حديث المنزلة :

قال (275):

( وأما حديث المنزلة ... والجواب: منع التواتر، بل هو خبر واحد في مقابلة الاجماع. ومنع عموم المنازل ... ولو سلّم العموم فليس من منازل هارون الخلافة والتصرّف بطريق النيابة على ما هو مقتضى الامامة، لأنه شريك له في النبوّة، وقوله: أخلفني ليس استخلافاً بل مبالغة وتأكيداً في القيام بأمر القوم. ولو سلّم فلا دلالة على بقاءها بعد الموت ...) .

سند حديث المنزلة:

أقول:

أمّا الكلام في السند فإنّ السّعد لم يمنع صحة الحديث كما فعل شيخه في (المواقف) ـ تبعاً للآمدي الزّنديق بنصّ الذّهبي ـ وإنّما منع التواتر قال: (بل هو خبر واح في مقابلة الاجماع).

والجواب: إن حديث المنزلة مخرّج في كتابي البخاري ومسلم (1) اللذين هما

____________

(1) صحيح البخاري، كتاب المغازي، غزوة تبوك. صحيح مسلم، الترمذي، ابن ماجة، أبو داود

=

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 215 )

أصحّ الكتب عندهم بعد القرآن، واشتهر بينهم قطعيّة صدور أحاديثهما (1)، مضافاً إلى تصريح غير واحد من كبار محدّثيهم بتواتره، قال ابن عبدالبرّ: « هو من أثبت الأخبار وأصحّها، رواه عن النبي سعد بن أبي وقاص ـ وطريق سعد فيه كثيرة جدّاً، قد ذكر ابن أبي خيثمة وغيره ـ ورواه: ابن عباس وأبو سعيد الخدري، وأم سلمة وأسماء بنت عميس وجابر بن عبدالله، وجماعة يطول ذكرهم » (2).

ثمّ إن ظاهر قوله (خبر واحد في مقابلة الاجماع) هو أن الموجب لأن يكون حديث المنزلة خبراً واحداً هو الاجماع المدّعى على خلافة أبي بكر، لكنّ الاجماع المذكور لو سلّم لا يوجب أن يكون الخبر الثابت يقيناً خبراً واحداً مفيداً للظن، المذكور لو سلّم لا يوجب أن يكون الخبر الثابت يقيناً خبراً واحداً مفيداً للظن، وإنّما يوجب رفع اليد عن ظهور الخبر المتواتر في مدلوله المنافي للاجماع. وعلى الجملة فإنّ المقابلة للاجماع إنّما تؤثّر في دلالة الخبر وان كان متواتراً، ولا تؤثر في سند الخبر المتواتر بأن تجعله ظنيّاً ... ومن هنا يفهم أن السّعد يرى الحديث متواتراً سنداً، وأنّه تام الدلالة على إمامة علي عليه السلام، إلاّ أنّ الاجماع هو المانع من الإذعان بذلك !

لكنك قد عرفت حال الاجماع المزعوم حتى من كلام السّعد نفسه ...

دلالة حديث المنزلة :

وأما الكلام في الدّلالة فالجواب عن الشبهة الأولى ـ وهي عمدة ما في المقام ـ هو أن معيار العموم جواز الإستثناء كما نصّ عليه الأصوليّون قاطبة، كما لا يخفى على من لاحظ مباحث العموم في (المنهاج للبيضاوي) وشروحه، وفي (مسلّم الثبوت للبهاري) وشرحه، وغيرها من كتب الأصول، ومن الواضح جداً أنّ اسم

____________

=

... لاحظ جامع الأصول 9 | 468.

(1) لاحظ كلام الحافظ ابن القيسراني المقدسي في كتاب الجمع بين رجال الصحيحين وكلام النووي وشارحه السيوطي في تدريب الراوي. وغيرهما.

(2) الاستيعاب، ترجمة أمير المؤمنين 3 | 1090.

--------------------------------------------------------------------------------

( 216 )

الجنس المضاف من ألفاظ العموم كما نص عليه جميعهم كذلك، منهم السّعد نفسه في شرح شرح مختصر الأصول، تبعاً لابن الحاجب والقاضي العضد، فقد جاء في (شرح المختصر) ما نصه: « ثمّ الصيغة الموضوعة له، أي للعموم، عند المحققين هي هذه: فمنها: أسماء الشرط والاستفهام نحو: من وما ومهما وأينما، ومنها: الموصولات نحو: من وما والذي، ومنها: الجموع المعرفة تعريف جنس لا عهد، والمجموع المضافة نحو العلماء وعلماء بغداد، ومنها: اسم الجنس كذلك أي معرفّاً تعريف جنس أو مضافاً » (1).

وفي (شرح المنهاج): « المسألة الثانية فيما يفيد العموم ... وأما الجمع المضاف سواء كان جمع كثرة نحو قوله تعالى: (يا عبادي) الآية: أو جمع قلة نحو قوله عليه السلام: أولادنا أكبادنا. وكذا اسم الجنس يكون عاماً إذا كان محلّىً بالألف واللام نحو قوله: (يا أيّها الذين اعبدوا) أو مضافاً نحو قوله تعالى: (عن أمره) ».

وفي (فواتح الرحموت): « إنّ المفرد المضاف أيضاً من صيغ العموم، كيف ويصح الاستثناء وهو معيار العموم ».

وكما تجد هذه القاعدة في الكتب الأصولية، كذلك تجدها في الكتب الأدبية، وفي كلام السّعد نفسه، فقد ذكر السّعد في (شرحه المختصر على تلخيص المفتاح) بتعريف علم البلاغة: « فمقتضى الحال هو الاعتبار المناسب للحال والمقام. يعني إذا علم أن ليس ارتفاع شأن الكلام الفصيح في الحسن الذاتي إلاّ بمطابقته للاعتبار المناسب على ما يفيده إضافة المصدر، ومعلوم أنه إنما يرتفع بالبلاغة ... فليتأمل » قال الخطائي في حاشية:

« قوله: على ما يفيد إضافة المصدر. لأنّها تفيد الحصر كما ذكروا في ضربي زيداً قائماً أنه يفيد انحصار جميع الضربات في حال القيام. وفيه تأمّل. لأن إضافة

____________

(1) شرح مختصر الأصول 2 | 102.

--------------------------------------------------------------------------------

( 217 )

المصدر إنما تفيد العموم لأنّ اسم الجنس المضاف من أدوات العموم، والانحصار في المثال المذكور إنما هو من جهة أنّ العموم فيه يستلزم الحصر ... ».

وفي حاشية الجلبي على (شرحه المطوّل): « قوله: واستغراق المفرد أشمل. قد سبق تصريح الشارح بأنّ اضافة المصدر تفيد الحصر وحقق هناك أن مبناه كون المصدر المضاف من صيغ العموم، فهذه القضية كلية ... ».

هذا، ولو أردنا أيراد كلماتهم لطال بنا المقام ... فالعجب من السّعد كيف ينسى في هذا الموضع ما قرّره هو وغيره من الأعلام؟

فظهر سقوط قوله: (منع عموم المنازل).

وكذا قوله: (بل غاية الاسم المفرد المضاف إلى العلم الإطلاق، وربما يدعى كونه معهوداً معيّناً كغلام زيد).

فإنّ تبادر العهد من « غلام زيد » بسبب القرينة لا يستلزم عدم العموم في كلّ اسمٍ مضاف، لانّ اسم الجنس المعرّف باللام والجمع باللام أو المضاف الدالة على العموم ـ كما صرّح بذلك علماء الأصول ـ تحمل على العهد أينما تحقّق العهد، وهذا لا ينقي كونها للعموم حيث لا عهد، فكذا في اسم الجنس المضاف، قال الجلال المحلّي في (شرح جمع الجوامع): « والجمع المعرّف باللاّم نحو: قد أفلح المؤمنون، أو الاضافة نحو: يوصيكم الله في أولادكم للعموم ما لم يتحقق عهد لتبادره إلى الذّهن ».

وكيف يقول: (غاية الاسم ... الاطلاق)؟ والحال أنّه حيث لا يتحقق العهد يكون الأستثناء صحيحاً، وقد عرفت أن صحّته دليل العموم، كما عرفت أن اسم الجنس المضاف من صيغ العموم.

سلّمنا أن غايته الإطلاق، فإنّ الاطلاق أيضاً كاف لإثبات دلالة الحديث على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام، لانّ المتكلّم الحكيم إذا جاء بلفظ مطلق ولم ينصب قرينة على التقييد أفاد العموم وإلاّ لزم الإهمال، بل لقد نصّ السّعد نفسه في (شرح التوضيح) على أنّه لابدّ من حمل صيغ العموم على الكلّ احترازاً عن

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 218 )

ترجيح البعض بلا مرجّح، فكذلك الأمر في عموم المطلق وشموله لجميع أفراده.

إذن، لا سبيل إلى إنكار دلالة الحديث على العموم، ومن هنا اعترف شيخه القاضي العضد بذلك (1) إلاّ أنّه ادعى العهد، لكنّ السّعد يقول: (وربما يدعى كونه معهوداً كغلام زيد) فهو غير جازم بالعهد، وذلك لأنّه يدري أنّ العهد المدعى ليس إلاّ قرينيّة زمان صدور الحديث، وهو وقت الخروج عن المدينة إلى تبوك ... كما نصّ عليه شارح المواقف ... وهو موقوف على كون المورد مخصّصاً وهو باطل، ولذا قال: (وأمّا الجواب: بأنّ النبي لمّا خرج ... فربّما يدفع بأنّ العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، بل ربما يحتجّ ...).

هذا أولاً:

وثانياً: إنّ ورود الحديث غير مختص بهذا المورد، فقد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم هذا الكلام لعلي عليه السلام في مواضع عديدة، منها عند المؤاخاة، وقد أوردنا الخبر في ذلك في (الطّرائف) عن أحمد بن حنبل كما في (كنز العمّال)، وسيأتي خبر آخر فيه قريباً.

وأمّا قوله: (وليس الاستثناء المذكور إخراجاً ... بل منقطع ...).

فهذا الإشكال ذكره شيخه القاضي العضد ... فأنصف السّعد وأجاد في دفعه بقوله: (اللهمّ إلاّ أن يقال: إنها بمنزلة المستثنى، لظهور انتفائها).

إلى هنا تمّ دلالة الحديث على العموم ...

قال: (ولو سلّم العموم فليس من منازل هارون الخلافة والتصرّف ... وقوله: اخلفني ليس استخلافاً ...).

ويردّه تصريح كبار المفسّرين منهم بتفسير قوله: (اخلفني) بأنّ المعنى « كن خليفتي ونافذ أمرك فيهم » فلاحظ تفاسير: (الكشاف) و (الرازي) و (البيضاوي) و (النيسابوري) و (النسفي) و (ابن كثير) و (الخازن) ...

____________

(1) المواقف في علم الكلام 8 | 363.

--------------------------------------------------------------------------------

( 219 )

وإذا كان من جملة المنازل الثابتة لهارون بخلافته: فرض طاعته ونفوذ أمره في الأمّة، فعلي عليه السلام المنزّل منزلة هارون كذلك، ولو النبي بهذا المعنى وقال: أنت مني بمنزلة هارون من موسى في فرض الطّاعة ونفوذ الأمر وإن لم تكن شريكي في النبّوة، لكان كلاماً مستقيماً لا تنافي فيه أصلاً.

ويؤكّد ذلك أمره صلّى الله عليه وآله وسلّم في غير واحد من الأخبار المعتبرة بإطاعة علي إطاعةً مطلقة، وأنّ من أطاع علياً فقد أطاعه ومن أطاعه فقد أطاع الله، منها: ما أخرجه الحاكم بسنده عن أبي ذر رحمه الله قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: « من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع علياً فقد أطاعني ومن عصى علياً فقد عصاني. هذا الحديث صحيح الإسناد » (1).

هذا، ولولا دلالة هذا الحديث على حصول تلك المنازل لعلي عليه السلام لم يقل عمر بن الخطّاب ـ فيما رواه جماعة منهم الحاكم وابن النجّار كما في (كنز العمال) ـ « كفّوا عن ذكر علي بن أبي طالب، فإنّي سمعت رسول الله يقول في علي ثلاث خصالٍ لئن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس: كنت أنا وأبوبكر وأبو عبيدة بن الجرّاح ونفر من أصحاب رسول الله والنّبي متكئ على علي بن أبي طالب، حتى ضرب بيده على منكبه ثم قال: وأنت يا علي أوّل المؤمنين إيماناً وأوّلهم إسلاماً ثم قال: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى. وكذب عليّ من زعم أنّه يحبّني ويبغضك ».

ولم يقل مثله سعد بن أبي وقاص كما رواه ابن ماجة في (سننه) وغيره.

ولم يحتج به كبار الصحابة في مواطن مختلفة، وأمير المؤمنين نفسه في احتجاجه على أهل الشورى.

____________

(1) المستدرك على الصحيحين 3 | 121.

--------------------------------------------------------------------------------

( 220 )

أحاديث أخرى :

قال (276):

( الرابع النصوص الجليّة ... والجواب: ما مرّ أنّها أخبار آحاد في مقابلة الاجماع، وأنّها لو صحّت لما خفيت على الصحابة والتّابعين ... ولو سلّم فغايته إثبات خلافته لا نفي خلافة الآخرين).

أقول:

لم يمنع السّعد بصراحةٍ أسانيد هذه الأحاديث تبعاً لشيخه العضد، وإنّما أجاب عنها بكونها آحاداً في مقابلة الاجماع، وقد عرفت ما فيه.

وأمّا دلالة فكلامه تكرار لما سبق، وقد عرفت جوابه أيضاً. وأمّا قوله: (ولو سلّم ...).

ففيه: أوّلاً: أنّه خلاف ظاهر هذه الأحاديث، خصوصاً المشتمل منها على كلمة من بعدي: وثانياً: أنّه موقوف على ثبوت خلافة الآخرين وهي لا تثبت إلاّ بالنصّ أو الإجماع، أمّا الأول فمفقود وأمّا الثاني فغير حاصل. وثالثاً: إن كان الذين من قبله مؤمنين متّقين فهو وليّهم وأميرهم وإمامهم، وإن لم يكونوا مؤمنين متّقين فهو وليّهم وأميرهم وإمامهم بالأولوية القطعية.

وأمّا ضبط كلمة « ديني » بـ « كسر الدال » فلم نفهم وجهه ... لا سيّما وفي بعض الألفاظ: « يقضي ديني » (1) فإنّه بفتح الدال قطعاً، ولا بأس بنقل الحديث كاملاً عن (مجمع الزوائد).

« عن سلمان رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله إنّ لكلّ نبيّ وصيّاً فمن وصيّك؟ فسكت عني. فلمّا كان بعد أن رآني قال: يا سلمان فأسرعت إليه قلت: لبّيك. قال: تعلم من وصيّ موسى؟ قال: نعم، يوشع بن نون. قال: لم؟ قلت:

____________

(1) مجمع الزوائد 9 | 113، الرياض النضرة 2 | 279 منتخب كنز العمال ـ هامش أحمد ـ 5 | 32.

--------------------------------------------------------------------------------

( 221 )

لأنّه كان أعلمهم يومئذ. قال: فإنّ وصيّي وموضع سرّي وخير من أترك بعدي ينجز عدتي ويقضي ديني علي بن أبي طالب ».

قلت: ومن عمدة ما في الباب الحديث: « إنّ عليّاً مني وأنا من علي وهو ولي كلّ مؤمن من بعدي » الذي أخرجه أبو داود الطيّاسي وأحمد والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم والطبري وابن حجر العسقلاني ... وغيرهم.

من موارد القدح في إمامة الآخرين :

قال (278):

( الخامس: القدح في إمامة الآخرين ... أمّا إجمالاً فلظلمهم لسبق كفرهم، لقوله تعالى: (والكافرون هم الظّالمون) والظالم لا يكون إماماً لفوله: (لا ينال عهدي الظالمين) والجواب ...).

أقول:

قد تقدّم تقرير الاستدلال بالآية وأن العهد هو الإمامة حتّى عند المفسرّين من أهل السّنة ...

قضية فدك :

قال (278):

( وأمّا تفصيلاً فممّا يقدح في إمامة أبي بكر أنه خالف كتاب الله تعالى في منع إرث النّبي بخبرٍ رواه ... ومنها أنّه منع فاطمة فدك ... والجواب ...).

أقول:

لا يخفى الفرق الكبير والاختلاف الكثير بين ما ذكره السّعد وما ذكره شيخه العضد، تقريراً وجواباً ... فراجع، والملاحظ:

1 ـ إنّ السّعد لم ينكر تفرّد أبي بكر بما نسبه إلى النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة.

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 222 )

2 ـ إنّه لم ينكر أنّ النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وهب فاطمة عليها السلام فدكاً.

3 ـ إنّه لم ينكر تصديق أبي بكر أزواج النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في ادّعاء الحجرة لهنّ من غير شاهد، ولم يجب عن هذا النقض بشيء أصلاً.

4 ـ إنّه لم ينكر كون فدك بيد الزهراء عليها السلام منذ حياة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، بل أثبت ذلك بقوله: « ثمّ ردّها عمر بن عبدالعزيز أيّام خلافته إلى ما كانت عليه ».

وخلاصة كلام أصحابنا في هذا المقام هو:

إنّ أبابكر انتزع من فاطمة فدكاً (1) ـ وهي غير خيبر وليست قرية منها ـ فطالبت فاطمة عليها السلام منه رفع الاستيلاء على هذا الملك الحاصل لها هبةً من والدها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم (2) واذا كان السّعد لا ينكرها هاتين المقدّمتين فلما ذا لا يعترف بالحقّ صراحة؟ وإن كان منكراً لكلتيهما أو إحداهما فلما ذا يصرّح بالانكار ولم يدافع عن أبي بكر؟ إنّ الشيء الذي قاله هو:

( والجواب: إنّه لو سلّم صحة ما ذكر فليس على الحاكم أن يحكم بشهادة رجل وامرأة وإن فرض عصمة المدعي والشاهد، وله الحكم بما علمه يقيناً وان لم يشهد به شاهد).

لكن فيه:

أوّلاً: إنّ أبابكر لم يكن حاكماً في القضية بل كان خصماً.

وثانياً: إنّ الزهراء عليها السلام كانت صاحبة اليد فلم يكن له أن يطالبها بالشهود، بل كا عليه إقامة البيّنة ليجوز له الاستيلاء على ملكها.

وثالثاً: إذا أقام المدعي البيّنة وجب على الحاكم أن ينظر فيها، فإن وجدها

____________

(1) لاحظ: الدر المنثور 4 | 177.

(2) الصواعق المحرقة: 31.

--------------------------------------------------------------------------------

( 223 )

معتبرة ولا معارض وجب عليه الحكم على طبقها، وليس له الحكم بعلمه حتى النبي، فإنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم يصرّح بذلك حيث يقول في الحديث المتفق عليه: « إنّما أنا بشر وإنّكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم ألحن بحجّته من بعض، فاقضي نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحقّ أخيه فإنّما أقطع له قطعةً من النار » (1).

ورابعاً: إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قضى باليمين مع الشاهد الواحد (2) فهلاّ طلب أبوبكر من الزهراء اليمين وقد شهد لها علي عليه السلام؟

وخامساً: إنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قضى بالشاهد الواحد وهو عبدالله بن عمر (3)، فهلاّ قضى أبوبكر بأمير المؤمنين عليه السّلام وحده؟ وهل كان عنده أقل من عبدالله بن عمر ؟‍‍!

وسادساً: هذا كلّه بعض النظر عن عصمة الزهراء عليها السلام، وعصمة أمير المؤمنين والحسنين (ولم يذكرهما السّعد) وبغض النظر عن كون أم أيمن مشهوداً لها بالجنة كما في ترجمتها من (الإصابة) وغيرها.

ثم إنّها سلام الله عليها ـ بعد أن لم يصدّق أبوبكر علياً والحسنين وأم أيمن، مع أنّه صدّق أزواج النبي في ادّعائهنّ من غير شاهد ـ جاءت تطالب بفدك وغير فدك من إرثها من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم:

أخرج البخاري ومسلم عن عائشة واللفظ للأوّل قالت: « إنّ فاطمة عليها السلام بنت النبي أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله ممّا أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر. فقال أبوبكر: إنّ رسول الله قال: لا نورّث ما تركنا صدقة، إنّما يأكل آل محمد في هذا المال، وإنّي والله لا أغيّر شيئاً من صدقة رسول الله عن حالها التي كان عليها في عهد رسول الله، ولأعملنّ فيها بما عمل

____________

(1) جامع الأصول 10 | 553 أخرجه البخاري ومسلم ومالك والترمذي وأبو داود والنسائي.

(2) جامع الأصول 10 | 555 أخرجه مالك ومسلم وأبو داود والترمذي ...

(3) جامع الأصول 10 | 557 أخرجه البخاري.

--------------------------------------------------------------------------------

( 224 )

به رسول الله، فأبي أبوبكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً.

فوجدت فاطمة على أبي بكر فهجرته فلم تكلّمه حتى توفيت.

وعاشت بعد النبي ستة أشهر.

فلمّا توفّيت دفنها زوجها علي ليلاً ولم يؤذن بها أبابكر وصلّى عليها.

وكان لعليّ من الناس وجه حياة فاطمة » (1).

لكنّ الكلام في الحديث الذي ادّعاه، فإنّ القوم لم يتمكنوا من إثبات تماميته سنداً ودلالة، أمّا سنداً فإنّ ما ذكره السّعد في الجواب من (أن الخبر المسموع من فم رسول الله إن لم يكن فوق التواتر فلا خفاء في كونه بمنزلته، فيجوز للسامع المجتهد أن يخصص به عام الكتاب) مشتمل على ثلاثة دعا و:

1 ـ إنّ أبابكر سمع الحديث من فم رسول الله ...

2 ـ إنّ أبابكر مجتهد ...

3 ـ إنّ للسامع المجتهد أن يخصّص به عام الكتاب.

وهذه الدعاوى لابدّ لها من إثبات، فإنّها أوّل الكلام، ولو أنّا تيقّنا بأنّ أبابكر سمع الحديث من فم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لما كان كلّ هذا البحث ... لكنّ أبابكر متهم في هذا الموضع فهو خصم لا حكم، واطلاعه هو وحده بهذا الحديث، بحيث لم يسمعه من النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أحد من أهله وذويه، يورث الشك في روايته، بل لم يسمع أحد من أبي بكر هذا الحديث عن النبي حتى تلك الساعة، بل ادعاء الأزواج إرثهنّ من رسول الله تكذيب له ... كما كان تصديقه لهنّ في ادعّاء الحجرة يكشف عن غرض له في نفسه مع الزهراء وأهل البيت !

هذا كلّه بناءً على ثبوت دعوى أبي بكر سماع ذلك من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. وأمّا بناءً على وضع هذا الحديث بعد ذلك تبريراً وتوجيهاً لمنع أبي

____________

(1) صحيح البخاري: باب غزوة خيبر. صحيح مسلم: كتاب الجهاد والسير.

--------------------------------------------------------------------------------

( 225 )

بكر فاطمة عليها السلام حقّها، كما عليه الحافظ البارع الناقد ابن خراش البغدادي المتوفى سنة 283 (1). سقوط تلك الدّعاوى والتوجيهات في غاية الوضوح. وعلى كلّ تقدير فالحديث باطل.

وأمّا دلالة ففي الحديث المزعوم احتمالات كما ذكر العضد (2) ولم يشر إلى ذلك السّعد، والحاصل أنّه كما يحتمل أن تكون كلمة « صدقة » مرفوعة على الإخبار به عن « ما » الموصولة في « ما تركناه » كذلك أن يكون « ما » منصوبةً محلاً على المفعولية لـ « تركناه » وتكون « صدقة » حالاً من « ما » فما المثبت للاحتمال الأوّل؟ بل المتعيّن ـ إن صح الحديث ـ هو الثاني لتكذيب علي والزهراء والحسنين وأهل البيت والعبّاس وأزواج النبي وسائر المسلمين ... هذا الحديث أو عدم سماعهم إيّاه من رسول الله ... بل إنّ ردّ عمر بن عبدالعزيز فدكاً إلى أولاد فاطمة ـ وهو عند جماعة من أعلامهم خامس الخلفاء الراشدين ـ تكذيب صريح، بل إنّ أبابكر كذّب نفسه في أواخر حياته، حيث تمنّى أن كان قد سأل النبّي (3) عن حقّ أهل البيت في الخلافة، فإنّ هذا ـ وإن تضليلاً ـ دليل على ندمه على تصدّي الأمر وما ترتّب عليه من أفعال وتروك.

وبعد فإنّ السّعد لم يجب عن هذه القضية جواباً، وإنّما قال كلاماً أساسه حسن الظنّ بأبي بكر والتعصّب على الشيعة ... ثمّ إنه صرّح بهذا بقوله:

( ولعمري إنّ قصّة فدك على ما يرويه الروافض من بيّن الشواهد على أنهماكهم في الضلالة وافترائهم على الصحابة ...) إلى آخر ما قال ممّا لا يليق بنا الجواب عنه ...

____________

(1) لاحظ: تذكرة الحفاظ 2 | 674، ميزان الاعتدال 2 | 600، لسان الميزان 3 | 444، طبقات الحفاظ: 297 وقد ذكرنا تفصيل ذلك في (الطرائف)

(2) شرح المواقف في علم الكلام 8 | 355.

(3) تاريخ الطبري 4 | 52 وغيره.

--------------------------------------------------------------------------------

( 226 )

استخلاف عمر :

قال (279):

( ومنها: إنّه خالف رسول الله في الاستخلاف ... والجواب: إنّا لا نسلم أنّه لم يستخلف أحداً بل أستخلف إجماعاً، أما عندنا فأبابكر وأما عندكم فعليّاً ...).

أقول:

إن اراد من استخلافه صلّى الله عليه وآله وسلّم أبابكر النصّ عليه، فهو مع كونه خلاف الواقع خلاف ما نصّ عليه سابقاً ولا حقاً. وإن أراد أن بيعة عمر لأبي بكر ثم متابعة أكثر الناس في ذلك استخلاف من النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فهذا افتراء على الله ورسوله ...

وقوله: (لا نسلّم أنّه عزل عمر بل انقضى توليته ...) تأويل بلا دليل.

وقول: (ولا نسلّم أن مجرّد فعل ما لم يفعله النبي مخالفة وترك لاتّباعه ...) مغالطة، لأنّ المفروض عندهم أنه صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يستخلف، مع كونه أعرف بالمصالح والمفاسد وأوفر شفقة على الأمّة ... فكانت المصلحة والشفقة في عدم الاستخلاف، فيكون الاستخلاف مخالفةً له وتركاً لاتّباعه ... فيكون قادحاً في استحقاق الإمامة .

جهل أبي بكر :

قال (280):

( ومنها: إنّه لم يكن عارفاً بالأحكام حتى قطع يد سارق من الكوع لا يمينه، وقال لجدةٍ سألته عن ارثها ... ولم يعرف الكلالة ...).

أقول:

هذه من موارد جهل أبي بكر بأوضح الأحكام الشرعيّة والألفاظ القرآنية ...

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 227 )

وسيأتي كلام الغزالي الذي أورده السّعد في أن الفضل للعلم والتقوى ...

وهو لم يجب عن هذه الموارد إلاّ أن قال:

( والجواب ـ بعد التسليم ـ إنّ هذا لا يقدح في الاجتهاد، فكم مثله للمجتهدين).

أمّا قوله « من التسليم » فلم نفهم وجهه؟ إن كان يشكّك في ثبوتها فلماذا لم يصرّح ولم يبيّن؟ إنّه لا حاجة إلى إيراد أخبار تلك الموارد بعد إذعان الكلّ بها حتّى شيخه العضد، فإنّه بعد أن ذكر قضية إحراق الفجائة، وقطع يسار السارق، والجهل بميراث الجدّة ... (1) لم يناقش في ثبوتها ...

وأمّا قوله (إنّ هذا لا يقدح في الاجتهاد فكم مثله للمجتهدين). ففيه: أيّ اجتهاد هذا؟ إن قلنا: كيف طرح نصّ الكتاب بخبر واحد مفروض اختص به؟ قالوا: اجتهد. وإن قلنا: كيف خالف الشرع في قطع يد السارق؟ قالوا: اجتهد وإن قلنا: كيف يكون إماماً وهو يجهل حكم الإرث ومعنى لفظ الأب؟ قالوا: انه مجتهد، والجهل لا يقدح في الاجتهاد، فكم مثله للمجتهدين؟

ولو سلّم أنّ « الجهل » غير قادح، فهلاّ توقف عن الحكم في قطع يد السّارق ـ كما توقف عن الجواب عن الارث حتى وجد الحكم عند المغيرة بن شعبة اللّعين، وعن معنى الأب ـ فلم يقطع حتى يسأل؟ وهل الاجتهاد عذر؟ لو كان عذراً فلماذا أوقع الذنب على الجلاّد؟ أو وجّهوا الحكم بـ « لعلّه ... ولعلّه ... » كما لا يخفى على من راجع (المواقف) و (الصواعق)؟ حتى اضطرّ بعضهم في (حواشيه على شرح العقائد النسفيّة) إلى أن يقول: « قد قطع يسار السارق وهو خلاف الشرع، والظاهر أنّ القضاء بغير علم ذنب، وما كان هو معصوماً » !

لكنّ عليّاً عليه السّلام ما خالف الكتاب والسنة في مورد، وما جهل بحكم ولا لفظ، بل ادعى الأعلميّة ـ وهو الصادق المصدّق ـ واعترف له بذلك كبار

____________

(1) شرح المواقف 8 | 357.

--------------------------------------------------------------------------------

( 228 )

الصحابة، ورجوعهم إليه في المعضلات والمشكلات، واعترافهم أمامه بالجهل ... مشهور ... فيكون هو الامام دون غيره ... وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: « من استعمل عاملاً من المسلمين وهو يعلم أن فيهم أولى بذلك منه وأعلم بكتاب الله وسنّة نبيّه فقد خان الله ورسوله وجميع المسلمين » (1) .

تمنّيه لو سأل النبي :

قال (280):

( ومنها: إنه شك عند موته ... والجواب: إن هذا على تقدير صحّته لا يدلّ على الشك بل على عدم النّص ...).

أقول:

هذا الخبر وراه سعيد بن منصور والطبري وأبو عبيد وابن قتيبة والعقيلي والطبراني وابن عساكر وابن عبد ربّه وغيرهم (2) فإن كان هؤلاء كلّهم ـ وهم من كبار الأئمّة الحفّاظ منهم ـ كاذبين على أبي بكر فما ذنبنا؟

وهو يدل على الشك، سلّمنا أنه يدلّ على عدم النّص فهل كان يرى ضرورة النصّ في الإمامة؟ إن قالوا: نعم بطلت خلافته واستخلافه لعمر لعدم النصّ، وإن قالوا: لا بل كان يرى إمامته حقاً لأنها « كانت بالبيعة والاختيار » فلماذا تمنّى النّص ؟

قول عمر: كانت بيعة أبي بكر فلتة :

قال (280):

( ومنها: إن عمر مع كونه وليّه وناصره قال: كانت بيعة ... والجواب:

____________

(1) مجمع الزوائد 5 | 211.

(2) تاريخ الطبري 4 | 52، العقد الفريد 3 | 68 كنز العمّال 3 | 135.

إن المعنى كانت فجأةً وبغتة ...).

أقول:

لا يخفى أنّه لم يذكر إلاّ هذا الموارد، أمّا شيخه العضد فقد ذكر خالد ابن الوليد مع مالك بن نويرة، وغيرها ... كما لا يخفى أنّه لم يناقش في ثبوت هذا الكلام عن عمر ...

ومعنى لفظة « الفلته » بفتح الفاء: « الفتنة » كما في (المواقف) وغيرها. أو « الفجأة والبغتة » كما في الكتاب، أو « ما يندم عليه » كما عن بعض المحدّثين واللغويين.

وهي ـ بأيّ معنى كانت ـ تفيد الذمّ، ويؤكّد ذلك وقوله: « وقى الله شرّها » فلولم تكن ذات شر لم يقل ذلك، وأمّا أنّ الله وقى شرها أو بقي فهذا أمر آخر يجب أن ينظر فيه.

هذا، ويشهد بدلالة الكلام على ذم أبي بكر وخلافته إنكار بعضهم كابن روزبهان الخبر من أصله.

ويشهد به أيضاً قول السّعد: (وكيف يتصوّر منه القدح في امامة أبي بكر ...) فلولا دلالة الكلام عليه لما احتاج إلى هذه الكلمات المشتملة على الأباطيل والافتراءات ... على أنّ عمر بن الخطاب قد صدر منه ما هو فوق ذلك بالنسبة إلى شخص النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فكيف لا يمكن صدور هذا منه في أبي بكر وخلافته ؟!

جهل عمر :

قال (281):

( قدحوا في امامة عمر بوجوه: منها ـ أنه لم يكن عارفاً بالأحكام ... والجواب ـ بعد تسليم القصة ...).

أقول:

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 230 )

أما قوله: « بعد تسليم القصة » فتشكيك في البديهيّات، فإنّ خبري أمره برجم الحامل والمجنونة موجودان في كتبهم المعتبرة المشهورة، فراجع: (صحيح البخاري) باب لا يرجم المجنون والمجنونة من كتاب المحاربين، و (المستدرك على الصحيحين 4 | 389) كتاب الحدود حيث صحّحه وأقرّه الذهبي على ذلك، و (الاستيعاب) بترجمة أمير المؤمنين، و (كنز العمّال) في كتاب المحاربين عن: عبد الرزاق الصنعاني وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي ... وهو في السنن لأبي داود وابن ماجة ...

وخبر نهيه عن المغالاة في الصّداق رواه المفسّرون كالقرطبي والزمخشري وابن كثير والسيوطي والنيسابوري والخازن وغيرهم بتفسير الآية المباركة (وآتيتم احداهن قنطارا) (1) وهو في كتب الحديث والمعتبرة، فقد رواه: عبدالرزاق وسعيد ابن منصور وأبو يعلى الموصلي وابن المنذر وعبد بن حميد كما في (الدر المنثور) (2) وأحمد والطّبراني وابن حبان كما في (الدرر المنتثرة) ورواه البيهقي (3) والحاكم (4) والقسطلاني (5) والمتّقي الهندي عن جماعة (6).

وكذا التشكيك في علمه بالحمل والجنون، فإنّه غير مجد بل مضرّ، لأنّه حينئذٍ يدلّ على تجرّيه وعدم مبالاته بأحكام الله ونفوس المسلمين ...

وكذا التشكيك في ظهور كلامه في التّحريم فالذي أخرجه البيهقي هو: « خطب عمر بن الخطّاب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: ألا لا تغلوا في صداق النّساء فإنّه لا يبلغني عن أحدٍ ساق أكثر من شىء ساقه رسول الله أو سيق

____________

(1) سورة النساء: 20.

(2) الدر المنثور في التفسير بالمأثور 2 | 133.

(3) السنن الكبرى 7 | 233.

(4) المستدرك على الصحيحين 2 | 177.

(5) إرشاد الساري 8 | 57.

(6) كنز العمّال 8 | 298.

--------------------------------------------------------------------------------

( 231 )

إليه إلاّ جعلت فضل ذلك في بيت المال ثم نزل، عرضت له امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين أكتاب الله تعالى أحقّ أن يتّبع أو قولك؟ قال: بل كتاب الله تعالى، فما ذاك؟ قالت: نهيت الناس آنفاً أن يغالوا في صداق النّساء، والله تعالى يقول فيه كتابه: وآتيتم إحداهنّ قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً، فقال عمر رضي الله عنه، كل أحدٍ أفقه من عمر ـ مرّتين أو ثلاثاً ـ » فأيّ معنى لجعل المهر في بيت المال إن لم يكن المقصود هو المنع التحريمي؟

وأمّا قوله: (إنّ الخطأ في مسألةٍ أكثر لا ينافي الاجتهاد ولا يقدح في الامامة) ففيه: إن من شئون مقام الإمامة ووظائفها حفظ الشّريعة وتعليمها للناس بالفعل والبيان، فكيف لا يكون الجهل قادحاً؟ وأيّ وقع في النفوس لامام تذكّره النساء أولى الأحكام الشرعيّة وأوضح الآيات القرآنية؟ وهل كان جهل عمر بمسألةٍ أو مسألتين أو عشرات من المسائل؟

وأمّا قوله: (والاعتراف بالنقصان هضم للنفس ودليل على الكمال) فاعتراف بنقصانه من الكلّ « حتّى المخدّرات »، ومن كان كذلك كيف يليق لإمامة الكلّ؟

إنكاره موت النبي :

قال (282):

( ومنها: إنّه لم يكن عالماً بالقرآن حتى شك في موت النبي ... فالجواب: إنّ ذلك كان ...).

أقول:

لابدّ للسّعد ـ كغيره ـ من الاعتذار له بكلّ وجه، فتراه يذكر له عذرين بينهما بعد المشرقين، لأنّ حاصل الأوّل كون السبب لإنكاره موت النبي ـ خروجه عن حال الفهم والمعرفة لتشوّش باله واضطراب حاله. وحاصل الثاني: كون إنكاره لذلك عن فهمٍ للقرآن وتأمّلٍ في آياته ! لكن كليهما بارد باطل.

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 232 )

أمّا الأوّل فلأنّه لو كان تشوش باله واضطراب حاله بمجرّد سماع قولهم مات النبي، للزم يزول عقله بالكليّة لمّا تحقّق عنده موت النّبي بقول أبي بكر، لكنه بادر إلى السقيفة مرتاح البال، وجعل يزوّر في نفسه كلاماً ليقوله للأنصار فيخصمهم به، ثم حضرها وفعل هناك ثم خارجها ما فعل حتّى أتمّ الأمر لأبي بكر.

ثمّ إنّ السّعد لم يذكر السبب « لتشوش البال واضطراب الحال والذّهول عن جليّات الأحوال » فإن كان السبب محبّة النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم والتألّم من فقده، كان اللازم أن يكون من جملة الذين تولّوا تجهيز النّبي ودفنه، لا المعرضين عن ذلك، الغاصبين لتراثه ...

وأيضاً: لو كان السبب في الإنكار ما ذكر لما جعل القوم كلام أبي بكر له دليلاً على أعلميته كما في كلام الكرماني في شرح الحديث في (الكواكب الدراري): « وفيه فضيلة عظيمة لأبي بكر ورجحان علمه على عمر وغيره ».

وأيضاً: لو كان ما ذكر هو السبب فلما ذا لم يكذّب خبر موته صلّى الله عليه وآله وسلّم يوم أحد؟ قال السّيوطي: « أخرج ابن جرير عن القاسم بن عبدالرحمن ابن رافع أخي بني عدي بني النجار قال: إنتهى أنس بن النصر عم أنس بن مالك إلى عمر وطلحة بن عبيدالله في رجالٍ من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا ما بأيديهم فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قتل محمد رسول الله. قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله، واستقبل القوم فقائل حتى قتل » (1).

وأمّا الثاني فلأنّ المعنى الذي يزعم أنّه فهمه من الآيات لا ينافيه الآية: (انّك ميّت وانّهم ميّتون) فلماذا سكن حين تلاها أبوبكر عليه ولم يقل له: لا دلالة في الآية على من جوّز بالآيات الموت عليه صلّى الله عليه وآله وسلّم في المستقبل وأنكره في هذه الحال؟

____________

(1) الدر المنثور 2 | 81.

--------------------------------------------------------------------------------

( 233 )

تصرّفه في بيت المال :

قال (282):

( ومنها: إنّه تصرّف في بيت المال بغير حق ... والجواب ...).

أقول:

إنّ الإشكال هو: تصرّفه في بيت المال بغير الحق وإعطاؤه منه ما لا يجوز وما ذكر من إطائه كذا وكذا، ومن تفضيله لبعض الناس على بعض، جملة من موارد تلك التصرّفات ... وقد عكس الأمر بالنسبة إلى أهل البيت حتّى منعهم خمسهم الذي هو ذوي القربى، ومنع فاطمة عليها السلام إرثها ونحلتها التي وهبها رسول الله لها.

وقد جعل السّعد « التفضيل » في مقابل « التصرّف » ثم أوجز الكلام في الجواب فقال:

( إنّ حديث التصّرف في الأموال محض افتراء).

فإن أراد حديث إعطاء عائشة وحفصة فهذا ما رواه الحاكم (1) والطبري (2) وابن الأثير (3) وغيرهم من محدّثين ومؤرّخين ... فإن كانوا مفترين فما ذنبنا؟ وإن أراد حديث استقراضه من بيت المال، فهو في كتب الحديث والتاريخ أيضاً ... (4) فإن كانوا مفترين عليه فما ذنبنا؟

وقال: (وأمّا التفضيل فله ذلك بحسب ما يرى من المصلحة) فجوّز التفضيل في العطاء من بيت المال لبعض الناس على البعض الآخر « بحسب ما يرى من المصلحة » ولم يبيّن المراد من المصلحة، فهل المراد منها مصلحة الإسلام

____________

(1) المستدرك 4 | 8.

(2) تاريخ الطبري 4 | 162.

(3) الكامل في التاريخ 2 | 247.

(4) تاريخ الطبري 5 | 22، الكامل 3 | 29، كنز العمّال 6 | 362 ـ 363.

--------------------------------------------------------------------------------

( 234 )

والمسلمين؟ أو مصلحته الشّخصيّة؟

وأجاب عن منع أهل البيت خمسهم بما حاصله « أنّه اجتهد ».

فيقال له: أيّ اجتهادٍ هذا يؤدّي إلى مخالفة حكم الكتاب بمنع أهل البيت حقّهم، في الوقت الذي يؤدّي إلى إعطاء كلٍ من عائشة وحفصة عشرات الآلات من أموال المسلمين .

منعه عن المتعتين :

قال (283):

( ومنها: إنه منع متعة النكاح ... ومتعة الحج ... والجواب).

أقول:

لم ينكر أصل تحريم المتعتين كما فعل بعضهم مكابرةً ... قال عمر: « متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما » رواه: الطحاوي في شرح معاني الآثار 374، والبيهقي في سننه 7 | 206، وابن رشد في البداية 1 | 346 والرازي في تفسيره 2 | 167 وابن حزم في المحلّى 7 | 107 والجصّاص في أحكام القرآن 1 | 279 والقرطبي في تفسيره 2 | 370 وابن قدامة في المغني 7 | 527 وابن القيّم في زاد المعاد 2 | 205 والسرخسي في المبسوط 5 | 153 وابن خلكان في الوفيات 5 | 197 والسيّوطي في الدرّ المنثور 2 | 141 والمتقي في كنز العمّال 8 | 293.

فعمر ينسب التحريم إلى نفسه ويتوعّد المخالف، فلا يدّعي ألنّسخ في حياة النبي، ولا قيام الدليل عنده على ذلك، فهو ليس إلاّ بدعة أو اجتهاداً في مقابل النصّ، وكلاهما محرّم قطعاً، فهذا جواب قوله: (إن هذه مسائل اجتهادية) وقوله: ومعنى أحرمهنّ: أحكم بحرمتهنّ وأعتقد ذلك لقيام الدليل كما يقال: حرّم المثلّث الشّافعي وأباحه أبو حنيفة).

وأمّا قوله: (وقد ثبت نسخ إباحة متعة النساء بالآثار المشهورة، إجماعاً من الصّحابة على ما روى محمد بن الحنفية عن علي: إن منادي رسول الله نادى يوم

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 235 )

خيبر ...) ففيه:

أوّلاً:

ثبوت النسخ موقوف على دليل قاطع وهو غير موجود ولا أثر مشهور بذلك عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولو كان لما كان الإختلاف بين الصحابة وعامة المسلمين حتّى اليوم.

وثانياً: قد اشتهر القول بحلّية المتعة بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عن أمير المؤمنين عليه السّلام وأهل البيت وابن عباس، وجماعة من الصحابة، منهم: ابن مسعود وجابر بن عبدالله وأبو سعيد الخدري وسلمة بن أمية ومعبد بن أميّة وعمرو بن حريث ومعاوية وأسماء بنت أبي بكر، ورواه جابر عن جميع الصحابة مدة رسول الله ومدّة أبي بكر وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر. وعليه من التابعين: طاووس وعطاء وسعيد بن جبير وسائر فقهاء مكة أعزّها الله (1) وذكر القرطبي من الصّحابة عمران بن حصين وأضاف عن ابن عبدالبر: « أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن كلّهم يرون المتعة حلالاً على مذهب ابن عباس » (2) ومن أشهرهم الامام ابن جريج المكي المتوفى سنة 149 وهو فقيه كبير ومحدّث ثقة من رجال الصحيحين، فقد ذكروا بترجمته أنه تزوّج من تسعين امرأة بنكاح المتعة.

وثالثاً: الخبر الذي ذكره عن محمد بن الحنفية عن أبيه كذب من وجوه:

الأول: إنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان على رأس المنكرين لتحريم نكاح المتعة.

والثاني: إنّه معارض بما وضعوه على لسانه بنفس السند وأنّ التحريم كان

____________

(1) المحلّى 9 | 519.

(2) تفسير القرطبي 5 | 133.

--------------------------------------------------------------------------------

( 236 )

يوم حنين (1) وآخر أنّه كان في غزوة تبوك (2) وثالث أنّه كان في حجّة الوداع (3).

والثالث: إنه قد روي هذا الحديث بنفس السند ولم يذكر في إلاّ تحريم الحمر الإنسية في يوم خيبر (4).

والرابع: إن تحريم متعة النساء يوم خيبر « شيء لا يعرفه أحد من أهل السّير ورواة الأثر » كما نصّ عليه كبار الأئمّة كالسهيلي وابن عبدالبر والبيهقي وابن حجر والقسطلاني وابن القيّم والعيني وابن كثير (5).

والخامس: إنّ الرّاوي للخبر عن « محمد بن الحنفية » هو « محمد بن شهاب الزهري » وهو من الوضّاعين على أهل البيت.

وأمّا دعوى رجوع ابن عباس عن قوله في المتعة فمن أعاجيب الأكاذيب أيضاً. فقد عرفت مذهب ابن عباس وأنّ فقهاء مكة واليمن على مذهبه، بل في صحيح مسلم باب نكاح المتعة: إنه كان يفتي بها في حكومة عبدالله بن الزبير بمكة وأن ابن الزبير هدّده بالرّجم ... وقال ابن حجر العسقلاني: « روي عنه الرجوع بأسانيد ضعيفة » (6) وقال ابن كثير: « ما رجع ابن عباس عمّا كان يذهب اليه من إباحتها » (7).

فالعجب من السّعد؟ إن كان روى حديثاً ورآى محدّثاً فما هذه الأباطيل؟ وإلاّ فلماذا الدخول في هذه التفاصيل؟

____________

(1) سنن النسائي 6 | 126.

(2) المنهاج في شرح مسلم هامش القسطلاني 6 | 130.

(3) مجمع الزوائد 4 | 265.

(4) عمدة القاري شرح البخاري ـ كتاب المتعة.

(5) لاحظ: زاد المعاد 2 | 184 تاريخ ابن كثير 4 | 193 فتح الباري 9 | 138 عمدة القاري 17 | 246 إرشاد الساري 6 | 536.

(6) فتح الباري 9 | 139.

(7) تاريخ ابن كثير 4 | 193.

--------------------------------------------------------------------------------

( 237 )

هذا وقد حققنا الموضوع في رسالة منفردة مطبوعة *

جعله الخلافة شورى :

قال (284):

( ومنها: إنه جعل الخلافة شورى بين ستة ... والجواب ...).

أقول:

قال العلامة الحلي رحمه الله:

« ومنها: قصّة الشورى، وقد أبدع فيها أموراً، فإنّه خرج بها عن الاختيار والنصّ جميعاً وحصرها في ستة، وذمّ كلّ واحد منهم بأن ذكر فيه طعناً لا يصلح معه للامامة ثم أهّله بعد أن طعن فيه، وجعل الأمر إلى ستّة ثم إلى أربعة ثم إلى واحد وصفه بالضّعف والقصور، وقال: إن اجتمع علي وعثمان فالقول ما قالاه، وإن صاروا ثلاثة وثلاثة فالقول للّذين فيهم عبدالرحمن، وذلك لعلمه، بأنّ علياً وعثمان لا يجتمعان، وأن عبدالرحمن لا يكاد يعدل بالأمر عن ختنه وابن عمه، وأنه أمر بضرب أعناقهم إن تأخّروا عن البيعة فوق ثلاثة أيام، وأنه أمر بقتل من يخالف الأربعة منهم أو الذين ليس فيهم عبدالرحمن.

وروى الجمهور إنّ عمر لمّا نظر إليهم قال: قد جاءني كلّ واحد منهم يهزّ عفريته يرجو أن يكون خليفة.

وأمّا أنت يا طلحة أفلست القائل: إن قبض النبي للنكحنّ أزواجه من بعده، فما جعل الله محمداً أحق ببنات أعمامنا، فأنزل الله فيك: (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً).

وأمّا أنت يا زبير فوالله ما لان قلبك يوماً ولا ليلة وما زلت جلفاً جافياً مؤمن الرّضا كافر الغضب، يوماً شيطان ويوماً رحمان، شحيح.

____________

* وتجدها أيضاً في هذه المجموعة.

--------------------------------------------------------------------------------

( 238 )

وأمّا أنت يا عثمان لروثة خير منك، ولئن وليّتها لتحملنّ بني أبي معيط على رقاب الناس ولئن فعلتها لتقتلنّ، ثلاث مرات.

وأما أنت يا عبدالرحمن فإنّك رجل عاجز تحب قومك جميعاً.

وأمّا أنت يا سعد فصاحب عصبيّة ومقنب وقتال، لا تقوم بقربة لو حملت أمرها.

وأمر أنت يا علي فوالله لو وزن إيمانك بإيمان أهل الأرض لرجحهم.

فقام علي مولياً يخرج، فقال عمر: والله إنّي لأعلم مكان الرجل، لو وليّتموه أمركم حملكم على المحجة البيضاء، قالوا: من هو؟ قال: هذا المولى عنكم، إن ولّوها الأجلح سلك بكم الطريق المستقيم. قالوا: فما يمنعك من ذلك؟ قال: ليس إلى ذلك سبيل. قال له ابنه عبدالله: فما يمنعك منه؟ قال: أكره أن أتحمّلها حياً وميّتاً، وفي رواية: لا أجمع لبني هاشم بين النبوة والخلافة.

وكيف وصف كلّ واحد بوصف قبيح كما ترى زعم أنه يمنع من الامامة، ثم جعل الأمر فيمن له تلك الأوصاف، وأيّ تقليد أعظم من الحصر في ستة ثم تعيين من أختاره عبدالرحمن، والأمر بضرب رقاب من يخالف منهم؟

وكيف أمر بضرب أعناقهم أن تأخّروا عن البيعة أكثر من ثلاثة أيّام؟ ومن المعلوم أنّهم لا يستحقّون ذلك، لأنّهم إن كلّفوا أن يجتهدوا آراءهم في اختيار الامام، فربما طال زمان الاجتهاد وربما نقص، بحسب ما يعرض فيه من العوارض، فكيف يسوغ الأمر والقتل إذا تجاوزت الثلاثة؟ ثم أم بقتل من يخالف الأربعة، ومن يخالف العدد فيه عبدالرحمن وكل ذلك ممّا لا يستحق به القتل.

ومن العجب اعتذار قاضي القضاء بأنّ المراد القتل إذا تأخّروا على طريق شق العصى وطلبوا الأمر من غير وجهه، فإنّ هذا مناف لظاهر الخبر، لأنّهم إذا شقّوا العصى وطلبوا الأمر من غير وجهه أول الأمر وجب قتالهم » (1).

____________

(1) نهج الحق وكشف الصدق: 285 ـ 288.

--------------------------------------------------------------------------------

( 239 )

فكم فرق بين هذا وما ذكره السّعد عن لسان أصحابنا؟ وأيّ جواب يكون له أو لغيره عن هذا الذي ذكره العلامة الحلّي مستند إلى أخبار القوم ورواياتهم؟

وأمّا ما أرسله هنا من « أنّه لو كان بعد النبي لكان عمر » و« لو لو يبعث فينا نبياً لبعث عمر » فسيأتي الكلام على ذلك ...

قضايا عثمان :

قال (285):

( من مطاعنهم في عثمان: إنّه ولّى أمور المسلمين من ظهر منهم الفسق والفساد ... وأنه صرف أموال بيت المال إلى أقاربه ... وأنه حمى لنفسه ... وأنه أحرق مصحف ابن مسعود وضربه ... وضرب عماراً ... وضرب أباذر ونفاه إلى الربذة، وأنه ردّ الحكم ... وأنه أسقط القود عن عبيدالله بن عمر ... والجواب ...).

أقول:

لم يذكر ممّا نقم على عثمان إلاّ موارد، وقد قسّم ما ذكره إلى أقسام:

فبعضها: ما لم يكذّبه إلاذ أنّه أجاب عنه بأنّه (لا يقدح في إمامته، كظهور الفسق والفساد من ولاة بعض البلاد، إذ لا إطلاع له على السرائر، وإنّما عليه الأخذ بالظاهر والعزل عند تحقّق الفسق ...).

أقول: فيه اعتراف بظهور الفسق والفساد منولاة بعض البلاد، ولمّا كان بعضهم من الصحابة، فقد أذعن بوجود الفسّاق والمفسدين فيهم، وهذا إبطال لقول من قال بعدالة الصحابة كلّهم ...

وقوله: (لا اطّلاع له على السرائر وإنما عليه الأخذ بالظاهر والعزل عند تحقق الفسق) مردود بوجهين:

فأوّلاً: إنّ منهم من كان قد ظهر منه الفسق والفساد سابقاً ... فالوليد بن عقبة هو الذي وصفه الله سبحانه في كتابه بالفاسق في قوله عزّ وجلّ: (أفمن كان

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 240 )

مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون) (1) فالمؤمن علي والفاسق هو الوليد بن عقبة كما رواه ابن اسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم والواقدي وابن عدي وابن مردويه والخطيب وابن عساكر من طرق (2).

ومن المعلوم أن تولية الفاسق قادح في الامامة.

وثانياً: إنّه ـ وإن كان لا اطلاع له على السرائر وإنّما عليه « الأخذ بالظاهر » لكن عليه « العزل عند تحقّق الفسق » كما ذكر ... إلاّ أن عثمان لم يعزل من تحقّقّ عنده الفسق منهم، وهذا قادح في الامامة. فسعيد بن العاص مثلاُ لم يعزله باختياره عن الكوفة بعد أن بأفعاله، بل ردّه أميراً على الكوفة وأمره بالتضييق على أهلها، فلمّا جاء ليدخل الكوفة خرج عليه بالسّلاح فتلّقوه فردّوه، وكتبوا إلى عثمان: « لا حاجة لنا في سعيدك ولا وليدك » (3).

وبعضها: ما كذّبه قائلاً: (وبعضها افتراء محض كصرف ذلك القدر من بين المال إلى أقاربه، واخذ الحمى لنفسه، وضرب الصحابة إلى الحدّ المذكور).

أقول:

أمّا إنكاره صرف الأموال من بيت المال فلم يعلم أنه ينكر أصل الصرّف أو كونه من بيت المال فيدّعي كونه من ماله الخاص كما زعم ابن روزبهان؟ وكيف كان ففي رواية المؤرخين المعتمدين عندهم أنه صرفها بيت المال ... فلاحظ: تاريخ الطبري 5 | 49، 113 والكامل 3 | 43، والمعارف لابن قتيبة: 84 وتاريخ ابن كثير 7 | 152، وتاريخ أبي الفداء 1 | 168 والعقد الفريد 3 | 77 والسيرة الحلبيّة 2 | 82 ... فإنّ كانوا مفترين عليه فما ذنبنا؟

وأمّا إنكاره أخذ الحمى فيردّه تسليم ابن حجر المكي في (الصواعق)

____________

(1) سورة السجدة: 18.

(2) الدر المنثور 5 | 177 ـ 178.

(3) تاريخ الطبري 5 | 94، الكامل في التاريخ 3 | 73، الاستيعاب ترجمة سعيد بن العاص 2 | 621.

--------------------------------------------------------------------------------

( 241 )

والحلبي في (سيرته) وغيرهما صحّة ذلك الخبر المروي في كتبهم ...

وأمّا إنكاره ضرب الصّحابة إلى الحدّ المذكور فتقييده بـ (إلى الحدّ المذكور) يفهم قبوله أصل المطلب، هذا كاف، لكن ضرب ابن مسعود إلى حدّ كسر أضلاعه موجود في أخبار القوم وكتبهم، ولذا قال بعض المتكلّفين بأنّ ضربه كان للتأديب وللإمام ذلك، وقال آخر: ضربه بعض غلمان عثمان لمّا رأوه يقع فيه، وكذا ضرب عمّار إلى حدّ الفتق فقد ذكره غير واحد منهم، بل في رواية ابن عبدالبرّ ذلك مع إضافة حيث قال: « حتى انفتق له فتق في بطنه وكسروا ضلعاً من اضلاعه » بل ظاهر الخبر أنه كان مشرفاً على الموت ففيه: « فاجتمعت بنو مخزوم وقالوا: والله لئن مات لاقتلنا به أحداً غير عثمان » (1).

وبعضها: ما لم يكذّبه ولم ينكر قدحه في الامامة فاضطرّ إلى الجواب بقوله: (وبعضها أجتهاديّات مفوّضة إلى رأى الامام حسب ما يراه من المصلحة كالتأديب والتعزير، ودرء الحدود والقصاص بالشبهات والتأويلات).

أقول:

هل كان مما فوّض إلى رأيه ضرب مثل أبي ذر ونفيه إلى الرّبذة؟ وهل يسمّى مثل هذا تأديباً وتعزيراً؟ ولما ذا؟

روى البلاذري وغيره: « لمّا أعطى عثمان مروان بن الحكم ما أعطاه، وأعطى الحارث بن الحكم بن أبي العاص ثلاثمائة ألف درهم، وأعطى زيد بن ثابت الأنصاري مائة ألف درهم، جعل أبوذر يقول: بشّر الكانزين بعذابٍ أليم، ويتلو قول الله عزّ وجلّ (والذين يكنزون الذهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشّرهم بعذاب أليم).

فرفع ذلك مروان بن الحكم إلى عثمان، فأرسل إلى أبي ذر ناتلاً مولاه أن أنته عمّا يبلغني عنك. فقال: أينهاني عثمان عن قرائة كتاب الله وعيب من ترك أمر

____________

(1) الاستيعاب ـ ترجمة عمّار 3 | 1135.

--------------------------------------------------------------------------------

( 242 )

الله ؟! ...

وبنى معاوية الخضراء بدمشق فقال: يا معاوية، إن كانت هذا الدار من مال الله فهي الخيانة، وإن كانت من مالك، فهذا الإسراف. فسكت معاوية ».

وأخرج البخاري في صحيحه من حديث زيد بن وهب قال: « مررت بالربذة فقلت لأبي ذر: أنزلك هذا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذا الآية: (الذين يكنزون الذهب والفضّة) فقال: نزلت في أهل الكتاب فقلت: فينا وفيهم، فكتب يشكوني إلى عثمان، فكتب عثمان: أقدم المدينة فقدمت، فكثر الناس عليّ كأنّهم لم يروني قبل ذلك. فذكر ذلك لعثمان فقال: إن شئت تنحيّت فكنت قريباً. فذلك الذي أنزلني هذا المنزل ».

قال ابن حجر بشرحه: « وفي رواية الطبري: إنهم كثروا عليه يسألونه عن سبب خروجه الشام، فخشي عثمان على أهل المدينة ما خشيه معاوية على أهل الشام ... وفي رواية الطبري: تنحّ قريباً. قال: والله لن أدع ما كنت أقوله. ولابن مردويه: لا أدع ما قلت ».

وفي حوادث سنة ثلاثين من تاريخي الطبري وابن الأثير: كان ما ذكر في أمر أبي ذر وإشخاص معاوية إيّاه من الشام إلى المدينة، وقد ذكر في سبب ذلك امور كثيرة، من سبّ معاوية إيّاه وتهديده بالقتل وحمله إلى المدينة من الشام بغير وطاء ونفيه من المدينة على الوجه الشنيع ... أمور كثيرة كرهت ذكر أكثرها ... ».

وعلى الجملة فإنّ نكير سيدنا أبي ذر رضي الله عنه كان موجّهاً إلى معاوية ومروان وعبدالرحمن بن عوف وزيد بن ثابت وطلحة بن عبيد الله وأمثالهم الذين خضموا على عهد عثمان مال الله خضمة الإبل نبتة الرّبيع ... إلى أن أسكنه عثمان الربذة فما فمات بها ... وقد نصّ على تسيير عثمان أباذر قهراً جمهور المؤرّخين والمحدّثين، حتى أرسله غير واحد منهم كالشهرستاني في (الملل والنحل) والحلبي في (سيرته) وابن حجر المكي في (صواعقه) ولم ينكره السّعد في الكتاب.

هذا قضية أبي ذر وعلى هذه فقس ما سواها ...

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 243 )

وهل كان ممّا فوّض إلى رأي الامام تعطيل القصاص؟ وهل يسمّى تعطيله درء له بالشبهة؟ وما هي الشبهة في قضية عبيدالله بن عمرو والهرمزان؟

لقد قتل عبيدالله بن عمر الهرمزان وجفينة وبنت أبي لؤلؤة وهما مسلمان بلا ذنب أتيا به، بل أراد ألاّ يترك سبياً بالمدينة إلاّ قتله وأمسك عثمان عن القصاص، وهذا ممّا أكثر الناس فيه وأعظموه حتى قال أمير المؤمنين عليه السلام له: يا فاسق لئن ظفرت بك يوما لأقتلنّك.

راجع: الطبري 5 | 42، الإصابة 3 | 619، سنن البيهقي 8 | 61، طبقات ابن سعد 5 | 8، الكامل 3 | 32 ...

فلو كان في القضية شبهة دارئة لما كان ذلك الموقف من المسلمين ومن أمير المؤمنين عليه السّلام، حتّى أنّه لّما ولي الأمر تطلّب عبيدالله ليقتله فهرب منه إلى معاوية بالشام، وقتل بصفّين ... كما في الاستيعاب.

ولو كان في القضية شبهة دارئة لما افتعل القوم له المعاذير المختلفة ... كما لا يخفى على من راجع كتب الحديث والكلام ...

هذه قضيّة عبيدالله بن عمر ... وعلى هذه فقس ما سواها.

وبعضها: ما زعم كونه بإذن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: (وبعضها كان بإذن النبيّ، كردّ الحكم بن أبي العاص، على ما روي أنّه ذكر ذلك لأبي بكر وعمر فقالا: إنك شاهد واحد، فلمّا آل الأمر إليه حكم بعلمه).

أقول: لا خلاف في أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لعن الحكم وولده وأنه طردهم عن المدينة المنوّرة ... وهذان الأمران موجودان في كافّة المصادر...

كما أنّ من الثابت أنهم لم يزالوا طرداء حتّى ردّهم عثمان ... هذان الأمران أيضاً موجودان في كافة المصادر ... وفي غير واحد منها: إنه آواه وأعطاه مائة ألف.

كما أنّ المصادر كلّها متّفقة على أنّ ردّ الحكم كان مما نقم على عثمان ... راجع الأنساب 5 | 28، والمعارف 84 ومرآة الجنان 1 | 85 والعقد الفريد

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 244 )

2 | 261 وغيرها.

بقي أن نعرف إذن النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لعثمان بردّ الحكم وإيوائه، فأين الخبر في ذلك؟ ومن الذي رواه؟ يقول السّعد: (على ما روي ...) وهو أيضاً لا علم له بالرواية ! بل أخذ هذا الجواب ـ مثل كثير من المواضع ـ من عبد الجبار المعتزلي حيث قال في (المغني): « قد نقل أن عثمان لمّا عوتب على ذلك أنه استأذن رسول الله » لكن المعتزلي أيضاً يقول: « قد نقل ». وقد اعترضه السيّد المرتضى في (الشافي) بأنّ هذا لم يسمع من أحد ولا نقل في كتاب، ولا نعلم من أين نقله؟ وفي أبي كتاب وجده؟ فإنّ الناس كلّهم رووا خلافه !

ثم إن أبابكر وعمر لم يردّا عثمان لكونه شاهداً واحداً، وإنّما ردّاه لأنّهما لم يصدّقاه، حتى قال له عمر: « ويحك يا عثمان !! » وهذا نصّ الخبر كما رواه الحلبي، قال: « كان يقال له: طريد رسول الله ولعينه وقد كان طرده إلى الطائف ومكث به مدة رسول الله ومدّة أبي بكر معد أن سأله عثمان في إدخاله المدينة، فأبي فقال له عثمان: عمي، فقال: عمّك إلى النار، هيهات هيهات أن أغيّر شيئاً فعله رسول الله، والله لا رددته أبداً، فلمّا توفي أبوبكر وولي عمر كلّمه عثمان في ذلك فقال له: ويحك يا عثمان ! تتكلّم في لعين رسول الله وطريده وعدّو الله وعدوّ رسوله، فلمّا وليّ عثمان ردّه إلى المدينة، فاشتدّ ذلك على المهاجرين والأنصار، فأنكر ذلك عليه أعيان الصحابة، فكان ذلك من أكبر الأسباب على القيام عليه ... » (1).

فلو كان هناك إذن من رسول الله حقّاً لعلمه أبوبكر وعمر وأعيان الصحابة من المهاجرين والأنصار ولما قال له: « يحك يا عثمان »؟ ولو كان عند شهادة لما قالوا له: تتكلّم في لعين رسول الله وطريده ... ».

على أنّه قد روي عن عثمان الاعتذار بالقرابة، قال ابن عبد ربه في (العقد الفريد): « لمّا ردّ عثمان الحكم طريد أبي بكر وعمر إلى المدينة تكلّم

____________

(1) السيرة الحلبية 2 | 85.

--------------------------------------------------------------------------------

( 245 )

الناس في ذلك، فقال عثمان: ما ينقم الناس منّي؟ إني وصلت رحماً وقريّت عيناً ».

وبعد فهنا مطالب:

الأول: إنه من هذه المطالب ونظائرها المستندة إلى كتب أهل السنة وأخبارها يظهر أنّ السّبب في قيام النّاس على عثمان هو مخالفاته للكتاب والسنّة.

والثاني: إن الذين قاموا عليه كانوا من أعيان الصّحابة من المهاجرين والأنصار، بعد أن نصحوه وذكّروه فلم تنفعه النصيحة ولم يرتدع عن أفعاله القبيحة.

والثالث: إنه لا مجال لحسن الظن بعد هذه التفاصيل، وكيف يحسن الظن بالصّحابة والحال أنّه لم يكن فيما بينهم أنفسهم حسن الظن ؟