قصة إبلاغ سورة براءة :

أقول:

إنّه لم يذكر إلاّ قضية إبلاغ سورة براءة، وقضية الصلاة، ومعنى ذلك أنه

____________

(1) فيض القدير 4 | 421.

(2) صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمة بن النبي.

(3) المستدرك 3 | 154، مسند أحمد 4 | 322.

(4) صحيح البخاري باب مناقب قرابة رسول الله.

(5) مسند أحمد 4 | 332، المستدرك 3 | 158.

(6) صحيح مسلم باب فضائل فاطمة من فضائل الصحابة.

--------------------------------------------------------------------------------

( 69 )

إذا تبيّن واقع الحال في القضيتين فهو مضطرّ إلى التلسيم بأنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يؤلّه شيئاً ... فنقول:

أمّا قضيّة إبلاغ سورة براءة:

فيقول القوم إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بعث أبابكر إلى مكة أميراً للحاج، وأمره أن يقرأ الآيات من سورة البراءة على المشركين في الموسم، فلمّا خرج أبوبكر بدا لرسول الله في أمر تبليغ الآيات، فبعث علياً لتبليغها، وبقيت أمارة الحج لأبي بكر، فيكون قد ولاّه صلّى الله عليه وآله وسلّم شيئاً من الأمور في حياته ...

قالوا: وإنما أتبع النبي علياً أبابكر ليأخذ منه الآيات فيبلّغها، لأنّ الآيات كانت مشتملة على نبذ العهود التي كان بينه صلّى الله عليه وآله وسلّم وبين المشركين، ومن عادة العرب في أخذ العهود ونبذها أن يتولاّه الرجل بنفسه أو أحد من بني عمه.

فكلامهم يشتمل على أمور ثلاثة:

الأول: الإقرار بأن علياً عليه السلام هو الذي أبلغ الآيات بعد أن كان المأمور بتبليغها أبوبكر.

والثاني: دعوى أنّ أبابكر دخل مكة وكانت إمارة الحاج في تلك السنة معه.

والثالث: السبب في تبليغ علي الآيات دون أبي بكر.

فنقول:

من الأفضل أن نذكر أولاً نصوصاً من الخبر عن عدة من الكتب المعتبرة عند القوم حتى تتضح حقيقة الحال، ويتبين أن أصحابنا لا يتكلّمون إلاّ إستناداً إلى أخبارهم:

1 ـ أخرج أحمد بإسناده عن أبي بكر: « إنّ النبي بعثه ببراءة لأهل مكة، لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ولا يدخل الجنّة إلاّ نفس مسلمة، من كان بينه وبين رسول الله عهد فأجله إلى مدّته والله بريء من المشركين

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 70 )

ورسوله. قال: فسار بها ثلاثاً ثم قال لعلي: إلحقه فردً عليّ أبابكر وبلّغها أنت. ففعل، فلمّا قدم على النبي أبوبكر بكى قال: يا رسول الله حدث فيّ شيء؟ قال: ما حدث فيك إلاّ خير، ولكن أمرت أن لا يبلّغه إلاّ أنا أو رجل مني » (1).

2 ـ أخرج أحمد بإسناده عن علي عليه السلام قال: « لمّا نزلت عشر آيات من سورة براءة على النبي، دعا النبي أبابكر فبعثه بها، ثم دعاني النبي فقال لي: أدرك أبابكر فحيثما لحقته فخذ الكتاب منه فاذهب به إلى مكة فاقرأه عليهم، فلحقته بالجحفة فأخذت الكتاب منه ورجع أبوبكر إلى النبي فقال: يا رسول الله نزل فيّ شيء؟ قال: لا ولكن جبرئيل جاءني فقال: لن يؤدي عنك إلاّ أنت أو رجل منك » (2).

3 ـ أخرج أحمد بإسناده عن النبي: « إن رسول الله بعث ببراءة مع أبي بكر إلى أهل مكة. قال: ثم دعاه فبعث بها علياً » (3).

4 ـ أخرج الترمذي عن زيد بن يثبع قال: « سألنا علياً بأي شيء بعثت في الحجة؟ قال: بعثت بأربع: أن لا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي عهد فهو إلى مدّته، ومن لم يكن له عهد فأجله إلى أربعة أشهر، ولا يدخل الجنّة إلاّ نفس مؤمنة، ولا يجتمع المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا » (4).

5 ـ أخرج الحاكم بأسناده عن ابن عمر في حديث قال: « ان رسول الله بعث أبابكر وعمر ببراءة إلى أهل مكة. فانطلقا فاذا هما براكب، فقال: من هذا؟ قال: أنا علي يا أبابكر، هات الكتاب الذي معك، فأخذ علي الكتاب فذهب به

____________

(1) مسند أحمد 2 |1.

(2) مسند أحمد 1 | 151، الخصائص: 20، المستدرك 2 | 51، تفسير ابن كثير 2 | 333، الدر المنثور 3 | 209.

(3) مسند أحمد 3 | 283، وكذا الحديث عن أنس عند الترمذي تفسير سورة التوبة، الخصائص: 20، البداية والنهاية 5 | 38، إرشاد الساري 7 | 136 روح المعاني 3 | 268.

(4) صحيح الترمذي تفسير سورة التوبة.

--------------------------------------------------------------------------------

( 71 )

ورجع أبوبكر وعمر إلى المدينة فقالا: ما لنا يا رسول الله؟ قال: ما لكما إلاّ خير، ولكن قيل لي: لا يبلّغ عنك إلاّ أنت أو رجل منك (1).

فنقول:

أمّا الإقرار ببعث أمير المؤمنين خلف أبي بكر وأخذه الآيات منه ... فلم يكن لهم مناص منه ...

وأمّا الدعوى بأنّ النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أمر أبابكر على الحجيج ولم يعزله عمّا ولاّه فليس لها شاهد في الأحاديث المذكورة ونحوها، بل كلّ ما هنالك أنه بعثه « ببراءة لأهل مكة » ثمّ بيّن البراءة في الحديث الأول بقوله: « بعثه ببراءة لأهل مكة: لا يحجّ ... » ويفيد الحديث الثاني أنّ هذه الأمور هي مفاد « عشر آيات في سورة براءة » ... وذلك ما أخذه منه علي عليه السلام وبلّغه ... كما هو مفاد الأحاديث الأول والثاني والرّابع ... فأبن إمارة الحج؟

ثم إنّ هذه الأحاديث وغيرها صريحة في أنّ علياً لحق أبابكر ـ أو هو وعمر ـ في الطريق، وردّ أبابكر من حيث أدركه، وفي بعضها أنه لحقه « بالجحفة ... ورجع أبوبكر إلى المدينة ... » فأين أمارة الحج؟

إنه لم يكن في الواقع إلاذ أنه صلّى الله عليه و آله وسلّم بعث أبابكر بإبلاغ أهل مكة: « أن لا يطوف بالبيت عريان ...» وهي مفاد الآيات من سورة البراءة، ثم أمر علياً عليه السلام أن يدركه في بعض الطريق فياخذ منه الكتاب ويبلّغه أهل مكة بنفسه ويرجع أبوبكر إلى المدينة ...

أمّا أن السبب في ذلك ... فليس في الأحاديث إلاّ أن النبي صلّى الله عليه وآلو وسلّم نزل عليه جبرائيل فقال: « لن يؤدي عنك إلاّ أنت أو رجل منك » كما هو نص الحديث الثاني الثاني وغيره .. فقولهم: « لأنّ عادة العرب ... » لا دليل عليه، بل في الأحاديث قرائن عديدة على أن السبب ليس ما ذكروه، ومنها:

____________

(1) المستدرك 3 | 51.

--------------------------------------------------------------------------------

( 72 )

أولاً: إنّه لو كان عادة العرب في ذلك ما ذكر فلماذا خالفها النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بإرسال أبي بكر؟ أكان جاهلاً بتلك العادة أم كان عالماً بها فخالفها عمداً تساهلاً بتنفيذ حكم الله عزّ وجلّ؟

وثانياً: لو كان السبب ذلك، فلماذا جاء أبوبكر يبكي مخالفة أن يكون قد نزل فيه شيء؟ أكان جاهلاً بتلك العادة أن ماذا؟

فتلخص: إنه لم يكن بعث أبي بكر لإمارة الحج، وإنما لإبلاغ البراءة، والنبي أرسل علياً عليه السلام خلفه بأمر من الله، ليأخذ ذلك منه، فيكون قائماً مقام النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في أداء تلك الوظيفة ... فيظهر أنّه الصالح لذلك ...

ولذا كانت هذا القضية خصيصة من خصائصه الدالة على إمامته وخلافته، وعن بعض أكابر الصحابة أنّهم كانوا يتمنّون أن تكون لهم هذه المنقبة العظيمة والخصيصة الرفيعة، فهذا سعد بن أبي وقاص ... قال الحارث بن مالك: « خرجت إلى مكة فلقيت سعد بن مالك فقلت له: هل سمعت لعلي منقبة؟ قال: شهدت له أربعاً لئن يكون لي إحداهنّ أحبّ إلي من الدنيا، أعمّر فيها ما عمّر نوح: إنّ رسول الله بعث أبابكر ببراءة من مشركي قريش فسار بها يوماً وليلة ثم قال لعلي: إلحق أبابكر فخذها منه فبلّغها وردّ عليّ أبابكر، فرجع أبوبكر فقال: يا رسول الله هل نزل فيّ شيء؟ ... » (1).

ويظهر أيضاً: أنّ أبابكر غير صالح للقيام مقام النبي في ذلك، ومن لم يصلح للقيام مقامه لأداء آيات كيف يصلح للقيام مقامه في الرياسة العامة الإلهية ...

____________

(1) كنز العمال: 2 | 417.

--------------------------------------------------------------------------------

( 73 )

صلاة أبي بكر في مرض النبي :

وأمّا قضية الصّلاة بالناس وأنه صلّى الله عليه وآله وسلّم « أمره بالصلاة بالناس في مرضه الذي توفي فيه » وأنّ « قولهم عزله عن الصلاة كذب وما نقلوه فيه مختلق ... » فكأنها أقوى أدلة الكتاب على المدعى، ولذا أطنب الشارح في هذا المقام ...

لكن الحق الواقع الذي يتوصل إليه المحقّق النقّلب:

أولاً: إنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يأمره بالصلاة.

وثانياً: إنّه لمّا علم بخروجه إلى الصلاة في موضعه خرج معتمداً على أمير المؤمنين ورجل آخر، وصلّى تلك الصلاة بنفسه.

وثالثاً: إنّ النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يقتد بأحدٍ أبداً.

ورابعاً: إنه على فرض كلّ ذلك فقد أمر صلّى الله عليه وآله وسلّم غير أبي بكر بالصّلاة بالناس في مواضع عديدة، ولم يكن ذلك دليلاً علي شيء.

وبيان ذلك بإيجاز هو: إنهم وإن رووا عن عائشة وعدّة من الصحابة أن رسول الله عليه وآله وسلّم بأن يصلي أبوبكر بالنّاس في مرضه. لكن أسانيد تلك الأخبار كلّها ساقطة بضعف رجالها، على أنها جمعاً تنتهي إلى عائشة، وهي في مثل هذا الأمر ـ لكونها بنت أبي بكر ومناوئةً لعلي عليه السلام ـ متهمة، فلا يعتمد على خبرها هذا.

هذا من حيث السند.

وأمّا من حيث الدلالة فإنها وإن اشتملت على أمره صلّى الله عليه وآله وسلّم أبابكر بالصلاة في موضعه لكنها جميعاً مشتملة على خروجه إلى المحراب وصلاته بالناس بنفسه الشريفة (1).

____________

(1) لاحظ البخاري بشرح ابن حجر 2 | 132، 137، 162، مسلم بشرح النووي ـ هامش إرشاد الساري 3 | 54، 61.

--------------------------------------------------------------------------------

( 74 )

فهذا ما جاء في نفس تلك ألاخبار المخرجة في الصحاح وغيرها المستدل بها على أمره أبابكر بالصّلاة بالناس، وليست أخباراً أخرى، وخروجه للصّلاة بنفسه ـ بعد أمره أبابكر بالصلاة ـ عزل له عن ذلك.

فمن قال بأنه « عزله عن الصلاة » فإنما أراد هذا المعنى، ولم يرد ورود حديث في مصادر أهل السنة مشتمل على لفظ العزل حتى يقال بأن هذا القول كذب « وما نقلوه فيه مختلق » !

هذا ولم يتعرض الماتن إلى دعوى صلاة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم خلف أبي بكر، ولعله لعدم ورود شيء يفيد ذلك في شيء من الصحاح والسنن، ومن المعلوم أن مجرد صلاة أحد في مكان النبي لا يدل على استحقاقه للخلافة من بعده، وإلاّ لزم استحقاق كلّ من أمره صلّى الله عليه وآله وسلّم بذلك من الصحابة، حتى ابن أم مكتوم الأعمى، فاستدلاله باطل على فرض ثبوت أصل الخبر.

أمّا الشّارح فكأنّه إلتفت ـ كغيره ـ إلى سقوط هذا الإستدلال فأضاف دعوى أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم خرج إلى المسجد وصلّى خلف أبي بكر، وزعم أن ما روى البخاري مما دلّ على عزله عن المحراب « فهو إنما كان في وقت آخر ».

لكنّ مستند هذه الدعوى بعض الأخبار الضعيفة التي أعرض عنها البخاري ومسلم وكبار أئمة الحديث، وممّن نصّ على عدم الاعتداد بهذه الأخبار وسقوطها عن الإعتبار الحافظ ابن الجوزي والحافظ ابن عبد البر والحافظ النووي (1) وأما الجمع بين هذه الأخبار وما دلّ في الصحاح على عزله بتعدد الواقعة فهو:

أولاً: فرع على صحة هذه الأخبار المزعومة.

____________

(1) لاحظ: فتح الباري 2 | 120، عمدة القاري 5 | 191، المنهاج في شرح مسلم 3 | 52.

--------------------------------------------------------------------------------

( 75 )

وثانياً: على تكرار صلاة أبي بكر بالناس حتى يكون في مرةٍ إماماً للنبي وفي أخرى مأموماً له، لكن الذي عليه الأئمة أنّ صلاته بالناس لم تكن إلاّ مرةً واحدة، وهي التي حضر فيها النبي فكان الإمام (1).

ثم إنه يؤكد كذب أصل خبر أمر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: كون أبي بكر في ذلك الوقت في جيش أسامة في خارج المدينة (2) الذي لعن من تخلف عنه (3) فإنه صلّى الله عليه وآله وسلّم لا يعود ـ والحال هذه ـ فيأمره بالصلاة بالناس.

وأيضاً فالنبّي كان ملتزماً بالحضور للصلاة بنفسه، فقد صلّى بالناس في مرضه الأخير إلاّ في الصلاة الأخيرة من عمره الشريف حيث اشتد حاله فلم يحضر (4)، وهذه هي التي خرج إليها معتمداً على رجلين أحدهما علي عليه السلام (5)، فصلّى تلك الصلاة أيضاً بنفسه، لأنّه لم يكن قد أمره بذلك.

والذي يؤكّد كذب ما روي من صلاة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم خلفه أنّ الله تعالى قد نهى المؤمنين عن المتقدّم على رسول الله حيث قال: (يا أيّها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) (6)، وقد استدل بهذه الآية وأدلة أخرى مالك بن أنس وأتباعه وجماعة آخرون فذهبوا إلى أنه لا يصح التقدّم بين يديه لا في الصّلاة ولا في غيرها، ولا لعذر ولا لغيره (7).

هذا موجز الكلام على هذه القضية، ولنا فيها رسالة مستقلة *.

قوله (357).

____________

(1) لاحظ: فتح الباري 2 | 138.

(2) لاحظ: فتح الباري 8 | 124.

(3) الملل والنحل 1 | 29 وهو في الكتاب عن الآمدي 8 | 376.

(4) صحيح البخاري بشرح ابن حجر 3 | 137، صحيح مسلم بشرح النووي 3 | 54.

(5) فتح الباري 2 | 123 وغيره.

(6) سورة الحجرات: 2.

(7) لاحظ: نيل الأوطار 3 | 195، السيرة الحلبية 3 | 365، فتح الباري 3 | 139 .

* لاحظ الرّسالة في هذه المجموعة.

--------------------------------------------------------------------------------

( 76 )

( الثالث من تلك الوجوه: شرط الامام أن يكون أعلم الأمة بل عالماً بجميع الأحكام كما مر، ولم يكن أبو بكر كذلك ... قلنا: الأصل ممنوع ...) .

 

جهل ابي بكر :

أقول:

كيف يمنع اشتراط كون الامام أعلم الأمة، وقد دلّت عليه آيات الكتاب والسنة العتبرة ونصّ عليه كبار العلماء، بل هو مذهب أكثر أهل السنة؟

قال التفتازاني في (شرح المقاصد): « ذهب معظم أهل السنة وكثير من الفرق إلى أنّه يتعيّن للامامة أفضل أهل العصر، وقد طابق الكتاب والسنة والإجماع على أنّ الفضل بالعلم والتقوى.

قال الله تعالى: (ان أكرمكم عند الله أتقاكم).

وقال: (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون).

وقال الله تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات).

وقال القاضي البيضاوي بتفسير: (إنّي جاعل في الأرض خليفة ...):

إعلم أنّ هذه الآيات تدل على شرف الإنسان زمزية العلم وفضله على العبادة، وأنه شرط في الخلافة، بل العمدة فيها (1).

أقول:

ومن أوضح آيات الكتاب دلالة في هذا الباب قوله عزّ وجلّ: (أفمن يهدي إلى الحق أحق ان يتبع أمن لا يهدّي الا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون) (2). فإنّه

____________

(1) تفسير البيضاوي: 25.

(2) سورة يونس: 35.

--------------------------------------------------------------------------------

( 77 )

إشارة إلى أمر عقلي مركوز في أذهان العقلاء، وهو في نفس الوقت دليل آخر على اعتبار العصمة في الشخص المتصدي أم هداية الخلق إلى الحق.

وعلى هذا الغرار جاءت الأحاديث النبوية المتفق عليها، يكفي منها ما أخرجه مسلم وغيره عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه قال: « من استعمل عاملاً من المسلمين وهو يعلم أن فيهم أولى بذلك منه وأعلم بكتاب الله وسنّة نبيّه فقد خان الله ورسوله وجميع المسلمين ».

وأمّا أن أبابكر لم يكن كذلك فهذا ما لا خلاف فيه لأحد، وتدل عليه كتب السير والتاريخ، وابوبكر نفسه معترف به ...

لكن عليّاً عليه السلام ادعى الأعلمية ـ وهو الصادق المصدق ـ واعترف له بذلك كبار الصحابة، ورجوعهم اليه في المعضلات والمشكلات، واعترافهم أمامه بالجهل، مشهور ... فيكون هو الامام .

 

احراق أبي بكر فجاءة :

قوله (357):

(لأنه أحرق فجاءة المازني بالنار وكان يقول أنا مسلم).

فأجاب بقوله: (إحراق فجاءة إنما كان باجتهاده، وعدم قبول توبته لأنّه زنديق، ولا تقبل توبة الزنديق في الأصح).

أقول:

ظاهر قوله: « لأنه ... » أنّ ما يذكره أصحابنا من المطاعن في هذا الباب ينحصر بهذه الموارد الثلاثة التي ذكرها، والحال أنه ليس كذلك ... ففي التجريد مثلاً: « ولم يكن عارفاً بالأحكام، حتى قطع يسار سارقه، وأحرق بالنار فجاءة السلمي، ولم يعرف الكلالة، ولا ميراث الجدة، واضطراب في أحكامه، ولم يحد خالداً ولا اقتص منه » (1).

____________

(1) التجريد وشرحه: 296.

--------------------------------------------------------------------------------

( 78 )

أمّا إحراق فجاءة .. فقد اضطربت الكلمات في توجيهه فمنهم من أجاب كما في الكتاب، وتبعه صاحب (الصواعق) بقوله: « وإذا ثبت أنّه مجتهد فلا عتب عليه في التحريق، لأن ذلك الرجل كان زنديقاً، وفي قبول توبته خلاف، وأما النهي عن النهي عن التحريق فيحتمل أنه لم يبلغه وتأوّله على غير نحو الزنديق » (1).

لكن لا تعرض في الكتاب لنهي النبي صلّى الله عليه وآله عن الإحراق، كما في صحيح البخاري (2) أما في (الصواعق) فقد نبّه على أن اجتهاد أبي بكر مخالف للنص فأجاب باحتمال أنه « له يبلغه » لكن هذا قدح في أبي بكر فاستدركه بأنّه يحتمل أنه بلغه لكن « تأوّله ».

ثم إنّ هذا كلّه مبني على أن يكون الرجل زنديقاً، لكنه لم يكن زنديقاً، وكان يقول: « أنا مسلم » كما ذكر في الكتاب، بل قيل إنه كان يلهج بالشهادتين حتى احترق وصار فحمةً، وغاية ما هناك أنّه قطع الطرق ونهب أموال المسلمين كما ذكر المؤرخون كالطبري، ومثله لا يكون زنديقاً ...

ولذا عدل بعض المعتزلة المدافعين عن أبي بكر كابن أبي الحديد إلى التوجيه بأسلوب آخر فقال: « والجواب: إن الفجاءة جاء إلى أبي بكر ـ كما ذكر أصحاب التواريخ ـ فطلب منه سلاحاً يتقوى به على الجهاد في أهل الردة، فأعطاه، فلما خرج قطع الطرق ونهب أموال المسلمين وأهل الردة جميعاً وقتل كل من وجد ـ كما فعلت الخوارج حيث خرجت ـ فلمّا ظفر به أبوبكر حرٌقه بالنار إرهاباً لأمثاله من أهل الفساد ونحوه، وللإمام أن يخص النصّ العام بالقياس الجلي عندنا ».

فتراه لم يدع زندقة الرجل، بل ذكر له توجيهاً ثبت في محلّة بطلانه جداً ...

وحيث رأى بعض المتكلّمين الأشاعرة سقوط هذا التوجيه كغيره اضطر إلى أن يقول:

____________

(1) الصواعق المحرقة: 32.

(2) صحيح البخاري 6 | 113 بشرح ابن حجر.

--------------------------------------------------------------------------------

( 79 )

« أحراقه فجاءة السلمي بالنار من غلطه في اجتهاده، فكم مثله للمجتهدين » (1).

لكن الإعتراف بغلط أبي بكر في الإجتهاد لا يبرء ساحته، ولا يكون له عذراً يوم القيامة، مع وجود النص الصّريح الصّحيح في حرمة التحريق بالنار، فهو قادح في عدالة أبي بكر وخلافته، ولذا اضطّر بعضهم كالشيخ عبدالعزيز الدهلوي في كتابه (التحفة الاثنا عشرية) (2) إلى إنكار أصل القضيّة، ودعوى أنها من افتراءات الشيعة. فإنكار أصل القضيّة يشهد بأن لا توجيه صحيح له، لكن الإنكار لا يجدي فالقضية من المسلّمات، والمصادر الناقلة لها كثيرة معتبرة، وإلاّ لم احتاج الآخرون إلى تلك التوجيهات الفاسدة الباردة ...

وفوق ذلك كلّه ... كلام أبي بكر في آخر حياته ... الدالّ على ثبوت القضيّة وسقوط كلّ التوجيهات: « وددت أني لم أكن حرّقت الفجاءة السلمي ... » .

 

قطع يسار السارق !

قوله (357):

( وأمّا قطع البيسار فلعلّه من غلط الجلاّد، أو رآه في المرة الثالثة من السرقة، وهو رأي الأكثر من العلماء).

أقول:

في هذه العبارة اعترف بأمرين أحدهما: وقوع أصل القضية. والآخر: كون العمل خلاف الشرح، وهل يكفي في الدفاع أن يقال: « ليت » و « لعلّ » ؟!

أمّا قوله: « فلعلّه من غلط الجلاّد » فاحتمال سخيف لا يصغى إليه ...

____________

(1) شرح التجريد للقوشجي: 379.

(2) التحفة الإثنا عشرية: 283.

--------------------------------------------------------------------------------

( 80 )

وكذلك إحتمال أنّه « رآه في المراة الثالثة من السرقة وهو رأي الاكثر من العلماء لعدم الدليل على هذا الإحتمال، على فرضه فلا فائدة في موافقة أكثر العلماء، لأنّ الذي يعترض على أبي بكر لا يعتني بموافقة الأكثر له لو كان؟

ومن هنا كان هذا الموضع من المواضع التي اضطراب فيها القوم فذكروا توجيهاتٍ كلّها احتمالات عارية عن الدليل (1) ...

فكان الأولى لهم الإعراض عن هذه التوجيهات بعد الإعتراف بأن ما وقع خلاف الشرع، ولذا قال بعض محقّقيهم: « وقد قطع يسار السارق وهو خلاف الشرع، والظاهر أن القضاء بغير علمٍ ذنب، وما كان هو معصوماً » (2) .

 

الجهل بميراث الجدّة :

قوله (357):

( ووقوفه في مسألة الجدّة ورجوعه إلى الصحابة في ذلك، لأنّه غير بدع من المجتهد البحث عن مدارك الأحكام).

أقول:

قد روى خبر جهله بهذه المسألة أكابر محدّثيهم مثل مالك بن أنس في الموطأ 1| 335 وأبي داود في السنن 2| 17 وإبن ماجة في السنن 3 | 163 وأحمد في المسند 4 | 224 ... واعترف بذلك كبار علمائهم في العقائد والكلام كما في الكتاب ...

ولا يخفى أن غرض المستدلّ هو ذكر بعض الموارد المثبتة لجهل الرجل بأحكام الشريعة الإسلامية ...

ومن الطريف أنّه قد وجد العلم بذلك عند المغيرة بن شعبة، واضطر إلى الأخذ بقول هذا الفاسق اللّعين !!

____________

(1) انظر الصواعق المحرقة: 33.

(2) تعليقة على شرح الخطابي للعقائد النسفية، لإسماعيل القرماني المعروف بقرّه كمال المتوفى سنة 920 ترجمته في معجم المؤلّفين 2 | 287.

قوله (357):

( الرابع من الوجوه النافية لصلوحه للإمامة: عمر مع أنه حميمه وناصره وله العهد من قبله قد ذمّه، حيث شفع إليه عبدالرحمن بن أبي بكر في الحطيئة الشاعر فقال: دويبة سوء وهو خير من أبيه ... قلنا: نسبه الذمّ اليه من الأكاذيب الباردة ...) .

 

كلام عمر في ذم أبي بكر :

أقول:

هذا الخبر رواه الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي البغدادي المتوفى سنة 436 باسناده في كتاب (الشافي في الإمامة) (1) الذي ألّفه ردّاً على كتاب (المغني في الإمامة) للقاضي عبدالجبار بن أحمد المعتزلي ... ومن المقطوع به أنّ الشريف المرتضى هذا الرجل العظيم الجامع بين العلوم النقلية والعقليّة والمرجوع إليه فيها لا يروي ـ لا سيّما في كتابٍ وضعه لإثبات الحق ودحض أقاويل المخالفين ـ إلاّ الأخبار الثابتة الواصلة إليه بطرقٍ معتبرة ...

قوله (358):

( وإنكار عدم قتل خالد أي عدم قتله من إنكار المجتهدين بعضهم على بعض فيما أدّ إليه أجتهادهم ...).

 

قضيّة خالد مع مالك بن نويرة :

أقول:

هذا من جملة مطاعن أبي بكر العظيمة التي لا يجد الباحث عنها جواباً بعد الإلمام بمجمل الواقعة ... سواء كان عمر موافقاً لأبي بكر في موقفه أو كان مخالفاً له ومنكراً عليه، وإنما يستشهد بإنكار عمر عليه للدّلالة على فظاعة ما كان

____________

(1) الشافي 2 | 126.

--------------------------------------------------------------------------------

( 82 )

وشناعته ... وإنّ من غير الجائز شرعاً وعقلاً أن يتجاوز الإنسان هذه القضيّة ـ المشتملة على قتل المسلمين صبراً وسبي النساء المسلمات واستباحة الفروج والأموال، ثم تعطيل الحدود الإلهية، فيقول (357) مجيباً عن إنكار عمر: « وإنكار عدم قتل خالد من إنكار المجتهدين بعضهم على بعض فيما أدى إليه اجتهاهم، فإنه نقل: إنّ خالداً انما قتل مالكاً لأنّه ارتد، وردّ على قومه صدقاتهم لمّا بلغ وفاة رسول الله، وخاطب خالداً بأنّه مات صاحبك، فعلم خالد قصده إنّه ليس صاحباً له فتيقّن ردّته وأما تزوجه امرأته فلعلّها كانت مطلقة قد انقضت عدتها إلاّ أنها كانت محبوسة عنده ».

فنقول: لقد أطبق المؤرّخون على أن مالك بن نويرة قدم على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فيمن قدم من العرب، وأسلم وأسلم بنو يربوع بإسلامه، وولاّه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على صدقات قومه ثقةً به (1) وكان رجلاً سريّاً نبيلاً يردف الملوك ـ والمرادفة موضعان أحدهما: أن يردفه الملك على دابته في صيدٍ أو غيره من مواضع الانس، والموضع الثاني أنبل وهو: أن يخلف الملك إذا قام عن مجلس الحكم فينظر بين الناس بعده ـ وهو الذي يضرب به المثل فيقال: مرعى ولا كالسعدان وماء ولا كصدّاء وفتىً ولا كمالك، وكان فارساً، شاعراً، مطاعاً في قومه، وكان فيه خيلاء وتقدم، وكان ذا لمة كبيرة (2).

فمالك كان مسلماّ وعاملاً لرسول الله على صدقات قومه.

وبقي مالك مسلماً حتى آخر لحظة من حياته، روى المتقي عن إبن أبي عون وغيره: « ان خالد بن الوليد ادعى أن مالك بن نويرة ارتد بكلام بلغه عنه فأنكر مالك ذلك وقال: أنا على الإسلام ما غيّرت ولا بدّلت، وشهد له أبو قتادة وعبدالله ابن عمر، فقدّمه خالد وأمر ضرار بن الأزور الأسدي فضرب عنقه، وقبض خالد امرأته أم متمّم فتزوجها. فبلغ عمر بن الخطّاب قتله لمالك بن نويرة وتزوّجه امرأته

____________

(1) وفيات الأعيان 5 | 66، الإستيعاب 3 | 1362، الإصابة 3 | 357.

(2) وفيات الأعيان 5 | 66، وانظر الإصابة 3 | 357.

--------------------------------------------------------------------------------

( 83 )

فقال لأبي بكر: انه قد زنا فارجمه. فقال أبوبكر: ما كنت لأرجمه، تأويل فأخطأ. وقال: أنه قد قتل مسلماً فاقتله قال: ما كنت لأقتله، تأول فأخطأ قال: فاعزله. قال: ما كنت لأشيم سيفاً سله الله عليهم أبداً. إبن سعد » (1).

وقد روى الطبري بإسناده عن أبي قتادة كيفية قتله ببعض التفصيل قال:

« وكان ممن شهد لمالك بالإسلام أبو قتادة الحارث بن ربعي أخو سلمة، وقد كان عاهد الله ألاّ يشهد مع خالد حرباً أبدأ بعدها، وكان يحدّث أنهم لما غشوا القوم راعوهم تحت الليل فأخذ القوم السلاح، قال: فقلنا: إنا المسلمون. فقالوا: ونحن المسلمون. قلنا: فما بال السلاح معكم؟ قالوا لنا: فما بال السلاح معكم فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح. قال: فوضعوها ثم صلّينا وصلّوا. وكان خالد يعتذر في قتله أنه قال وهو يراجعه ما أخال صاحبكم إلاّ وقد كان يقول كذا وكذا. قال: أو ما تعدّه لك صاحباً؟ ثم قدّمه فضرب عنقه وأعناق أصحابه.

فلمّا بلغ قتلهم عمر بن الخطاب تكلّم فيه عند أبي بكر فأكثر فقال: عدوّ الله عدا امرئ مسلم فقتله ثم نزا على امرأته.

وأقبل خالد بن الوليد قافلاً حتى دخل المسجد وعليه قباء له عليه صداء الحديد معتجراً بعمامة له قد غرز في عمامته أسهماً، فلما دخل إليه وأتى إلى المسجد قام إليه عمر فانتزع الأسهم من رأسه فحطّمها ثم قال: إربأ، قتلت امرءً مسلماً ثم نزوت على أمرأته. والله لأرجمنّك بأحجارك، وخالد لا يكلّمه » (2).

وعلى الجملة فالمصادر متفقة على إسلام مالك ... وحينئذٍ فيتوجّه أوّلاً على أبي بكر تسييره خالداً ومن معه لقتال مالك بن نويرة وقومه ... فاضطرب القوم في الدفاع عن أبي بكر وتوجيه ما فعله خالد ...

أمّا في قتل مالك ... يقولون: إرتد عن الإسلام .. لكن كيف؟

____________

(1) كنز العمال للمتفي الهندي، وانظر تاريخ الطبري 242، وفيات الأعيان 5 | 66.

(2) تاريخ الطبري 3 | 343.

--------------------------------------------------------------------------------

( 84 )

فتارةً يقولون: بأنّه لم يؤدّ الزكاة إلى أبي بكرو فرّق ما كان بيده من الزكاة على قومه، لكنّهم يعلمون بأن مالكاً كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قد ولاّه على صدقات قومه، وأيّ حرجٍ عليه لو دفعها إلى الفقراء بمقتضى ولايته؟

قال ابن حجر: « وكان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم استعمله على صدقات قومه، فلمّا بلغه وفاة النبي أمسك عن الصدقة وفرّقها في قومه وقال في ذلك:

فقلت: خذوا أموالكم غـير خائف *** ولا نـاظـر فيما يجيء من الغـد

فإن قام بالدين المحقـق قـائــم *** أطعنا وقلنا الدين ديـن محمّد » (1)

بل إنّ ذلك كان هو المفروض عليه، إذ الزكاة لا تنقل من بلدٍ إلى آخر إلاً إذا لم يكن في ذلك البلد من هو مستحق لها ...

وهل عدم تسليم الزكاة إلى أبي بكر جرم يستوجب أن يرسل إليه من يقتله ويستبيح حريمه ويقع في قومه سبياً وتقتيلاً ؟!

وهل نزلت في جواز ذلك آية أو سمعوا من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فيه رواية؟

ليت أبابكر تذرّع في المسألة بحديث زعم أنّه سمعه من النبي، ولم يسمعه غيره !! ـ كما كان في قضيّة مع الزهراء !

لكن عمر يقول ـ فيما روى عنه أكابر الحفاظ ـ: « لئن أكون سألت النبي عن ثلاث أحب إليّ من حمر النعم: عن الخليفة بعده، وعن قومٍ قالوا: نقرّ بالزكاة من أموالنا ولا نؤدّيها إليك أيحل قتالهم؟ وعن الكلالة » (2).

وعلى الجملة فإنّ مالكاً لم يرتد ... وما في الكتاب وغيره من أنّه « ردّ على

____________

(1) الإصابة 3 | 357.

(2) الدر المنثور 2 | 249 عن جماعة من أعلام الحديث.

--------------------------------------------------------------------------------

( 85 )

قومه صدقاتهم لمّا بلغه وفاة رسول الله » تحريف ... بل الواقع ما عرفته.

وأخرى: يقولون بأنّه كان إذا ذكر النبّي قال: « صاحبكم » ... فقد جاء في الطبري عن أبي قتادة: « وكان خالد يعتذر في قتله أنه قال ـ وهو يراجعه ـ ما أخال صاحبكم إلاّ وقد كان يقول كذا وكذا، قال: أو ما تعدّه لك صاحباً ؟! فقدّمه خالد وأمر ضرار بن الأزور الأسدي فضرب عنقه » (1).

وفي الوفيات: « ... فقال مالك: قد كان صاحبك يقول ذلك. قال خالد. وما تراه لك صاحباً؟ والله لقد هممت أن أضرب عنقك. ثم تجاولا بالكلام طويلاً، فقال له خالد: إني قاتلك. قال: أو بذلك أمرك صاحبك؟ (2) قال: وهذه بعد تلك، والله لأقتلنّك » (3).

وفي الإصابة: « وكان خالد يقول إنه إنما أمر بقتل مالك لأنه كان إذا ذكر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: ما أخال صاحبكم إلاّ قال كذا وكذا، فقال له: أو ما تعدّه لك صاحباً » (4).

فنقول: أولاً: إنّا لم نر في المصادر الّتي بأيدينا قول مالك لخالد « مات صاحبك ».

وثانياً: إنه ليس التعبير كذلك عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إرتداداً عن الإسلام وقد قال مالك: « أنا على الإسلام ما غيّرت ولا بدّلت » (5) و « شهد له أبو قتادة وعبادالله بن عمر » (6) و « كانا حاضرين، فكلّما خالداً في أمره فكره كلامهما » (7) ثم ذلك الإعتراض الشديد من عمر ... ومطالبته بالقصاص ...

____________

(1) تاريخ الطبري 3 | 244.

(2) الظاهر أن مراده هذه المرة أبوبكر، فلا وجه لقول خالد « هذه بعد تلك ».

(3) وفيات الأعيان 5 | 66.

(4) الإصابة 3 | 357.

(5) كنز العمال وغيره.

(6) كنز العمال وغيره.

(7) وفيات الأعيان 5 | 66.

--------------------------------------------------------------------------------

( 86 )

لقد كان التعبير كذلك متعارفاً بينهم كما لا يخفى على من تتبّع أخبارهم ... ومن ذلك ما أخرجه البخاري عن أبي وائل قال: « جلست مع شيبة على الكرسي في الكعبة فقال: لقد جلس هذا المجلس عمر فقال: لقد هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلاّ قسّمته. قلت: إنّ صاحبيك لم يفعلاه. فقال: هما المرءان أقتدي بهما ».

وما رواه المتقي عن علي أنه قال لعثمان: « إنّ سرّك أن تلحق بصاحبيك فأقصر الأمل وكل دون الشّبع ... ».

إذن ليس هذا التعبير دليلاً على الإرتداد قطعاً عند الجميع ... ولذا اضطربت كلماتهم:

ففي الكتاب: « تيقّن ردّته » وفي الإستيعاب: « قتل خالد بن الوليد مالكاً يظن أنه ارتد، وأراه ـ والله أعلم ـ قتله خطأ » (1).

وفي المغني: « كان الأولى أن لا يستعجل وأن يكشف الأمر عن ردته حتى يتّضح » (2).

وكأنّ بعضهم ـ لمّا رأى أن لا فائدة له في ذلك ـ إلتجأ إلى إنكار أصل القضية فقال أحدهم: « وقد قيل إنّ خالداً لم يقتل مالكاً بل قتله بعض أصحابه خطأ لظنّه أنه ارتد » (3).

وقال آخر: « وقيل أيضاً: إنّ خالداً لم يقتل مالكاً وإنما قتله بعض قومه خطأ لأنّهم أسروا على ظن أنّهم ارتدّوا وكانت ليلةً باردة، فقال خالد: ادفنوا أساراكم أو لفظاً غيره معناه معنى أدفئوا، وكان ذلك اللفظ في لغة المخاطب بمعنى اقتلوهم، فظنّ ذلك الشخص أنه أمره بقتل الأسارى فقتل مالكاً » (4).

____________

(1) الإستيعاب 3 | 1362.

(2) المغني للقاضي عبدالجبار كما في الشافي.

(3) شرح القوشجي على التجريد 389.

(4) حاشية الكتاب 358.

--------------------------------------------------------------------------------

( 87 )

قلت: فانظر كيف يحاولون الدفاع عن أبي بكر وخالد، ومن المحتمل أنهم يريدون إلقاء الذنب على بعض أصحاب مالك نفسه، فتأمّل فإنّه غير بعيدٍ من هؤلاء القوم !!

هذا ... وأبوبكر كان يقول: « تأوّل فأخطأ » (1).

قلت: لماذا لم يستجب لطلب مالك بإرساله إلى أبي بكر ... قال ابن خلكان: « فقال مالك: يا خالد إبعثنا إلى أبي بكر فيكون هوالذي يحكم فينا، فقد بعثت إليه غيرنا ممن جرمه أكبر من جرمنا، فقال خالد لا أقالني الله إن لم أقتلك ».

ولماذا قتل الناس الآخرين من قومه واستباح أموالهم وسبى ذراريهم ونسائهم؟

هذا كلّه في قتل مالك.

وأمّا تزوج خالد بزوجة مالك من ليلة قلته ومضاجعته لها فلا خلاف في أنه يوجب الرّجم ... ومن هنا قال له عمر كما تقدم عن (تاريخ الطبري): « قتلت امرءاً مسلماً ثم نزوت على أمرأته ! والله لأرجمنّك بأحجارك » وقال لأبي بكر كما عن (وفيات الأعيان) وغيره: « إنه قد زنا فارجمه. فقال أبوبكر: ما كنت لأرجمه، تأوّل فأخطأ » وعن (مرآة الزمان): « دخل خالد المدينة ومعه ليلى بنت سنان زوجة مالك، فقام عمر فدخل على علي فقال: إنّ من حق الله أن يقاد من هذا لمالك، قتله وكان مسلماً ونزا على أمرأته على ما ينزو الحرام. ثم قاما فدخلا على سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيدالله فتابعوا على ذلك ودخلوا على أبي بكر وقالوا: لابدّ من ذلك فقال أبوبكر: لا أغمد سيفاً سلّه الله ».

وقد اضطرب القوم في توجيه ما فعله خالد وامتناع أبي بكر من رجمه، ففي الكتاب: « وأما تزوجه امرأته فلعلّها كانت قد انقضت عدتها إلاّ أنها كانت محبوسة

____________

(1) وفيات الأعيان 5 | 66.

--------------------------------------------------------------------------------

( 88 )

عنده » وقال القوشجي: « لا نسلّم أنه وجب على خالد الحد والقصاص، لأنه قد قيل إن خالداً إنما قتل مالكاً لأنه تحقق منه الردّة وتزوّج بامرأته في دار الحرب، لأنه من المسائل المجتهد فيها بين أهل العلم. وقد قيل: إن خالداً لم يقتل مالكاً بل قتله بعض أصحابه خطأ لطنه أنه ارتد وكانت زوجته مطلقةً منه وقد انقضت عدتها » (1) وقال ابن حجر: « وتزوجه امرأته لعلّه لأنقضاء عدتها بالوضع عقيب موته أو يحتمل أنها كانت محبوسةً عنده بعد انقضاء عدّتها عن الإزدواج على عادة الجاهلية، وعلى كل حالٍ فخالد أتقى لله من أن يظنّ به مثل هذه الرذالة التي لا تصدر من أدنى المؤمنين فكيف بسيف الله المسلول على أعدائه » (2) وقال ابن خلكان: « وقبض خالد امرأته، فقيل: إنه اشتراها من الفيء وتزوج بها. وقيل: إنها اعتدت بثلاث حيض ثم خطبها إلى نفس فأجابته، فقال لابن عمر وأبي قتادة يحضران النكاح فأبيا، وقال له ابن عمر: تكتب إلى أبي بكر وتذكر له أمرها فأبي وتزوّجها ... ولما بلغ الخبر أبابكر وعمر قال عمر لأبي بكر: إن خالداً قد زنى فارجمه. قال: ما كنت لأرجمه فإنه تأوّل فأخطأ » (3).

وقال ابن حجر العسقلاني: « وكان فيه تقدم على أبي بكر يفعل أشياء لا يراها أبوبكر، أقدم على قتل مالك بن نويرة ونكح امرأته، فكره ذلك أبوبكر وعرض الدية على متمم بن نويرة وأمر خالداً بطلاق امرأة مالك ولم ير أن يعزله، وكان عمر ينكر هذا وشبهه على خالد » (4).

وإنه ليكفي في سقوط جميعها إصرار عمر على أنه « زنا فارجمه » وقول أبو بكر تأوّل فأخطأ » ثم عرضه الدية وأمره خالداً بطلاق المرأة كما ذكر ابن حجر العسقلاني.

____________

(1) شرح التجريد 389.

(2) الصواعق المحرقة 34.

(3) وفيات الأعيان 5 | 66 ـ 67.

(4) الإصابة 1 | 414 ترجمة خالد.

--------------------------------------------------------------------------------

( 89 )

هذه طائفة من كلمات القوم في المقام ... وتلك هي الوجوه التي ذكروها لتوجيه فعلة خالد وموقف أبي بكر منها ... وهي كما ترى متضاربة وكلّها « لعّل » و « يحتمل » و « قيل » ...

إلا أن ابن حجر المكي يصرّح بالباعث على كلّ هذه المحاولات فيقول: « وعلى كلّ حال فخالد أتقى لله من أن يظن به مثل هذه الرذالة التي لا تصدر من أدنى المؤمنين فكيف بسيف الله المسلول على أعدائه » ! لكن الذي نسب إلى خالدٍ هذه الرذالة عمر بن الخطاب وجماعة من أكابر الصحابة، فماذا نفعل؟

فظهر أن لا جدوى لتلك التعليلات والإحتمالات، ولعلّه من هنا اضطرّ صاحب (التحفة الإثنى عشرية) إلى إنكار أصل القضيّة !! (1).

هذا موجز الكلام على قصة خالد بن الوليد مع مالك بن نويرة وزوجته وقومه ... فاقض ما أنت قاض ...

قوله (358):

( وأما قوله في بيعة أبي بكر فمعناه: إن الإقدام على مثله بلا مشاورة الغير وتحصيل الإنفاق منه مظنة للفتنة العظيمة فلا يقدمنّ عليه أحد، على أني أقدمت عليه فسلمت وتيسر الأمر بلا تبعة).

 

قول عمر: بيعة أبي بكر فلتة :

أقول:

لم يناقش في الكتاب في أصل ثبوت قول عمر: « إن بيعة أبي بكر كانت فلتةً وقى الله شرها » لكونه مروياً في أوثق كتبهم في الحديث والتاريخ والسير ...

ومعنى لفظة « الفلتة » بفتح الفاء « الفتنة » كما في الكتاب وغيره.

أو « البغتة والفجأة » كما عن بعض شرّاح البخاري.

____________

(1) التحفة الإثنا عشريّة: 263.

--------------------------------------------------------------------------------

( 90 )

أو « ما يندم عليه » كما عن أشهب وغيره.

وهي ـ بأيّ معنى كانت ـ تفيد الذمّ، ويؤكّد ذلك قوله: « وقي الله شرّها » فلو لم تكن ذات شرّ لم يقل ذلك ... وأمّا أنّ الله « وقى » شرّها أو أنه « بقي » فهذا أمر يجب أن ينظر فيه !

هذا ويشهد بكون الكلام على كل حالٍ ذماً لأبي بكر وخلافته إنكار بعضهم كابن روزبهان أصل الخبر !!

بقي الكلام في:

1 ـ قوله (358):

( نسبة الذم إليه من الأكاذيب الباردة، فإنّ عمر مع كمال عقله ... كيف يتصوّر منه ذلك ؟).

أقول:

كيف لا يتصوّر ذلك ممّن صدر منه ما صدر بالنسبة إلى نفس النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كما هو ثابت ولا حاجة إلى ذكره هنا.

2 ـ قوله (358):

( ثم إنك خبير بأنّ أمثال هذه الوجوه لا تعارض الإجماع على إمامته ...).

أقول:

أين الإجماع على إمامة أبي بكر؟ بل إنّ هذه الوجوه المشتملة على ذمّ أمير المؤمنين علي وعمر وكبار الصحابة وإنكارهم على أبي بكر في قضية خالد بن الوليد وغيرها ... من جملة الأدلة على عدم اعتقاد القوم بخلافته !

 

النصوص على إمامة علي :

قوله (358 ـ 359):

( وخامسها: إدعاء النصّ على إمامة علي إجمالاً وتفصيلاً. أما إجمالاً

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 91 )

فقالوا ... والجواب: إنه لمّا علم النبي عليه السلام أن الصحابة يقومون بذلك ولا يخلّون به لم بفعل ذلك لعدم الحاجة إليه ...).

أقول:

قد عرفت أنّ الشروط المعبترة في الإمام من العصمة والأعلمية ـ المستلزمة للأفضلية ـ وعدم المعصية سابقاً على ما تقدّم ... منتفية عن أبي بكر وهي موجودة في أمير المؤمنين عليه السلام، فهو المتعيّن لأن يكون الإمام ...

وأيضاَ: يجب أن يكون الإمام منصوصاً عليه، وأبوبكر ليس بمنصوصٍ عليه كما اعترف في الكتاب فلا يكون إماماً، بل الإمام هو علي عليه السلام.

والنصوص الدالة على إمامته كتاباً وسنةً كثيرة ...

وأمّا ما ذكر من الوجهين للنص عليه إجمالاً فلم يخدش في شيء من مقدّماتهما ولا في النتيجة المطلوبة منها وهي وقوع النصّ على أمير المؤمنين عليه السلام، غير أنه قال في الجواب ما حاصله: إيكال النبّي صلّى الله عليه وآله وسلّم أمر تعيين الإمام إلى الصحابة، لكن فيه:

أوّلاً: إنه إذا تمّت مقدمات الإستدلال وسلّمت، فالإلتزام بالنتيجة المترتبة عليها ضروري، وإلاً لزم الخلف.

وثانيا: إنّ إيكال الأمر إلى الصحابة يستلزم أحد الأمرين: إمّا الإخلال بالواجب وإمّا الجهل بحال الأصحاب، وكلاهما محال. بيان الإستلزام: إنّه إن كان عالماً بما سيقع بين الأصحاب والأمة من الإفتراق والإختلاف والإرتياب، فأوكل إليهم تعيين الإمام من بعده، فهذا من أظهر مصاديق الإخلال بالواجب، وهو محال في حقه. وإن كان جاهلاً بأحوالهم وتشتّت أهوائهم واختلاف آرائهم ... فهذا نقص لا يجوز نسبته إليه أبداً، مضافاً إلى أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: « ستفترق أمّتي من بعدي إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة، واحدة في الجنّة والباقي في النار » (1).

____________

(1) هذا الحديث من الأخبار الثابتة، وقد ذكر في الكتاب واستند اليه في 376.

--------------------------------------------------------------------------------

( 92 )

فمن كان على علم بما سيكون من بعده، وهو أشفق الناس على أمّته وشريعته ... كيف يترك الامّة بلا راع والشريعة بلا حافظ؟

ولو سلّمنا أنّه لم يفعل ذلك إيكالاً إلى الصحابة فالمفروض قيام الصحابة بأمر التعيين، لكنّ الواقع غير ما قصده النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بحسب الفرض.

قوله (359):

( ثم عدم النص الجليّ معلوم قطعاً، لأنه لو وجد لتواتر ولم يكن سترة عادةً إذ هو ما تتوفّر الدواعي إلى نقله، وأيضاً: لو وجد نص جلي على إمامة علي لمنع به غيره ... ثم لا يحتج علي عليهم بذلك النص الجليّ ...).

أقول:

إنّ النص الجلي على إمامة علي عليه السلام معلوم قطعاً، أمّا عن طريق أئمة أهل البيت عليه السلام وأتباعهم فواضح، وأمّا ع طريق المخالفين، فكذلك كما ستعرف بعضه بالرغم م كثرة الدواعي على إخفائه وتوفّر الموانع عن نقله ونشره.

أمّا أنه لو وجد لمنع به علي غيره من الإمامة به على الصحابة ...

فالجواب: إنه لم يكن حاضراً في السقيفة حتى يمنع أو يحتج، لاشتغاله بأمر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولم يفرغ من ذلك إلاّ وقد نودي بالإمامة لأبي بكر وحمل الناس على بيعته، فلم يبق له ـ والحال هذه ـ طريق إلى « منع غيره عن الإمامة والإحتجاج عليه ».

فلو سلّم عدم احتجاجه عليهم هذه المدة فالسبب عدم إتاحة فرصة له بذلك، ولذا تراه يحتج كلّما سنحت له الفرصة، ومن مواقف احتجاجه المشهورة يوم الشورى، حيث كان احتجاجه المعروف المروي في كتب الفريقين (1)، والدال

____________

(1) المناشدة يوم الشورى معروفة، رواها: كبار العلماء من القريقين فهي متفق عليها، وممن رواها من

--------------------------------------------------------------------------------

( 93 )

على وجود النصوص الكثيرة على إمامته منذ اليوم الأول، لا في رايه فقط، بل باعتراف كبار الصحابة وإقراهم المستفاد من سكوتهم ...

هذا مضافاً إلى ما جاء في إحتجاجات الصدّيقة الطاهرة عليها السلام وبعض الأصحاب الذين عرفوا منذ حياة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بالتشيّع والولاء لعلي عليه السلام ... على إمامته بجملة من النصوص، مما هو مذكور في التواريخ والسير ...

لكنّ الباعث الأصلي إلى إنكار النصّ وغير ذلك مما قال هو حسن الظنّ بالصحابة، حتى أنه يقول: « كيف يتصوّر ...؟ » إلاّ أنّ حسن الظنّ واستبعاد معصية القوم يزول بالنظر إلى الكتاب والسنّة، وبالتأمل في أخبارهم وسيرهم الواصلة إلينا بالأسانيد المعتبرة، وسنشير إلى موارد من ذلك في بحثٍ حول الصحابة.

 

من الكتاب :

قوله (359):

( وأمّا تفصيلاً فالكتاب والسنّة، أمّا الكتاب فمن وجهين).

أقول:

ظاهره انحصار استدلال أصحابنا لإمامة أمير المؤمنين عليه السلام بآيتين من الكتاب، وهذا باطل كما لا يخفى على راجع كتبهم، نذكر منها على سبيل التمثيل أنّ العلاّمة الحلّي استدل في كتابه (منهاج الكرامة) بأربعين آية، وفي كتابه (نهج الحق) بأربع وثمانين آية، معتمداً على الأحاديث الثابتة عند الفريقين ...

قوله تعالى: (وآولوا الأرحام)

____________

أهل السنة: الدار قطني، الخوارزمي، ابن عبدالبر، الذهبي، الحمويني، الكنجي، ابن حجر المكي، ابن المغازلي، فهم رووها بكاملها أو جملاً منها.

--------------------------------------------------------------------------------

( 94 )

قوله (359):

( الأول قوله تعالى: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) والآية عامة في الأمور كلّها ... والجواب منع العموم ...).

أقول:

الآية هي: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين) (1). إذ اعتبر فيها الأولوية لمن جمع ثلاثة قيودٍ هي: كونه ذا رحم، وكونه مؤمناً، وكونه مهاجراً. فمن جمعها كان أولى من غيره، وهذه الأولوية عامة للمال وللولاية، بل كونها للولاية أوضح، لكون سياقها سياق الآية الآخرى الواردة في خصوص الولاية وهي قوله تعالى: (النبّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمّهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعضِ في كتاب الله) (2). فهي ثابتة لأمير المؤمنين عليه السلام لكونه الجامع لها دون أبي بكر، لأنه لو سلّم كونه من المؤمنين والمهاجرين فليس بذي رحمٍ لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

ومن هنا يشترط في الإمامة والولاية الاقربية من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولذا احتجّ المهاجرون على الأنصار بالقرابة منه، فلمّا بلغ عليّاً عليه السلام ذلك قال:

« وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم * فغيـرك أولـى بـالنبي وأقرب » (2)

ولقد أذعن المنصور العبّاسي والفخر الرازي باستدلال محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن أمير المؤمنين عليه السلام ـ في كتاب له إلى المنصور ـ بالآية المباركة على أولوية ذي الرحم قائلاً: « وليس في الآية شيء معيّن في ثبوت هذه الأولوية فوجب حمله على الكل إلاّ ما خصّه الدليل وحينئذٍ يندرج فيه الإمامة » لكنه أجاب

____________

(1) سورة الأحزاب: 6.

(2) سورة الأنفال: 75.

(3) نهج البلاغة: 503 ط صبحي الصالح.

--------------------------------------------------------------------------------

( 95 )

بأن.

« العباس أولى بالإمامة، لأنه كان أقرب إلى رسول الله من علي » (1).

قلت: لو سلّمنا أقربية العباس من علي لكن القيود المأخوذة في الآية منها الهجرة، والعباس لم يكن من المهاجرين، إذ لا هجرة بعد الفتح.

وبما ذكرنا يظهر سقوط ما جاء في الكتاب في الجواب عن الإستدال بالآية الشريفة.

قوله تعالى: (إنما وليكم الله)

قوله (359 ـ 360) :

( الثاني: قوله تعالى: (إنما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الّذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) (2) والجواب ...).

أقول:

إنه يعترف بنزول الآية المباركة في سأن علي عليه السلام، ويعترف أيضاً بأنّ من معاني « الولي » هو « الأولى بالتصرّف » وظاهره تمامية الإستدلال بالآية على الوجه المذكور لولا المانع وهو أمران: لزومن إمامته عليه السلام حال حياة الرسول، ولا شبهة في بطلانه، وتكرر صيغ الجمع في الآية، وهذا كيف يحمل على الواحد؟ فلا بدّ من أن يكون المراد من « الولي » هو « الناصر » لا « الأولى بالتصرّف » والقرينة على كون المراد هو الناصر دون غيره هو ما قبل الآية وما بعدها، فوجب أن يحمل ما بينهما على النصرة لتتلائم أجزاء الكلام.

وحاصل ذلك تمامية المقتضي لولا المانع ... وهو الأمران المزبوران، فاللازم رفعه، من دون احتياج إلى إيراد ما ذكره أصحابنا في بيان وجه الإستدلال وإن كان أتمّ وأوضح ممّا ذكر في الكتاب عن لسانهم، ومن دون بحث حول « الولي » وأنّه مشترك لفظي أو معنوي، وإن كان الإستدلال على الثاني أبين

____________

(1) الكامل للمبرّد 2 | 283، تفسير الرازي 4 | 395.

(2) سورة المائدة: 58.

--------------------------------------------------------------------------------

( 96 )

وأمتن ... فنقول:

أمّا الأمر الاوّل فجوابه ـ كما عرفت سابقاً ـ أنّ التصرّف من شؤون صاحب الولاية سواء كان نبياً أو وصي نبي، فقد يكون حاصلاً له بالفعل وقد لا يكون، والمقصود بالإستدلال هنا إثبات الولاية لأمير المؤمنين عليه السلام.

وأمّا تصرّفه في الأمور فمن الواضح كونه موقوفاً على ما بعد وفاة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وذها كما يثبت بالوصية استحقاقها للوصي وإن منعه وجود الموصي من اتصرف، وكذلك جعل النبّي في حياته الولاية لعليّ كما في غير واحد من الأحاديث، وتنزيله إياه من نفسه بمنزلة هارون من موسى كما في حديث المنزلة.

وأمّا الأمر الثاني فجوابه ظاهر جدّاً بعد تصريح الأحاديث عند الفريقين بانّ المراد شخص « على عليه السلام » وبأنّ « وهم راكعون » جملة حالية، فهو الذي تصدّق بخاتمة راكعاً فنزلت الآية ... فظهر سقوط ما ذكره الماتن إذ ليس إلاّ استبعاداً، مع ان نظائر الآية في القرآن المجيد كثيرة، واندفاع ما ذكره الشارح، لعدم اشتراك غيره عليه السلام معه في تلك الصفة.

فارتفع ـ بما ذكرنا ـ المانع عن أن يكون المراد من « الولي » في الآية هو « الأولى »، وبقي الكلام حول ما ذكر قرينةً لحمله على « الناصر » وهو ما قبل الآية، قال: « وهو قوله: (يا أيّها الذين آمنوا لا تتّخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض) فإن الأولياء ههنا بمعنى الأنصار لا بمعنى الأحقين بالتصرّف » وما بعد الآية « وهو قوله: (ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فإنّ حزب الله هم الغالبون) فإنّ التولي ههنا بمعنى المحبة والنصرة دون التصرّف ».

فنقول: ـ بعد التسليم بقرينية السياق مطلقاً ـ أمّا الآية التي ذكرها فليست قبل قوله تعالى: (إنما وليّكم الله ...) بل هي مفصولة عن هذه الآية بآياتٍ عديدةٍ أجنبيّة عنها، فلا تصلح التي ذكرها قرينة لحمل « الولي » على « الناصر ». وأمّا التي بعدها فهي مناسبة لكون المراد « الأولوية » بكلّ وضوح، لأنّ المراد بتولّي

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 97 )

الله ورسوله والذين أموا هو اتخاذهم أولياء والقول بولايتهم بالمعنى الذي أريد من الولي في (إنما وليكم الله ...) فكيف لا تحصل المناسبة؟

فظهر أنّ الآية الكريمة ـ وبالنظر إلى أحاديث الفريقين الواردة في شأن نزولها ـ نصّ في إمامة أمير المؤمنين علي عليه السلام، بعد النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بلا فصل.

قوله (360):

( أمّا السنة فمن وجوه ...).

أقول:

الوجوه التي ذكرها هي قليل من كثير لا يخفى على من لاحظ كتب أصحابنا، فلا يتوهّم الإنحصار بما أورد في الكتاب .

 

حديث الغدير :

قوله (360):

( الأول خبر الغدير ... والجواب ...)

أقول:

لقد أوجز الكلام في بيان كيفيّة الإستدلال بحديث الغدير، فليراجع في ذلك كتب أصحابنا، ثم ناقش فيه سنداً ومتناً ودلالةً، ونحن نتكلّم على ما قال في كلّ جهة بقدر الضرورة.

أمّا سنداً فذكر: (منع صحة الحديث، ودعوى الضرورة في العلم بصحته لكونه متواتراً مكابرة).

وفيه: إنّ هذا الحديث متواتر قطعاً ـ فضلاً عن الصحّة ـ عند أهل البيت وأتباعهم، وأمّا أهل السنة فإنّما يستشهد أصحابنا بأخبارهم وأقوالهم إثباتاً للإتفاق على المطلب وإلزاماً لن تعصّب ... ولذا يكفي إقرار بعض من يحتجّ بقوله منهم بالصحّة فضلاً عن الإذعان بالتواتر ... وحينئذٍ نقول: لقد نصّ على صحة

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 98 )

الغدير جماعة من أعلام أهل السنة، منهم:

1 ـ الترمذي المتوفى سنة 279، فإنّه قال بعد أن أخرجه: « هذا حديث حسن صحيح » (1).

2 ـ الطحاوي المتوفى سنة 279 بعد أن رواه: « فهذا الحديث صحيح الإسناد ولا طعن لأحدٍ في رواته » (2).

3 ـ الحاكم المتوفى سنة 405 حيث أخرجه بعدة طرقٍ وصحّحها (3).

4 ـ ابن عبدالبر المتوفى سنة 364 حيث قال بعد أحاديث في فضل أمير المؤمنين عليه السلام منها حديث الغدير: « هذه كلها آثار ثابتة » (4).

5 ـ الذهبي المتوفى سنة 748حيث أنه وافق الحاكم على تصحيحة في تلخيص المستدرك (5).

6 ـ إبن كثير الدمشقي المتوفى سنة 774 حيث ذكر الحديث ثم عقبه بقوله: « قال شيخنا أبو عبدالله الذهبي: هذا حديث صحيح » (6).

7 ـ إبن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 حيث قال: « وأما حديث من كنت مولاه فعليّ مولاه فقد أخرجه الترمذي والنسائي، وهو كثير الطرق جداً، وقد استوعبها ابن عقدة في كتابٍ مفرد، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان ... » (7).

8 ـ إبن حجر المكي المتوفى سنة 974: « إنه حديث صحيح لا مرية فيه وقد أخرجه جماعة كالترمذي والنسائي وأحمد، فطرقه كثيرة جداً، ومن ثمّ رواه ستة

____________

(1) صحيح الترمذي 5 | 591، باب فضائل أمير المؤمنين عليه السلام.

(2) مشكل الآثار 2 | 308.

(3) المستدرك على الصحيحين 3 | 110 وغيره.

(4) الإستيعاب ترجمة الإمام عليه السلام 3 | 1090.

(5) تلخيص المستدرك ـ المطبوع بذيله ـ 3 | 110.

(6) تاريخ ابن كثير 5 | 209.

(7) فتح الباري 7 | 61.

--------------------------------------------------------------------------------

( 99 )

عشر صحابياً، وفي رواية لأحمد: إنه سمعه من النبي ثلاثون صحابياً وشهدوا به لعلي لمّا نوزع أيام خلافته كما مرّ وسيأتي، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان، ولا التفات لمن قدح في صحّته ولا لمن ردّه بأنّ علياً كان باليمن لثبوت رجوعه منها ... » (1).

9 ـ علي القاري المتوفّى سنة 1014 فإنه قال بعد أن رواه: « والحاصل إن هذا حديث صحيح لا مرية فيه بل بعض الحفاظ عدّه متواتراً ... فلا التفات لمن قدح في ثبوت هذا الحديث، وأبعد من ردّه بأن عليّاً كان باليمن ...» (2).

10 ـ المناوي المتوفى سنة 1013 حيث قال: « قال ابن حجر: حديث كثير الطّرق جدّاً، قد استوعبها ابن عقيدة في كتابٍ مفرد، منها صحاح ومنها حسان ... » (3).

هؤلاء جماعة من أكابر القوم نصوا على صحّة الحديث، ولو شئنا أن نذكر غيرهم لذكرنا ... ولنذكر جماعةً نصّوا على تواتره فمنهم:

1 ـ شمس الدين الذهبي.

2 ـ ابن كثير الدمشقي، حيث قال: « وقد قال شيخنا الحافظ أبو عبدالله الذهبي ... الحديث متواتر أتيقّن أن رسول الله قاله » (4).

3 ـ ابن الجزري التوفى سنة 833: « صحيح عن وجوه كثيرةٍ متواتر عن أمير المؤمنين علي وهو متواتر أيضاً عن النبي، رواه الجم الغفير عن الجم الغفير، ولا عبرة بمن حاول تضعيفه ممّن لا اطلاع له في هذا العلم ...وصح عن جماعة ممّن يحصل القطع بخبرهم » (5).

____________

(1) الصواعق المحرقة: 25.

(2) المرقاة في شرح المشكاة 5 | 568.

(3) فيض القدير في شرح الجامع الصغير 6 | 218.

(4) تاريخ ابن كثير 5 | 213.

(5) أسنى المطالب 3 ـ 4.

--------------------------------------------------------------------------------

( 100 )

4 ـ السيوطي المتوفّي سنة 910.

5 ـ المنّاوي حيث قال شرح الحديث ناقلاً عن السيوطي: « قال: حديث متواتر » (1).

فظهر:

أولاً: إنّ الحديث صحيح، وإنّ من حاول تضعيفه لا أطّلاع له في هذا العلم، فكيف يصغى إلى من طعن فيه؟

وثانياً: إنّ الحديث متواتر وقوله « دعوى الضرورة ... مكابرة » مكابرة.

وثالثاُ: إنّ الحديث طرقه كثيرة ورواته كثيرون وقوله: « لم ينقله أكثر أصحاب الحديث » باطل.

وأمّا متناً فقد ذكر « إن علياً لم يكن يوم الغدير مع النبي فإنّه كان اليمن ».

وهذا كذب، فقد ثبت قدوم علي عليه السلام على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأخرجه أرباب الصحاح كلّهم، ففي الحديث الذي اتفقوا على إخراجه: « عن أنس بن مالك قال: قدم علي النبي م اليمن، فقال: بم أحللت ... » (2).

كما نصّ على حضوره عليه السلام يوم الغدير مع الاستنكار على من نفي ذلك جماعة من أعلام القوم، كالطحاوي وابن حجر المكي والقاري ...

وكأنّ الشارح التفت إلى بطلان هذه الدعوى فحاول إصلاحها بقوله: « وردّ هذا بأنّ غيبته لا تنافي صحة الحديث ... » .

وأمّا دلالةً :

فالعمدة في كلامه قوله: (لأن مفعل بمعنى أفعل لم يذكره أحد من أئمة

____________

(1) التيسير في شرح الجامع الصغير 2 | 442.

(2) صحيح البخاري 2 | 172، صحيح مسلم 4 | 40، سنن الترمذي 2 | 216، سنن أبي داود 2 | 158، سنن النسائي 5 | 157، سنن ابن ماجة 2 | 1024.

العربية، وقوله تعالى: (ومأويكم النار هي مولاكم) أي مقركم وما إليه مألكم وعاقبتكم، ولهذا قال الله تعالى: (وبئس المصير ...) ).

فنقول: إذا ثبت مجيء « مفعل » بمعنى « أفعل » بنصّ أئمة العربية من أهل السنّة، كان اللاّزم الإذعان بتمامية الإستدلال، ورفع اليد عن الشبهات المترتّبة على إنكار مجيء الكلمة بالمعنى المذكور ...

لقد نصّ على مجيء « مفعل » بمعنى « أفعل » أكابر أئمة العربية ومشاهير المفسّرين ... ولنذكر منهم طائفةً:

1 ـ محمد بن السّائب الكلبي.

2 ـ يحيى بن زياد الفراء.

3 ـ أبو إسحاق الزجّاج.

4 ـ أبو عبيدة معمر بن المثنى.

قال الرازي بتفسير: « هي مولاكم »: « قال الكلبي: يعني: أولى بكم. وهو قول الزجاج والفرّاء وأبي عبيدة » (1).

5 ـ أبو العباس ثعلب. قال الزوزني بشرح شعر من المعلّقات: « وقال ثعلب: إن المولى في هذا البيت بمعنى الأولى بالشيء كقوله تعالى: (مأواكم النار هي مولاكم) أي هي الأولى بكم » (2).

6 ـ أبو نصر الجوهري، فقد نص عليه بشرح شعر لبيد (3).

7 ـ الحسين بن مسعود الفراء البغوي بتفسير الآية: (مأواكم النار هي مولاكم): « صاحبتكم وأولى بكم لما اسلفتم من الذنوب » (4).

8 ـ جار الله الزمخشري: « ومولاي: سيدي وعبدي، ومولى بين الولاية

____________

(1) تفسير الرازي 29 | 227.

(2) شرح الملقات للزوزني 91.

(3) صحاح اللغة « ولي ».

(4) معالم التنزيل 8 | 29.

--------------------------------------------------------------------------------

( 102 )

ناصر وهو أولى به » (1).

9 ـ ابن الجوزي بتفسير الآية: « قوله: مولاكم، قال أبو عبيدة: أبي أولى بكم » (2).

10 ـ البيضاوي: « مولاكم: هي أولى بكم ... » (3).

وإن شئت المزيد فراجع بتفسير الآية: الكشاف، غرائب القرآن، البحر الحيط، مدارك التنزيل، تفسير الجلالين، تفسير أبي السعود ... وغيرها من التفاسير المعتمدة عند القوم.

بل اعترف بذلك التفتازاني في (شرح المقاصد) والقوشجي في (شرح التجريد) فلاحظ.

بل إنّ « المولى » يجيء بمعنى « المتصرّف في الأمر » فتكون دلالة الحديث على المطلوب أوضح، وقد نصّ على ذلك غير واحدٍ من المفسرين والمحدثين (4).

فهل هذا القدر كاف ؟!

فظهر:

1 ـ إنّ الحديث صحيح بن متواتر قطعي الصدور.

2 ـ وإنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان حاضراً يوم الغدير.

3 ـ وإنّ « المولى » فيه بمعنى « الأولى ».

بقي الكلام في قوله: (وإن سلّم ان هذا الحديث صحيح فرواته لم يرووا مقدّمة الحديث، وهي: ألست أولى بكم من أنفسكم. فلا يمكن أن يتمسّك بها في أنّ المولى بمعنى الأولى).

فالماتن ينكر أن يكون رواة الحديث قد رووا مقدّمته، لكن الشارح يلتفت

____________

(1) أساس البلاغة « ولي ».

(2) زاد المسير في علم التفسير 8 | 167.

(3) تفسير البيضاوي 716.

(4) تفسير الرازي 13 | 17، 23 | 74، المرقاة في شرح المشكاة 5 | 568.

--------------------------------------------------------------------------------

( 103 )

إلى كذب هذه الدعوى فيستدرك قوله (فرواته) الظاهر في الكلّ بقوله (أي أكثرهم) ولو سلّمنا أن الأكثر لم يرووا ففي رواية الأقل كفاية ... لكنّ الواقع رواية الاكثر للمقدّمة وهم أمثال: معمر بن راشد، عبدالله بن نمير، أبي نعيم فضل بن دكين، عفان بن مسلم، ابن أبي شيبة، قتيبة بن سعيد الثقفي، أحمد ابن حنبل، ابن ماجة، أبي بكر البزّار، النسائي، أبي يعلى الموصلي، محمد بن جرير الطبري، أبي حاتم البستي، الطبراني، الدار قطني، أبي موسى المديني، ابن كثير الدمشقي ... وغيرهم .. فارجع إلى: مسند أحمد 4 | 372، 5 | 347، كنز العمال 13 | 131، 134 | 158، الخصائص: 95، سنن إبن ماجة 1 | 43، الرياض النضرة 2 | 223، تاريخ ابن كثير 7 | 348 ـ 349 ...