

(3) مسند احمد في اكثر من مورد واحد ج 4 / ص 371، ص 467 (*).

 

[ 84 ]

وقد جاء عنه صلى الله عليه وآله أيضا (مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجى..)(1).

وقد ورد عنه صلى الله عليه وآله (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) (2).

وقد ذكر الثعلبي في تفسيره باسناده في تفسير قوله تعالى (يوم ندعو كل

 

< - وكذلك ج 5 / ص 181 حلية الاولياء / ج 1 / ص 355، ج 9 / ص 64 مشكل الاثار / الطحاوي / ج 4 ص 368 اسد الغابة / ج 3 / ص 147 تاريخ بغداد / ج 8 / ص 442 كنز العمال / ج 1 / ص 48 مجمع الزوائد / الهيثمي / ج 1 / ص 163 - 164 (1) مستدرك الصحيحين / الحاكم النيسابوري / ج 2 / ص 343 الصواعق المحرقة / ابن حجر / ص 186 المعجم الكبير / الطبراني / ج 12 / ص 27 .

(2) مسند احمد / ج 4 / ص 96 صحيح مسلم شرح النووي / ج 12 / ص 440 صحيح البخاري / ج 5 / ص 13 باب الفتن، المعجم الكبير / الطبراني / ج 19 / ص 388 الحديث (910) كنز العمال / لابن حسام الدين الهندي / ج 1 / ص 103 الحديث (464) كنزل العمال / لابن حسام الدين الهندي / ج 6 / ص 65 الحديث (14863) وقد رواه كثير من الشيعة الامامية منهم الكليني في اصول الكافي في عدة موارد منها الحديث رقم 5 / ص 103 / ج 1 مجمع الزوائد / أبو بكر الهيثمي / ج 5 / ص 218 حلية الاولياء / ج 3 / ص 224 سنن البيهقي / ج 8 / ص 156 (*).

 

[ 85 ]

أناس بامامهم) (1) آلي النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (كل قوم يدعون بإمام زمانهم).

وقد جاء عنه صلى الله عليه وآله.

(لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة، أو يكون عليكم أثنا عشر خليفة كلهم من قريش) (2). (3) أو ما يؤدي هذا المعنى.

 

(1) الاية (71) سورة الاسراء .

(2) صحيح مسلم / ج 6 / ص 3 - 4 باب الناس تبع لقريش اخرجه من تسعه طرق (ج 2 / ص 119 كتاب الامارة). صحيح البخاري / ج 4 / ص 165 (كتاب الاحكام).

باب الاختلاف صحيح الترمذي / في ابواب الفتن / باب ما جاء في الخلفاء / ج 2 / ص 54 مسند احمد / في عدة موارد / ج 5 / ص 86، ص 90، ص 93، / ص 101، ص 106 ص 108 حلية الاولياء / لابي نعيم الاصبهاني / ج 4 / ص 333 كنز العمال / ج 13 / ص 27 - 76 مسند الطيالسي / الحديث رقم (767) والحديث رقم (1278) تاريخ الخلفاء / السيوطي / ص 41 تاريخ البغداد / الخطيب / ج 2 / ص 126 المعجم الكبير / الطبراني / ج 2 / ص 412 .

(3) هذا ولو يراجع كتاب " المهدي المنتظر في الفكر الاسلامي " من كتب سلسلة المعارف الاسلامية رقم (1) اصدار مركز الرسالة / ص 74 - 96 / ففيه تحليل لطيف لهذه الاحاديث وزيادة فائدة 1) - بعض مصادر حديث الدار عند نزول اية " وانذر عشيرتك الاقربين " 1 - مسند احمد / ط مصر 1313 ه‍ / ج 1 ص 111، ص 159 2 - التاريخ الكبير / الطبري / ج 2 / ص 316 - 317 / ط مصر 1300 ه‍ 3 - الكامل في التاريخ / ابن الاثير / ج 2 / ص 41 - 42 / ط دار الكتاب العربي - بيروت / 1387 ه‍ 4 - البداية والنهاية / ابن كثير / ط مصر 1351 ه‍ / ج 3 / ص 39.

 

[ 86 ]

 

< - 5 - تاريخ ابي الفداء / ج 1 / ص 119 / ط القسطنطينية 1286 ه‍ 6 - السيرة الجليه / علي بن برهان الدين الحلبي / ج 1 / ص 311 / ط مصر 1330 ه‍ 7 - نقض كتاب العثمانية للجاحظ / أبو جعفر الاسكافي / ص 21 / ط مصر 1352 هم 8 - كنز العمال / المتقي / ج 6 / ص 392 - 397 9 - كفاية الطالب / الكنجي / ص 204 - 207 / ط.

الحيدرية 1390 ه‍ 10 - فرائد السمطين / الحمويين / ج 1 / باب 16 11 - تفسير الخازن / ط مصر 1217 / ج 2 ص 371 12 - الدر المنثور / السيوطي / ج 5 / ص 197 / ط مصر 1314 ه‍ 13 - خصائص النسائي / ط مصر 1208 ه‍ / ص 12 14 - مستدرك الصحيحين / الحاكم النيسابوري / ج 2 / ص 133 / ط حيدر اباد 1342 ه‍ 15 - البغوي في تفسيره " معالم التنزيل " / ج 4 / ص 278 2) - مصادر لا سيف الا ذو الفقار لا فتى الا على 1 - الكامل لابن الاثير / غزوة احد 2 - تاريخ الطبري / ج 3 / ص 17 3 - ذخائر العقبى / المحب الطبري / ص 74 4 - كفاية الطالب / القريشي الكنجى الشافعي / ص 144 - 148 بتسعه طرق 5 - شرح نهج البلاغه لابن ابي الحديد / ج 1 / ص 9 / ج 2 / ص 236 / ج 3 / ص 281 / ط مصر.

1329 ه‍ 6 - فرائد السمطي / باب 49 / ج 1 3) - بعض مصادر سد الابواب الا بابه 1 - مسند احمد / ج 1 / ص 175 / ج 2 / ص 126 2 - مستدرك الصحيحين / ج 3 / ص 125 3 - جامع الترمذي / ج 2 / ص 462 4 - كنز العمال / ج 6 / ص 393 - ص 408 5 - الدر المنثور / السيوطي / ج 6 / ص 123 6 - ينابيع المودة / ص 87 (*)

 

[ 87 ]

هذا ولو تتبعنا القرآن الكريم، والسنة النبوية معا، لرأيناهما قد وضحا منذ بداية الخيط الاول من فجر الاسلام، وسلطا الضؤ على من يحمل الراية معه وبعده، إلى آخر لحظات بقأه في هذه الحياة، مرورا بكل موقف وواقعة.. فعندما نزلت (وانذر عشيرتك الاقربين).

راجع التاريخ وسله عمن ارجع عشيرته إليه ليطاع ؟ ! ومن آزره على هذا الامر ؟ ! ولم قالوا لابي طالب وهو شيخهم مستهزئين أنه أمرك أن تطيع هذا الفتى

 

< - 7 - ذخائر العقبى / المحب الطبري / ص 76 4) - بعض مصادر حديث المنزله.

1 - صحيح البخاري / في غزوة تبوك / ج 14 / ص 386 / ج 17 / ص 475 2 - صحيح مسلم / في فضائل علي عليه السلام / ج 2 / ص 323 - 324 3 - مسند احمد / ج 1 ص 170 / بطرق كثيرة / ج 3 / ص 32 / ج 6 / ص 369 4 - مستدرك الحاكم / ج 2 / ص 108 5 - جامع الترمذي / ج 2 / ص 460 - 461 6 - سنن ابن ماجة / ط مصر 1313 ه‍ / ج 1 / ص 28 7 - خصائص النسائي / ط مصر 1308 ه‍ / ص 8، ص 28 8 - تاريخ الخطيب البغدادي / ط مصر 1349 ه‍ / ج 3 / ص 299 9 - البداية والنهاية / ج 7 / ص 239 - 340 10 - تاريخ ابن عساكر / ط مصر 1332 ه‍ / في ترجمة علي (ع) 11 - مصابيح السنة / البغوي / ط مصر 1318 ه‍ / ج 2 / ص 201 12 - الكامل في التاريخ / ابن الاثير / ط مصر 1303 ه‍ / ج 2 / ص 106 13 كنز العمال / المتقي الحنفي / ج 6 / ص 153 14 - ذخائر العقبى / المحب الطبري / ص 58 - 62 15 - وفيات الاعيان / ابن خلكان / ج 2 / ص 104 16 - كفاية الطالب / الكنجى الشافعي / ص 148، ص 151، ص 154 17 - العقد الفريد / ط بولاق 1302 / ج 2 / ص 194 (*)

 

[ 88 ]

ابنك ؟ ! (1) (126).

ولم فعل رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك ؟ ! ومن شهد له من السمأ فالارض ب‍ (لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار) (2).

ومن الذي بقي بابه كباب رسول الله صلى الله عليه وآله عندما سد الابواب كلها إلا بابه ؟ ! (3).

ومن قال له رسول الله صلى الله عليه وآله (أنت مني بمنزلة هرون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي (4).

ومن...؟! ومن.. ؟ !... ومن كان أخيرا صاحب بيعة الغدير ؟ ! ! إذا استعرضت هذا كله وغيره وتفكرت به علمت أن الرسول صلى الله عليه وآله أعين الخليفة من بعده أم لا ؟ ! ! وإذا روي لغيره ذلك أيضا، فقارن بين كل هذه الاحاديث وتلك والايات والروايات لترى ما هو الحديث الموضوع ولم وضع ؟ ! ! ! وعندها تعرف أن الرسول صلى الله عليه وآله إنه، إذا عين فمن الذي قد عين ؟ ! ! ! يقرب الامام علي عليه السلام ذلك لنا بقوله: (إن أولى الناس بالأنبياء اعلمهم بما جأوا به، ثم تلى: - (إن أولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا) (5).

 

(1) و (2) و (3) و (4) مصادر هذه الاحاديث في الورقة الملحقة .

(5) الاية " 68 " سورة ال عمران - 3 -.

 

[ 89 ]

وهذا يمثل مساحة واسعة، يمكن للكل أن ينسبوا بعضها أو كلها لهم دون غيرهم أيضا.

ولوقارنا ما جأت به السير وما نطق به الرسول صلى الله عليه وآله من مدح فلان وفلان لعلمنا من مدح واقعا ممن لم يمدحه إلا أن الوضاع قد وضعوه لاجل السلطة والمال والحقد والحسد.

ولنبتعد قليلا عن الاستدلالات العميقة، والتي ربما يتشعب منها شعب بعد شعب.

ونكمل الاستدلال بطريقة بسيطة يفهمها حتى البسيط من الناس.

فنقول: إن أهل البيت عليهم السلام لهم منزلة خاصة وواضحة عند كل مسلم لا يشك فيها أحد - ولنترك تفصيل أن المقصود، منهم ما يعم الازواج أم لا - حتى أن الباري خاطب نبيه صلى الله عليه وآله قائلا له.

(قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) (1).

فإذا مودة القربى واضح وجوبها.

ولو نوقش في ذلك، فإننا نتوجه بآية اخرى.

(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (2).

فهذه تبين معان في الانتقأ والتطهير لم تذكر لغيرهم.

فهم أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله.

وهم الذين أوجب الله مودتهم.

وهم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

وهم الذين باهل بهم نصارى نجران ونزلت.

 

(1) الاية " 42 " سورة الشورى - 42 - .

(2) الاية " 33 " الاحزاب - 33 -.

 

[ 90 ]

(فقل تعالوا ندعوا أبنأنا وابنأكم ونسأنا ونسأكم وأنفسنا وانفسكم)(1).

وهم الذين..

وهم الذين..

فلا يمكن أن يتقدم عليهم أحد.

ولعل لرسوخ ذلك في أذهان المسلمين كان الترجيح للمهاجرين على الانصار يوم السقيفة لكونهم من قريش فهم أولى بالنبي صلى الله عليه وآله.

وفات الكل بإن بني هاشم أقرب من قريش له صلى الله عليه وآله.

وإن أهل البيت أقرب من بني هاشم.

وعلي عميدهم.

وبهذا رسخ عند الكل ولا أهل البيت عليهم السلام، وتعظيمهم، ووجوب حبهم (بل حبهم فرض من ضروريات الدين الاسلامي التي لا تقبل الجدل والشك، وقد اتفق عليه جميع المسلمين على اختلاف نحلهم وآرائهم).

(ولا يمكن أن نتصور أنه تعالى يفرض حب من يرتكب المعاصي، أو لا يطيعه حق طاعته فإنه ليس له قرابة مع أحد أو صداقه، وليس عنده الناس بالنسبة إليه إلا عبيدا مخلوقين على حد سوأ، وإنما أكرمهم عند الله اتقاهم.

فمن أوجب حبه على الناس كلهم لابد أن يكون إتقاهم وافضلهم جميعا، وإلا كان غيره أولى بذلك الحب، أو كان الله يفضل بعضا على بعض في وجوب الحب والولاية عبثا أو لهوا، بلا جهة استحقاق وكرامة ؟!)(2)، حاشا لله تعالى ذلك.

ثم نضيف بعد ذلك بمالا يمكن إنكاره أيضا: - هذه الصلاة المكتوبة التي هي واجبة على كل مسلم، يؤديها كل يوم خمس

 

(1) الاية " 61 " سورة ال عمران - 3 - .

(2) الشيخ محمد رضا المظفر / عقائد الامامية / ص 324 / ط.

 

[ 91 ]

مرات على الاقل بملاحظة أنه يصلى الصلاة اليومية الواجبة فقط وإلا لو كان يؤدي المستحبة كذلك فالعدد يكبر والامر يتسع - وجوب الصلاة على محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله مما لا يمكن إنكاره من أغلب المسلمين ان لم يكن كلهم، ولا تتم الصلاة بالاخلال بها.

ويقول الفخر الرازي في مفاتيح غيبه في تفسير آية (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) الدعأ للال منصب عظيم، ولذلك جعل خاتم التشهد، وهذا التعظيم لم يوجد في غير الال، وكل ذلك يدل على أن حب آل محمد واجب.

نقول: من تجب الصلاة عليه على كل مسلم في كل يوم تسع مرات على الاقل هل ميزانه عند الله تعالى - وهو اللطيف الخبير - مساو لمن قد لا تجب الصلاة عليه طول العمر ولو مرة واحدة ؟ ! كل هذه تساؤلات مشروعة، على كل مسلم أن يطرحها على نفسه ليعرف من الذي يكون حينذاك أحق بالاتباع ؟ ! ! فإن الاخرة اتية والله يبعث من في القبور فعلينا تهيئة الجواب والحجة وقد قال تعالى: (وقفوهم إنهم مسؤولون).

فمن هنا ومن غيره الكثير الكثير نعلم ويخترم بإن المقدم يجب أن يكون من الال انفسهم، ومنزلته عظيمة عند الله تعالى جدا، بحيث أوجب علينا ذلك كله له.

ولو تتبعنا السيرة النبوية بعين الانصاف والعدل، لا بعين الاهوأ ورؤية الابأ لرأينا كل ذلك واضحا، فهي تبين التفصيل بعد الاجمال، والتوضيح بعد الابهام.

وحتى القرآن الكريم لو ألقينا لباس التعصب لرأيناه يشخص ويعين لو تدبرنا آياته وأردنا اتباعه.

 

[ 92 ]

وإذا قارنت بعين الانصاف ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وآله.

تفصيلا، مع ما جاء به القرآن تلميحا وتأصيلا، مع ما حكم به العقل صريحا، لعلمت بان هذا الامر لا يخرج عن العرب دون الناس.

وعن قريش دون العرب.

وعن قريش دون العرب.

وعن بني هاشم دون قريش.

وعن أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله وسلم دون بني هاشم.

وعن علي بن أبي طالب عليه السلام بالخصوص، وعن أولاده المعروفين المذكورين دون غيرهم قطعا.

فإذا ورد هذا كله عن رسول الله صلى الله عليه وآله بعدم الضلالة باتباع القرآن الكريم وأهل البيت عليهم السلام وهم الحبل الممدود بين السمأ والارض، وإنهما لا يفترقان حتى يردا عليه الحوض.

وأخبر صلى الله عليه وآله بأن الدين قائم مادام هناك إثنا عشر خليفة كلهم من قريش فيقتضي أنهم من قريش ومن أهل البيت عليهم السلام بالخصوص.

وإذا تتبعنا واستقصينا لرأينا أنه يعينهم بما لا مزيد عليه، ويرفع بذلك اللبس عنهم (1).

وإذا دققنا كتب القوم، ولم يكن كلهم قد ذكر أو اشير إليه، فعلى أقل تقدير أن علي ابن أبي طالب عليه السلام قد ذكر فيها، والزهرأ البتول عليها السلام قد ذكرت والحسن والحسين عليهما السلام، وإذا ذكر واحد من ولد الحسين عليه

 

(1) من احب الاطلاع على عدد لا باس به من المصادر التى تذكر عددهم واسماءهم فعليه بكتاب السيد طالب الخرسان اللؤلوة البيضاء / في الفضيلة (27) / ص 185 - 186 - 187 / ط قم المقدسة:

 

[ 93 ]

السلام فهو، ولا يعنينا عدم الذكر، لان هذه الكتب أيضا روت أن الحجة والامام الذي سميلاها عدلا بعدما ملئت ظلما وجورا هو من نسل علي وفاطمة، إن لم تصرح بعض المصادر بكونه إبنا للحسن العسكري، فقد ذكر الكنجي الشافعي في كتاب (المناقب) أن العسكري عليه السلام خلف ابنه وهو الامام المنتظر، وقال ابو المظفر ابن الجوزي في (الخصائص): وقد ذكرنا وفاة الحسن بن علي عليهما السلام وأنها سنة ستين ومائتين وذكرا ولادة منهم محمد الامام، ومثله رواه محمد بن طلحة الشافعي خطيب دمشق) (1).. (2).

وقد اتعب القوم أنفسهم في توجيه هذه (الاثني عشر) فلم يأتوا العقلاء بامر

 

(1) اللؤلؤة البيضاء في فضائل فاطمة الزهراء السيد طالب الخرسان / ص 160 / ط قم المقدسة .

(2) وقد " ذكر منهم مؤلف (كشف الاستار) العلامة النوري اربعين عالما من مشاهير اعلامهم واستدرك عليه مؤلف والشيعة والرجعه " العلامة الطبسي ما يزيد على عشرين عالما وللباحث مجال واسع وطريق رحب للعثور على اضعاف ذلك العدد من علمائهم الذين قالوا بمقالة الشيعة في الامام عليه السلام والى القارى الكريم جملة منهم تأكيدا للباحث وتتميما للفصل وهم 1 - محمد بن طلحه الشافعي في كتابه (مطالب المسؤل) 2 - محمد بن يوسف الكنجى في كتاب (البيان في اخبار صاحب الزمان) 3 - ابن الصباغ المالكي في كتابه (الفصول المهمة) 4 - سبط ابن الجوزى في كتابه (تذكرة خواص الامة) 5 - محي الدين بن عربي في كتابه (الفتوحات) 6 - عبد الوهاب الشعرانى في كتابه (اليواقيت) 7 - ابن محمود البخاري في (فصل الخطاب) 8 - محمد بن ابي الغوارس في (الاربعين) 9 - البلخي في (ينابيع المودة) 10 - محمد بن الصبان في (اسعاف الراغبين) 11 - أبو المعالى سراج الدين الرفاعي في (صحاح الاخبار) 12 - البيهقى الشافعي في (شعب الايمان).

 

[ 94 ]

مفيد أصلا (1).

فإذا كان العقل يرجح التعيين.

والأنبياء السابقون لهم أوصياؤهم.

والظروف تستدعي التعيين.

والخلفأ الاثنا عشر من قريش لا هوية لهم في توجيهات القوم أصلا (2).

والقرآن الكريم والعقل يميلان لعصمة من يملا فراغ النبي صلى الله عليه وآله.

إن لم يكن ظاهرا منهما ذلك.

ويوجد قوم يدعون أنهم إتباع إثني عشر إماما، ويذكرون أسمأهم، فإذا بأولهم قد ذكره الرسول صلى الله عليه وآله في أكثر من مواطن بما ظاهره التقديم أن لم يكن نص منه.

ويذكر إمامة إثنين منهما تصريحا (إبناي هذان إمامان قاما أو قعدا) (3).

ويصرف الكل بهذا. ويذكر آخرهم أيضا وينعته بالامامة. وواحدهم ولد الثاني إلا الحسن والحسين عليهما السلام. فهم من قريش.

 

(1) لقد تعرض لهذا التوجيه عدة كتب منها تفسير ابن كثير ج 2 / ص 34 عند تفسير اية " ولقد اخذ الله ميثاق بنى اسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا.. " من سورة المائدة، السلوك لمعرفة دول الملوك المقريزى ج 1 / ص 13 - 15 من القسم الاول .

(2) راجع بهذا الصدد ينابيع المودة للقندوزى الحنفي الباب (77) عند تحقيق هذا الحديث ص 105 / ج 3 لترى انه لا يمكن حمله لما حملوه كما وضح ذلك هناك بلا زيادة توضيح (3) اجمع عليه اهل القبلة، كما قال ابن شهر اشوب في مناقبه ذلك / ص 22 محمد رضا شمس الدين العاملي / المصلح المنتظر في الاسلام / اصدار مكتبه نينوي / ص 62.

 

[ 95 ]

وهم من أهل البيت. وهم إثنا عشر كنقبأ بني إسرائيل (1).

وهم يدعون العصمة، ويدعيها اتباعهم لهم.

وهم علمأ، ابرار، أتقيأ، ليس فيهم مغمز ولا مهمز وحاشاهم من ذلك.

وهم بهذه الكيفية والمواصفات والشروط التي يحكم بها القرآن، ويرشدنا إليها القرآن الكريم، ويشير إليها أن لم يصرح بها رسول الله صلى الله عليه وآله، وينطق بها العقل.

إلا يجعل ذلك كله الاطمئنان في نفوسنا بانهم هم المقصودون، وعلينا أن نأخذ معالم ديننا منهم ؟ ! ! ! فضلا عن ورود نصوص كثيرة عن طرق متبعيهم في نص الواحد على الاخر، وتروي بعضها المعاجز والكرامات الدالة على قربهم من الله سبحانه، وتدل بذلك على إمامتهم وربما نقل التاريخ بعضها.

فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟ ! ! فأين يريد الذاهب أن يذهب.

واين يريد السالك أن يسلك.

وأين يريد القاصد أن يقصد.

لابد أن ينتهي إلى الله...

والله أراد ذلك (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهير) فلذا والله العظيم يعتريني العجب عندما أقرأ القرآن الكريم واتدبر، وأقرأ

 

(1) بل ان لكل نبى اثنى عشر وصيا وقد استقصاهم المسعودي في كتابه (اثبات الوصية) وذكرهم مع بعض تراجمهم، وقد ذكر كذلك الائمة الاثنى عشر وذكر تراجمهم، فراجع.

 

[ 96 ]

السنة الشريفة واتمعن بها، واستقرأ التاريخ متفحصا..

يأخذني العجب من أن هناك قوما من العلمأ يذهبون لغير هذا وهم من حملة العلم، ويفهمون الكلام العربي جيدا..

وها هو القرآن قد لمح ووضح، واستطيع أن أقول بكل جرأة أنه نوه باسم علي عدة مرات بأبلغ من التصريح واثبت..

ولكي لا يكون القرآن العظيم بمعرض خطر من تغيير الاسم، كما فعلوا في ماروي عن الرسول صلى الله عليه وآله،.

إلا أن العالم لو تفكر لرأى زيفها بما أتاه الله تعالى من العلم الذي هو حجة عليه يوم القيامة إن لم يتبع ما أنزل الله سبحانه..

وقال: حسبنا كتاب الله...

وأخذ يؤل برأيه ويبين على هواه مخالفا لامر مولاه..

قد باع الاخرة بالاولى..

فتربت يداه..

ولعن بما قال..

وبئس ما اشتروا به أنفسهم..

والله المستعان..