--------------------------------------------------------------------------------

( 186 )

الإمام الحق بعد النبي :

قال (364):

( الامام الحق بعد رسول الله عندنا وعند المعتزلة وأكثر الفرق: أبوبكر. وعند الشيعة عليّ. ولا عبرة بقول الروندية ـ أتباع القاسم بن روند ـ إنه العباس.

لنا وجوه: الأول: وهو العمدة: إجماع أهل الحلّ والعقد على ذلك، وإن كان من البعض بعض تردّد وتوقّف ...).

 

الكلام على أدلة خلافة أبي بكر :

أقول:

نعم، هذا عمدة أدلّتهم، إذ النصّ على إمامة أبي بكر مفقود باعترافهم، لكن فيه:

أولاً: إنّ إمامة أبي بكر انعقدت ببيعة عمر كما نصّ عليه هو وغيره كشيخه العضد، فإن كان الشرط إجماع أهل الحل والعقد فهذا غير حاصل، وإن كان يكلفي بيعة الواحد فلما ذا دعوى الاجماع؟

وثانياً: قد أشرنا سابقاً إلى خلاف الواقع في السقيفة بين أهلها، والخلاف الواقف بين أهلها ومن كان في خارجها ... فأين الاجماع؟

وثالثاً: إنّه لا خلاف في وفاة الصّديقة البتول وبضعة الرّسول من غير بيعة لأبي بكر، فلابدّ وأن تكون قد بايعت عليّاً بالإمامة والخلافة، وإلاّ فقد ماتت ميتة جاهلية والعياذ بالله، وفاطمة الزّهراء عليها السلام، معصومة بالكتاب والسنة المعتبرة ،وهي وبعلها أحبّ الناس إلى رسول الله صلّ الله عليه واله وسلّم.

ورابعاً: إنّه لا سبيل إلى إنكار وجود الخلاف بين أهل الحلّ والعقد حول إمامته، وحتّى السّعد يعترف بذلك وهو في مقام دعوى الإجماع منهم، فيقول:

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 187 )

( وإن كان من البعض تردّد وتوقّف) فأورد كلام أنصار، وخلاف أبي سفيان، وتخلّف علي والزبير والمقداد وسلمان وأبي ذر ... وأشار إلى ما أخرج في البخاري وغيره من الكتب الصحيحة من أنّ بيعة علي (1) عليه السلام كانت بعد وفاة الزهراء لستّة أشهر من وفاة النّبي ـ وانصراف وجوه الناس عنه ... وقد أشرت إلى موجز نصّ الحديث في بيعته قريباً.

قال (265):

( الثاني: إنّ المهاجرين والأنصار اتّفقوا على أنّ الإمامة لا تعدو أبابكر وعليّاً والعبّاس، ثمّ إنّ عليّاً والعبّاس بايعا أبابكر وسلّما له الأمر، فلو لم يكن على الحق لنازعاه ... فتعيّن أبوبكر، للاتفاق على أنّها ليست لغيرهم).

أقول:

هذا هو الوجه الثاني الذي استدل به في المتن، أمّا في الشرح فقد جعل الأوّل هو العمدة، وظاهره عدم الاعتماد على هذا الثاني الذي ذكره أيضاً شيخه القاضي العضد في (المواقف) ... وقد قلنا في جوابه:

إنه إن أريد ثبوت الاتفاق على إمامة أحد الثلاثة بعد موت النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وقبل بيعة أبي بكر، فهذا ممنوع، لأن المسلمين أو أهل الحلّ والعقد منهم لم يجتمعوا حتى تعرف آراؤهم، ومن اجتمع منهم في السقيفة كان بعضهم يرى أن سعد بن عبادة هو الحقيق بها، فكيف يدعى وقوع الاجماع حينئذٍ على حقية أحد الثلاثة المذكورين؟

على أنا لم نسمع أنّ أحداً ذكر العباس حينئذٍ.

وإن أريد ثبوت الإتفاق المذكور بعد بيعة أبي بكر، فهو ينافي ما زعموه ـ في

____________

(1) قد قطع الكلام هنا ولم يذكر الحديث، فجاء في النسخ: « وقع في هذا الموضع من المصنف بياض مقدار ما يسع فيه كلمتان » ولا ندري هل البياض من المصنف حقاً أو من غيره؟ وكيف كان فأنا وأنت ندري سبب الحذف !

الوجه الأوّل وجعلوه العمدة ـ من الاجماع على بيعة أبي بكر خاصة، إن اتفق زمن الأجماعين، وإلاّ بطل الاجماع على حقيّة أحدهم سواء تقدم أم تأخّر، لأنّ الاجماع على تعيين واحد هوالذي يجب اتباعه، فيكون الحق مختصاً بأبي بكر، ولم يصح جعل الاجماع على حقيّة أحد الثلاثة وجهاً ثانياً. ويحتمل بطلان الاجماع المتقدم وصحّة المتأخر مطلقاً، وهو الأقرب.

قوله: (ثمّ عليّاً والعبّاس بايعاً أبابكر وسلّما له الأمر).

قلت: قد أشرت إلى أنه متى بايع علي؟ وكيف بايع؟

قوله: (فلو لم يكن على الحقّ لنازعاه).

قلت:

إن أريد من المنازعة خصوص المحاربة، فإنّه لم يكن له ناصر إلاّ أقل القليل، وقد صرّح بقلّة ناصريه في غير واحد من خطبه وكلماته ورسائله، وناهيك بالخطبة الشقشقية. وما ذكر السّعد من كثرة أعوانه وكون أكثر المهاجرين والأنصار والرؤساء معه مخالف للواقع كما عرفت. وإن أريد من المنازعة المعارضة بغير حرب فهذا ما قد فعله، بل يكفي الامتناع عن البيعة منه ومن أهله وذويه وأتباعه تبعاً له، بل توفّيت الزهراء الطاهرة ولم تبايعه، وهي وعلي يعلمان بأنّ « من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهلية » بل إنّه حملها ـ والحسنين ـ إلى وجوه الاصحاب مستنصراً فلم ينصروه، كما رواه غير واحد من المؤرخين (1) وهذا ما ذكره معاوية في كتاب له معيّراً إيّاه به.

قوله: (لأنّ ترك المنازعة يكون مخلاً بالعصمة ...).

قلت: ترك المنازعة إنما يكون مخلاً بالعصمة مع الاقتدار، ولذا قام بالواجب أمام معاوية وما سكت عنه.

ثم لو سلّمنا أنّ الإمام عليه السلام ترك المنازعة مطلقاً في الأشهر الستة

____________

(1) الامامة والسياسة 13، شرح نهج البلاغة عن الجوهري.

--------------------------------------------------------------------------------

( 189 )

وبعدها ... فأيّ دلالة لذلك على تعيّن أبي بكر إماماً على الحق إذا لم يكن إماماً على الحق؟ وهل هذا إلاّ تهافت؟

لقد التفت السّعد إلى هذا الاعتراض ... وما كان جوابه إلاّ مصادرة.

هذا، وممّا يؤكّد سقوط الوجهين المذكورين لجوء القوم إلى الاستدلال ببعض النصوص الموضوعة من قبل البكرية، مع اعترافهم بعدم النص على إمامة أبى بكر مطلقاً، وقد ذكرنا سابقاً أنها حتى لو تمت سنداً ودلالةً لا تكون حجة علينا.

قال (265):

( الثالث: قوله تعالى: (وعدالله الذين آمنوا ...) (1)).

أقول:

أولاً: لقد قام الاجماع من أهل البيت عليهم السلام على أنّ المراد بهذه الآية هو الامام المهدي عليه السلام وأنصاره وأتباعه (2) وإجماع أهل البيت حجة بالأدلة القاطعة.

وثانياً: لو كانت هذه الآية دالة على خلافة أبي بكر لكانت خلافته مستندة إلى الله، لكنّ خلافته ليست بنصب من الله بالإجماع. أما عندنا فواضح، وأمّا عندهم فلأنّ الخلافة عندهم ليست بنصب من الله بل من الناس.

وثالثاً: لو كانت هذه الآية دالة على خلافة أبي بكر لكانت خلافته مستندة إلى الله، لكنّ خلافته ليست بنصب من الله بالإجماع. أما عندنا فواضح، وأمّا عندهم فلأنّ الخلافة عندهم ليست بنصب من الله بل من الناس.

وثالثاً: لو كانت هذه الآية دالة على خلافة أبي بكر، لما عارض معارض، لا من المهاجرين ولا من الأنصار، مع أن الزّهراء توفيت ولم تبايعه، وما أبوبكر ولم يبايعه سعد ومن معه، وعلي عليه السلام طعن في تسميته « خليفة رسول الله » لكونه كذباً على الله ورسوله، لأنّهما لم يستخلفاه، بل إنّ مذهب القوم أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم ولم يستخلف أحداً، وهذا ما نصّ عليه عمر أيضاً فيما رووه

____________

(1) سورة النور: 55.

(2) مجمع البيان في تفسير القرآن 7 | 152.

--------------------------------------------------------------------------------

( 190 )

عنه (1) فليس أبوبكر وعمر وعثمان المراد بقوله تعالى: (ليستخلفنّهم).

قال (266):

( الرابع: قوله تعالى: (قل للمخلّفين من الأعراب) (2) ... جعل الداعي مفترض الطاعة، والمراد به عند أكثر المفسّرين: أبوبكر ...).

أقول:

الاستدلال منهم بهذه الآية قديم جدّاً، فقد تعرّض له شيخنا أبو جعفر الطوسي المتوفى سنة 460 وأجاب عنه بالتفصيل، فليت السّعد لاحظ كلامه ولم يكرّر الاستدلال بها، وحاصل كلامة رحمه الله: إن هذا الذي ذكروه غير صحيح من وجهين: أحدهما: إنّه غلط في التاريخ ووقت نزول الآية. والثاني: إنه غلط في التأويل ... (3) ... هذا أولاً.

وثانياً: إنّ أحاديث القوم أنفسهم في تفسير الآية مختلفة، وكذا أقوال المفسرين، وإن بعضهم كقتادة وسعيد بن جبير على أنّ الآية نزلت من أهل خيبر وكان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم هو الداعي ... فراجع (4).

وثالثاً: إنّ الذي فسّر الآية بأبي بكر وأن القوم بنو حنيفة أصحاب مسيلمة هو « محمد بن شهاب الزّهري » وهذا الرجل مقدوح وانحرافه عن علي عليه السلام معروف.

ورابعاً: إنه يمكن أن يقال ـ بناء على تفسيرها بأبي بكر وعمر ـ بعدم وجود ما يدل على مدح للداعي ولاعلى إمامته فيها ... (5).

وخامساً: إن الحق كون الداعي هو الامام أمير المؤمنين عليه السلام ...

____________

(1) الملل والنحل 1 | 23، السيرة الحلبية 3 | 207 وغيرهما من المصادر.

(2) سورة الفتح: 16.

(3) التبيان في تفسير القرآن 9 | 324 | 326.

(4) الدر المنثور في التفسير المأثور 6 | 72.

(5) راجع: التبيان في تفسير القرآن 9 | 326.

--------------------------------------------------------------------------------

( 191 )

كما ذكر شيخنا أبو جعفر (1).

قال (266):

* (الخامس: قوله صلّى الله عليه وسلّم: إقتدوا باللّذين من بعدي أبي بكر وعمر).

أقول:

إستدلال السّعد وغيره بهذا الحديث دليل على أنّهم لم يروا أحداً من المحدثين، ولا رووا حديثاً من أمر الدين ... لأنّه وإن كان أجلّ ما رووه في فضائل الشيخين ـ كما نص عليه الحاكم النيسابوري (2) ـ إلاّ أنّ كبار أئمّتهم والذين عليهم اعتمادهم في الجرح والتعديل ومعرفة الحديث ينصّون على أنه « باطل »، « منكر »، « موضوع »، « غلط ».

فقد « أعلّه أبو حاتم، وقال البزّار كابن حزم: لا يصح » (3).

وقال الترمذي: « حديث غريب، لا نعرفه إلاّ من حديث يحيى بن سلمة ابن كهيل، ويحيى بن سلمة يضعف في الحديث » (4).

وقال العقيلي: « حديث منكر لا أصل له من حديث مالك » (5).

وقال النقاش: « هو واه » (6).

وقال الذهبي مرة « هذا غلط » وأخرى: « واه » وثالثة: « واه جداً » (7).

وقال الهيثمي: « فيه من لم أعرفهم » (8).

____________

(1) راجع: التبيان في تفسير القرآن 6 | 325.

(2) المستدرك 3 | 75.

(3) فيض القدير ـ شرح الجامع الصغير 2 | 56.

(4) صحيح الترمذي 5 | 672.

(5) الضعفاء الكبير 4 | 95.

(6) ميزان الاعتدال في نقد الرجال 2 | 142.

(7) ميزان الاعتدال 1 | 105، 141 تلخيص المستدرك 3 | 75.

(8) مجمع الزوائد 9 | 53.

--------------------------------------------------------------------------------

( 192 )

وقال العبري الفرغاني: « موضوع » (1).

وقال شيخ الاسلام الهروي: « باطل » (2).

هذه كلمات أكابر القوم ... ومثلها عن غير من ذكر ... تجد ذلك كلّه في رسالة لنا مفردة في هذا الحديث مطبوعة *.

قال (266):

( السّادس: قول النبي: الخلافة بعدي ثلاثون سنة ...).

أقول:

وهذا الحديث كسابقه ... فإنّهم لم يرووه عن أحد من الصّحابة المشهورين ... وإنّما هو عن (سفينة) وهو أحد الموالي، قيل: كان مولى رسول الله، وقيل: مولى أم سلمة ... وهو مجهول حتى اسمه لم يعرف، لأن سفيتة لقب له، فقيل اسمه: مهران، وقيل: رومان، وقيل: نجران، وقيل غير ذلك.

ثم إنّه لم يروه عنه إلاّ: « سعيد بن جمهان » الذي نصّ أكابرهم على أنّه لا يحتجّ به. فعن أبي حاتم « يكتب حديثه ولا يحتجّ به » وعن أحمد: « إنه سئل عنه، فلم يرضه » وعن الساجي: « لا يتابع على حديثه » وعن البخاري: « في حديثه عجائب » وعن ابن معين: « روى عن سفينة أحاديث لا يرويه غيره » (3). قلت: وهذا منها.

ثم إنّ هذا الحديث ممّا أعرض عنه البخاري ومسلم وغيرهما، ولم يخرجه سوى الترمذي وأبي داود بالسند المذكور.

ويعارضه ما رووه عن حذيفة: « إن الخلافة تصير ملكاً عاضاً ثم ملكاً

____________

(1) شرح المنهاج للبيضاوي. مخطوط.

(2) الدر النضيد 97.

* وهي أيضاً مطبوعة في هذه المجموعة.

(3) لاحظ: تهذيب التهذيب 4 | 13.

--------------------------------------------------------------------------------

( 193 )

جبرية ثم تعود خلافة على منهاج النبوة ». وقد طبّق بعضهم هذه الخلافة الجديدة على منهاج النبوة على عمر بن عبدالعزيز ولمّا أبلغ بذلك سرّ به (1) ولذلك قال بعضهم بأن الخلفاء الراشدين خمسة (2). إلاّ أنّ في حديث سعيد بن جمهان عن سفينة ـ عند أبي داود ـ أنّ بعضهم كان لا يرى علياً من الخلفاء الراشدين (3) !

وعلى الجملة فأحاديثهم وأقاويلهم في هذا الباب مختلفة ... إلاّ أنّ الذي يهوّن الخطب إعراض البخاري ومسلم وأمثالهما عنها ... بل الذي أخرجاه هما وسائر أصحاب السنن والمسانيد فاتفقوا عليه وهو الحق عندنا حديث « الاثنا عشر خليفة » المعتضد بالأحاديث الكثيرة الصحيحة ... وهذا الحديث ـ مهما حاول القوم تأويله وصرفه ـ يدل على ما نذهب إليه من القول بالأئمّة الاثني عشر بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فهم خلفاؤه الراشدون، وإن خلافتهم باقية إلى يوم يبعثون ... ومن هنا أورد أبو داود هذا الحديث في كتاب المهدي من (سننه) وجعله أول حديثٍ من أحاديثه.

نعم، حاول الكثير منهم صرفه عن الدلالة على ذلك ... لكن المحقّقين منهم كالقاضي عياض وابن الجوزي وابن العربي المالكي وابن حجر العسقلاني ... يعترفون بالعجز عن تطبيقه على مذهبهم وتفسيره بمعنى يلتئم مع ما يقولون به ...

فظهر سقوط حديث سفينة ... وأن المعتمد في الباب ما أخرجه الشيخان وغيرهما (4).

____________

(1) مسند أحمد 4 | 273.

(2) سنن أبي داود 2 | 263 كتاب السنّة.

(3) سنن أبي داود 2 | 294 كتاب السنّتة.

(4) صحيح البخاري ـ كتاب الاحكام باب استخلاف. صحيح مسلم كتاب الامارة باب الناس تبع لقريش. صحيح الترمذي باب ما جاء في الخلفاء. سنن ابي داود كتاب المهدي. مسند أحمد

=

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 194 )

قال (266):

( السّابع: قوله في مرضه الذي توفي فيه: ائتوني بكتاب وقرطاس أكتب لكم كتاباً لا يختلف فيه إثنان. ثم قال: يأبي الله والمسلمون إلاّ أبابكر).

أقول:

أخرج أحمد ومسلم عن يزيد بن هارون عن إبراهيم بن سعد عن صالح ابن كيسان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: « قال لي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في مرضه: أدعي لي أبابكر أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً، فإنّي أخاف أن يتمنّى متمّنٍ ويقول قائل: أنا أولى، ويأبي الله والمؤمنون إلاّ أبابكر » (1).

هذا هوالحديث بسنده ومتنه.

أمّا سنداً فلم يروه البخاري ولا غيره من أرباب الصّحاح غير مسلم، هذا أوّلاً.

وثانياً: فيه (الزهري) من مشاهير المنحرفين عن أمير المؤمنين، ومن كبار المروّجين للأكاذيب ومقاصد السّلاطين.

وثالثاً: فيه (عروة بن الزبير) من أعلام أعداء آل الرّسول، والمشيّدين لحكومة الغاصبين الفاسقين.

ورابعاً: إنّه لا يروى إلاّ عن عائشة، وهي في مثل هذا الحديث متهمة ...

فالحديث موضوع قطعاً.

ومتنه أيضاً يدل على وضعه لوجوه:

الأول: إنّ أبابكر ممّن أمره رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بالخروج مع

____________

=

5| 86، 89، 106، 108، وغير ذلك. جامع الأصول 4 | 440 ـ 442 المستدرك على الصحيحين 3 | 608 معرفة الصّحابة.

(1) صحيح مسلم 7 | 110، مسند أحمد 6 | 144.

--------------------------------------------------------------------------------

( 195 )

أسامة، كما روى ذلك من الواقدي وابن سعد وابن إسحاق وابن الجوزي وابن عساكر (1) وقد لعن المتخلّف عنه (2) فكيف يدعوه مع أنّ كتابة الكتاب لم تكن موقوفة على حضوره؟

والثّاني: إنّ أبابكر حضر عنده فأمره بالانصراف ولم يكتب شيئاً ... روى ذلك أبو جعفر الطبري وغيره عن ابن عباس حيث سئل: « أوصى رسول الله؟ قال: لا. قلت: فكيف كان ذلك؟ قال قال رسول الله: إبعثوا إلى عليّ فادعوه. فقالت عائشة: لو بعثت إلى أبي بكر، وقالت حفصة: لو بعثت إلى عمر. فاجتمعوا عنده جميعاً فقال رسول الله: إنصرفوا فإن تك لي حاجة أبعث إليكم فانصرفوا ... » (3) فانّه طلب عليّاً عليه السلام ليوصي اليه، لكنّهم بعثوا إلى الرجلين، فصرفهما ...

والثالث: إنّ هذا الحديث وضع ليقابل به حديث القرطاس الذي منع عمر ابن الخطّاب فيه عن كتابة الكتاب وقال كلمته المشهورة، فلو صحّ فإنّ حديث القرطاس يتقدّم عليه الأمرين، أحدهما: كونه متفقاً عليه. والآخر: أنّ النّبي إنما لم يكتب هناك في حق علي شيئاً عمر، وفي هذا الحديث لم يكتب شيئاً في حق أبي بكر مع أنه ما منعه مانع !

قال (266):

( التّاسع: إنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم استخلفه في الصلاة التي هي أساس الشريعة ولم يعزله. ورواية العزل افتراء من الروافض ...).

أقول:

أمّا أن النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم استخلف أبابكر في الصّلاة، فدعوى

____________

(1) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 8 | 124.

(2) الملل النحل 1 | 29، شرح المواقف 8 | 376.

(3) تاريخ الطبري 2 | 439.

--------------------------------------------------------------------------------

( 196 )

لا دليل عليها إلاّ من أحاديثهم وعن أسانيدهم خاصة، ولا وجه لالزامنا بها ... هذا أولاً. وثانياً: فإنّ أسانيد هذا الحديث كلّها ساقطة عن الاعتبار بضعف رجالها، مضافاً الى أنها جميعاً تنتهي إلى عائشه، وهي في مثل هذه القضية ـ لكونها بنت أبي بكر، ومناوئة لعلي عليه السلام ـ متهمة في النقل.

هذا من حيث السند.

وأمّا من حيث الدلالة، فإنّها وان اشتملت على أمره صلّى الله عليه وآله وسلّم إيّاه بالصلاة بالناس في موضعه، لكنها جميعاً مشتملة على خروجه إلى المحراب وإمامته في تلك الصلاة بنفسه الشريفة.

فهذا ما جاء في نفس الأخبار المستدل بها على الاستخلاف، وليست أخباراً أخرى، كما ليست الصلاة صلاة أخرى ... ولا ريب في أنّ خروجه للصلاة بنفسه ـ بعد أمره أبابكر بالصلاة كما هو المفروض ـ عزل له عن ذلك.

فمن قال بأنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم عزله عن الصلاة فإنّما أراد هذا المعنى، ولم يرد ورود في كتابٍ لأهل السنة مشتملة على لفظ العزل حتى يقال: (ورواية العزل افتراء من الروافض).

وكأنّ السّعد قد تبع في هذا القول شيخه العضد حيث قال: « وما نقلوه فيه مختلق » ... ولم يشر أحد منهما ولا غيرهما تلك الرواية ومن رواها؟

هذا، ولم يتعرّض السّعد إلى دعوى صلاة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم خلف أبي بكر، وظاهره القول بعدم صحة ذلك، وفاقاً لكبار الحفاظ المحققين أمثال: ابن الجوزي وابن عبدالبر والنووي ... وهو ظاهر شيخه القاضي العضد ... وهذا هو الحلق ... فإنّ النّبي لا يصلي خلف أحدٍ من أفراد أمته، وهو المستفاد من قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله) (1) وهو المصرّح به في كلام عدة من كبار الفقهاء كمالك بن أنس وأتباعه وآخرين،

____________

(1) سورة الحجرات: 1.

--------------------------------------------------------------------------------

( 197 )

قالوا: بأنه لا يصح التقدّم بين يديه لا في الصلاة ولا في غيرها، لا لعذرٍ ولا لغيره (1).

وممّا يؤكّد كذب أصل خبر أمره أبابكر بالصلاة: كون أبي بكر (2) في ذلك الوقت في جيش أسامة في خارج المدينة، الذي أصرّ صلّى الله عليه وآله وسلّم على الخروج معه ولعن من تخلّف عنه (3) ... فإنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم لا يعود ـ والحال هذه ـ فيستخلفه في الصّلاة.

وأيضاً: فإنه صلّى الله عليه وآله وسلّم كان ملتزماً بالحضور للصّلاة بنفسه، فقد صلّى بالنّاس حتى آخر يوم من حياته، وفي مرضه ... إلاّ الصّلاة الأخيرة من عمره الشّريف، حيث اشتدّ حاله فلم يحضر (4)، وهذه هي الصلاة التي جاء أبوبكر ليصلّيها بالناس، فلمّا علم النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بذلك خرج مع شدة حالته، معتمداً على رجلين أحدهما علي عليه السلام (5). فصلّى تلك الصلاة أيضاً بنفسه لأنّه لم يكن قد أمره بذلك ...

ولو فرض أنها كانت بأمره فقد عزله ...

ولو فرض أنّه أمره ولم يعزله ... فليس أبوبكر وحده الذي يكون قد صلّى بالناس بأمرٍ منه، فقد استخلف رسول الله عليه وآله وسلّم في الصلاة بالناس حتى ابن ام مكتوم الأعمى ... ولم يدّع الخلافة ولا ادّعاها أحد له لذلك.

ولذا ترى بعضهم ـ كشارح المواقف ـ يضيف إلى دعوى الاستخلاف دعوى صلاته صلّى الله عليه وآله وسلّم خلفه ... لكنها دعوى باطلة ليس لها مستند معتبر ...

____________

(1) فتح الباري: 3 | 139، نيل الأوطار 3 | 195، السيرة الحلبيّة 3 | 365.

(2) فتح الباري 8 | 124.

(3) الملل والنحل 1 | 29، شرح المواقف 8 | 376.

(4) صحيح البخاري ـ بشرح حجر ـ 2 | 137 باب: إنّما جعل الامام ليؤتّم به.

(5) عمدة القاري 5 | 187، فتح الباري 2 | 123، الكواكب الدراري 5 | 52.

--------------------------------------------------------------------------------

( 198 )

وأمّا خبر أنّ عليّاً عليه السلام قال لأبي بكر: « قدّمك رسول الله فلا نؤخرك، رضيك لديننا فرضيناك لدنيانا » فليس في الكتب المعتبرة حتى عند أهل السنة ... نعم رواه بعضهم عن الحسن البصري مرسلاً (1).

والخبر المرسل لا يحتج به، لا سيّما والمرسل هو الحسن البصري المدّلس الكثير الإرسال المنحرف عن أمير المؤمنين عليه السلام، مضافاً إلى تكذيب أخبار التواريخ والسّير هذا الخبر ونحوه ممّا وضعوه على لسان الامام عليه السلام.

هذا موجز الكلام في هذه القضية، ولنا فيها رسالة مفردة حققناها فيها من جميع جوانبها، فليرجع اليها من شاء *.

قال (267):

( العاشر: لو كانت الإمامة حقاً لعلي غصبها أبوبكر ورضيت الجماعة بذلك ...).

أقول:

هذا ليس إلاّ مجّرد استبعاد، والأصل فيه هو حسن الظنّ بالأصحاب، وقد عرفت أن السّعد نفسه يصرّح بأنّ كثيراً منهم قد حاد عن طريق الحق، وبلغ حدّ الظلم والفسق، وكان الباعث له الحقد والعناد والحسد واللداد ... ولقد كان في علي عليه السلام ما يبعثهم على الحقد، فإنّه قد قتل آباءهم وأقرباءهم في الحروب والغزوات، وما يبعثهم على الحسد، فإنّه كان أقرب الناس إلى رسول الله وافضلهم عنده وأحبّهم لديه ...

قال (267):

( وهذه الوجوه وإن كانت ظنّيات ...).

أقول:

قد عرفت من كلامه أنّ العمدة عندهم هوالاجماع. وأنّه لا نصّ على

____________

(1) الاستيعاب في معرفة الأصحاب 3 | 971.

* في هذه المجموعة.

--------------------------------------------------------------------------------

( 199 )

خلافة أبي بكر مطلقاً ... لكنه مع ذلك يملأ كتابه بأشياء باطلة باعترافهم وأخرى غير ثابتة حتى عندهم ... ثم يقول: « إنّها باجتماعها ربما تفيد القطع لبعض المنصفين » !! وهذا ـ إن دلّ على شيء ـ فإنّما يدل على اضطراب القوم وتزلزلهم في اعتقادهم:

ثم يقول: (ولو سلّم فلا أقل من صلوحها سنداً للاجماع وتأييداً)، لكنك عرفت حال الاجماع ... وعرفت حال ما اتّخذ سنداً !.

من الأدلة والنصوص على إمامة الأمير :

أقول: إنّ الأدلة العقليّة على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام والنصوص الدالة عليها من الكتاب والسنّة كثيرة جداً ... وقد أوردها أصحابنا الإمامية في كتبهم الكلاميّة عن الفريقين ... وإن الذي تعرّض له السّعد في كتابه لشيء يسير منها، وقد يكون بعض ما لم يذكر أقوى سنداً ودلالة من بعض ما ذكر ... وعلى كلّ حال فإنّنا نتكلّم على ما جاء به في الجواب عن كلّ واحد من الوجوه التي تعرّض لها، مقتصرين على كلامه، مستندين إلى كتب أعلام مذهبه في إبطال مرامه ...

وقد ذكر قبل الورود في البحث أمرين:

أحدهما: إنّ الشيعة باثباتهم إمامة علي عليه السلام يقدحون فيمن عداه من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، لأنّ معنى ذلك أن يكون قد خفيت تلك الأدلة على الكبار من الأنصار والمهاجرين.

والثاني: إنّ الشيعة يدّعون في كثير من الأخبار الواردة في هذا الباب التواتر.

ثم قال: (ومن العجائب أنّ بعض المتأخّرين من التشغبين الذين لم يروا أحداً من المحدّثين، ولا رووا حديثاً في أمر الدّين ملأوا كتبهم من أمثال هذه الأخبار المطاعن، في الصحابة الأخيار، وإن شئت فانظر في كتاب التجريد

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 200 )

المنسوب إلى الحكيم نصير الطوسي، كيف نصر الأباطيل، وقرّر الأكاذيب ...).

أقول:

أمّا القدح والطّعن في الصّحابة فنحن لسنا بصدد ذلك، لكنّ البحث ـ لأجل إثبات أمر أو دفعه ـ قد ينجّر إلى ذكر أمور تؤدّي إلى الطعن والقدح، لا في كلّ الصّحابة وإنّما في بعضهم ... ولذا اضطّر السّعد نفسه في أواخر الكتاب إلى الإشارة إلى بعض ما كان من الصّحابة ثم الاعتراف بأنّه: (ليس كلّ صحابي معصوماً ولا كلّ من لقي النبي بالخير موسوماً) 311.

نحن قد أوردنا سابقاً عن حال الصّحابة جملاً عن الكتاب والسنّة.

وأمّا الأخبار الواردة في هذا الباب فإنّها متواترةً قطعاً، لا سيّما الوارد منها من طرقنا ... وتلك كتبنا تشهد بذلك، بل لقد أقرّ غير واحد من علماء طائفته بتواتر بعض ما يحتجّ به أصحابنا ـ كما سترى ـ لكنّ السّعد يجهل ذلك كلّه أو يتجاهله ...

وأمّا ذكره المحقق العظيم الجامع بين العلوم العقلية والنقلية نصير الدين الطوسي وكتابه (تجريد الاعتقاد) بما ذكره فعدول عن النظر والحجاج إلى القذف والسباب والافتراء، أو استعمال طريقة جهّال العامّة في التشنيع على المذاهب وسبّ أهلها، وقلّما يستعمل ذلك إلاّ عند نفاد الحجة وقلّة الحيلة ... وكذلك حال السّعد في هذا الكتاب، كما سترى أجوبته عمّا ذكره من الدليل والنص في هذا الباب .

انتفاء شرائط الإمامة عن غيره :

قال (268):

( الأول: ـ إنّ بعد رسول الله إماماً، وليس غير عليّ، لأنّ الإمام يجب أن يكون معصوماً ومنصوصا عليه وأفضل أهل زمانه. ولا يوجد شيء من ذلك في باقي الصّحابة، أمّا العصمة والنص فبالإتفاق، وأمّا الأفضلية فلما سيأتي.

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 201 )

والجواب: أوّلاً: منع الأشتراط: وثانياً: منع انتفاء الشرائط في أبي بكر).

أقول:

أمّا الجواب الأوّل فممنوع، بالأدلّة القائمة على اشتراط العصمة والنص والأفضلية في الامام.

وأمّا الجواب الثاني: فيكفي في ردّة اعترافه غير مرة بانتفاء العصمة والنص في أبي بكر، وكذا تقريره الاتفاق على نفيها في غير علي عليه السلام من الصّحابة. وأمّا الافضلية فسيأتي الكلام عليها.

قال: (ويمكن أن تجعل الأدّلة بحسب الشروط).

أقول: فلم جعلها وجهاً واحداً؟ وكذلك فعل بالنسبة إلى حديثي الغدير والمنزلة كما سياتي، وقد كثّر عدد الوجوه التي زعمها على إمامة أبي بكر؟

قال:

( وربما يورد في صورة القلب فيقال ... وأمّا ما يقال ... فحمل نظر).

أقول:

فهلاّ أوضح وجه النّظر !!

آية: إنّما وليّكم الله :

قال (269):

( الثاني: قوله تعالى: (إنّما وليّكم الله ... ((1) والجواب ...).

أقول:

لم يمكنه إنكار نزول الآية باتفاق المفسّرين في أمير المؤمنين، ولا إنكار أنّ من معاني « الولي » هو « المتصرف » وإنّما اعترض على الاستدلال بوجوه:

والعمدة ـ بدليل تقديمه على غيره، وعدم ذكر بعضهم كابن روزبهان غيره ـ

____________

(1) سورة المائدة: 55.

--------------------------------------------------------------------------------

( 202 )

هو الأخذ بسياق الآية فقال بعد بيان ذلك: (وبالجملة، لا يخفى على من تأمّل في سياق الآية وكان له معرفة بأساليب الكلام أن ليس المراد بالولي فيها ما يقتضي الإمامة، بل الموالاة والنصرة والمحبّة).

وهذا الاعترض موجود في (المواقف) وهذه عبارته: « ولأنّ ذلك غير مناسب لما قبلها وهو قوله: (يأ أيّها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض) وما بعدها وهو قوله: (ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون) قال الشارح: « فإنّ التولي ههنا بمعنى المحبة والنصرة دون التصرف، فوجب أن يحمل ما بينهما على النصرة أيضاً ليتلائم أجزاء الكلام » (1).

ولكن يجاب عنه ـ بعد التسليم بقرينيّة السّياق مطلقاً ـ إنّ الآية التي ذكروها ليست قبل هذه الآية، بل مفصولة عنها بآيات عديدة أجنبية عنها، ولنذكر الآيات كلّها:

( يا أيها الذين أمنوا لا تنخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولّهم منكم فإنّه منهم إنّ الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسرّوا في أنفسهم نادمين * ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين * يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقومٍ يحبّهم ويحبّونه أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم * إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فإنّ حزب الله هم الغالبون).

____________

(1) شرح المواقف 8 | 360.

--------------------------------------------------------------------------------

( 203 )

فظهر أن لا قرينيّة للآية: (يا أيّها الذين آمنوا لا تتخذوا ...) بالنسبة إلى الآية: (إنما وليّكم الله ...) وأمّا الآية التي بعدها وهي: (ومن يتولّ الله ورسوله ...) فهي مناسبة لكون المراد هو « الأولوية بالتصرّف » بكلّ وضوح، لأنّ المراد بتولي الله ورسوله والذين آمنوا هو اتخاذهم أولياء والقول بولايتهم بالمعنى الذي أريد من « الولي » في قوله: (انما وليّكم الله ...) فكيف لا تحصل المناسبة؟

وإذا ارتفعت هذه الشبهة ... والآية نازلة في أمير المؤمنين باتفاق المفسرين ـ لم يعبأ باحتمال كون « الواو » في « وهم راكعون » عاطفة لا حاليّة ... إذ المراد هو الامام علي عليه السلام الذي تصدّق بخاتمة وهو راكع.

نعم هنا اشكال أنّ (( الذين آمنوا) صيغة جمع فلا يصرف إلى الواحد إلاّ بدليل).

والجواب: إنّ الدليل هو إتفاق المفسّرين الذي اعترفوا به، ونظائره في القرآن كثيرة ...

وإلى هنا ظهر تماميّة الاستدلال بالآية المباركة ... ويبقى ما ذكره بقوله: ـ (إنّ ظاهر الآية ثبوت الولاية بالفعل وفي الحال ...).

وقد أخذه من شيخه العضد حيث قال: « المراد هو الناصر وإلاّ دلّ على إمامته حال حياة الرّسول » (1).

وقد ذكرنا في جوابه: إنّ التصرّف من شؤون صاحب الولاية، سواء كان نبياً أو وصي نبي، فقد يكون حاصلاً له بالفعل وقد لا يكون وقد لا يحصل كما وقع بالنسبة إلى كثير من الأنبياء والأوصياء ... فالمقصود بالاستدلال إثبات الولاية لأمير المؤمنين عليه السلام، وأمّا فعليّة التصرّف فقد يقال بحصولها له في حياة النبي أيضاً ونفوذه إلاّ حيثما لا يرضى النّبي، وهو لا يفعل ما لا يرضاه قطعاً.

____________

(1) شرح المواقف 8 | 360.

--------------------------------------------------------------------------------

( 204 )

وقد يقال بتوقّف تصرّفه على وفاة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهذا كما في الوصية، حيث يثبت استحقاقها للوصي، لكنه يمنع من التّصرف مادام الوصيّ موجوداً، ولعلّه لوضوع الجواب عن هذا الوجه أعرض ابن روزبهان عن ذكره.

ولعله لذلك أيضاً كان معتمد الفخر الرازي وجهاً آخر ذكره السّعد، لكن أجاب عنه.

وأمّا ما ذكره السّعد من أنه (لو كانت في الآية على إمامة على لما خفيت على الصّحابة ...) فهذا أولاً: استبعاد محض، وقد تقدم ما يقتضي رفعه. وثانياً: منقوض بما استدلّوا به على إمامة أبي بكر، مع معارضة الأنصار والمهاجرين له.

هذا تمام الكلام على ما ذكره حول الآية المباركة. وقد عرفت أنّها مجرّد شبهات واهية تبعثها التعصّبات الباردة ...

حديث الغدير :

قال (272):

( والجواب منع تواتر الخبر، فإنّ ذلك من مكابرات الشيعة، كيف؟ وقد قدح في صحته كثير من أهل الحديث، ولم ينقله المحققون منهم ... وأكثر من رواه يرووا المقدّمة ... وبعد صحّة الرواية فموخّر الخبر ...).

أقول:

لا يخفى أنّه لا يناقش إلاّ في سند الحديث ودلالته، أمّا شيخه العضد فأضاف ـ تبعاً للرازيّ ـ إنكار وجود الإمام عليه السلام مع النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ يوم الغدير.

وأيضاً إنّه لم يصرّح بعدم صحته سنداً، خلافاً لشيخه حيث منع صحته. فالكلام معه في جهتين:

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 205 )

1 ـ سند حديث الغدير

إنّ حديث الغدير متواتر عند أصحابنا بطرقهم وأسانيدهم، كم لا يخفى على من راجع كتبهم، ويكفي لكون الحديث متفقاً بين الفريقين، قابلاً للاحتجاج به لإثبات إمامة أمير المؤمنين عليه السلام تنصيص بعض علماء المخالفين على صحّته ... إلاّ أنّ الواقع فوق ذلك، فقد نصّ غير واحد منهم على تواتره ...

فممّن نصّ على صحته من أئمّة الحديث عند القوم:

1 ـ أبو عيسى الترمذي صاحب الصحيح المتوفى سنة 279 فإنّه قال بعد أن أخرجه: « هذا الحديث حسن صحيح » (1).

2 ـ أبو جعفر الطحاوي المتوفى سنة 279 فإنّه قال بعد أن رواه: « فهذا الحديث صحيح الإسناد ولا طعن لأحدٍ في رواته » (2).

3 ـ ابن عبدالبرّ القربطبي المتوفى سنة 364 فإنه قال بعد أحاديث منها حديث الغدير: « هذه كلّها آثار ثابتة » (3).

4 ـ الحاكم النيسابوري المتوفى سنة 405 حيث أخرجه بعدّة طرق وصحّحها (4).

5 ـ الذهبي المتوفى سنة 748. فإنّه وافق الحاكم على تصحيحه في تلخيصه (5) كما نقل عنه ابن كثير ذلك واعتمده.

6 ـ ابن كثير المتوفى سنة 774 فقد ذكر الحديث ثم قال: « قال شيخنا أبو

____________

(1) صحيح الترمذي: 2 | 298.

(2) مشكل الآثار: 2 | 308.

(3) الاستيعاب 2 | 273.

(4) المستدرك على الصحيحين 3 | 109.

(5) تلخيص المستدرك 3 | 109.

--------------------------------------------------------------------------------

( 206 )

عبدالله الذهبي: هذا حديث صحيح » (1).

7 ـ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 حيث قال: « وأمّا حديث من كنت مولاه فعلي مولاه، فقد أخرجه الترمذي والنسائي، وهو كثير الطرق جداً، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان ... » (2).

8 ـ ابن حجر المكي المتوفى سنة 974: « إنّه حديث صحيح لا مرية فيه، وقد أخرجه جماعة كالترمذي والنسائي وأحمد، فطرقه كثيرة جداً، ومن ثمّ رواه ستة عشر صحابياً. وفي رواية لأحمد: إنّه سمعه من النبي ثلاثون صحابياً وشهدوا به لعلي لما نوزع أيام خلافته كما مر وسيأتي، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان، ولا التفات لمن قدح في صحته، ولا التفات لمن قدح صحته، ولا لمن ردّه بأن علياً كان باليمن، لثبوت رجوعه منها ... » (3).

9 ـ علي القاري المتوفى سنة 1014 فإنّه قال بعد أن رواه: « والحاصل: إن هذا حديث صحيح لا مرية فيه، بل بعض الحفاظ عدّه متواتراً ... فلا التفات لمن قدح في ثبوت هذا الحديث، وأبعد من ردّه بأنّ عليّاً كان باليمن ... » (4).

10 ـ المناوي المتوفى سنة 1013 حيث قال: « قال ابن حجر: حديث كثير الطرق جداً، قد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، منها صحاح ومنها حسان ... » (5).

أقول: في هذه الكلمات:

أولاً: هذا الأثر ثابت.

____________

(1) تاريخ ابن كثير 5 | 209.

(2) فتح الباري 7 | 61.

(3) الصواعق المحرقة: 25.

(4) المرقاة في شرح المشكاة 5 | 568.

(5) فيض القدير 6 | 218.

--------------------------------------------------------------------------------

( 207 )

وثانياً: إنّه صحيح.

وثالثاً: إنه كثير الطرق جداً.

ورابعاً: إنه لا التفات لمن قدح في صحته.

وخامساً: إنّه متواتر عند بعض الحفّاظ.

ومع ذلك نذكر جماعة ممّن نص على تواتره وهم:

1 ـ شمس الدين أبو عبدالله الذهبي.

2 ـ ابن كثير الدمشقي. قال ابن كثير: « قال شيخنا الحافظ أبو عبدالله الذهبي: الحديث متواتر، أتيقّن أن رسول الله قاله » (1).

3 ـ ابن الجزري المتوفى سنة 833، قال: « صحيح عن وجوه كثيرة، متواتر عن أمير المؤمنين علي، وهو متواتر أيضاً عن النبي، رواه الجك الغفير عن الجم الغفير، ولا عبرة بمن حاول تضعيفه ممّن لا اطلاع له في هذا العلم وصحّ عن جماعة ممن يحصل القطع بخبرهم » (2).

4 ـ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة 910.

5 ـ المنّاوي حيث قال بشرح الحديث نقلاً عن السيوطي: « قال حديث متواتر » (3).

وبعد، فما تقول في قول السّعد: (والجواب منع تواتر الخبر فإنّ ذلك من مكابرات الشّيعة، كيف وقد قدح في صحته كثير من أهل الحديث)؟

ثم في قوله: (ولم ينقله المحققون منهم كالبخاري ومسلم والواقدي)؟

على أنّ عدم النقل لا يدلّ على القدح، وهو يعلم بذلك، فلذا غيّر العبارة، ولو أردنا التكلّم في البخاري ومسلم وكتابيهما لطال بنا المقام، وإن شئت فراجع

____________

(1) تاريخ ابن كثير 5 | 209.

(2) أسنى المطالب: 48.

(3) فيض القدير: 6 | 218

--------------------------------------------------------------------------------

( 208 )

كتابنا (التحقيق في نفي التحريف عن القرآن الشّريف).

وأمّا قوله: (وأكثر من رواه لم يرووا المقدمة التي جعلت دليلاً على أن المراد بالمولى الأولى).

فكأقواله السّابقة ... وذلك لأنّ الأكثر رووا المقدمة أيضاً، ولو سلّم ففي رواية الأقل غنى وكفاية ... وممّن المقدمة أيضاً:

معمر بن راشد.

عبدالله بن نمير.

أبو نعيم الفضل بن دكين.

عفان بن مسلم.

أبوبكر ابن أبي شيبة.

قتيبة بن سعيد الثقفي.

أحمد بن حنبل.

ابن ماجة القزويني.

أبوبكر البزّار.

أحمد بن شعيب النسائي.

أبويعلى الموصلي.

محمد بن حرير الطبري.

أبو الحسن الدار قطني.

أبو موسى المديني.

ابن كثير الدمشقي.

راجع: مسند أحمد 4 | 372، 347، الخصائص: 95 سنن ابن ماجة 1 | 43، تاريخ ابن كثير 7 | 348 ـ 349، الرياض النضرة 2 | 223، كنز العمال 13 | 131، 134، 158، وغيرها من المصادر المعتبرة ...

هذا كلّه في الكلام على سند حديث الغدير بايجاز، فانظر وأنصف من « المكابر »؟

2 ـ دلالة حديث الغدير :

قال: (وبعد صحة الرواية:

فموخّر الخبر ـ أعني قوله: اللهّم وال من والاه ـ يشعر بأن المراد هو الناصر والمحب، بل مجرد احتمال ذلك كاف في دفع الاستدلال.

ولو سلّم فغايته الدلالة على استحقاق الإمامة وثبوتها في المآل، لكن من أي يلزم نفي إمامة الأئمّة قبله ...

وإذا تأمّلت فما يدعون من تواتر الخبر حجة عليهم لا لهم ...).

أقول:

هذا غالية ما أمكنه الاعتراض به على الاستدلال بحديث الغدير ... ولا يخفى أنّ هذا الموضع من المواضع التي خالف فيها السّعد مشايخه المتقدمين عليه كالقاضي العضد والفخر الرازي ... فإنّ أولئك أنكروا أن يكون (المولى) يجيء يمعنى (الأولى) ثم ذكروا شبهات لهم بناء على ذلك ... آخذين كلّ ما هنا لك من مشايخ المعتزلة ... أمّا السّعد فلم ينكر مجئ كلمة (المولى) بمعنى (الأولى) بل ظاهره الإقرار، فكان الكلام معه أخصر وطريق الإفحام أقصر.

لقد دلّ قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: « ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى. قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه » على الأولوية، وأكّدت ذلك الدلائل القرائن الكثيرة الثابتة في رواية الفريقين:

من وجوه دلالة حديث الغدير :

منها: نزول الآيات من القرآن الكريم في ذلك اليوم:

قوله تعالى: (يا أيّها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك وان لم تفعل

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 210 )

فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس) نزلت قبل خطبة النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم (1).

وقوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام ديناً) نزلت بعد الخطبة الشريفة (2).

وقوله تعالى: (سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع). نزلت في قضية الرجل الذي جاء إلى النّبي بعد الخطبة قائلاً: « يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إلاّ الله وأنك رسول الله، فقبلناه منك. وأمرتنا أن نصلّي خمساً، فقبلناه منك. وأمرتنا بالزكاة فقبلناه. وأمرتنا أن نصوم شهر رمضان فقبلناه منك، وأمرتنا بالحج فقبلناه. ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمّك ففضّلته علينا وقلت: من كنت مولاه فعليّ مولاه؟ فهذا شيء منك أم من الله عزّ وجلّ؟ فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: والذي لا إله إلاّ هو إن هذا من الله.

فولّى الرّجل قائلاً: اللهم ان كان ما يقوله محمد حقاً فامطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذابٍ أليم.

فما وصل إلى راحلته حتى رماه الله بحجرٍ فسقط على هامته وخرج من دبره فقتله.

فأنزل الله تعالى ذلك » (3).

ومنها: شعر حسان بن ثابت في ذلك اليوم بإذنٍ من النّبي ومشهدٍ من الصّحابة ... وفيه:

____________

(1) روى نزولها: ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر وأبو نعيم والثعلبي والواحدي والعيني والسيوطي وغيرهم، لاحظ: الدر المنثور 2 | 298، أسباب النزول: 115، الفخر الرازي 12 | 49 وغيرها.

(2) روى نزولها: ابن مردويه وأبو نعيم وابن المغازلي والخطيب الخوارزمي و ...

(3) روى ذلك: الثعلبي والسمهودي والمنّاوي والحلبي وجماعة آخرون.

--------------------------------------------------------------------------------

( 211 )

« فقال له قم يا علي فانني رضيتك من بعدي إماماً وهادياً » (1).

ومنها: مناشدة الامام أمير الؤمنين عليه السلام الناس عن حديث الغدير (2).

ومنها: مناشدة الزهراء عليها السلام واحتجاجها بالحديث (3).

ومنها: بعض ألفاظ الحديث: كقوله:

« يا أيها الناس من وليّكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم ـ ثلاثاً.

ثم أخذ بيد علي فقال: من كان وليّه فهذا وليه، أللهم وال من والاه وعاد من عاداه » (4).

فلو كان المراد من « المولى » هو « المحب والناصر » لما قال الأصحاب في الجواب: « الله ورسوله أعلم ».

وكقوله: « إنّ الله ولييّ وأنا ولي كلّ مؤمنٍ، من كنت مولاه فعلي مولاه » (5).

وكقوله: « أيّها الناس إني ولّيكم. قالوا: صدقت، فرفع يد علي فقال: هذا وليّي المؤدّي عنّي، وإنّ الله موال من والاه ومعاد من عاداه » (6) فإنّ « المؤدّي عنّي » قرينة على أنّ « الولاية » هي الأولوية، وعلى أنّ الدعاء جاء في حقّ من قبل ولايته وأطاعه فيما يؤديه، وعلى من لم يقبل ولايته ولم يطع أوامره ونواهيه الالهية ...

وكقوله: « من كنت أولى به من نفسه فعليّ وليّه، أللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه » (7).

____________

(1) روى ذلك: ابن مردويه وأبو نعيم والخوارزمي وسبط ابن الجوزي والسيوطي وآخرون.

(2) روى ذلك من أكابر الحفاظ: عبدالرزاق وأحمد والبزار والنسائي وأبو يعلى والطبراني والخطيب وابن الأثير وابن كثير والسيوطي وغيرهم.

(3) أسنى المطالب للحافظ ابن الجزري.

(4) الخصائص: 101.

(5) كنز العمال: 12 | 207.

(6) الخصائص 100، تاريخ ابن كثير 5 | 212.

(7) المعجم الكبير 5 | 186.

--------------------------------------------------------------------------------

( 212 )

ومنها: شهادة صحابة مشهورين بولاية أمير المؤمنين عليها السلام وإمامته إستناداً إلى حديث الغدير ... فإنّهم دخلوا عليه فقالوا: « السلام عليك با مولانا. قال: وكيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله يقول: من كنت مولاه فهذا مولاه » (1).

ومنها: تهنئة الشيخين وسائر الصحابة أمير المؤمنين عليه السلام قائلين « أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة » (2).

ومنها: إستنكار بعض الصحابة هذا الكلام (3) فلو كان بمعنى « الناصر والمحب » لما استنكر.

ومنها: تمنّي بعض الصحابة ورود هذا الكلام في حقّه (4).

إلى غير ذلك من الوجوه ...

فهل يبقى مجال بالنظر إلى كل ذلك لاحتمال ـ أو دعوى ـ إشعار مؤخر الحديث بأنّ المراد بالمولى هو الناصر والمحب؟ وهل يعقل أن يكون ذلك الاهتمام الذي كان من النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لمجرّد بيان كون علي عليه السلام محبّاً وناصراً لمن كان النّبي محبّاً وناصراً له؟

ثم أي منافاة بين هذه الجملة وجملة « من كنت مولاه » لتكون مشعرة بما يدعيه السّعد؟ بل إنها أيضاً من مؤكّدات الدلالة على الأولوية، لأنّه لو كان صلّى الله عليه وآله وسلّم قد قال: « من كانت طاعتي مفترضة عليه فطاعة علي عليه مفترضة، أللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه » لكان كلاماً صحيحاً لا تهافت فيه.

ومن هنا ترى أن بعض حفّاظهم المحققين ـ كمحب الدين الطبري المتوفى

____________

(1) مسند أحمد 5 | 419، الرياض النضرة 2 | 222، تاريخ ابن كثير 7 | 347، المرقاة في شرح المشكاة 5 | 574.

(2) رواه جماعة من كبار المحدثين، منهم أبوبكر ابن أبي شيبة، كنز العمال 13 | 134.

(3) مسند أحمد 4 | 370، الخصائص 100، ابن كثير 7 | 346.

(4) رواه ابن ماجة 1 | 45 عن سعد بن أبي وقاص.

--------------------------------------------------------------------------------

( 213 )

سنة 694 ـ يستبعد ما ادّعاه السعّد من المعنى (1) بل إنّ بعض مؤلّفيهم المتعصّبين يكذبّ مؤخر الحديث فيقول: « إن هذا اللفظ وهو قوله: أللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله. كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث ... » قال: « إن دعاء النبي مجاب، وهذا الدعاء ليس بمجاب، فعلم أنه ليس من دعاء النبي ... » (2).

وأمّا: (ولو سلّم فغايته الدلالة على الامامة، وهو جواب لم يذكره القوم) ففيه: أنّه قد ذكره القوم قبله بقرون، سواء أراد من « القوم » قومه أو أصحابنا، فقد ذكر شيخنا أبوجعفر الطوسي المتوفى سنة 460 « فأمّا الجواب عمّا قالوه من ثبوت الإمامة بعد عثمان. فهو: ما تقدّم عند كلامنا في النص الجلي، وهو: إن الأمة مجمعة على أنّ إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بعد قتل عثمان لم تحصل له بنص من الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم تناول تلك الحال واختص بها دون ما تقدّمها. ويبطله أيضاً: إنّ كلّ من أثبت لأمير المؤمنين عليه السلام النص على الامامة بخبر الغدير أثبته على استقبال وفاة الرسول من غير تراخ عنها » (3).

أقول:

ويبطله أيضاً: أنه كانت ولاية النبي صلّى الله عليه وآله سلّم عامة كما يدلّ عليه كلمة « من » الموصولة، فكذا علي. فيجب أن يكون على هو الولي لأبي بكر دون العكس.

ويبطله أيضاً: انّه بعد التسليم بدلالة حديث الغدير على إمامة الأمير والاعتراف بعدم النصّ على خلافة من تقدمه، يكون تقييد إمامته عليه السلام بالزمان المتأخر عن زمانهم تقييداً بلا دليل.

____________

(1) الرياض النضرة 1 | 205.

(2) منهاج السنة 4 | 16.

(3) تلخيص الشافي 2 | 200.

--------------------------------------------------------------------------------

( 214 )

أقول: بل ورد النّص عنه صلّى الله عليه وآله سلّم في عدم استخلافه أحداً ممّن تقدّم عليه، وقوله في علي: « أما والذي نفسي بيده لئن أطاعوه ليدخلّن الجنّة أجمعون » رواه غير واحد من محدثيهم بأسانيدهم عن ابن مسعود عن النّبي.

وأمّا قوله: (وإذا تأمّلت فما يدّعون من تواتر الخبر حجة عليهم لا لهم، لأنّه لو كان مسوقاً لثبوت الامامة دالاً عليه لما خفي على عظماء الصحابة ...).

فتكرار لما سبق ...

فتلخّص ـ أن الحديث متواتر سنداً، نصّ دلالةً ... والحمد لله على ذلك .