حديث المنزلة :

قوله (362):

( الثاني: قوله عليه السلام: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي ... والجواب ...).

أقول:

قد ذكر للإستدلال بهذا الحديث وجهين، فأجاب عنهما على تقدير صحته سنداً، فالكلام يقع في جهتين:

الجهة الأولى في سند الحديث :

قوله: (الجواب: منع صحة الحديث » قال الشارح: « كما منعه الآمدي، وعند المحدثين: أنّه صحيح وإن كان من قبيل الآحاد).

وفيه: كيف يمنع صحة الحديث وهو في كتابي البخاري ومسلم (1) وهما

____________

(1) صحيح البخاري، كتاب المغازي، غزوة تبوك. صحيح مسلم، الترمذي، ابن ماجة، أبي داود لاحظ جامع الأصول 9 | 469.

--------------------------------------------------------------------------------

( 104 )

أصحّ الكتب عندهم بعدالقرآن؟ وكيف يقال بأنه « من قبيل الآحاد » وقد اشتهر بينهم قطعيّة صدور أحاديث الكتابين؟ (1) كيف وقد نصّ على ثبوت هذا الحديث وكثرة طرقه بل وتواتره غير واحدٍ من أكابر القوم؟ ... قال ابن عبدالبر: « هو من أثبت الأخبار وأصحّها، رواه عن النبي: سعد بن أبي وقاص ـ وطريق حديث سعد فيه كثيرة جداً، قد ذكره إبن أبي خيثمة وغيره ـ ورواه ابن عباس وأبو سعيد الخدري وأم سلمة وأسماء بنت عميس وجابر بن عبدالله، وجماعة يطول ذكرهم » (2).

وقد كان على الماتن والشارح أن يجلاً أنفسهما عن متابعة مثل الآمدي الّذي كان عند الذهبي وغيره من المبتدعة، وقد نفي من دمشق لسوء اعتقاده، وصحّ عنه أنه كان يترك الصلاة (3) .

الجهة الثانية في دلالة الحديث

قوله (363): (أو نقول على تقدير صحته لا عموم له في المنازل، بل المراد استخلافه على قومه في قوله: اخلفني في قومي لا ستخلافه على المدينة ... كيف والظاهر متروك، أي: وإن فرض أنّ الحديث يعمّ المنازل كلّها كان عامّاً مخصوصاً، لأن من منازل هارون كونه أخاً نسبيّاً ونبياً، والعام المخصوص ليس حجة في الباقي أو حجّيته ضعيفة).

أقول:

إنّ طريقة أصحابنا إمامة أمير المؤمنين عليه السلام من هذا الحديث إثبات عموم أفراد المنزلة لهارون، ثم إثبات أن الإمامة من منازلة عن طريق استخلافه على بني إسرائيل وعدم العزل عن الخلافة تارةً، وعن طريق شركته

____________

(1) لاحظ: كلام الحافظ ابن القيسراني المقدسي في كتاب الجمع بين رجال الصحيحين وكلام النووي وشارحه السيوطي في تدريب الراوي، وغيرهما.

(2) الإستيعاب ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام 3 | 1090.

(3) ميزان الاعتدال للذهبي، لسان الميزان لإبن حجر العسقلاني 3 | 134.

--------------------------------------------------------------------------------

( 105 )

لموسى عليه السلام في افتراض الطاعة تارةً أخرى.

فإنكار دلالة الحديث على عموم المنزلة عمدة الشبه المتعلّقة بهذا الإستدال، فإذا ما اندفعت لم يبق لهم شيء يصفى إليه، ولعلّ القوم على علم باندفاعها فيلجأون إلى تقليد الآمدي في الطّعن في سند الحديث، مع بنائهم على عدم الطعن في شيًء أخرج في الصحيحين !!

أمّا العموم فالدالّ عليه قوله « بمنزلة هارون » فإنّه اسم جنس مضاف، وهو من ألفاظ العموم كما نصّ عليه الماتن نفسه في (شرح مختصر الأصول) وكذا غيره من أئمة علم الأصول والعربية، كما لا يخفى على من راجع مباحث العموم والخصوص في شروح (منهاج الأصول) للبيضاوي، وشروح (تلخيص مفتاح العلوم) للسكاكي، وشروح (الكافية في النحو) لابن الحاجب.

ويشهد بدلالة الحديث على عموم المنزلة استثناء النبوّة، فإنّ صحة الإستثناء معيار العموم كما نصّ علي البيضاوي في (منهاج الأصول) وشرّاحه كغيرهم من المحقّقين.

هذا ولايخفى أنه لم ينكر في الكتاب ظهور الحديث في العموم، وإنما جاء فيه: (المراد من الحديث إنّ علياً خليفة منه على المدينة في غزوة تبوك، كما أنّ هارون كان خليفة لموسى في قومه حال غيبته، ولا يلزم دوامه ... بل التبادر استخلافه مدة غيبته) فهما يقولان بأن « المراد » كذا، وغاية ذلك دعوى أنّ قول موسى « أخلفني » لدى خروجه إلى الطور قرينة على إرادة خصوص مدة غيبته من العموم، وكذلك كلام النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لأنّه قاله عند ما خرج إلى تبوك ... لكن يكفي في دفع هذا التوهّم ثبوت ورود حديث المنزلة في مواقع متعدّدة ـ كما لا يخفى على المطّلع بألفاظه وطرقه ـ فالحديث باقٍ على عمومه، نذكر منها مورداً واحداً إتماماً للحجّة ونكتفي برواية أحمد بن حنبل:

قال المتقي: « مسند زيد بن أبي أوفى: لمّا آخى النبي صلّى الله عليه وسلّم بين أصحابه فقال علي: لقد ذهب روحي وانقطع ظهري حين رأيتك فعلت

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 106 )

بأصحابك ما فعلت، غيري. فإن كان هذا من سخطّ عليّ فلك العتبى والكرامة. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: والذي بعثني بالحق، ما أخّرتك إلاّ لنفسي، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبّي بعدي. وأنت أخي ووارثي. قال: وما أرث منك يا رسول الله؟ قال: ما ورثت الأنبياء من قبلي. قال: وما ورثت الأنبياء من قبلك؟ قال: كتاب ربّهم وسنّة نبيهم. وأنت معي في قصري في الجنة مع فاطمة ابنتي، وأنت أخي ورفيقي.

حم. في كتاب مناقب علي » (1).

فهذا الحديث الذي رواه إمامهم أحمد بن حنبل وارد في مورد المواخاة، وهو يدلّ على افضلية أمير المؤمنين وأعلميته وعصمته ... كما لا يخفى ... وكلّ ذلك مستلزم للإمامة والخلافة بلا فصل ...

فظهر: أن الحديث على عمومه المعترف به، ولا موجب لرفع اليد عن ذلك ...

وأمّا رفع اليد عن ظهوره في العموم من جهة أن من منازل هارون كونه نبياً وكونه أخاً نسبياً، وعلى عليه السلام لم يكن نبيّاً ولم يكن أخاً نسبيّاً لرسول الله، ففيه:

أمّا أوّلاً: لقد ذكر التفتازاني في (شرح المقاصد) إشكال انتفاء الأخوة على الإستدلال وأجاب عنه بنفسه وهذه عبارته: « ليس الإستثناء المذكور إخراجاً لبعض أفراد المنزلة، بمنزلة قولك: إلاّ النبوة، بل هو منقطع، بمعنى لكن، فلا يدل على العموم كما لا يخفى على أهل العربية، كيف؟ ومن منازله الاخوة في النسب ولم تثبت لعلي رضي الله عنه. اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنها بمنزلة المستثنى لظهور إنتفائها ».

وتبعه القوشجي في (شرح التجريد).

____________

(1) كنز العمال، كتاب الفضائل، فضائل الخلفاء، فضل علي عليه السلام.

--------------------------------------------------------------------------------

( 107 )

والحاصل عدم قدح انتفاء الأخوة النسبية بين علي والرسول عليهما السلام في عموم الحديث، لكون الأخوة بمنزلة المستثنى لظهور انتفائها بينهما.

وأمّا ثانياً: فإنّ الإشكال بانتفاء النبّوة عن علي عليه السلام في غير محلّه لأنّ صريح الحديث استثناؤها، ولذا لم يستشكل أحد بذلك، وقال الشارح: (ولو ترك قوله (ونبيّاً) لكان أولى).

وأمّا ثالثاً: فإنّ العام المخصوص حجّة في الباقي بإجماع الصحابة والسلف، وإنكار ذلك مكابرة، نصّ على ذلك علماء الاصول، قال البزدوي في أصوله: « إجماع السلف على الإحتجاج بالعموم » قال شارحه البخاري في (كشف الأسرار): « أي: بالعام الذي خص منه ... الإحتجاج بالعمومات المخصوص منها مشهور بين الصحابة ومن بعدهم، بحيث يعد إنكاره من المكابرة، فكان إجماعاً ».

فظهر عموم الحديث، فيثبت لعلي عليه السلام كلّ ما ثبت لهارون عليه السلام من المنازل من الخلافة والعصمة والأفضلية وفرض الطاعة وغيرها ... إلاّ النبّوة.

هذا، ولايخفى أن الماتن يعترف بظهور الحديث في العموم، إلاّ أنه يدعي ترك هذا الظهور، لكنّ الشارح يغيّر معنى كلام الماتن فيقول بشرح: (كيف والظاهر متروك. أي: وإن فرض أنّ الحديث يعمّ ...) وهذا تعسّف واضح.

وأمّا الإشكال على دلالة الحديث على فرض الطاعة ـ كما في ثاني وجهي الإستدلال ـ وقوله (363):

( ونفاذ أمر هارون بعد وفاة موسى لنبوّته لا للخلافة عن موسى ...).

فعجيب جداً، لأنّ هارون كان خليفةً لموسى بنص القرآن الكريم إذ قال له (اخلفني في قومي) أي: « كن خليفتي في قومي ونافذ أمرك فيهم » كما ذكر المفسّرون بأجمعهم كالرّازي والزمخشري والبيضاوي والنّيسابوري والنسفي وابن كثير والخازن ... وهذا لا ينافي كونه نبيّاً.

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 108 )

وإذا كان من جملة المنازل الثابتة لهارون بخلافته فرض طاعته على الأمّة، فعليّ عليه السلام المنزّل منزلة هارون مفترض الطاعة على الأمة كذلك، فلو صرّح النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بهذا المعنى وقال: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى في فرض الطاعة على أمتي وإن لم تكن شريكي في النبوة » لكان كلاماً مستقيماً لا تنافي فيه أصلاً.

ويؤكّد ذلك أمر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في غير واحد من الأحاديث المعتبرة ـ بإطاعة علي، وأن من أطاع علياً فقد أطاعه ومن أطاعه فقد أطاع الله ... نكتفي هنا بحديثٍ واحد منها أخرجه الحاكم بسنده عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: « من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع علياً فقد أطاعني، ومن عصى عليّاً فقد عصاني. هذا حديث صحيح الإسناد » (1).

هذا ولولا دلالة حديث المنزلة على حصول تلك المنازل لعلي عليه السلام لم يقل عمر بن الخطاب ـ فيما رواه جماعة منهم الحاكم وإبن النجّار .. كما في (كنز العمال) ـ « كفّوا عن ذكر علي بن أبي طالب، فإني سمعت رسول الله يقول في علي ثلاث خصالٍ لئن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس: كنت أنا وأبوبكر وأبو عبيدة الجراح ونفر من أصحاب رسول الله، والنبي متكئ على علي ابن أبي طالب، حتى ضرب بيده على منكبه ثم قال: وأنت يا علي أول المؤمنين إيماناً وأوّلهم إسلاماً ثم قال: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى. وكذب عليّ من زعم أنّه يحبّني ويبغضك ».

ولم يقل مثله سعد بن أبي وقاص كما رواه إبن ماجة في (سننه) وغيره.

ولم يحتج به كبار الصحابة في موطن مختلفة، وأمير المؤمنين عليه السلام نفسه في احتجاجه على أهل الشورى.

____________

(1) المستدرك على الصحيحين 3 | 121.

--------------------------------------------------------------------------------

( 109 )

أحاديث أخرى :

قوله (363):

( الثالث من وجوه السنة: قوله عليه السلام: سلّموا على علي بإمرة المؤمنين. الجواب منع صحة الحديث للقاطع المتقدّم الدالّ عدم النصّ الجلّي. وكذا قوله: أنت أخي وصيّي وخليفتي من بعدي وقاضي ديني. وقوله: إنّه سيد المسلمين وإمام المتّقين وقائد الغر المحجّلين).

أقول:

هذه أحاديث رواها علماء طائفته في كتبهم بأسانيدهم المعتبرة ... ودلالاتها واضحة جدّاً، وإذ لم يقدح في أسانيدها فلا حاجة إلى ذكر مصادرها. وأمّا منعه صحّتها لما ذكره فقد تقدم أنه مبني على حسن الظن بالصحابة، وقد عرفت جوابه، كما أنّ لنا بحثاً حول الصحابة في آخر الكتاب فانتظر .

 

تفنيد معارضة هذه النصوص :

قوله (363):

( وبعد الأجوبة المفصلة على الوجوه المذكورة نقول: هذه النصوص التي تمسّكوا بها في إمامة علي رضي الله عنه معارضة بالنصوص الدالة على إمامة أبي بكر).

أقول:

فيه: أوّلاً: لقد اعترف سابقاً ـ كغيره ـ بعدم النص الدال على إمامة أبي بكر، فما دل على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام لا معارض له.

وثانياً: إنّ ما ذكره بعضهم نصّاً على إمامة أبي بكر فإنما استند إلى أخبار طائفته، ومن المعلوم عدم جواز الإحتجاج والمعارضة بما اختصّوا بروايته لعدم كونه حجةً عند الإمامية.

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 110 )

وثالثاً: مقتضى ما ذكره أنّه إذا أججيب عمّا جعل معارضاً لنصوص أمامة أمير المؤمنين عليه السلام وسقط الإستدلال به هو التسليم بتلك النصوص والإلتزام بمفادها.

ورابعاً: إنّ جميع ما استدل به باطل كما سيتّضح.

قوله (363 ـ 364):

( الأوّل: قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم) ) (1).

أقول:

أوّلاً: لو كانت هذه الآية دالةً على خلافة أبي بكر لكانت خلافته مستندة إلى الله لقوله: « ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف ... » لكن خلافة أبي بكر لم تكن بنصبٍ من الله، بل الخلافة عند القوم ليست بنصبٍ منه بل من الناس، فالآية ليست دليلاً على خلافته، بل المراد غيره وغير أتباعه.

وثانياً: إنّه لو كان المراد من الآية أبوبكر لما طعن عليه علي كما سيأتي تسمية نفسه « خليفة رسول الله » لكونه كذباً على رسول الله، لأنّه لم يستخلفه، بل أنّ مذهب القوم أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم مات ولم يستخلف أحداً، وهذا ما نص عليه عمر أيضاً فيما رووه عنه (2).

وثالثاً: لقد قام الإجماع من أهل البيت عليهم السلام كما في (مجمع البيان) وغيره من التفاسير ـ على أنّ المراد من الآية هو الإمام المهدي عليه السلام وأنصاره وأتباعه، وأجماع أهل البيت حجة بالأدلة القاطعة.

قوله (364):

( الثاني: قوله تعالى: (قل للمخلّفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون))(3).

____________

(1) سورة النور: 55.

(2) الملل والنحل 1 | 23، السيرة الحلبية 2 | 207، وغيرهما من المصادر.

(3) سورة الفتح: 16.

--------------------------------------------------------------------------------

( 111 )

أقول:

قد تعرّض شيخنا أبو جعفر الطوسي المتوفى سنة 460 لاستدلال القوم بهذه الآية وأجاب عنه بالتفضيل، فليت الماتن لاحظ كلامه ولم يكرّر الإستدلال. قال شيخنا رحمة الله بتفسير الآية: « واستدل جماعة من المخالفين بهذه الآية على إمامة أبي بكر، من حيث أن أبابكر دعاهم إلى قتال بني حنيفة وعمر دعاهم إلى قتال فارس والروم، وكانوا قد حرموا القتال مع النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بدليل قوله (لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدوًاً).

وهذا الذي ذكروه غير صحيح من وجهين، أحدهما: إنه غلط في التاريخ ووقت نزول الآية. والثاني إنه غلط في التأويل. ونحن نبيّن فساد ذلك أجمع. ولنا في الكلام في تأويل الآية وجهان: أحدهما: أن ينازع في اقتضائها داعياً يدعو هؤلاء المخلّفين غير النبي، ويبيّن أن الداعي لهم فيما بعد كان النبي على ما حكيناه عن قتادة وسعيد بن جبير في أن الآية نزلت في أهل خيبر وكان النبي هو الداعي إلى ذلك. والآخر: أن يسلّم ان الداعي غيره ويبيّن أنه لم يكن أبابكر ولا عمر، بل كان أمير المؤمنين ... » (1) هذا أوّلاً.

وثانياً: إنه يمكن تسليم أن الداعي أبوبكر وعمر، وأن يقال: ليس في الآية ما يدل على مدح الداعي ولا على إمامته ... (2).

وثالثاً: إنه يكشف عن عدم دلالة هذه الآية على ما قالوا: استدلال المحصّلين من علمائهم لإمامة أبي بكر من جهة الأخبار، لا من جهة الآية، وعمدتهم حديث الإقتداء الآتي.

ورابعاً: إنّ أحاديث القوم أنفسهم في تفسير الآية مختلفة، وكذا أقوال مفسّريهم كما لا يخفى على من راجع (3).

____________

(1) التبيان في تفسير القرآن 9 | 324 ـ 326.

(2) التبيان في تفسير القرآن 9 | 326.

(3) لاحظ الدر المنثور 6 | 72.

--------------------------------------------------------------------------------

( 112 )

وخامساً: إنّ الذي فسّر الآية بأبي بكر وأن القوم المذكورين بنو حنيفة أصحاب مسيلمة هو محمد بن شهاب الزهري. وهذا الرجل مقدوح جدّاً وقد كان من المبغضين لأمير المؤمنين علي عليه السلام، فلا يعتمد على قوله. لا سيّما في مثل المقام.

قوله (364):

( الثالث: لو كانت إمامة أبي بكر باطلة لما كان أبوبكر معظّماً ممدوحاً عند الله ...).

أقول:

وفيه: إنه أوّل الكلام.

قوله (364):

( الرابع: كانت الصّحابة وعلي يقولون: يا خليفة رسول الله ...).

أقول:

أولاً: لا حجّية في قول الصحابة وفعلهم غير علي لعدم العصمة فيهم.

وثانياً: إنّ علياً عدم السلام لم يكن يرى أبابكر خليفةً، ولذا لم يبايع مدّة حياة فاطمة الزهراء عليها السلام وهي ستة أشهر، ولا حملها على البيعة وقد ماتت ولم تبايع أبابكر، وهو يعلم بأن « من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ».

وثالثاً: لا نسلّم أنّ علياً عليه السلام كان يخاطب أبابكر كذلك، بل لقد روى المؤرخون كابن قتيبة أنه لما أرسل أبوبكر قتفداً مولاه إلى علي عليه السلام يدعوه « قال له علي: ما حاجتك؟ فقال: يدعوك خليفة رسول الله، فقال علي: لسريع ما كذبتم على رسول الله !!».

ورابعاً: سلّمنا لكن هذا الخطاب ليس بأعلى من البيعة عن تقية، فإنّه عليه السلام لمّا ماتت فاطمة الزهراء وانصرفت وجوه الناس عنه اضطر إلى البيعة، ولو بقيت فاطمة لما بايع ولا بايعت.

قوله (364):

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 113 )

(الخامس: لو كانت الإمامة حق علي ولم تعنه الأمّة عليه كما تزعمون لكانوا شرّ الأمم لكنّهم خير أمّة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر كما دلّ عليه نصّ القرآن).

أقول:

لقد دلّ حديث المنزلة على تنزيل علي عليه السلام بمنزلة هارون عليه السلام إلاّ في النبوّة، ولا شك في أن هارون عليه السلام قد استعفه القوم وكادوا يقتلونه كما دل عليه نصّ القرآن، فكذلك علي عليه السلام، ومن هنا خاطب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أهل بيته قائلاً: « أنتم المستضعفون بعدي » (1) وقالت أروى بنت الحارث بن عبدالمطلب لمعاوية في كلام لها معه لمّا وفدت عليه: « فوثبت علينا بعده بنو تيم وعدي وأمية، فابتزونا حقّنا ووليّتم علينا، فكنا فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون، وكان علي بن أبي طالب بعد نبيّنا بمنزلة هارون من موسى » (2).

وأمّا أنّ الأمّة لم تعنه عليه فنعم، لا بل غدرت به، وقد أخبره النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بذلك من قبل، فقد روي عنه أنه قال: « إن ممّا عهد إليّ النبي أنّ الأمّة ستغدر بي بعده » قال الحاكم بعد ما أخرجه: « هذا حديث صحيح الإسناد » (3).

وحينئذٍ، فلابدّ أن يكون معنى الآية الكريمة غير ما ذكر في الكتاب، فراجع التفاسير.

قوله (364):

* (السادس: قوله عليه السلام: إقتدوا باللّذين من بعدي أبي بكر وعمر وأقل مراتب الأمر الجواز. قالت الشيعة: هذا خبر واحد. قلنا: ليس أقل من

____________

(1) مسند أحمد بن حنبل 6 | 339.

(2) تاريخ أبي الفداء 1 | 188 وغيره من التواريخ، في أخبار معاوية.

(3) المستدرك 3 | 140، 142 ورواه غيره أيضاً.

--------------------------------------------------------------------------------

( 114 )

خبر الطير المنزلة).

أقول:

يعدّ هذا أقوى أدلّتهم دلالةً، ولذا تراهم يهتمون به كثيراً ويستندون إليه قديماً وحديثاً، حتى قال الحاكم النيسابوري: « هذا حديث من أجلّ ما روي في فضائل الشيخين » (1) ... ولكن ماذا نفعل وكبار أئمتهم المحققين ينصّون على أنّه « باطل » و « لا يصحّ » و « منكر » و « موضوع »؟

ذكر العلامة المناوي بشرحه: « أعلّه أبو حاتم، وقال البزار كابن حزم: لا يصح » (2).

وقال الترمذي بعد أن أخرجه: « هذا حديث غريب من هذا الوجه من الحديث ابن مسعود، لا نعرفه إلاّ من حديث يحيى بن سلمة بن كهيل ،ويحيى بن سلمة يضعّف في الحديث (3).

وقال أبو جعفر العقيلي: « حديث منكر لا أصل له من حديث مالك » (4).

وقال أبوبكر النقاش: « هو واه » (5).

وقال الدار قطني: « لا يثبت » (6).

وقال العبري الفرغاني: « إن الحديث موضوع » (7).

وقال الذهبي ـ بعد أن أخرجه ـ مرةً « هذا غلط » (8) وأخرى: « قال أبوبكر

____________

(1) المستدرك 3 | 75.

(2) فيض القدير 2 | 56.

(3) صحيح الترمذي 5 | 672.

(4) الضعفاء الكبير 4 | 95.

(5) ميزان الإعتدال للذهبي 1 | 142.

(6) لسان الميزان لابن حجر 5 | 337.

(7) شرح المنهاج للبيضاوي ـ مخطوط.

(8) ميزان الاعتدال 1 | 105.

--------------------------------------------------------------------------------

( 115 )

النقاش: هو واه » (1) وثالثةً: « سنده واه جداً » (2).

وقال الهيثمي: « فيه من لم أعرفهم » (3).

وقال ابن حجر العسقلاني بكلّ ما قال الذهبي (4).

وقال الشيخ الإسلام الهروي: « باطل » (5).

وأورد ابن درويش الحوت كلمات القوم ووافقهم (6).

هذه طائفة من كلمات هؤلاء الأعلام الأثبات الموجوع إليهم عندهم في الجرح والتعديل ... حكموا كلّهم بسقوط هذا الحديث ... والحق معهم ... فأنّ جميع اسانيده وطرقه ساقطة ... وقد حققت ذلك في رسالة مفردة (*).

إذن، لا نقول في الجواب: خبر واحد، بل نقول: موضوع باطل، وأما خبر الطّير والمنزلة، فإنّهما معتبران باعتراف علماء أهل السنّة.

قوله (365):

* (السابع قوله عليه السلام: الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثمّ تصير ملكاً عضوضاً ... وذلك دليل ظاهر على صحة خلافة الخلفاء الأربعة).

أقول:

وهذا أيضاً من أدّلتهم المعتمدة عندهم وهو حديث غير معتبر وغير مشهور كما نصّ على ذلك غير واحدٍ منهم كابن تيميّة (7) وذلك لأنّه لم يروه إلاّ سفينة ولم

____________

(1) ميزان الاعتدال 1 | 14.

(2) تلخيص المستدرك 3 | 75.

(3) مجمع الزوائد 9 | 53.

(4) لسان الميزان 1 | 188، 1 | 272، 5 | 337.

(5) الدر النضيد: 97.

(6) أسنى المطالب: 48.

* وهي مطبوعة في هذه المجموعة.

(7) منهاج السنة 2 | 223.

--------------------------------------------------------------------------------

( 116 )

يخرجه إلاّ الترمذي وأبا داود (1) وأحمد (2) وليس الراوي عنه إلاّ « سعيد بن جمهان ».

والكلام عليه أمّا سنداً فإنّ سعيداً مقدوح مجروح، قال أبو حاتم: « يكتب حديثه ولا يحتج به » وعن أحمد « أنه سئل عنه فلم يرضه فقال باطل وغضب » وقال الساجي: « لا يتابع على حديثه » وقال ابن معين: « روى عن سفينة أحاديث لا يرويها غيره » وقال البخاري: « في حديثه عجائب » (3).

وأمّا دلالةً فانّها تختلف في الكتاب التي ورد فيها، لأنّ لفظه مختلف ولذا اختلف كلمات الشرّاح حوله.

ثم إنّه ظاهر في أن الخلافة تصير بعد الثلاثين ملكاً عضوضاً إلى الأبد، إلاً أنهم يروون عن حذيفة أنها تصير بعد الملك العاض ملكاً جبرية ثم تعود خلافةً على منهاج النبوّة، وقد طبّق بعضهم هذا على عمر بن عبدالعزيز (4).

وهذا الحديث الأخير يدل على كون الخلفاء الراشدين عندهم خمسة ! لكنّ حديث سفينة الذي عند أبي داود فيه أنّ بعضهم كان لا يرى عليّاً من الخلفاء الراشدين !

وعلى الجملة فأحاديثهم في هذا الباب مختلفة ... إلاّ أن الذي يهوّن الخطب إعراض البخاري ومسلم عنها، بل الذي أخرجاه هما وسائر أصحاب السنن والمسانيد هو « حديث الإثنا عشر خليفة » وهذا هوالمعتمد والمعتضد بالأحاديث الكثيرة المعتبرة، وهو لا ينطبق إلاّ على ما نذهب إليه من القول بالأئمة الإثنى عشر عليهم الصلاة، أوّلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وآخرهم المهدي، ومن هنا أورد أبو داود هذا الحديث في كتاب المهدي من سننه جاعلاً إيّاه

____________

(1) لاحظ: جامع الأصول 4 | 440.

(2) مسند أحمد 5 | 220، 221.

(3) لاحظ: تهذيب التهذيب 4 | 13.

(4) مسند أحمد 4 | 273.

--------------------------------------------------------------------------------

( 117 )

أوّل حديثٍ من احاديثه.

ولمّا كان هذا الحديث معتبراً سنداً وتاماً دلالةً على الحق الذي نذهب إليه فقد حار الشرّاح في كيفيّة تطبيقه وبيان معناه، ولم يتوصّلوا إلى معنى يلتئم مع ما يذهبون إليه، فاضطرّوا إلى الإعتراف بالعجز، ومنهم: القاضي عياض، وابن الجوزي، وابن العربي المالكي، وابن حجر العسقلاني ...

نعم إلتجأ بعضهم إلى المعارضة بينه وبين حديث سفينة. لكن عرفت عدم تمامية حديث سفينة، لا سنداً ولا دلالةً، والمعارضة فرع الحجّية.

وبالجملة: فحديث سفينة ساقط. والمعتمد ما اتفق الشيخان وغيرهما على إخراجه (1).

قوله (365):

( الثامن: إنه صلّى الله عليه وسلّم استخلف أبابكر في الصلاة ...)

أقول:

قد عرفت واقع الحال في هذ الصلاة. ولا يخفى أن الماتن لم يدع إلاّ إلإستخلاف، لكن الشارح أضاف بعده « واقتدى به » وهذا أكذب من ذاك، وقد بيّنا ذلك كلّه سابقاً ببعض التفصيل ولنا في المسألة رسالة مفردة مطبوعة * .

تذنيب في خلافة من بعد أبي بكر :

قوله (365):

( إمامة الأئمة الثلاثة تعلم ما يثبت منها ببعض الوجوه المذكورة وطريقة في

____________

(1) صحيح البخاري كتاب الأحكام ـ باب الإستخلاف، صحيح مسلم كتاب الإمارة باب الناس تبع لقريش، صحيح الترمذي باب ما جاء في الخلفاء، سنن أبي داود كتاب المهدي، مسند أحمد 5 | 86، 89، 106، 108، وغير ذلك جامع الأصول 4 | 440 ـ 442، المستدرك على الصحيحين 3 | 618 معرفة الصحابة.

* تجدها أيضاً في هذه المجموعة.

--------------------------------------------------------------------------------

( 118 )

حق عمر نص أبي بكر. وفي عثمان وعلي البيعة).

أقول:

قد عرفت أن لا دليل على خلافة أبي بكر لا كتاباً ولا سنةً، وهذا ما اعترف به سابقاً، وزعم أنّ الدليل هو البيعة وقد عرفت ما فيها ...

وإذ لا دليل على خلافة أبي بكر فلا اعتبار بنصّه على عمر، بغضّ النظر عن كلّ ما هنالك من بحثٍ وكلام، فإنّ اعتمادهم في استخلاف أبي بكر على النصّ ـ وهو الّذي أنكروه في استخلاف النبّي صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ له مغزىً يعلمه أهله، وبيانه بايجاز هو: انهم يعترفون بعدم النص على أبي بكر، فلمّا رأو كثرته على أمير المؤمنين أنكروه، فلجأوا الى دعوى الاجماع على خلافة أبي بكر وهم يعلمون بعدم تحققه. وفي خلافة عمر لا يدّعون الاجماع لثبوت مخالفة كبار الأصحاب في رواياتهم، وحيث لم يمكنهم إنكار ذلك ودعوى الاجماع ولا دعوى شيء من الفضائل المؤهله للخلافة، لجأوا إلى النص.

وأمّا خلافة عثمان فكانت مترتبةً على جعل عمر الأمر شورى بين جماعةٍ، ثم انها كانت ببيعة عبدالرحمن بن عوف كما اعترف بذلك في الكتاب سابقاً.

أما جعل عمر الأمر شورى فموقوف على إمامته وولايته، وقد عرفت ما فيها باختصار. وأمّا تحقق « البيعة » بمبايعة عبدالرحمن بن عوف وحده فقول باطل.

هذا بغض النظر عن قضايا الشورى وكيفية تعيين رجالها، وما دار بينهم واحتجاج علي عليه السلام في ذلك اليوم ...

وأما خلافة علي عليه السلام فكانت ثابتة بالنص منذ اليوم الأول كما عرفت .

في أفضل الناس بعد رسول الله :

قوله (365):

( هو عندنا وأكثر قدماء المعتزلة أبوبكر، وعند الشيعة وأكثر متاخّري المعتزلة علي).

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 119 )

أقول:

إنّه لم يذكر « الأفضليّة » في الشروط المعتبرة في الإمام المذكورة سابقاً، ولا يقول بقبح تقديم المفضول كما سيأتي، فلماذا يتعب نفسه بإيراد أشياء لو تمّت فانّها من طريق أبناء طائفته وليست بحجة عند المناظرة؟ مع أن كلامه في نهاية البحث كالصريح في عدم جزمه بأفضلية أبي بكر، بل إنّ قولهم بعدم قبح تقديم المفضول يشهد بعدم أفضليته وعدم تمامية ما استدل به لإثباتها ... ! لكن أصحابنا إنما يستدلّون بالأحاديث الصحيحة المتفق عليها بين الفريقين ـ كما هو القانون المتّبع في البحث والمناظرة ـ على أفضلية علي ويقولون بقبح تقدّم المفضول.

ثمّ إنّ أئمة أهل البيت مجمعون على أنّ علياً عليه السلام أفضل الناس بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وإجماعهم حجّة، وعلى ذلك أيضاً جماعة كبيرة من أعلام الصحابة كما ذكر ابن عبدالبر بترجمة الإمام عليه السلام من (الإستيعاب). فلننظر فيما أورده دليلاً على أفضلية أبي بكر :

ما استدل به لأفضليّة أبي بكر :

قوله (366):

( الأوّل: قوله تعالى: (وسيجنّبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى) قال أكثر المفسرين واعتمد عليه العلماء: إنما نزلت في أبي بكر ...).

أقول:

الإستدلال بهذه الآية كذلك مذكور في بعض كتب المتقدّمين، وقد أصرّ عليه في تفسير الرازي، لكنّه موقوف على نزول الآية في شأن أبي بكر.

قوله: « قال أكثر المفسّرين » دالّ على عدم الإتفاق عليه فيما بينهم. هذا أوّلاً.

وثانياً: أنه ليس هذا القول إلاّ لآل الزبير، وانحرافهم عن أمير المؤمنين عليه السلام معروف.

مضافاً إلى أن سند الخبر غير معتبر، قال الحافظ الهيثمي: « وعن عبدالله بن

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 120 )

الزبير قال: نزلت في أبي بكر الصديق: وما لأحدٍ عنده من نعمةٍ تجزى إلاّ ابتغاء وجه ربّه الأعلى ولسوف يرضى. رواه الطبراني وفيه: مصعب بن ثابت وفيه ضعف » (1).

ومنهم من حمل الآية على العموم، ومنهم من قال بنزولها في قصّة أبي الدحداح وصاحب النخلة (2).

وثالثاً: لو سلّم أنه قول أكثر المفسّرين من أهل السنة فإنّه ليس بحجةٍ علينا.

ورابعاً: انه منقوض بأنّ الأكرم عندالله هو أمير المؤمنين عليّ عليه السلام لما فيه من العصمة وعدم السجود للصنم، وأنه أول من أنفق ماله في سبيل الله فنزلت فيه الآية: (إنما وليكم الله) وسورة هل أتى وغير ذلك من الآيات.

وقوله بأنّ « وما لأحدٍ عنده من نعمة تجزى، يصرفه عن الحمل على علي، إذ عنده التربية، فإنّ النبي ربّي علياً وهي نعمة تجزي ».

فيه: انه خلط في المعنى، فإنّ الضمير في « عنده » يرجع إلى المنعم، والمعنى: إن « الاتقى » موصوف بكونه ليس لأحدٍ من المنعمين عليهم عند. المنعم يد النعمة يكون الإنعام منه من باب الجزاء. فعلي عليه السلام كان في تصدّقه بخاتمة على السائل في حال الركوع كذلك، وكذلك في إطعام اليتيم والمسكين والأسير، فلم تكن لهم عليه يد النعمة. أين هذا من المعنى الذي ذكر؟

قوله (366):

( الثاني: قوله عليه السلام: اقتدوا باللذين من بعدي ...)

أقول:

قد سبق أن هذا الحديث باطل سنداً ودلالةً كما نصّ عليه كبار علماء أهل السنة

____________

(1) مجمع الزوائد 9 | 50.

(2) لاحظ: الدر المنثور 6 | 358.

قوله (366):

( الثالث: قوله عليه السلام لأبي الدرداء: والله ما طلعت شمس ولا غربت بعد النبيّين والمرسلين على رجل أفضل من أبي بكر).

أقول:

هذا الحديث ـ حتى لو كان صحيحاً عندهم ـ ليس بحجةٍ علينا لكونه من طرقهم فقط، فكيف ورواته كذّابون مدلّسون بشهادة كبار علمائهم؟ وهذه عبارة واحدٍ منهم:

قال الحافظ نور الدين الهيثمي المتوفى سنة 807: « عن جابر بن عبدالله قال: رأي رسول الله أبا الدرداء يمشي بين يدي أبي بكر. فقال: يا أبا الدرداء تمشي قدام رجل لم تطلع الشمس بعد النبيّين على رجلٍ أفضل منه، فما رؤي أبو الدرداء بعد يمشي إلاّ خلف أبي بكر. رواه الطبراني في الأوسط. وفيه: إسماعيل ابن يحيى التيمي وهو كذّاب.

وعن أبي الدرداء قال: رآني رسول الله وأنا أمشي أمام أبي بكر فقال: لا تمش أمام من هو خير منك، إنّ أبابكر خير من طلعت عليه الشمس أو غربت. رواه الطبراني. وفيه بقية وهو مدّلس » (1).

قلت: ولو شئت لذكرات كلمات علماء القوم في ذم « إسماعيل بن يحيى » و « بقية » ولكن المقصود هوالإختصار.

قوله (366):

( الرابع: قوله عليه السلام لأبي بكر وعمر: هما سيّدا كهول أهل الجنة ما خلا النبيّين والمرسلين).

أقول:

وهذا الحديث كسابقه، وقد حققنا حاله في بحثٍ لنا منفرد *، ونكتفي هنا

____________

(1) مجمع الزوائد 9 | 44.

* تجده في هذا الكتاب.

--------------------------------------------------------------------------------

( 122 )

بما قال الحافظ الهيثمي فإنّه من ائمة صناعة الحديث والرجال عندهم:

« عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله لأبي بكر وعمر: هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين. رواه البزار والطبراني في الأوسط وفيه: علي بن عباس وهو ضعيف ».

« وعن ابن عمر قال: إن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: أبوبكر وعمر سيدا كهول الجنة من الأولين والآخرين إلاّ النبييّن والمرسلين. رواه البزار وقال: لا نعلم رواه عن عبيدالله بن عمر إلاّ عبدالرحمن بن مالك بن مغول. قلت: وهو متروك » (2).

قوله (366):

( الخامس: قوله عليه السلام: ما ينبغي لقوم فيهم أبوبكر أن يتقدم عليه غيره).

أقول:

لفظ هذا الحديث هو: « لا ينبغي لقوم فيهم أبوبكر أن يؤمّهم غيره » وهو حديث مكذوب موضوع على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، نصّ على ذلك غير واحدٍ من علمائهم الأعلام، نذكر من ذلك عبارة الحافظ أبي الفرج ابن الجوزي المتوفى سنة 597، فإنّه أورده في الموضوعات فقال بعد أن رواه بسنده: « هذا حديث موضوع على رسول الله » (1).

فالعجب من هؤلاء، كيف يستدلّون بالأحاديث الموضوعة الباطلة باعتراف علمائهم، ويعارضون بها الأحاديث الصحيحة الثابتة باعتراف علمائهم كذلك؟

قوله (366):

( السادس: تقديمه في الصّلاة مع أنها أفضل العبادات وقوله: يأبى الله

____________

(1) مجمع الزوائد 9 | 53.

(2) كتاب الموضوعات 1 | 318.

--------------------------------------------------------------------------------

( 123 )

ورسوله إلاّ أبابكر، وفي معناه قوله: يأبي الله والمسلمون إلاّ أبابكر، وذلك أنّ بلالاً أذّن بالصلاة ...).

أقول:

أمّا حديث تقديمه للصلاة فقد عرفت حاله.

وأمّا قوله: يأبي الله ورسوله إلاّ أبابكر. فرواية عائشة وعبدالرحمن بن أبي بكر ... وهما لا سيّما في مثل هذا الحديث متّهمان.

وأمّا الحديث الذي أورده الشارح ففيه ـ مضافاً إلى ما ذكرنا ـ أنّ أمارات الكذب لائحة عليه، وذلك:

أوّلاً: إنّه إذا كان النبي أمر عبدالله بن زمعة بأن يقول لأبي بكر يصلي بالناس، فلماذا قال لعمر؟

وثانياً: إنّه إذ لم يجد أبابكر فإنّ عمر بن الخطاب أيضاً كان مع أبي بكر في جيش أسامة كما نص عليه إبن حجر العسقلاني في شرح البخاري (1). وثالثاً: إنّ الأخبار في صلاة عمر متنافية، ففي هذا الخبر أن ابن زمعة هو الذي قال لعمر « صلّى بالناس » وفي آخر إن القائل له هو أبوبكر نفسه، فإنه لمّا أبلغ أمر النبيّ قد عمر. وفي ثالث: إن النبي قال لإبن زمعة: « مر الناس فليصلّوا، فلقي عمر بن الخطاب فقال له: يا عمر صلّ بالناس ... » (2) ومن هنا وقع الإضطراب بين شراح الحديث واختلفوا في كيفية الجمع بين هذه الأخبار المتضاربة (3).

ورابعاً: إنّ الذي يهوّن الخطب كون راوي الخبر عن عبدالله بن زمعة هو « محمد بن شهاب الزهري » المعروف المشهور بانحرافه عن علي علي السلام.

قوله (367):

( السابع: قوله عليه السلام: خير أمتي أبوبكر ثم عمر).

____________

(1) فتح الباري 8 | 124.

(2) مسند أحمد 6 | 34.

(3) لاحظ فتح الباري 1 | 123، الكواكب الدراري 5 | 70.

--------------------------------------------------------------------------------

( 124 )

أقول:

هذا الحديث له ذيل يدلّ على افضليّة أمير المؤمنين عليه السلام، رووه عن عائشة قالت: « قلت: يا رسول الله من خير الناس بعدك، قال: أبوبكر. قلت: ثم من؟ قال: عمر.

قالت فاطمة: يا رسول الله لم تقل في علي شيئاً !

هال: يا فاطمة، علي نفسي، فمن رأيتيه يقول في نفسه شيئاً ».

ولهذا فقد تكلّم في سنده بعضهم (1) لكنّ الماتن والشارح اسقطا ذيله ليتم لهما الإستدلال !!

قوله (367):

( الثامن: قوله عليه السلام: لو كنت متخذاً خليلاً دون ربّي لا تخذت أبابكر خليلاً، ولكن هو شريكي في ديني وصاحبي الذي أوجبت له صحبتي في الغار وخليفتي في أمّتي).

أقول:

قد أجاب أصحابنا عن هذا الحديث سنداً ودلالةً فراجع (2) على أنه في هذا الحديث يقول « لو كنت متخذاً ... » أمّا في حديث آخر جعل عثمان هو الخليل وهذا نصّه: « إنّ لكلّ نبّي خليلاً من أمّته وإنّ خليلي عثمان بن عفان » لكنه حديث باطل كذلك كما نصّ عليه غير واحد (3).

قوله (367):

( التّاسع: قوله عليه السلام وقد ذكر عنده أبوبكر: وأين مثل أبي بكر؟ كذّبني الناس وصدّقني. وآمن بي، وزوّجني إبنته، وجهّزني بماله، وواساني بنفسه، وجاهد معي ساعة الخوف).

____________

(1) لاحظ تنزيه الشريعة 1 | 367.

(2) تلخيص الشافي 3 | 217.

(3) لاحظ: تنزيه الشريعة الغرّاء 1 | 392.

--------------------------------------------------------------------------------

( 125 )

أقول:

هذا الحديث باطل حتى لو رووه بسندٍ معتبر، لأنّ ظاهره أن أبابكر أول من أسلم وقد ثبت أنّ أول من اسلم أمير المؤمنين علي عليه السلام والمنكر مكابر، ولذا اضطر إلى الإعترف بذلك كبار علماء القوم كما لا يخفى على من راجع أخبارهم وأقوالهم في (الإستيعاب) بترجمته عليه السلام وغيره من المصادر المعتبرة.

ولأنّ ظاهره أنّ أبابكر كان ينفق على النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وهذا كذب، ولذا اضطرّ مثل ابن تيمية غلى تأويله فقال: « إن انفاق أبي بكر لم يكن نفقة على النبي في طعامه وكسوته، فإنّ الله قد أغنى رسوله عن مال الخلق أجمعين، بل كان معونةً له على إقامة الدين، فكان إنفاقه فيما يحبّه الله ورسوله، لا نفقةً على نفس الرسول » (1) وحينئذٍ فلا فرق بين أبي بكر وسائر الصحاب الذين كانوا نفقون أموالهم كذلك فأين الأفضلية؟

هذا، ولقد أورده الحافظ ابن عرّاق المتوفى سنة 963 في الأحاديث الشنيعة الموضوعة (2) والسيوطي في الأحاديث الموضوعة (3).

قوله (367):

( العاشر: قول علي رضي الله عنه: خير الناس بعد النّبيين أبوبكر ثم عمر ثم الله أعلم. وقوله ـ إذ قيل له ما توصي؟ ـ: ما أوصى رسول الله حتى أوصي ...).

أقول:

ولهذا الحديث نظائر موضوعة على لسانه عليه السلام ! ! أما هذا الحديث فآيات الكذب عليه لائحة وواضحة جداً، عمدتها ما جاء فيه من أنه مات بلا وصية كما أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم مات بلا وصية ... فإنّ هذا كذب

____________

(1) منهاج السنة 4 | 289.

(2) تنزيه الشريعة المرفوعة عن الاخبار الشنيعة الموضوعة 1 | 344.

(3) اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة 1 | 295.

--------------------------------------------------------------------------------

( 126 )

في الطرفين، أما النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فتلك وصاياه موجودة في الأحاديث المتفق عليها كحديث الثقلين الذي أخرجه مسلم وكبار المحدثين، وأما علي علي السلام فقد أوصى إلى ولده الحسن السبط الأكبر عليه السلام ...

هذا، وأنت تجد الجواب عن هذا الحديث وأمثاله في كتب أصحابنا بالتفصيل (1).

وبعد هذا كله فإن الجواب الإجمالي المغني عن التفصيل هو:

1 ـ إنّ هذه الأحاديث باطلة سنداً ودلالةً.

2 ـ إنّها لو تمت فهم منفردون بها، وليست حجة علينا.

3 ـ إنّها لو كانت عن رسول الله حقاً ـ لا من موضوعات حكومة بني أمية ـ فلماذا لم يحتج بها أبوبكر نفسه ولا غيره في السقيفة وغيرها من المواقف التي كات بي الصحابة؟

4 ـ إنّها لو كانت ثابتة فلماذا قول أبي بكر عند موته: « وددت أنّي سألت رسول الله لمن هذا الأمر من بعده؟ » وأمثال ذلك من كلماته كقوله: « أقيلوني فلست بخيركم »؟

5 ـ إنّها لو كانت ثابتة عن رسول الله فلماذا قال قال جماعة كبيرة من الصحابة والتابعين وتابعيهم بأفضلية علي عليه السلام؟ (2) .

مما يدل على أفضلية علي عليه السلام :

قوله:

( لهم أي للشيعة ومن وافقهم فيه أي في بيان أفضلية علي مسلكان: الأول: ما يدلّ عليه إجمالاً وهو من وجوه).

____________

(1) تلخيص الشافي 3 | 224.

(2) لا حظ مثلاً: الإستيعاب، بترجمة علي عليه السلام: 3 | 1090.

--------------------------------------------------------------------------------

( 127 )

أقول:

هذا بحسب ما يذكره وهو في كيفية الإستدلال ووجوهه، وإلاّ فإنّ مقتضى القاعدة أن يورد نصوص عبارات أصحابنا عن كتبهم في الدليل وتقرير الإستدلال به ثم يناقشه .

آية المباهلة :

قوله (367):

( الأول: آية المباهلة (1) ... وقد يمنع أن المراد بأنفسنا علي وحده، بل جميع قراباته وخدمه داخلون فيه).

أقول:

لقد أجمعوا على أن المراد بالأنفس هو علي عليه السلام والأحاديث بذلك صحيحة صريحة (2)، ولقد جاء صلّى الله عليه وآله وسلم بمن لو سألوا أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله (3) ولذا قال لهم « إذا دعوت فأمّنوا » (4) فكان المقصود حضور هكذا أفرادٍ لهم كرامة عنه الله، وإلاّ فاقر باؤه كالعباس وبنيه وسائر بني هاشم كثيرون ... فمن أولئك الذين زعم أنهم « داخلون فيه »؟

وكأنّ الماتن نفسه ملتفت إلى تعسف كلامه، ولذا يقول « وقد يمنع ».

وكذا الشارح ... ولذا أراد دعم هذا الزعم بقوله: (تدل عليه صيغة الجمع) لكنه أيضاً يعلم بأن مجيء صيغة الجمع للمفرد في القرآن كثير فهي محاولة يائسة.

فظهر دلالة الآية على أفضلية الأربعة، لا سيما أمير المؤمنين، لأنها جعلته

____________

(1) سورة آل عمران: 61.

(2) لاحظ: الدر المنثور 2 | 38 ـ 39.

(3) لاحظ التفاسير بذيل الاية، كالكشاف والرازي والبيضاوي.

(4) الدر المنثور 2 | 38.

--------------------------------------------------------------------------------

( 128 )

نفس النبي ... صلوات الله عليهم أجمعين ...

حديث الطير :

قوله (367):

( الثاني: خبر الطير ... وأجيب: بأنه لا يفيد كونه أحبّ إليه في كل شيء ...).

أقول:

كلامه ظاهر كل الظهور في أن لا شبهة في سند هذا الحديث ولا في دلالته إلاّ من الناحية التي ذكرها، فلا يدل على الأفضلية مطلقاً، وإذا زالت الشبهة المزبورة انقطع الكلام، لكنها في غاية السقوط عند أهل العلم، فإن العام أو المطلق مع عدم القرينة على التخصيص أو التقييد يقيد العموم أو الإطلاق، ولذا كانت كلمة الشهادة دالةً على التوحيد، مع أنها بالنظر إلى الشبهة المذكورة ـ لإمكان الاستفصال بأنه لا إله إلاّ الله في السماء أو في الأرض مثلاً ـ غير مفيدة لنفي الشريك مطلقاً ـ وهذا لا يقوله مسلم.

على أنه لو كان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أراد الأحبّ في شيء دون شيء لجاء مع علي عليه السلام أناس آخرون يكونون أحب إليه في بعض الأمور، بل لا يكون لدعائه فائدة، لأنّ حال علي حينئذ كسائر المؤمنين الذين يحبهم الله في بعض أعمالهم، ففي أيّ شيء كان تأثير دعائه صلّى الله عليه وآله وسلّم المستجاب قطعاً؟

مضافاً إلى أن الحديث في بعض ألفاظه نص في الأفضلية من الكلّ من جميع الجهات، ففي رواية الفقيه ابن المغازلي الشافعي بسنده: « فقال: اللهم أدخل عليّ أحبّ الخلق من الأولين وألآخرين يأكل معي من هذا الطائر ... » (1).

____________

(1) مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي: 156.

--------------------------------------------------------------------------------

( 129 )

وأيضاً، فلو كان علي عليه السلام أحبّ اليه في بعض الأشياء كان غيره أحب إليه في البعض الآخر، وحينئذٍ لم يكن وجه لأن يردّ أنس علياً عليه السلام في كلّ مرة يأتي إلى الباب قائلاً: « رسول الله على حاجة » ثم يعتذر بأنه كان يرجو أن يكون الدعاء لرجل من قومه الأنصار !

وبعد، فلو كان يتطرّق هذه الشبهة فلماذا استدل بالكتاب باطلاق (الأتقى) في قوله تعالى (سيجنّبها الأتقى)؟ ولماذا استدل باطلاق ما نسبه إلى النبي من قوله: « خير أمتي ... »؟

فظهر أن علياً عليه السلام ـ حسب دلالة هذا الحديث ـ أحب جميع الخلق إلى الله ورسوله، وكلّ من كان أحب الخلق إلى الله ورسوله فهو أفضل من جميعهم عندهما، وكلّ من كان كذلك فهو متعين للخلافة عندهما، فعلي عليه السلام متعين لها عندهما .

علي خير الخلق :

قوله (368):

( الثالث: قوله عليه السلام في ذي الثدية، يقتله خير الخلق، وفي رواية: خير هذه الأمة، وقد قتله علي. وأجيب: بأنه ما باشر قتله ...).

أقول:

لا يخفى قبولهما الحديث سنداً، واضطرابهما في الجواب عنه دلالة، فالماتن ذكر وجهين:

أحدهما: بأنه ما باشر قتله فيكون من باشره من أصحابه خيراً منه، وجوابه ما في كلام الشارح من أن الصواب أن علياً قتله، والعجب من الماتن كيف يحمل الكلام هنا على المباشرة ولا يحمله فيما ادّعاه لأبي بكر عليها؟

وثانيهما: دعوى أن عموم الحديث مخصوص بالنبي، فيضعف حينئذٍ عمومه للباقي. وفيه ـ مضافاً إلى عدم ارتضاء الشارح له ـ إن الكلام غير شامل

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 130 )

للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وعلى فرضه فالعام المخصوص حجة في الباقي بالإجماع كما عرفت فيما سبق.

والشارح أعرض عن كلا الوجهين فذكر وجهاً ثالثاً وهو: إن علياً حين قتله كان أفضل الخلق ... لكنه تأويل في غاية السقوط، ولعلّه لذا نسبه إلى القيل.

ثم العجب أنهما لم يتفوها في الحديث بما تفوّها به في سابقه مع أنه مثله !!

أخي ووزيري وخير من أتركه ...

قوله (368):

( الرابع: قوله عليه السلام: أخي ووزيري وخير من أتركه بعدي يقضي ديني وينجز وعدي علي بن أبي طالب. وأجيب بأنه: لا دلالة للأخوة والوزارة على الأفضلية. وأما باقي الكلام فإنه يدلّ على ...).

أقول:

أمّا قوله: « أخي » فيدل على الأفضلية كما استعرف في حديث المؤاخاة.

وأمّا قوله « وزيري » فهو إشارة إلى قول موسى عليه السلام (واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي) فالوزارة من جملة مناصب هارون التي نزّل فيها علي منزلته في حديث المنزلة، الدال على أفضليته من جهات عديدة.

وأمّا باقي الكلام فما ذكره فيه تأويل بلا دليل.

فاندفع الإشكال في الدلالة، وهو سنداً حديث متفق عليه بين الفريقين .