نصب الإمام :

قال (235):

( واجب على الخلق سمعاً عندنا عامة المعتزلة، وعقلاً عند بعضهم، وعلى الله عند الشيعة ... لنا وجوه ...).

أقول:

قد وقع الانفاق بيننا وبين القوم على وجوب نصب الإمام. خلافاً لمن نفاه مطلقاً أو في بعض الحالات ... لكنهم يقولون بوجوب نصبه على الخلق، وقد استدل في الكتاب بوجوه

____________

(1) مسند أحمد 4 | 96.

(2) سنن البيهقي 8 | 156.

(3) المواقف في علم الكلام 8 | 344.

--------------------------------------------------------------------------------

( 155 )

قال (236):

( الأول وهو العمدة: إجماع الصّحابة، حتى جعلوا ذلك أهم الواجبات، واشتغلوا به عن دفن الرسول ...)

أقول:

نعم، ترك أبوبكر وعمر ومن تابعها جنازة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على الأرض وأسرعوا إلى سقيفة بني ساعدة حيث اجتمع الأنصار ... للنّظر في أمر الخلافة ... وهي عندهم من فروع الدين ! ثم أقبلوا على بني هاشم وأتباعهم ... الذين بقوا حول الجنازة ... يطالبونهم البيعة لأبي بكر ... !

يقول السّعد 236: (روي أنّه لمّا توفي النّبي خطب أبوبكر فقال: أيها الناس ...).

فالذين « جعلوا ذلك أهم الواجبات » « حتّى قدّموه على دفن النبي » هم طائفة من الصحابة لا كلّهم، بل تلك الطائفة أيضاً لم يتحقق بينها الاجماع ـ بعد الصّياح والنزاع ـ بل بقي رئيس الخزرج وأتباعه مقاطعين لأبي بكر وعمر إلى أن مات، فأين الاجماع؟

هذا حال الاجماع المدعى في المقام « وهو العمدة » فلا حاجة إلى الكلام حول الوجوه الأخرى ...

وأمّا خطبة أبي بكر التي أوردها 236 فلا ذكر لها في كتب الحديث والسير، ولا ندري من الرّاوي لها، وفي أيّ كتاب؟ ومن الذين خاطبهم بقوله: « فانظروا وهاتوا آراءكم رحمكم الله، فتبادروا من كلّ جانب »؟ وأين؟ في السقيفة أو خارجها؟ وكأنّ السعد أيضاً لا يدري شيئاً من ذلك ولذا يقول: « روي ... » !.

ثم إنّه يرد على القول بوجوب نصبه على الخلق إشكال مبني على ما رووه عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: « الخلافة بعدي ثلاثون سنت » وعلى ما ذهبوا من أنّ الأمة لا تجتمع على ضلالة، وذلك أنه لو وجب نصب الإمام على الأمة لزم إطباقها في أكثر الأعصار على ترك الواجب، لأنهم لم ينصبوا الإمام

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 156 )

المتصف بما يجب من الصّفات بعد علي عليه السلام، أي منذ ثلاثين ينة بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حتى اليوم، لكن الأمة لا تجتمع على الضلالة، فالنصب غيرواجب عليها.

وقد تعرّض السّعد لهذا الإشكال فأجاب 239 عن لزوم اجتماع الأمة على الضّلالة بأنه (إنما يلزم الضلالة لو تركوه عن قدرة وأختيار لا عجز واضطرار) وأما عن الحديث فبأنه: (من باب آحاد) و (يحتمل الصرف إلى الخلافة على وجه الكمال).

قلت: لكن فيه:

أولاً: إنه يقتضي تقييد وجوب النصب على الخلق بحال القدرة والاختيار، والحال أنّ كلماتهم مطلقة، فراجع المواقف وغيره من كتبهم.

وثانياً: إنه لم يتّفق في تاريخ الاسلام إجتماع الأمة على الامام الحق فاضطروا إلى متابعة غيره، بل إنهم غدروا الحق وخذلوه كما كان في قوم موسى وغيره من الأنبياء، وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في الحديث المتفق عليه: « لتتبعنّ سنن من كان قبلكم شبراً بشبر ... » (1).

وثالثاً: إذا اجتمعت الأمة على إمامة الامام غير الحق فهل هذه ضلالة أو لا؟ لازم كلامه وجوب إطاعة هذا الامام وكونهم على حق ‍‍‍‍!! بل صريح كلامهم في غير موضع إمامة الفاقد للشرائط بل إمامة من صار إماماً بالقهر الغلبة. ففي الكتاب 257 (ومن صار إماماً بالقهر والغلبة ينعزل بأن يقهره آخر ويغلبه) فهل يريدون من هذه الإمامة، نفس ما هو موضوع البحث، أعني (الخلافة عن النبي)؟ وهل يجعلون هكذا شخص مصداقاً لقوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) ولقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: « من مات ولم يعرف

____________

(1) هذا الحديث بهذا اللفظ ونحوه متفق عليه بين المسلمين، ومن رواته من أهل السنة: أحمد والبخاري والترمذي ... أنظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير 5 | 261.

--------------------------------------------------------------------------------

( 157 )

إمام زمانه مات ميتةً جاهلية » فيوجبون معرفته وطاعته؟

إن قالوا: لا بل نريد من إمامته الملوكية والسلطنة، بل هو صريح الكتاب 245 حيث قال: (مبنى ما ذكر في باب الإمامة على الاختيار الإقتدار، وأما عند فقد صارت الرياسة الدنيوية تغلبيّة، وبنيت عليها الأحكام الدينية المنوطة بالامام ضرورة، ولم يعبأ بعدم العلم والعدالة وسائر الشرائط، والضرورات تبيح المخظورات، وإلى الله المشتكى في النائبات، وهو المرتحبى لكشف الملمات).

قلنا: فذلك خارج عن البحث، فلماذا يدخل فيه؟ ولماذا يستدل لوجوب معرفته وإطاعته بالآية والحديث كما في الكتاب 329؟

وإن قالوا: نعم. قلنا: فما الفرق بين هذا الامام الفاقد للعلم العدالة وغيرها من الصفات المعتبرة وبين الواجد لها؟ وأيّ ثمرة لذكر صفات الامام والقول باعتبارها؟

وأمًا الحديث فيردّ جوابه عنه بأنّه خبر واحد: استدلاله هو به تبعاً لشيخه العضد على إمامة أبي بكر ومن بعده 266 ويردّ احتمال صرفه: أنه تأويل بلا دليل، ولذا عبّر بالإحتمال ...

وأمّا أصحابنا فلا يتخطّون عن التّعريف ... فالإمامة نيابة عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وخلافة عنه في كلّ ما لأجله بعث، فهي من توابع النبوة وفروعها، وكلّ دليل قام على وجوب بعث النبي وإرسال فهو دال على وجوب نصب الامام النائب عنه والقائم مقامه في وظائفه ... واستدلّوا على ذلك بأدلةٍ كثيرة من الكتاب والسنة والعقل ... لم تذكر في الكتاب ...

أمّا في الكتاب فآيات منها قوله تعالى: (وربّك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ...) (1).

____________

(1) سورة القصص: 68.

--------------------------------------------------------------------------------

( 158 )

وأمّا من السنّة فأخبار منها: ما ثبت عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه لمّا عرض نفسه على بعض القبائل، ودعاهم إلى الله والاسلام، قال له رجل منهم: « أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرت الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟

قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء » (1).

وأمّا من العقل فوجوه:

منها: الوجوه الدالة على اعتبار العصمة والأفضلية في الامام، لأن العصمة حالة خفية لا يطّلع عليها إلاّ الله سبحانه، وكذا الأفضلية، فيجب أن يكون النصب من قبله.

ومنها: قاعدة اللطف، ولم يذكر في الكتاب إلاّ هذا الوجه، وكذلك فعل القاضي العضد في المواقف ... ليوهم أن لا دليل لأصحابنا غيره ... ثم منع ـ تبعاً له ـ وجوب اللطف على الله ... 241.

أقول: اللطف عندنا: ما يقرّب العبد إلى الطاعة ويبّعده عن المعصية ولا حظّ له في التمكين ولا يبلغ الإلجاء، لتوقف غرض المكلّف عليه، وإنّ المريد لفعل من غيره إذا علم أنّه لا يفعله إلاّ بفعل يفعله المريد من غير مشقة لو لم يفعله لكان ناقصاً لغرضه، وهو قبيح عقلاً (2).

ولا ريب في أنّ (الامام) كذلك، مثل (النبي).

فنصب الامام واجب على الله كبعث النبي، لتكون (الله الحجّة البالغة) (3) و (لئلا يكون الناس على الله حجة) (4) و (ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من

____________

(1) السّيرة النبوية لابن هشام 2 | 66، السيّرة الحلبية 2 | 154.

(2) الباب الحادي عشر للعلامة الحلي: 35.

(3) سورة الأنعام: 149.

(4) سورة النساء: 164.

--------------------------------------------------------------------------------

( 159 )

حي عن بيّنة) (1).

وحينئذٍ لا يقال بأن لا وجوب على الله، ولا حكم للعقل في مثل ذلك، لأنّ معنى هذا الوجوب العقلي درك العقل حسن إرسال الرسول ونصب الإمام، إذ بذلك يعرف الله ويعبد، وهذا هو الغرض من الخلقة حيث قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون) (2).

فسقط منع وجوب اللّطف ... وتفصيل الكلام في كتب علمائنا الأعلام، كالذخيرة والشافي وتلخيصه وتجريد الإعتقاد وشرحه وغيره من كتب العلامة الحلي وشروحها وغير ذلك.

ثم إنّ القاضي العضد لم يشكل في الاستدلال بهذا الوجه ـ بعد منع وجوب اللّطف ـ إلاّ بأنّ اللّطف الذي ذكرتموه إنّما يحصل بإمام ظاهر قاهرٍ (3) وتبعه السّعد فأورده وتكلّم عليه، وليته اقتدى بشيخه فلم يذكر غيره من الايرادات الباردة السخيفة، كقوله 241.

( إنّ أداء الواجب وترك القبيح مع عدم الإمام أكثر ثواباً لكونهما أشق وأقرب إلى الإخلاص، لاحتمال انتفاء كونهما من خوف الامام. وأيضاً: فإنّما يجب لو لم يقم لطف آخر مقامه كالعصمة مثلاً، فلم لا يجوز أن يكون زمان يكون الناس فيه معصومين مستغنين عن الامام؟ ...).

فإنّ الأوّل منهما مستلزم لرفع اليد عن أصل الوجوب، لكنّ أصحابنا ذكروا في اللّطف أن لا يبلغ حدّ الإلجاء ... والثاني منهما محال، وعلى فرضه فخروج عن البحث، لأنّ الكلام في نصب الإمام ليقتدي به الأنام، وإذا كان جميع الناس معصومين كانوا جميعاً أئمّة فمن المأموم؟

____________

(1) سورة الأنفال: 42.

(2) سورة الذاريات: 56.

(3) المواقف في علم الكلام 8 | 348.

--------------------------------------------------------------------------------

( 160 )

وأمّا الاشكال بالنقض بالامام الغائب عن الأبصار فقال 241.

( وأيضاً: إنّما يكون منفعة ولطفا واجباً إذا كان ظاهراً قاهراً زاجراً عن القبائح، قادراً على تنفيذ الأحكام وإعلاء لواء الاسلام وهذا ليس بلازم عندكم، فالإمام الذي ادّعيتم وجوبه ليس بلطف، والذي هو لطف ليس بواجب.

وأجاب الشيعة: بأن وجود الإمام لطف سواء تصرّف أو لم يتصرّف ...

وردّ: بأنّا لا نسلّم أن وجوده بدون التصرف لطف ... وثانياً: لأنه ينبغي أن يظهر لأوليائه ...).

أقول:

ولا يخفي سقوط الوجهين:

أمّا الأول فإنّ منشأه توهّم أنّ الإمامة هي السلطنة الظاهريّة فحسب، لكنّه عرّفها بأنّها رياسة في الدين والدّنيا ... وكذلك عرّفها غيره، وقد عرفت أن لا خلاف هنا ... فهي منصب إلهي كالنبوة، فكما أنّ النبوة باقية، كذلك مع السلطة الدنيوية والحكومة الظاهرية وقد تفترق عنها والنبوة باقية، كذلك الامامة، و (البعث) و (النصب) من الله في جميع الأحال على حاله، و (النبي) و (الامام) باقيان على النبوة والامامة. وعلى الناس الانقياد لهما والتسليم لأوامرهما ونواهيهما، ولا إلجاء من الله كما عرفت. فإن فعلوا اجتمع الرياستان وتمّ اللطف، وإلاّ افتراقتا ولم تبطل النبوة والامامة، بل خسرت الأمة فوائد بسط اليد ونفوذ الكلمة منهما. على أن وجود النبي أو الامام الفاقد للسطنة الظاهرية ينطوي على بركاتٍ وآثار يفهمها أهلها، حتى ولو كان غائباً عن الأبصار.

وأمّا الثاني: فإن ظهوره لأوليائه واقع، وتلك كتبهم المؤلّفة في هذا الباب من السابقين والـلاّحقين، فيها حكايات وقصص يروونها عن طريق الثقات المعتمدين، فكم من مسألة علميّةٍ أجاب عنها، ومشكلةٍ عامةٍ أو خاصةٍ حلّها، وحاجةٍ مهمّةٍ قضاها ... لكنّه في أكثر الأحيان لا يعرف، ولا يعرّف نفسه إلاّ لخواص أوليائه من عباد الله الصالحين، الذين لا تخلو منهم الأرض في كلّ عصر وزمان ...

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 161 )

ما يشترط في الإمام :

قال (224):

( يشترط في الإمام أن يكون: مكلفاً، حراً، ذكراً، عدلاً ... وزاد الجمهور: إشتراط أن يكون شجاعاً ... مجتهداً ... ذا رأي ... واتفقت الأمة على اشتراط كونه قرشياً، أي: من أولاد نضر بن كنانة، خلافاً للخوارج وأكثر المعتزلة. لنا: السنّة والاجماع ...).

أقول:

قد عرفت في التعريف أن (الامام) إنّما هو (خليفة النّبي) ... والقوم لم يشترطوا فيه بالاتفاق إلاّ:

التكليف والحريّة والذّكورة والعدالة.

واختلفوا في شروط هي:

الشجاعة والاجتهاد والرأي

قال:

( واتفقت الأمة على اشتراط كونه قرشياً) فادّعى الاتّفاق، لكن قال:

( خلافاً للخوارج وأكثر المعتزلة) !!

ثمّ استدل لإشتراط القرشيّة بالكتاب والسنة ... وأصرّ عليها إصراراً ...

أقول:

أمّا التكليف والحريّة والذكورة ... فالواجدون لها من أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بالآلاف، وكذا (العدالة) لا سيّما بناء على المشهور بينهم من أصالة العدالة في الصّحابة، وكذا (الشجاعة) و (الرأي) فإنهما ـ على القول باعتبارهما ـ كانا في كثير من الصحابة، وكذا (الاجتهاد في الأصول والفروع) عند القوم، وبه يوجّهون المخالفات الصريحة من الصّحابة ... فما الذي رجّح أبابكر وعمر وعثمان على غيرهم من الصّحابة فكانوا خلفاء لرسول الله صلّى الله عليه وآله

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 162 )

وسلّم دونهم؟

بل في الصّحابة من هو خير منهم في ما عدا الصفات الثلاثة الأولى، ولذا وقع الاختلاف بين القوم في اشتراط ما عداها !!

ثم إنّ الواجدين لهذه الصفات كلّها في قرش جمع غفير ... فما الذي ميّز الثلاثة عن غيرهم؟

على أنّ اعتبار القرشيّة ينافي مذهب عمر بن الخطّاب ... فإنّه تمنى حياة بعض الموالي ليجعل فيه الخلافة من بعده ! فقد قال: « لو كان سالم حيّاً ما جعلتها شورى) يعنى: سالم بن معقل مولى أبي حذيفة وكان من أهل فارس من اصطخر، وقيل: إنّه من عجم الفرس من كرمد، ذكر ذلك ابن عبدالبرّ، وقال: كان من فضلاء الموالي، ثمّ حمل كلام عمر على أنّه كان يصدر فيها عن رأيه (1) ولا يخفى بعده عن الكلام كلّ البعد، وقد رووا كلامه بلفظ: « لو كان سالم حيّاً ما تخالجني فيه شك » وعنه « لو استخلفت سالماً مولى أبي حذيفة فسألني عنه ربي ما حملك على ذلك لقلت ربي سمعت نبيّك صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو يقول إنّه يجبّ الله تعالى حقاً من قبله » (2).

بل رووا عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ما ينافي اعتبار القرشية بصراحة، فقد أخرج أحمد بسنده عن عائشة قالت: « ما بعث رسول الله زيد بن حارثة في جيش قط إلاّ أمرّه عليهم ولو بقى بعده استخلفه » (3).

والواقع أنّهم يسعون في تقليل شرائط الإمامة وتهوينها كي يتمكنوا من إثبات إمامة أبي بكر وعمر وعثمان ... وإلاً فقد عرفت أنّ (الامامة) إنّما هي (خلافة عن النبي) ... فيعتبر في الإمام أن يكون كالنّبي، أي إنّ الله ما نصب للإمامة أحداً إلاّ كان واجداً لصفات من نصبه نبياً، بأن كان أفضل الناس

____________

(1) الاستيعاب 2 | 567.

(2) حلية الأولياء 1 | 177.

(3) المسند 6 | 226.

--------------------------------------------------------------------------------

( 163 )

وأعلمهم، معصوماً من الخطأ والنسيان مطلقاً ... فما كان للقاضي العضد من جواب عن هذا إلاّ أن قال: « إنا ندلّ على خلافة أبي بكر ولا يجب له شيء ممّا ذكر » و « إنّ أبابكر لا تجب عصمته إتفاقاً » (1).

قال (246):

( واشترط الشيّعة أن يكون هاشمياً بل علوياً، وعالماً بكلّ أمر حتى المغيّبات، قولاً بلا حجة، مع مخالفة الاجماع. وأن يكون أفضل أهل زمانه، لأنّ تقديم المفضول قبيح عقلاً، ونقل عن الأشعري، تحصيلاً لغرض نصبه وقياساً على النبوة. وردّ بالقدح في قاعدة القبح ... وأن يكون معصوماً ...).

أقول:

مذهب أصحابنا أن الصّفات المعتبرة في الإمام، والتي لأجلها يكون النصب من الحكيم العلاّم، لم تتوفّر إلاّ في أمير المؤمنين وأبنائه الأحد عشر عليهم الصلاة والسّلام، فكانوا هو الأئمّة، دون غيرهم من أفراد الأمة ... فإن أراد من قوله: (اشترطت الشيعة أن يكون هاشمياً بل علويّاً) هذا المعنى فهو صحيح.

وأمّا كونه (عالماً بكلّ أمر حتى المغيّبات).

فهو لازم مقام الامامة التي هي النيابة عن النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم والوراثة له في كلّ شيء إلاّ الوحي، فان النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان عالماً بكلّ أمرٍ حتّى المغيّبات، كما هو صريح القرآن الكريم في غير واحدة من الآيات.

بل لقد ادّعى القوم العلم بالغيب لبعض الصحابة، من ذلك ما رووه في صحاحهم في حذيفة بن اليمان أنّه: « أعلمه رسول الله بما كان وما يكون إلى يوم القيامة » (2)

____________

(1) المواقف في علم الكلام 8 | 350.

(2) مسند أحمد 5 | 386، صحيح مسلم ـ كتاب الفتن، الاصابة 1 | 218.

--------------------------------------------------------------------------------

( 164 )

وبعد:

فإنّ الأئمّة الأثني عشر عليهم السلام كانوا كذلك، وتلك خطب أمير المؤمنين عليه السلام الدالّة على إحاطة علمه موجودة في الكتب، وقد أذعن بها القاضي العضد والشريف الجرجاني (1) وبذلك تعرف ما في قول السّعد: « وهذه جهالة تفرد بها بعضهم ».

وأمّا كونهم أفضل أهل زمانهم ... فسيذكر بعض الأدلة على ذلك وتقديم المفضول قبيح عندنا وعند الأشعري وأتباعه ن بل جاء في الكتاب 290: (ذهب معظم أهل السنّه وكثير من الفرقّ إلى أنه يتعيّن للامامة أفضل أهل العصر).

ومن هذه العبارة يظهر ما في نسبة صاحب المواقف وشارحها القول بجواز تقديم المفضول إلى الأكثرين (2).

ومنها ومن قول ابن تيمية: « تولية المفضول مع وجود الأفضل ظلم عظيم » (3) يظهر أيضاً ما في ردّ بعضهم (بالقدح في قاعدة القبح).

هذا، وإنّ عمدة الصّفات المستلزمة للأفضلية هي (الأعلميّة) و (التقوى) فقد قال الله تعالى: (إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم) (4) وقال: (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) (5) وكذا دلّت الأحاديث النّبوية، ودلّ عليه العقل وقام الإجماع كما نص في الكتاب 301 ... وسيذكر بعض الأدلة على أنّ عليّاً عليه السلام أعلم الأمة وأتقاها بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ...

وعلى الجملة فإنّ الإمام منصوب من العليم الحكيم، كما أنّ النبي مبعوث منه، وكما يدلّ اختياره للنبوة على الأفضلية قطعاً كما نص عليه في الكتاب 247

____________

(1) شرح المواقف 8 | 370.

(2) شرح المواقف 8 | 373.

(3) منهاج السنة 3 | 277.

(4) سورة الحجرات: 13.

(5) سورة الزمر: 9.

--------------------------------------------------------------------------------

( 165 )

كذلك يدل اختياره للإمامة على الأفضلية، ومن هنا أجاب في الكتاب عن وجوه القول بجواز تقديم المفضول بقوله 247: بأنّها لا تصلح للاحتجاج على الشيعة (فإن الإمام عندهم منصوب من قبل الحق لا من قبل الخلق).

وأمّا العصمة ... فلا حاجة إلى إقامة الدليل على اشتراطها في الامام، بعد أن عرفت أنّ (الامامة) إنّما هي (خلافة عن النبي) فيعتبر في الامام كلّ ما يعتبر في (النبّي) إلاّ النبوة، ومنه العصمة، وأنّه لمّا كانت العصمة أمراً خفيّاً لا يطّلع عليه أحد كان النص من الله تعالى هو الطّريق إلى معرفة الإمام وتعيينه، بل كان على الخصم إقامة الدّليل على عدم وجوب العصمة، فلذا جاء في الكتاب 249:

( إحتجّ أصحابنا على عدم وجوب العصمة بالاجماع على إمامة أبي بكر وعمر وعثمان مع الإجماع على أنهم لم تجب عصمتهم ...وقد يحتج كثير بأن العصمة ممّا لا سبيل للعباد إلى الإطّلاع عليه، فإيجاب نصب إمامٍ معصوم يعود إلى تكليف ما ليس في الوسع).

أقول:

ولا يخفى سقوط الوجهين، أمّا الأول فالاجماع على إقامة القوم غير واقع. وأمّا الثاني، فالأنّه موقوف على أن يكون النصب بيد الخلق وهوباطل ... ولذا اضطر السّعد إلى أن يقول 249:

( وفي انتهاض الوجهين على الشيعة نظر).

ومع ذلك فقد استدل أصحابنا لا شتراط العصمة بوجوهٍ من الكتاب والسنة والعقل ... وقد ذكر بعضها:

قال (249):

( احتجّوا بوجوه: الأوّل: القياس على النبّوة ... وردّ بأنّ النبّي مبعوث من الله، مقرون دعواه بالمعجزات الباهرة الدالة على عصمته ... ولا كذلك الإمام فإنّ نصبه مفوّض إلى العباد الذين لا سيبل لهم إلى معرفة عصمته ...).

أقول:

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 166 )

ليس أمر الامامة مقيساً على النبوة، بل هي من توابع النبوة وشئونها كما عرفت، وكما أنّ النبي مبعوث من الله فكذلك الامام منصوب منه. وكما أنّ دعوى النّبي مقرونة بالمعجزات، فكذلك الامام تظهر المعجزة على يده متى اقتضت المصلحة، ولذا كان ظهور المعجزة على يده قائماً مقام النص، كما نص عليه علماؤنا (1) ... والعجب من السّعد كيف يقول: « فإنّ نصبه مفوّض إلى العباد الذين لا سبيل لهم إلى معرفة عصمته » فانّه ليس إلاّ مصادرة، مع أنّه يناقض كلامه السابق حيث اعترض على الاحتجاج بجواز تقديم المفضول بأنّ (الأفضليّة أمر خفي) قائلاً: بأنّ (هذا وأمثاله لا يصلح للاحتجاج على الشيعة، فإنّ الامام عندهم منصوب من قبل الحق لا من قبل الخلق) !!

قال: (250):

( الثّاني: إنّ الامام واجب الطاعة. قال الله: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (2) ... والجواب: إنّ وجوب طاعته إنّما هو فيما لا يخالف الشّرع ...).

أقول:

إن الأمر المطلق بالإطاعة المطلقة دليل العصمة، لا سيّما في هذه الآية حيث عطف (أولي الأمر) على (الرّسول)، ولذا اعترف إمامهم الفخر الرازي بدلالة الآية على العصمة (3) وأمّا حمله (أولي الأمر) على غير (الإمام) فيردّه عدم إنكار السّعد الاستدلال من هذه الناحية.

قال: (250):

( الثالث: إنّ غير المعصوم ظالم ... والجواب ...).

____________

(1) تلخيص الشافي 1 | 274، الباب الحادي عشر: 48.

(2) سورة النساء: 59.

(3) تفسير الفخر الرازي 10 | 144.

أقول:

قال تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات فأتمهنّ قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) (1).

وإذا عرفنا (الظالم) و (العهد) ظهر وجه الاستدلال.

فأمّا (الظالم) فهو عند أهل اللغة وكثير من العلماء: واضح الشيء في غير موضعه (2) وغيره المعصوم كذلك كما هو واضح.

وأمّا (العهد) فالمراد منه ـ كما ذكر المفسّرون ـ (3) هو (الامامة).

فمعنى الآية: إن غير المعصوم لايناله الإمامة.

هذا وجه الاستدلال، ولا يخفى الإضطراب في كلمات السّعد لدى الجواب.

قال (251):

( الرّابع: إنّ الأمة إنما يحتاجون إلى الإمام لجواز الخطأ عليهم في العلم والعمل، ولذلك يكون الإمام لطفاً لهم ... والجواب: إنّ وجوب الإمام شرعي، بمعنى أنه أوجب علينا نصبه ...)

أقول:

وفيه، إنّه مصادرة ... وهذا أيضاً منه تناقض ظاهر.

قال: (251):

( الخامس: إنه حافظ للشّريعة، فلو جاز الخطأ عليه لكان ناقضاً لها ... والجواب: إنه ليس حافظاً لها بذاته، بل بالكتاب والسنّة وإجماع الامة واجتهاده الصحيح، فإن أخطأ في إجتهاده أو ارتكب معصية فالمجتهدون يردّون

____________

(1) سورة البقرة: 118.

(2) قاله الراغب في المفردات 315.

(3) الرازي 3 | 40، البيضاوي 26، أبو السعود العمادي 1 | 156.

--------------------------------------------------------------------------------

( 168 )

والآمرون بالمعروف يصدّون ...).

أقول:

إنه حافظ للشريعة ـ أي ما في الكتاب والسنة ـ بذاته، بأن يعلّمها المؤمنين بها، ويدعو الآخرين إليها، وينفي تحريفات المبطلين عنها ... كما أنّ النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كذلك. وأمّا الكتاب والسنّة فلا يخفظان الشّريعة لأنّهما محتاجان إلى الإمام المبيّن لهما.

ثم إنّ الإمام ليس مجتهداً، بل شأنه شأن النبي ووظيفته وظيفته كما ذكرنا، فلا يجوز عليه الخطأ ألبتة فضلاً عن المعصية ... حتى يردّه المجتهدون ويصدّه الآمرون بالمعروف.

ثم من أين يؤمن المجتهدون ... والآمرون ... عن الخطأ والمعصية؟ ومن يكون الرّاد والصادّ لهم عن ذلك؟ وان كانوا لا يخطأون ولا يعصون كانوا هو الآئمّة ووجب على الإمام إطاعتهم !

قال (252):

( السادس: إنه لو أقدم على المعصية فإمّا أن يجب الإنكار عليه، وهو مضاد لوجوب إطاعته ... والجواب: إن وجوب الطاعة إنما هو فيما لا يخالف الشّرع ...).

أقول:

ومن المشخّص للمخالف للشّرع عن غير المخالف؟ إن كان غير معصوم فهو كالأول، وإن كان معصوماً فهو الإمام.

قال: (252):

( السّابع: إنّه لابدّ للشرّيعة من ناقل، ولا يوجد في كلّ حكمٍ حكم أهل التواتر معنعناً إلى إنقراض العصر، فلم يبق إلاّ أن يكون إماماً معصوماً عن الخطأ. والجواب: إنّ الظنّ كافٍ في البعض ...وأمّا القطعي فإلى أهل التواتر أو جميع الأمة، وهم أهل عصمة عن الخطأ فلا حاجة إلى معصوم بالمعنى الذي

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 169 )

قصد. ثمّ ـ وليت شعري ـ بأيّ طريق نقلت الشّريعة إلى الشيعة من الإمام الذي لا يوجد منه إلاّ الاسم).

أقول:

لو سلّمنا كفاية الظن في البعض، فالرجوع في القطعي إلى أهل التواتر مع احتمال السّهو عليهم لا يفيد، سلّمنا أنه لا يجوز عليهم السّهو فما المانع من عدولهم من النقل تعمّداً لبعض الأغراض والدواعي؟ وكذا الكلام في الرجوع إلى جميع الأمة، ودعوى عصمتهم عن الخطأ ممنوعة، لانّ ما جاز على آحاد الأمة جائز على جميعها.

وأمّا الشّريعة فقد انتقلت إلى الشّيعة عن الأئمّة السابقين على الغائب عليه السّلام، وهو حي موجود ينتفع به كالانتفاع بالشمس السحاب.

هذا، واعلم أنّ جميع هذه الشبهات التي طرحها السّعد حول هذه الأدلة إنّما هي مأخوذة من كتاب (المغني في الإمامة) للقاضي عبدالجبار بن أحمد المعتزلي، فالقوم في الردّ على الشّيعة عيال على المعتزلة، لكن أصحابنا أجابوا عنها بأجوبة كافية شافية، كما لا يخفى على من راجع (الشافي) و (تلخيصه) وغيرهما.

ثم إنّه يدل على اعتبار العصمة في الإمام من السنّة أحاديث، منها: حديث الثقلين المتواتر بين الفريقين، وحديث: « على مع القرآن والقرآن مع علي، لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض » (1) فإنّه يفيد ثلاثة أمور: أحدها: معنى العصمة وهو عدم التخطّي عن القرآن. والثاني: اشتراط هذا المعنى في الامام. والثالث: وجوده في علي عليه السلام.

قال (252):

( وأمّا اشتراط المعجزة والعلم بالمغيّبات... فمن الخرافات).

أقول:

____________

(1) أخرجه الحاكم في المستدرك 3 | 124 والذهبي في تلخيصه وصحّحاه.

--------------------------------------------------------------------------------

( 170 )

دعوى أنّ ذلك كله خرافات لا دليل عليها، والأصل في إنكار ظهور المعجزة على يد الامام هو القاضي عبدالجبار المعتزلي أيضاً، وقد أجاب عنه الشريف المرتضى الموسوي في كتاب (الشّافي) فليت السّعد لاحظ كلامه...

وممّا قال رحمه الله: « إنّ المعجزة هو الدال على صدق من يظهر على يده فيما يدّعيه، أو يكون كالمدعي له، لأنّه يقع موقع التصديق، ويجري مجرى قول الله تعالى له: صدقت فيما تدّعيه عليّ. وإذا كان هذا هو حكم المعجز لم يمتنع أن يظهره الله تعالى على يد م يدّعي الإمامة ليدّل به على عصمته ووجوب طاعته والانقياد له، كما لا يمتنع على يد من يدّعي نبوّته ... » (1).

وقال الشيخ أبو جعفر الطوسي: « فصل في إيجاب النص على الامام أو ما يقوم مقامه من المعجز الدال على إمامته » (2).

وقال العلامة الحلّي: « الامام يجب أن يكون منصوصاً عليه، لأن العصمة من الأمور الباطنة التي لا يعلمها إلاّ الله تعالى، فلابدّ من نصّ من يعلم عصمته عليه أو ظهور معجزة على يده تدل على صدقه » (3).

وأمّا أحاطة علمه فلم ينكره القاضي العضد والشريف الجرجاني.

وأمّا علمه باللّغات وغير ذلك ... فلا دليل على منعه، بل الدليل على ثبوته كما هو الحال في النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم .

طريق ثبوت الإمامة :

مذهب أصحابنا أن لا طريق إلى ثبوت الإمامة إلاّ النّص أو ما يقوم مقامه وهو ظهور المعجز على يد المدّعي لها، وذهب القوم إلى ثبوتها بالنصّ والبيعة.

____________

(1) الشافي في الإمامة 1 | 196.

(2) تلخيص الشافي 1 | 275.

(3) الباب الحادي عشر: 48.

--------------------------------------------------------------------------------

( 171 )

قال (255):

( لنا على كون البيعة والاختيار طريقاً: إنّ الطريق إمّا النص وإما الاختيار، والنص منتف في حق أبي بكر مع كونه إماماً بالاجماع، وكذا في حق علي على التحقيق. وأيضاً: إشتغل الصّحابة بعد وفاة النبي ... فكان إجماعاً على كونه طريقاً، ولا عبرة بمخالفة الشيعة بعد ذلك).

أقول:

لقد أقرّ بانتقاء النص في حق أبي بكر.

وكونه إماماً دعوى تحتاج إلى إثبات، والاجماع غير متحقق.

ونفي النص في حق علي عليه السلام لا يسمع، لأنّ المثبت مقدّم على النافي.

ولا يخفى إختلاف تعبيره بين النّفيين.

هذا في الوجه الأول.

وفي الثاني: إنّ اشتغال (الصحابة) بعد وفاته صلّى الله عليه وآله وسلّم غير حاصل، بل المشتغلون بعضهم، والاجماع بين هذا البعض غير حاصل فكيف بالكلّ؟ وإذ لم يتحقق الإجماع فلا عبرة بقوله (لا عبرة بمخالفة الشيعة بعد ذلك).

هذا كلّه بغضّ النّظر عن المفاسد المترتبة على الإختيار، وبغض النظر عن عدم الدليل على اعتبار إجماع الصحابة بل الأمة ما لم يكن بينهم معصوم.

ومن العجب أنهم يقولون بتفويض أمر الإمامة إلى (الأمّة) ويزعمون أن إمامة أبي بكر كانت بالاجماع، ثم يقولون بأنّه يتحقق (باختيار أهل الحلّ والعقد وبيعتهم) و (من غير أن يشترط إجماعهم على ذلك) 254، ثم يقولون بأنّه (ينعقد بعقد واحد منهم) 254 !

فانظر كيف نزلوا من (الخلق) و (الأمة) و (الإجماع) إلى (أهل الحلّ والعقد) إلى (الواحد) !

وكيف يحلّ لمن يؤمن بالله واليوم الآخر إيجاب إتباع من لم ينص الله عليه ولا

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 172 )

رسوله، ولا اجتمعت الأمة عليه، على جميع الخلق، في شرق الدّنيا وغربها، لأجل مبايعة واحد ؟!

قال (255):

( احتجت الشيعة بوجوه:

الأول: إنّ الإمام يجب أن يكون معصوماً أفضل من رعيّته ... وردّ بمنع المقدمتين ...).

أقول:

قد ثبت تماميّة المقدّمتين، وتقدّم أنّه لولا العصمة والأفضلية بالأعلمية وأمثالها من الصّفات لم يبق فرق بين الإمام والمأموم، فالأمران معتبران في الإمام، ولا سبيل إلى معرفة ذلك بالاختيار، فانحصر الطريق في النص.

قال (255):

( الثاني: إنّ أهل البيعة لا يقدرون على تولية مثل القضاء ... وردّ بمنع الصغرى ... ولو سلّم فذلك لوجود من إليه التّولية وهو الإمام ...).

أقول:

أمّا ما ذكره أوّلاً فلا يخفى ما فيه، إذ لا ولاية لقاضي التحكيم وللشاهد على القاضي.

وأمّا ما ذكره ثانياً ـ ولعلّه إنّما ذكره لالتفاته إلى المغالطة في كلامه ـ ففيه: أنه خروج عن الكلام، فإنّه في طريق تعيين الإمام ...

قال (255):

( الثالث: إنّ الإمامة لإزالة الفتن، وإثباتها بالبيعة مظنّة إثارة الفتن، لاختلاف الآراء ... وردّ بأنّه لا فتنة عند الانقياد للحق ...).

أقول:

ولكنّ المشخّص للحق ما هو؟ هل البيعة أو النصّ؟ إن كان الأول ففيه المحذور، فلا مناص من الثاني.

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 173 )

وقوله: (نزاع معاوية لم يكن في إمامة علي بل في أنه هل يجب عليه بيعته قبل الاقتصاص من قتلة عثمان ؟) باطل جداً:

أمّا أوّلاً: فلأنّه أخذ البيعة من أهل الشام لنفسه بالامامة.

وأما ثانياً: فلأنّه وصف هو وأتباعه بالفئة الباغية، فلو كان توقفه عن البيعة للإمام عليه السلام لما ذكره لما وصفوا بذلك.

وأمّا ثالثاً: فلأنّ الإمام عليه السلام بايعه فضلاء الصحابة وعظماء المسلمين من غير منازعة في شيء، ومن معاوية لينفرد بمنازعة الامام عليه السلام بما ذكر؟

لقد كان الأولى بالسّعد أن يجلّ نفسه عن الدفاع عن البغاة !!

وكذا قوله (ولو سلّم فالكلام فيما إذا لم يوجد النص ...) لأنّ الكلام في طريق ثبوت الإمامة، وهو إمّا النص كما هو الحق وإمّا الاختيار كما يقولون، وإذ كان الاختيار منشأ المفاسد فالرجوع إلى النصّ هو المتعيّن، وفرض عدمه أوّل الكلام ...

قال (256):

( الرابع: إنّ الإمامة خلافة الله ورسوله ... وردّ بأنّه لمّا قام الدليل الدليل من قبل الشارع ـ وهو الاجماع ـ على انّ من اختاره الأمة خليفة الله ورسوله كان خليفة سقط ما ذكرتم ...).

أقول:

أولاّ: إنّه لم تتحقّق صغرى هذا الإجماع.

وثانياً: لو سلّمنا تحقّقه، فأين النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم التام سنداً ودلالةً الكلّ على أنّ الأمّة إذا أجمعت على اختيار شخص خليفة لله ورسوله كان خليفة؟

وثالثاً: لو سلّمنا وجود هكذا قول فقد عاد الأمر إلى النص.

ورابعاً: لو سلّمنا قيام الاجماع المذكور وكفايته عن النص فهو قائم ـ

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 174 )

بالفرض على أنّ من اختاره (الأمة) ... لا من اختاره (الواحد).

وهذا من موارد تناقضاتهم ...

قال (256):

( الخامس: إنّ القول بالاختيار يؤدّي إلى خلوّ الزمان عن الإمام ... وردّ بأنّه ...).

أقول:

نعم إنّ القول بالاختيار يؤدّى إلى خلوّ الزمان عن الامام، فيتسلّط الجبابرة الأشرار ويستولي الظلمة والكفّار ... ولمّا كانت هذه المفسدة مترتبة على الاختيار فانّه يسقط عن الطريقية ويتعيّن النّص. وهنا يلتجأ القوم إلى تقييد الاختيار بحال (الاقتدار) ويقولون بوجوب إطاعة الكفّار والفجّار ... عند (العجز والاضطرار) ولم يعبأ حينئذٍ بعدم العلم والعدالة وسائر الشرائط ... 245 ... !

وهذا كلّه للفرار عن الرجوع إلى النّص والإنكار له !!

قال (256):

( السّادس: إنّ سيرة النبّي وطريقته على أنّه كان لا يترك الاستخلاف على المدينة ... فكيف يترك الاستخلاف في غيبة الوفاة ...؟ والجواب: إنّ ذلك مجرّد استبعاد. على أن التفويض إلى اختيار أهل الحلّ والعقد واجتهاد أرباب الألباب نوع استخلاف ...).

أقول:

هل إنّ ذلك مجرّد استبعاد حقاً؟ ليته لم يقله واكتفى بما ادّعاه من التفويض ... لكن فيه:

أولاً: أين الدليل التام المقبول على هذا التفويض؟

وثانياً: على فرض ثبوته فإنّه إلى (إختيار أهل الحلّ والعقد ...) كما ذكر، لا إلى (واحد) منهم إن كان منهم.

وثالثاً: إنّ تفويض الأمر إلى الأصحاب محال، لأنّه لا يخلو صلّى الله عليه

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 175 )

وآله وسلّم من أن يكون عالماً بما سيقع بين الأصحاب وسائر الأمة من الافتراق الاختلاف أو يكون جاهلاً بذلك، فإن كان عالماً ففوّض الأمر إليهم مع ذلك فقد خان الله والاسلام والمسلمين ـ والعياذ بالله من ذلك، وإن كان جاهلاً بما سيكون فهذا نقص كبير والعياذ بالله من نسبته إليه ... وإذا كان اللازم من الخيانة والجهل محالاً فالملزوم وهو التفويض محال.

قال (257):

( السابع: إنّ النبي كان لأمّته بمنزلة الأب الشفيق لأولاده الصّغار وهو لا يترك الوصيّة في الأولاد إلى واحد يصلح لذلك، فكذا النبي في حق الأمة.

الثامن: قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم) (1). ولا خفاء في أنّ الإمامة من معظمات أمر الدين، فيكون قد بيّنها وأكملها ...

والجواب عنهما بمثل ما سبق).

أقول:

توضيح الوجه السّابع هو: إن نسبة عدم الوصيّة إلى النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم خطيئة كبيرة لا تغفر أبداً، فالوصيّة ممّا ندب إليه الكتاب والسنة والعقل والاجماع، قال الله تعالى: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصيّة) (2) وقال رسول الله: « ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلاّ ووصيّته مكتوبة عنده » (3).

وإذا كان هذا حكم الرّجل بالنسبة إلى أولاده، وأمواله، فالنّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم الذي يريد مفارقة أمّته وهو بالنسبة إليهم كالأب الشفيق كذلك بل أولى.

وهل هذا مجرّد استبعاد؟

____________

(1) سورة المائدة: 3.

(2) سورة البقرة: 176.

(3) راجع صحيحي البخاري ومسلم في كتاب الوصايا.

--------------------------------------------------------------------------------

( 176 )

وتوضيح الوجه الثامن هو: إنّ هذه الآية نزلت في يوم غدير خم، بعد أن خطب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ونصّ فيها على إمامة أمير المؤمنين علي عليه السلام، وأوصى الأمة بالتمسّك بالثقلين وهما الكتاب والعترة ... وقد روى ذلك كبار الحفّاظ وأئمة الحديث والتفسير من أهل السنة في كتبهم ... فالنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ما مات بلا وصية، بل أوصى، وكانت وصيته بالكتاب وعترته أهل بيته ... (1) وكان النص ... ولا تفويض إل الإختيار ...

قال (257):

( خاتمة ـ عقد الإمامة ينحلّ بما يخلّ بمقصودها كالرّدة ...).

أقول:

هذه أحكام إمامة البيعة والاختيار ... ولا يخفى أنهم يقولون بانحلاله في حال (الاقتدار) وأما في حال (الاضطرار) فيقولون بإمامة (المرتد) ولكن ما هو ملاك (الاقتدار) و (الاضطرار)؟ ومن المرجع في تشخيصه؟ ومن العجب أنّهم يشترطون في الامامة (العدالة) كما عرفت، ثم يختلفون في انعزاله بالقسق، قال: (والأكثرون على أنّه ينعزل، وهو المختار من مذهب الشّافعي وأبي حنيفة، وعن محمد روايتان. ويستحق العزل بالاتفاق).

وأيضاً: يشترطون العقل ثم يجوّزون إمامة المجنون غير المطبق كما هو مفاد التقييد بالمطبق.

ثم إنّ المتسلّط بالقهر والغلبة إمام عندهم ... ولذا ذكروا حكمه (ومن صار إماماً بالقهر والغلبة ينعزل بأن يقهره آخر ويغلبه). ولكن هل المراد من هذه الإمامة (الخلافة عن النّبي)؟

____________

(1) ذكر حديث الغدير وحديث الثقلين في الكتاب وتوضيح الاستدلال بكلّ منهما في موضعه. وأما نزول الآية المباركة يوم الغدير فرواه من أئمّة أهل السنة جماعة كما ستعلم.

--------------------------------------------------------------------------------

( 177 )

هل نصّ النّبي على إمام بعده؟

أقول:

قد عرفت أن نصب الإمام بيد الله لا بيد الأنام ...

والطريق إلى العلم بنصبه منحصر في النّص عليه أو إظهار المعجز على يده ...

فلا بدّ من أن يوجد النّص عليه في الكتاب أو السنة المعتبرة أو كليهما ... فيجب النظر في الكتاب والسنّة المعتبرة.

أمّا النّص على أبي بكر ... فقد نصّ السّعد 255 كالقاضي العضد (1) وغيره على أنه منتف في حق أبي بكر ... وامّا على علي عليه السلام فموجود في الكتاب والسنّة المعتبرة كليهما.

أمّا السنّة النبوية المعتبرة عن طريق أهل البيت عليهم السلام ... فلا تعدّ وتحصى أخبارها في هذا الباب ... كما لا يخفى على من راجع كتب أصحابنا ... وبها الكفاية عندنا ... لكنّا لا نستدلّ في مقام البحث بتلك الأخبار ... بل نرجع إلى كتب أهل السنّة القائلين بإمامة أبي بكر ... فإنّ أدلّة مذهبنا موجودة في كتبهم أيضاً ... في التفسير والحديث والسّيرة، فبها نستدلّ عليهم وبها نلزمهم ... وقد أورد السّعد في الكتاب شيئاً يسيراً من تلك النصوص والأدلة وتكلّم عليها ... ونحن نكتفي بدفع شبهاته عنها وإثبات دليليّتها ودلالتها ... والله المستعان.

قال (259):

( ذهب جمهور أصحابنا والمعتزلة والخوارج إلى أنّ النبي لم ينص على إمام بعده. وقيل: نص على أبي بكر ... وقيل: نص على علي وهو مذهب الشيعة ...)

____________

(1) شرح المواقف 8 | 354.

--------------------------------------------------------------------------------

( 178 )

أقول:

قد عرفت تنصيصه على أنّ النّص منتف في حقّ أبي بكر، أمّا هنا فلم ينص على ذلك، ولعلّه لئلاً يورد عليه في استدلاله ببعض النّصوص المزعومة في أبي بكر.

وهذه النصوص التي قد يستدلّ بها على إمامة أبي بكر هي من موضوعات شرذمةٍ من الناس عرفوا بـ (البكرية)، وضعوا أحاديث في فضل أبي بكر ... نصّ على وضعها علماء أهل السنّة حتى المتعصّب منهم كابن الجوزي في كتابه (الموضوعات).

لكن لا يخفى أنها حتى لو تمّت سنداً ودلالةً لا تكون حجة على أصحابنا، لانفراد أولئك بنقلها ... بخلاف اصحابنا فإنّهم لا يستدلّون إلاّ بما جاء في كتب أهل السنّة، بالاضافة إلى وجوده عندنا بطرقنا.

وعلى الجملة فالقوم معترفون بعدم النّص على أبي بكر، لكنهم يستدلّون لعدم النصّ من النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم مطلقاً بعمل الأصحاب بناء على حسن الظّن بهم.

قال (259):

( ثمّ استدلّ أهل الحق بطريقين:

أحدهما: ـ إنّه لو كان نص جلّي ظاهر المراد في مثل هذا الأمر الخطير المتعلّق بمصالح الدين والدنيا لعامّة الخلق لتواتر واشتهر فيما بين الصّحابة ... فإن قيل: علموا ذلك وكتموه لأعراضٍ لهم في ذلك ... كحبّ الرياسة والحقد على علي لقتله آباءهم وعشائرهم وحسدهم إيّاه. ترك علي المحاجّة به تقيةً وخوفاً ... قلنا: من كن له حظ من الديانة والإنصاف علم قطعاً براءة أصحاب رسول الله وجلالة أقدارهم عن مخالفة أمره في مثل هذا الخطب الجليل، ومتابعة الهوى وترك الدّليل ...

الثاني: ـ روايات وأمارات تفيد باجتماعها القطع بعدم النص، وهو كثيرة

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 179 )

جدّاً، كقول العبّاس لعلي: أمدد يدك أبايعك ...).

أقول:

النصّ الجلي الظّاهر المراد في مثل هذا الأمر الخطير ... موجود، وقد رواه الرواة الثقات والعلماء الاثبات من القوم أنفسهم ... كما ستعلم، حتى أنّ ظاهر السّعد نفسه الإقرار بالدلالة وعدم تمامية ما قيل في الجواب في بعض الموارد لو لا حسن الظن بالصّحابة، فيقول في موضع مثلاً: (ثم لا عبرة بالآحاد في مقابلة الاجماع، وترك عظماء الصّحابة الاحتجاج بهما آية عدم الدلالة، والحمل على العناد غاية الغواية) 272.

ويقول في آخر: (لو كانت في الآية دلالة على إمامة علي لما خفيت على الصّحابه عامّة وعلى عليّ خاصة، ولما تركوا الانقياد لها والاحتجاج بها) 272

ويقول في ثالث: (لو صحّت لما خفيت على الصحابة والتابعين ...) 276.

لكن في الكتاب والسنّة الصحيحة وأخبار الصّحابة الموثوق بها وكلمات العلماء الكبار ما يدعو ـ في الأقل ـ إلى عدم حسن الظنّ بالصحابة ... ونحن نكتفي هنا بآيات من كلام الله وببعض الأحاديث الثابتة عن رسول الله، وبكلمات بعض الأصحاب، وبعبارة السّعد التفتازاني نفسه ...

قال الله تعالى:

( ومنهم الذين يؤذون النّبي ...) (1).

( وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ...) (2).

( منكم من يريد الدنيا ...) (3).

( واذا رأوا تجارةً أو لهواً انفضّوا إليها وتركوك قائماً ...) (4).

____________

(1) سورة التوبة: 61.

(2) سورة الاحزاب: 53.

(3) سورة آل عمران: 136.

(4) سورة الجمعة: 11.

--------------------------------------------------------------------------------

( 180 )

( ومنهم من يلمزك في الصدقات ...) (1).

( ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم ...) (2).

( وما محمد إلاّ رسول الله قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ...) (3).

وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم:

« أنا فرطكم على الحوض وليرفعنّ رجال منكم ثمّ ليختلجنّ دوني فأقول: يا رب أصحابي: فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك » (4).

وقال:

« إنّي فرطكم على الحوض، من مرّ عليّ شرب ومن شرب لم يظمأ أبداً، ليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم. قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش فقال: هكذا سمعت من سهل؟ فقلت: نعم، فقال: أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها: فأقول إنهم مني. فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول: سحقاً سحقاً لمن غيّر بعدي » (5).

وقال:

« يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي، فيحلّون عن الحوض، فأقول: يا رب، أصحابي. فيقول: إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى » (6).

وقال:

____________

(1) سورة التوبة: 58.

(2) سورة التوبة: 102.

(3) سورة آل عمران: 138.

(4) صحيح البخاري باب الحوض 4 | 96.

(5) صحيح البخاري ـ باب الحوض 4 | 96.

(6) صحيح البخاري ـ باب الحوض 4 | 97.

--------------------------------------------------------------------------------

( 181 )

« بينا أنا قائم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلمّ. فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله. قلت: وما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى. ثمّ إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني بينهم فقال: هلّم. قلت: أين؟ قال: إلى النار والله. قلت: وما شأنهم؟ قال: ارتدّوا على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص فيهم إلاّ مثل همل النعم » (1).

وقال:

« إنّي فرط لكم وأنا شهيد عليكم، وإنّي والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها » (2).

وعن العلاء بن المسيب عن أبيه قال:

« لقيت البراء بن عازب فقلت: طوبي لك، صحبت رسول الله وبايعته تحت الشجرة. فقال: يا ابن أخي إنّك لا تدري ما أحدثنا بعده » (3).

وعن عائشة أنّها أوصت أن تدفن بالبقيع، فقيل لها:

« ندفنك عند رسول الله؟

فقالت:

إنّي قد أحدثت بعده، فادفنوني مع أخواتي.

فدفنت بالبقيع » (4).

وقال السّعد: 310.

( إنّ ما وقع بين الصّحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور

____________

(1) صحيح البخاري ـ باب الحوض 4| 97.

(2) صحيح البخاري 4 | 97.

(3) صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة الحديبيّة 3 | 20.

(4) المعارف لابن قتيبة: 80 وغيره.

--------------------------------------------------------------------------------

( 182 )

في كتب التواريخ، والمذكور على ألسنة الثقات، يدلّ بظاهره على أن بعضهم قد حاد عن طريق الحق، وبلّغ حدّ الظلم والفسق، وكان الباعث له الحقد والعناد، والحسد واللّداد، وطلب الملك والرياسة ولميل إلى اللذات والشهوات، إذ ليس كلّ صحابي معصوماً، ولا كلّ من لقي النّبي بالخير موسوماً).

فظهر أن حسن الظنّ بالصّحابة لا يكفي جواباً عمّا إن قيل:

( علموا ذلك وكتموه لأغراض لهم في ذلك، كحبّ الرياسة والحقد على عليّ ... وحسدهم إيّاه ..).

وإنّ دعوى القطع ببراءة الصّحابة عن حبّ الرياسة والحقد والحسد ومتابعة الهوى ... عارية عن الدليل، بل الدليل على خلافها ...

وتلخص: إنّ النص موجود، وقد علمه القوم، لكنهم أعرضوا عنه وتركوه وكتموه ... (وكان الباعث له الحقد والعناد والحسد واللداد وطلب الملك والرياسة ...) كما قال ... ولعلّ ذلك هو « الإحداث » الذي أخبر عنه النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم واعترف به غير واحد من الأصحاب كعائشة بنت أبي بكر ... فهذا جواب حسن الظن بالصحابة وما ذكره في مدحهم ...

وإذا كان أكثرهم كذلك حتى أنه لم يخلص منهم « إلاّ مثل همل النعم » كما في الحديث، كان من الطبيعي ترك علي عليه السلام المحاجّة معهم بالنص تقيةً وخوفاً على نفسه ... بل لقد هدّد بتحريق داره عليه وعلى أهله وبقتله ... بمجرّد تخلّفه عن البيعة ... كما هو مسطور في كتب التاريخ المعتبرة عند القوم (1).

ثم إنّه وقومه وأتباعه كانوا مشغولين بأمر النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولم يكن حاضراً في السقيفة حتى يمنع أو يحتج بالنّص على الصّحابة، ولم يفرغ من

____________

(1) تاريخ الطبري 2 | 443، الإمامة والسياسة 1 | 13، تاريخ اليعقوبي 2 | 115، العقد الفريد 3 | 63، مروج الذهب 2 | 308.

--------------------------------------------------------------------------------

( 183 )

ذلك إلاّ وقد فوجئ بخبر البيعة لأبي بكر، فقال العبّاس: « فعلوها وربّ الكعبة » (1).

وأيّ محاجّة أبلغ من عدم البيعة ... مع كلّ ذلك الإرعاب والإرهاب ... فلم يبايع هو ولا الصدّيقة الطّاهرة بضعة الرسول، ولا أحد من بني هاشم، مدة حياة الزّهراء بعد الرسول وهي ستة أشهر، فما بايعت ولا حملها عليّ على البيعة ... حتى توفّيت ... (2).

بل لقد حاجج عليه السلام في كلّ فرصة سنحت له، من ذلك قوله لقنفذ لمّا قال له: « يدعوك خليفة رسول الله » قال: « لسريع ما كذبتم على رسول الله » فرجع قنفذ إلى أبي بكر وأبلغه بما قال (3) ... ومن ذلك خطبته المشهورة المعروفة في الشورى، واحتجاجه على القوم، الصريح في إمامته منذ أول يوم، وقد قابله كلّهم بالسّكوت الدالّ على التسليم والقبول (4).

هذا، مضافاً إلى احتجاجات الزّهراء الطاهرة وبعض الأصحاب الذين عرفوا منذ حياة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بالتشيّع والولاء له عليه السلام ... وثبتوا على ذلك، في مناسبات مختلفة ...

وهذا جواب ما ذكره من أن (مثل عليّ مع صلابته في الدين وبسالته، وشدّة شكيمته وقوة عزيمته وعلّو شأنه وكثرة أعوانه وكون أكثر المهاجرين والأنصار والرؤساء الكبار معه قد ترك حقّه، وسلّم الأمر لمن لا يستحقه، من شيخ بني

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 2 | 115.

(2) صحيح البخاري ـ كتاب المغازي. باب غزوة خيبر صحيح كتاب الجهاد، باب قول النبي لا نورّث. تاريخ الطبري 2 | 448 الكامل لابن الأثير 2 | 224.

(3) تاريخ الطبري 2 | 444 تاريخ أبي الفداء 1 | 165 الامامة والسياسة 1 | 13.

(4) الاحتجاج في الشورى رواه علماء الفريقين بكامله أو قطع منه، ومن رواته من أهل السنّة: الدار قطني، الخوارزمي، ابن عساكر، الحمويني، الكنجي، ابن حجر المكي، ابن المغازلي، المتقي، وأشار إليه السّعد في الكتاب 273.

--------------------------------------------------------------------------------

( 184 )

تيم ـ ضعيف الحال عديم المال قليل الاتباع الأشياع ـ ولم يقم بأمره وطلب حقه) 260.

مع ما فيه من أباطيل وأكاذيب، فإنّ الإمام عليه السلام لم يكن معه أكثر المهاجرين والأنصار والرؤساء الكبار، ولم يكن أبوبكر قليل الأتباع والأشياع ... وإلاّ فما معنى قول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لأهل بيته: « أنتم المستضعفون بعدي » (1) وما معنى قول علي: « إنّ مما عهد إليّ النّبي أنّ الأمّة ستغدر بي بعده » (2)؟

وبه يظهر الجواب عن النقص بقيامه بأمره في مقابل معاوية ...

ومن العجب التناقضات الموجودة في كلماته:

فهو في هذا المقام يصف علياً بكثرة الأعوان وكون أكثر المهاجرين والأنصار والرؤساء الكبار معه، وفي مقام الإستدلال على خلافة أبي بكر ... يدّعي الإجماع على خلافة !

وأيضاً: يصف أبابكر بضعف الحال وعدم المال ... وفي مقام تفضيله ينسب إلى الجمهور نزول آية: (سيجنّبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى) في أبي بكر، ويستدل بالحديث الباطل: « وأين مثل أبي بكر .. جهّزني بماله وواساني بنفسه وجاهد معي ساعة الخوف » 292.

وأيضاً: يجعل من الأمارات على عدم النّص قول أبي بكر عند موته « ووت أني سألت النبي عن هذا الأمر فيمن هو » ويرسله إرسال المسلّم، لكن حيث يستدل بهذا الكلام على شكّه في استحقاقه الإمامة هو صريح فيه يقول في الجواب: (إنّ هذا على تقدير صحته لا يدلّ على الشك ...) 280.

وأما الأمارات الأخرى فلا يخفى ما فيها:

فقول العباس لعلي (أمدد يدك أبايعك) يدلّ على اعتقاده خلافة أمير

____________

(1) مسند أحمد 6 | 339.

(2) المستدرك على الصحيحين 3 | 140، 142، ورواه غيره أيضاً.

--------------------------------------------------------------------------------

( 185 )

المؤمنين عليه السلام دون غيره، ولذا كان من المتخلّفين معه عن البيعة، وإنّه لمّا سمع دعوى القوم البيعة لأبي بكر قال: « فعلوها وربّ الكعبة ».

و (قول عمر لأبي عبيدة: أمدد يدك أبايعك » لا دلالة فيه على عدم النص، على أنّه ليس بحجة ...

و (قبول علي الشورى) إنّما كان للاحتجاج على القوم والمطالبة بحقه ...

و (احتجاجه على معاوية بالبيعة له دون النص) كان من باب الالزام، وإلاّ فمعاوية باغ طاغ يريد الأمر لنفسه ..

و (معاضدته لأبي بكر وعمر في الامور) كانت خدمةً للاسلام، ولا دلالة فيها على عدم النّص عليه عليه السلام.

ودعوى (سكوته عن النصّ عليه في خطبه وكتبه) كاذبة.

وكذا دعوى (إنكار زيد بن علي وكثير من عظماء أهل البيت) وإلاً لذكر إنكاره وأسماءهم وما قالوه عن المصادر المعبترة ...

وأمّا (تسمية الصّحابة أبابكر مدة حياته بخليفة رسول الله) فقد عرفت إنكار علي عليه السلام لها، أمّا ما عن غيره فليس بحجة.

وأمّا (إتّهام ابن جرير الطبري بالتشيّع) ... ودعوى أنّ (دعوى النصّ الجلّي ممّا وضعه هشام بن الحكم ونصره فلان وفلان) ... والاستشهاد بقول المأمون العبّاسي: « وجدت الكذب في الرافضة » فكلّ ذلك من العجز ... كما لا يخفى على المحصّلين ... ولا يليق بنا مقابلته بالمثل ... على أنه في ذلك تبع للقاضي عبدالجبار في (المغني)، وليته لاحظ الجواب عنه في (الشافي) (1).

____________

(1) الشافي في الامامة 8 | 81 فما بعد.