(2)

نظرات في اسانيد الحديث

لقد نقلنا الحديث بأتمّ ألفاظه وأصحّ طرقه عن الصحاح ومسند أحمد، وكما ذكرنا من قبل فإنّ معرفة حاله بالنظر إلى هذه الأسانيد والمتون تغنينا عن النظر فيما رووه في خارج الصحاح عن غير من ذكرناه من الصحابة، ولربّما أشرنا إلى بعض ذلك في خلال البحث ...

لقد كانت الأحاديث المذكورة عن:

1 ـ عائشة بنت أبي بكر.

2 ـ عبدالله بن مسعود.

3 ـ عبدالله بن عبّاس.

4 ـ عبدالله بن عمر.

5 ـ عبدالله بن زمعة.

6 ـ أبي موسى الأشعري.

7 ـ بريدة الأسلمي.

8 ـ أنس بن مالك.

9 ـ سالم بن عبيد.

فنحن ذكرنا الحديث عن تسعةٍ من الصحابة وإن لم يذكر الترمذي إلاّ ستّة، حيث قال بعد إخراجه عن عائشة: « وفي الباب عن: عبدالله بن مسعود، وأبي موسى، وابن عبّاس، وسالم بن عبيد، وعبدالله بن زمعة » (1).

لكن العمدة حديث عائشة ... بل إنّ بعض ما جاء عن غيرها من الصحابة مرسل، وإنّها هي الواسطة ... كما سنرى ...

____________

(1) صحيح الترمذي 5 | 573.

--------------------------------------------------------------------------------

( 306 )

فلنبدأ أوّلاً بالنظر في أسانيد الحديث عن غيرها ممن ذكرناه:

* حديث أبي موسى الأشعري:

أمّا الحديث المذكور عن أبي موسى الاشعري ـ والذي اتّفق عليه البخاري ومسلم، وأخرجه أحمد ـ ففيه:

1 ـ إنّه مرسل، نصّ عليه ابن حجر وقال: « يحتمل أن يكون تلقّاه عن عائشة » (1).

2 ـ إنّ الراوي عنه « أبو بردة » وهو ولده كما نصّ عليه ابن حجر (2) وهذا الرجل فاسق أثيم، له ضلع في قتل حجر بن عديّ، حيث شهد عليه ـ في جماعة شهادة زورٍ أدّت إلى شهادته (2) ... وروي أيضاً أنّه قال لأبي الغادية ـ قاتل عمّار ابن ياسر رضي الله تعالى عنه ـ: « أأنت قتلت عمّار بن ياسر؟ قال: نعم. قال: فناولني يدك. فقبّلها وقال: لا تمسّك النار أبداً ! » (4).

3 ـ والراوي عنه: « عنه الملك بن عمير »:

وهو « مدلّس » و« مضطرب الحديث جدّاً » و« ضعيف جدّاً » و«كثير الغلط »:

قال أحمد: « مضطرب الحديث جدّاً مع قلّة روايته، ما أرى له خمسمائة حديث، وقد غلط في كثير منها » (5).

وقال إسحاق بن منصور: « ضعّفه أحمد جدّاً » (6).

وعن أحمد: « ضعيف يغلط » (7).

____________

(1) فتح الباري 2 | 130.

(2) فتح الباري 2 | 130.

(3) تاريخ الطبري 4 | 199 ـ 200.

(4) شرح نهج البلاغة 4 | 99.

(5) تهذيب التهذيب 6 | 11 وغيره.

(6) تهذيب التهذيب 6 | 412، ميزان الاعتدال 2 | 660.

(7) ميزان الاعتدال 6 | 660.

--------------------------------------------------------------------------------

( 307 )

وقال ابن معين: « مخلط » (1).

وقال أبو حاتم: « ليس بحافظ، تغيّر حفظه » (2). وعنه: « لم يوصف بالحفظ » (3).

وقال ابن خراش: « كان شعبة لا يرضاه » (4).

وقال الذهبي: « أمّا ابن الجوزي فذكره فحكى الجرح وما ذكر التوثيق » (5).

وقال السمعاني: « كان مدلّساً » (6).

وكذا قال ابن حجر (7).

وعبدالملك ـ هذا ـ هوالذي ذبح عبدالله بن يقطر أو قيس بن مسهر الصيداوي، وهو رسول الإمام الحسين عليه السلام إلى أهل الكوفة، فإنّه لمّا رمي بأمر ابن زياد من فوق القصر وبه رمق أتاه عبدالملك بن عمير فذبحه، فلمّا عيب ذلك عليه قال: « إنّما أردت أن أريحه ! » (8).

4 ـ ثمّ الكلام في أبي موسى الأشعري نفسه، فإنّه من أشهر أعداء مولانا الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، فقد كان يوم الجمل يقعد بأهل الكوفة عن الجهاد مع الإمام علي عليه السلام، وفي صفّين هوالذي خلع الإمام عليه السلام عن الخلافة. وقد بلغ به الحال أن كان الإمام عليه السلام يلعنه في قنوته مع معاوية وجماعة من أتباعه.

ثمّ إنّ أحمد روى هذا الحديث في فضائل أبي بكر بسنده عن زائدة، عن

____________

(1) ميزان الاعتدال 6 | 660، المغني 2 | 407، تهذيب التهذيب 6 | 412.

(2) ميزان الاعتدال 2 | 660.

(3) تهذيب التهذيب 6 | 412.

(4) ميزان الاعتدال 2 | 660.

(5) ميزان الاعتدال 2 | 660.

(6) الأنساب 10 | 50 في « القبطي ».

(7) تقريب التهذيب 1 | 521.

(8) تلخيص الشافي 3 | 35، روضة الواعظين: 177، مقتل الحسين ـ للمقرّم ـ: 185.

--------------------------------------------------------------------------------

( 308 )

عبدالملك بن عمير، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه ... كذلك (1).

* حديث عبدالله بن عمر

وأمّا الحديث المذكور عن عبدالله بن عمر فالظاهر كونه عن عائشة كذلك، كما رواه مسلم، عن عبدالرزّاق، عن معمر، عن الزهري، عن حمزة بن عبدالله بن عمر، عن عائشة ... لكنّ البخاري رواه بسنده عن الزهري، عن حمزة، عن أبيه، قال: « لمّا اشتدّ برسول الله رجعة ... ».

وعلى كلّ حال فإنّ مدار الطريقين على:

محمّد بن شهاب الزهري وهو رجل مجروح عند يحيى بن معين (2) وعبدالحقّ الدهلوي، وكان من أشهر المنحرفين عن أمير المؤمنين عليه السلام، ومن الرواة عن عمر بن سعد اللعين:

قال ابن أبي الحديد: « وكان الزهري من المنحرفين عنه، وروى جرير بن عبدالحميد عن محمّد بن شيبة قال: شهدت مسجد المدينة، فإذا الزهري وعروة ابن الزبير جالسان يذكران عليّاً فنالا منه. فبلغ ذلك عليّ بن الحسين فجاء حتى وقف عليهما فقال: أمّا أنت يا عروة، فإنّ أبي حاكم أباك إلى الله فحكم لأبي على أبيك، وأمّا أنت يا زهريّ، فلو كنت لأريتك كير أبيك » (3).

قال: « وروى عاصم بن أبي عامر البجلي، عن يحيى بن عروة، قال: كان أبي إذا ذكر عليّاً نال منه » (4).

ويؤكّد هذا سعيه وراء إنكار مناقب أمير المؤمنين عليه السلام ـ كمنقبة سبقه

____________

(1) فضائل الصحابة 1 | 106.

(2) هو من شيوخ البخاري ومسلم، ومن أئمّة الجرح والتعديل، أتّفقوا على أنّه أعلم أئمّة الحديث بصحيحه وسقيمه. توفّي سنة 302 هـ. ترجم له في: تذكره الحفّاظ 2 | 429 وغيرها.

(3) شرح نهج البلاغة 6 | 102.

(4) شرح نهج البلاغة 4 | 102.

--------------------------------------------------------------------------------

( 309 )

إلى الإسلام ـ قال ابن عبدالبرّ: « وذكر معمر في جامعه عن الزهري قال: ما علمنا أحداً أسلم قبل زيد بن حارثة. قال عبدالرزّاق: وما أعلم أحداً ذكره غير الزهري » (1).

وقال الذهبي بترجمة عمر بن سعد: « وأرسل عنه الزهري وقتادة. قال ابن معين: كيف يكون من قتل الحسين ثقة ؟! » (2).

وقال العلاّمة الشيخ عبدالحق الدهلوي بترجمة الزهري من « رجال المشكاة »: « إنّه قد ابتلي بصحبة الأمراء وبقلّة الديانة، وكان أقرانه من العلماء والزّهاد يأخذون عليه وينكرون ذلك منه، وكان يقول: أنا شريك في خيرهم دون شرّهم ! فيقولون: ألا ترى ما هم فيه وتسكت؟! »

وقال ابن حجر بترجمة الأعمش: « حكى الحاكم عن ابن معين أنّه قال: أجود الأسانيد: الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله. فقال له إنسان: الأعمش مثل الزهري ؟! فقال: تريد من الأعمش أن يكون مثل الزهري ؟! الزهري يرى العرض والإجازة ويعمل لبني أميّة ؛ والأعمش فقير، صبور، مجانب للسلطان، ورع، عالم بالقرآن » (3).

ولأجل كونه من عمّال بني أميّة ومشيّدي سلطانهم كتب إليه الإمام السجّاد عليه السلام كتاباً يعظه فيه، جاء فيه: « إنّ ما كتمت، وأخفّ ما احتملت، أن آنست وحشة الظالم، وسهّلت له الطريق الغيّ ... جعلوك قطباً أداروا بك رحى مظالمهم، وجسراً يعبرون عليك إلى بلاياهم، وسلّماً إلى ضلالتهم، داعياً إلى غيّهم، سالكاً سبيلهم، احذر، فقد نبّئت، وبادر فقد أجّلت ... » (4).

____________

(1) الاستيعاب، ترجمة زيد بن حارثة.

(2) الكاشف 2 | 311.

(3) تهذيب التهذيب 4 | 195.

(4) ذكر الكتاب في: تحف العقول عن آل الرسول: 198، للشيخ ابن شعبة الحرّاني، من أعلام الإماميّة في القرآن الرابع، وفي إحياء علوم الدين 2 | 143 بعنوان: « ولمّا خالط الزهري السلطان كتب أخ له في الدين إليه »!.

--------------------------------------------------------------------------------

( 310 )

ثمّ الكلام في عبدالله بن عمر نفسه:

فإنّه ممّن امتنع عن بيعة أمير المؤمنين عليه السلام بعد عثمان، وقعد عن نصرته، وترك الخروج معه في حروبه، ولكنّه لمّا ولي الحجّاج بن يوسف الحجاز من قبل عبدالملك جاءه ليلاً ليبايعه فقال له: ما أعجلك؟! فقال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم يقول: من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية! فقال له: إنّ يدي مشغولة عنك ـ وكان يكتب فدونك رجلي، فمسح على رجله وخرج!!

 

* حديث عبدالله بن زمعة:

وأمّا حديث عبدالله بن زمعة ... فقد رواه أبو داود عنه بطريقين، والمدار في كليهما على « الزهري » وقد عرفته.

* حديث عبدالله بن عبّاس:

وأمّا حديث عبدالله بن عبّاس ... الذي رواه ابن ماجة وأحمد، الأوّل رواه عن: إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأرقم بن شرحبيل، عن ابن عبّاس، والثاني رواه عن يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن الأرقم، عنه ... فمداره على: أبي إسحاق، عن الأرقم وقد قال البخاري: « لا نذكر لأبي إسحاق سماعاً من الأرقم بن شرحبيل » (1).

وأبو إسحاق السبيعي: « قال بعض أهل العلم: كان قد اختلط، وإنّما

____________

(1) ذكره في الزوائد بهامش سنن ابن ماجة 1 | 391.

تركوه مع ابن عيينة لاختلاطه » (1).

وكان مدلّساً » (2).

وكان يروى عن عمر بن سعد قاتل الحسين عليه السلام (3).

وكان يروي عن شمر بن ذي الجوشن الملعون (4).

وفي سند أحمد مضافاً إلى ذلك:

1 ـ سماع « ذكريّا » من « أبي إسحاق » بعد اختلاطه كما ستعرف.

2 ـ « زكريّا بن أبي زائدة » قال أبو حاتم: « ليّن الحديث، كان يدلّس » ورماه بالتدليس أيضاً أبو زرعة وأبو داود وابن حجر ... وعن أحمد: « إذا اختلف زكريّا وإسرائيل فإنّ زكريّا أحبّ إليّ في أبي إسحاق، ثمّ قال: ما أقربهما، وحديثهما عن أبي إسحاق ليّن سمعا منه بآخره » (5).

أقول:

فالعجب من أحمد يقول هذا وهو مع ذلك يروي الحديث عن زكريّا عن أبي إسحاق في « المسند » كما عرفت وفي « الفضائل » (6).

نعم، رواه لا عن هذا الطريق لكنّه عن ابن عبّاس عن العبّاس، فقال مرةً: « حدّثنا يحيى بن آدم » وأخرى « حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم » عن قيس ابن الربيع، عن عبدالله بن أبي السفر، عن أرقم بن شرحبيل، عن ابن عبّاس، عن العبّاس بن عبدالمطلب: « إنّ رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قال في مرضه: « مروا أبابكر يصلّي بالناس، فخرج أبوبكر فكبّر ووجد النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم راحته فخرج يهادي بين رجلين، فلمّا رآه أبوبكر تأخّر، فأشار إليه النبي مكانك، ثمّ جلس رسول الله إلى جنب أبي بكر فاقترأ من المكان الذي

____________

(1) ميزان الاعتدال 3: 270.

(2) تهذيب التهذيب 8: 56.

(3) الكاشف، ميزان الاعتدال، تهذيب التهذيب 7 | 396.

(4) ميزان الاعتدال 2: 72.

(5) تهذيب التهذيب 3 | 285، الجرح والتعديل 1: 2 | 593.

(6) فضائل الصحابة 1 | 106.

--------------------------------------------------------------------------------

( 312 )

بلغ أبوبكر من السورة » (1).

لكنّ مداره على « قيس بن الربيع » الذي أورده البخاري في الضعفاء (2).

وكذا النسائي (3) وابن حبّان في المجروحين (4) وضعّفه غير واحد، بل عن أحمد أنّه تركه الناس، بل عن يحيى بن معين تكذيبه (5).

* حديث عبدالله بن مسعود:

وأمّا الحديث المذكور عن ابن مسعود فأخرجه النسائي، ورواه الهيثمي أيضاً وقال: « رواه أحمد وأبو يعلى ».

وفي سنده عند الجميع « عاصم بن أبي النجود » قال الهيثمي: « وفيه ضعف » (6).

قلت: وذكر الحافظ ابن حجر عن ابن سعد: « كان كثير الخطأ في حديثه » وعن يعقوب بن سفيان: « في حديثه اضطراب » وعن أبي حاتم: « ليس محلّه أن يقال هو ثقة ولم يكن بالحافظ » وقد تكلّم فيه ابن عليّه فقال: « كلّ من اسمه عاصم سيّئ الحفظ » وعن ابن خراش: « في حديثه نكرة » وعن العقيلي: « لم يكن فيه إلاّ سوء الحفظ » والدار قطني: « في حفظه شيء » والبزّار: « لم يكن بالحافظ وحمّاد بن سلمة: « خلط في آخر عمره » وقال العجلي: « كان عثمانياً » (7) .

____________

(1) فضائل الصحابة 1 | 108، 109.

(2) الضعفاء ـ للبخاري ـ: 273.

(3) الضعفاء ـ للنسائي: 401.

(4) كتاب المجروحين 2 | 216.

(5) تهذيب التهذيب 8 | 350، ميزان الاعتدال 3 | 393، لسان الميزان 4 | 477.

(6) مجمع الزوائد 5 | 183.

(7) تهذيب التهذيب 5 | 35.

--------------------------------------------------------------------------------

( 313 )

* حديث بريدة الأسلمي:

وأمّا حديث بريدة الأسلمي الذي رواه أحمد بسنده عن ابن بريدة عن أبيه، فمع غضّ النظر عمّا قيل في رواية ابن بريدة ـ سواء كان « عبدالله »أو « سليمان » ـ عن أبيه (1) فيه:

« عبدالملك بن عمير » وقد عرفته.

* حديث سالم بن عبيد:

وأمّا حديث سالم بن عبيد الذي أخرجه ابن ماجة:

1 ـ فقد قال فيه ابن ماجة: « هذا حديث غريب ».

2 ـ وفي سنده نظر ... فإنّ « نعيم بن أبي هند » تركه مالك ولم يسمع منه ؛ لأنّه « كان يتناول عليّاً رضي الله عنه » (2).

و« سلمة بن نبيط » لم يرو عنه البخاري ومسلم، قال البخاري: « اختلط بآخره » (3).

3 ـ ثمّ إنّ « سالم بن عبيد » لم يرو عنه في الصحاح، وما روى له من أصحاب السنن غير حديثين، وفي إسناد حديثه اختلاف!

قال ابن حجر: « سالم بن عبيد الأشجعي، من أهل الصفّة، ثمّ نزل الكوفة وروى له من أصحاب السنن حديثين بإسناده صحيح في العطاس. وله رواية عن عمر فيما قاله وصنعه عند وفاة النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم وكلام أبي بكر في ذلك. أخرجه يونس بن بكير في زياداته.

____________

(1) تهذيب التهذيب 5 | 138.

(2) تهذيب التهذيب 10 | 418.

(3) تهذيب التهذيب 4 | 140.

--------------------------------------------------------------------------------

( 314 )

روى عنه هلال بن يساف ونبيط بن شريط وخالد بن عرفطة » (1).

وقال أيضاً: « الأربعة ـ سالم بن عبيد الأشجعي له صحبة، وكان من أهل الصفّة، يعدّ في الكوفيّين. روى عن النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم في تشميت العاطس، وعن عمر بن الخطّاب. روى عنه. خالد بن عرفجة ـ ويقال ابن عرفطة ـ وهلال بن يساف ونبيط بن شريط. وفي إسناد حديثه اختلاف » (2).

أقول: يظهر من عبارة ابن حجر في كتابيه، ومن مراجعة الرواية عند الهيثمي (3) أنّ حديث سالم بن عبيد حول صلاة أبي بكر هو الحديث الذي عن عمر « فيما قاله وصنعه عند وفاة النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ... لكنّ ابن ماجة ذكر بعضه ـ كما نصّ عليه الهيثمي ـ، وظاهر عبارة ابن حجر في « الإصابة » عدم صحّة إسناده، ولعلّة المقصود من قوله في « تهذيب التهذيب »: « وفي إسناد حديثه اختلاف » إذا القدر المتيقّن منه ما يرويه نبيط بن شريط عنه، وهذا الحديث من ذاك!

* حديث أنس بن مالك:

أمّا حديث أنس بن مالك، فمنه ما عن الزهري عنه، وقد أخرجه البخاري ومسلم وأحمد.

والزهري من قد عرفته.

مضافاً إلى أنّ الراوي عنه عند البخاري هو شعيب، وهو: شعيب بن حمزة، وهو كاتب الزهري وراويته (4).

ويروي عن شعيب: أبو اليمان، وهو: الحكم بن نافع.

____________

(1) الإصابة 2 | 5.

(2) تهذيب التهذيب 3 | 381.

(3) مجمع الزوائد 5 | 182.

(4) تهذيب التهذيب 4 | 307.

--------------------------------------------------------------------------------

( 315 )

وقد تكلّم العلماء في رواية أبي اليمان عن شعيب، حتّى قيل: لم يسمع منه ولا كلمةً (1).

والراوي عن « الزهري » عند أحمد: سفيان بن حسين، وقد اتّفقوا على عدم الاعتماد على رواياته عن الزهري، فقد ذكر ذلك ابن حجر عن: ابن معين وأحمد والنسائي وابن عديّ وابن حبّان ...

وعن يعقوب بن شيبة: « في حديثه ضعف » وعن عثمان بن أبي شيبة: « كان مضطرباً في الحديث قليلاً » وعن ابن خراش: « كان لينّ الحديث » وعن أبي حاتم: « لا يحتجّ به » وعن ابن سعد: « يخطئ في حديثه كثيراً » (2).

هذا، وقد روى الهيثمي هذا الحديث فقال: « رواه أحمد وفيه: سفيان بن حسين وهو ضعيف في الزهري، وهذا من حديثه عنه » (3).

ومنه ما عن حميد عن أنس، وقد أخرجه النسائي وأحمد، وحميد هو: حميد ابن أبي حميد الطويل، وقد نصّوا على أنّه كان « مدلّساً » وعلى « أنّ أحاديثه عن أنس مدلّسة » (4) وهذا الحديث من تلك الأحاديث.

مضافاً إلى أنّ الراوي عنه ـ عند أحمد ـ هو سفيان بن حسين، وقد عرفته.

هذا، وسواء صحّت الطرق عن أنس أو لم تصحّ فالكلام في أنس نفسه:

فأول ما فيه كذبه، وذلك في قضيّة حديث الطائر المشويّ، حيث كان رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قد دعا الله سبحانه أن يأتي بعليّ عليه السلام، وكان يترقّب حضوره، فكان كلّما يجيء عليّ عليه السلام ليدخل على النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قال أنس: « إنّ رسول الله على حاجة » حتى غضب رسول الله وقال له: « يا أنس، ما حملك على ردّه؟! » (5).

____________

(1) تهذيب التهذيب 2 | 380.

(2) تهذيب التهذيب 4 | 96.

(3) مجمع الزوائد 5 | 181.

(4) تهذيب التهذيب 3 | 34.

(5) أخرجه غير واحد من الأئمة في كتبهم، راجع منها المستدرك 3 | 130.

--------------------------------------------------------------------------------

( 316 )

ثمّ كتمه الشهادة بالحقّ، وذلك في قضية مناشدة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام الناس عن حديث الغدير وطلبه الشهادة منهم به، فشهد قوم وأبي آخرون ـ ومنهم أنس ـ فدعى عليهم فأصابتهم دعوته ... (1).

ومن العلوم أنّ الكاذب لا يقبل خبره، وكتم الشهادة إثم كبير قادح في العدالة كذلك.

* حديث عائشة:

وأمّا حديث عائشة ... فقد ذكرنا أنّه هو العمدة في هذه المسألة:

لكونها صاحبة القصة.

ولأنّ حديث غيرها إمّا ينتهي إليها، وأمّا هو حكاية عمّا قالته وفعلته.

ولأنّ روايتها أكثر طرقاً من رواية غيرها، وأصحّ إسناداً من سائر الأسانيد، وأتمّ لفظاً وتفصيلاً للقصّة ...

وقد أوردنا الأهمّ من تلك الطرق، والأتمّ من تلك الألفاظ ... فأمّا البحث حول ألفاظ ومتون الحديث ـ عنها ـ فسيأتي في الفصل اللاحق مع النظر في ألفاظ حديث غيرها.

وأمّا البحث حول سند حديثها، فيكون تارةً بالكلام على رجال الأسانيد، وأخرى بالكلام على عائشة نفسها.

أمّا رجال الأسانيد ... فإنّ طرق الأحاديث المذكورة عنها تنتهي إلى:

1 ـ الأسود بن يزيد النخعي.

2 ـ عروة بن الزبير بن العوّام.

3 ـ عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود.

4 ـ مسروق بن الأجدع.

____________

(1) لاحظ: الغدير 1 | 192.

--------------------------------------------------------------------------------

( 317 )

ولا شيء من هذه الطرق بخالٍ عن الطعن والقدح المسقط عن الاعتبار والاحتجاج:

أمّا الحديث عن الأسود عن عائشة:

فإنّ « الأسود » من المنحرفين عن أمير المؤمنين الإمام عليّ عليه السلام (1).

والراوي عنه في جميع الأسانيد المذكورة هو إبراهيم بن يزيد النخعي، وهو من أعلام المدلّسين ... قال أبو عبدالله الحاكم ـ في الجنس الرابع من المدلّسين: قوم دلّسوا أحاديث رووها عن المجروحين فغيّروا أساميهم وكناهم كي لا يعرفوا ـ قال: « أخبرني عبدالله بن محمّد بن حمويه الدقيقي، قال: حدّثنا جعفر بن أبي عثمان الطيالسي، قال: حدّثني خلف بن سالم، قال: سمعت عدّة من مشايخ أصحابنا تذاكروا كثرة التدليس والمدلّسين، فأخذنا في تمييز أخبارهم، فاشتبه علينا تدليس الحسن بن أبي الحسن وإبراهيم بن يزيد النخعي، لأنّ الحسن كثيراً ما يدخل بينه وبين الصحابة أقواماً مجهولين، وربّما دلّس عن مثل عتي بن ضمرة وحنيف بن المنتجب ودغفل بن حنظلة وأمثالهم ؛ وإبراهيم أيضاً يدخل بينه وبين أصحاب عبدالله مثل هني بن نويرة وسهم بن منجاب وخزامة الطائي وربّما دلّس عنهم » (2).

والراوي عن إبراهيم هو: « سليمان بن مهران الأعمش ». و« الأعمش » معروف بالتدليس (3)، تلك التدليس القبيح القادح في العدالة، قال السيوطي ـ في بيان تدليس التسوية ـ: قال الخطيب: وكان الأعمش وسفيان الثوري يفعلون مثل هذا. قال العلائي: فهذا النوع أفحش أنواع التدليس مطلقاً وشرّها. قال العراقي ـ وهو قادح فيمن تعمّد فعله. وقال شيخ الإسلام: لا شكّ أنّه جرح،

____________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 4 | 97.

(2) معرفة علوم الحديث: 108.

(3) تقريب التهذيب 1: 231.

--------------------------------------------------------------------------------

( 318 )

وإن وصف بن الثوري والأعمش فلا اعتذار ... (1).

قال الخطيب: « التدليس للحديث مكروه عند أهل العلم، وقد عظّم بعضهم الشأن في ذمّه، وتبجّج بعضهم بالبراءة منه » (2).

ثمّ روى عن شعبة بن الحجّاج قوله: « التدليس أخو الكذب ».

وعنه: « التدليس في الحديث أشدّ من الزنا ».

وعنه: « لإن أسقط من السماء أحبّ إليّ من أن أدلّس ».

وعن أبي أسامة: « خرّب الله بيوت المدلّسين، ما هم عندي إلاّ كذّابون ».

وعن ابن المبارك: لأن نخرّ من السماء أحبّ إليّ من أن ندلّس حديثاً ».

وعن وكيع: « نحن لا نستحلّ التدليس في الثياب فكيف في الحديث! ».

فإذن: يسقط هذا الحديث، بهذا السند، الذي اتّفقوا في الرواية به، فلا حاجة إلى النظر في حال من قبل الأعمش من الرواة.

لكن مع ذلك نلاحظ أنّ الراوي عن الأعمش عند البخاري وأحمد ـ في إحدى طرقهما ـ وعند مسلم والنسائي هو « أبو معاوية » وهذا الرجل أيضاً من المدلّسين:

قال السيوطي: « قائدة: أردت أن أسرد أسماء من رمي ببدعةٍ ممّن أخرج لهم البخاري ومسلم أو أحدهما:

وهم: إبراهيم بن طهمان، أيّوب بن عائذ الطائي، ذرّ بن عبدالله المرهبي، شبابة بن سوار، عبدالحميد بن عبدالرحمن ... محمّد بن حازم أبو معاوية الضرير ورقاء بن عمر اليشكري ... هؤلاء رموا بالأرجاء، وهو تأخير القول في الحكم على مرتكب الكبائر بالنار ... » (3).

____________

(1) تدريب الراوي 1: 226.

(2) الكفاية في علم الرواية 1 | 188.

(3) تدريب الراوي 1 | 278، وفي طبعة 1 | 328.

--------------------------------------------------------------------------------

( 319 )

وذكر ابن حجر عن غير واحد أنّه كان مرجئاً حبيثاً، وأنّه كان يدعو إليه (1).

والراوي عن « الأعمش » عند ابن ماجة وأحمد في طريقه الأخرى هو: وكيع ابن الجّراح، وفيه: أنّه كان يشرب المسكر وكان ملازماً له (2).

ثمّ إنّ الراوي عن أبي معاوية في إحدى طرق البخاري هو: حفص بن عياث، وهو أيضاً من المدلّسين (3).

مضافاً إلى أنّه كان قاضي الكوفة من قبل هارون، وقد ذكروا عن أحمد أنّه: « كان وكيع صديقاً لحفص بن غياث فلمّا ولّي القضاء هجره » (4).

وأمّا الحديث عن عروة بن الزبير:

فإنّ عروة بن الزبير ولد في خلافة عمر، فالحديث مرسل، ولابدّ أنّه يرويه عن عائشة.

وكان عروة من المشهورين بالبغض والعداء لأمير المؤمنين عليه السلام ـ كما عرفت من خبره مع الزهري، والخبر عن ابنه ـ وحتّى حضر يوم الجمل على صغر سنّه (5)، وقد كان هو والزهري يضعان الحديث في تنقيص الإمام والزهراء الطاهرة عليهما السلام، فقد روى الهيثمي عنه حديثاً ـ وصحّحه ـ في فضل زينب بنت رسول الله جاء فيه أنّه كان يقول: « هي خير بناتي » قال: « فبلغ ذلك عليّ بن حسين، فانطلق إليه فقال: ما حديث بلغني عنك أنّك تحدّثه تنقص حقّ فاطمة؟! فقال: لا أحدّث به أبداً » (6).

____________

(1) تهذيب التهذيب 9 | 121.

(2) تذكرة الحفّاظ 1 | 308، ميزان الاعتدال 1: 336.

(3) تهذيب التهذيب 2 | 358.

(4) تهذيب التهذيب 11 | 111.

(5) تهذيب التهذيب 7 | 166.

(6) مجمع الزوائد 9 | 213.

--------------------------------------------------------------------------------

( 320 )

والراوي عنه ولده « هشام » في رواية البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة ... وهو أيضاً من المدلّسين، فقد قالوا: « كان ينسب إلى أبيه ما كان يسمعه من غيره، وقد ذكروا أنّ مالكاً كان لا يرضاه، قال ابن خراش: بلغني أنّ مالكاً نقم عليه حديثه لأهل العراق، قدم الكوفة ثلاث مرّات، قدمةً كان يقول: حدّثني أبي، قال: سمعت عائشة. وقدم الثانية فكان يقول: أخبرني أبي، عن عائشة. وقدم الثالثة فكان يقول: أبي، عن عائشة » (1) وهذا الحديث من تلك الأحاديث.

وأمّا الحديث عن عبيدالله بن عبدالله عن عائشة:

فإنّ الرّاوي عن « عبيدالله » عند البخاري ومسلم والنسائي هو « موسى بن أبي عائشة » وقد قال ابن أبي حاتم سمعت أبي (2) يقول: « تريبني رواية موسى بن أبي عائشة حديث عبيدالله بن عبدالله في مرض النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم » (3).

وعند أبي داود وأحمد هو: الزهري ـ لكن عند الأول يرويه عن عبيدالله، عن عبدالله بن زمعة ـ والزهري من قد عرفته سابقاً.

هذا مضافاً إلى ما في عبيدالله بن عبدالله نفسه ... فقد روى ابن سعد، عن مالك بن أنس، قال: « جاء عليّ بن حسين بن عليّ بن أبي طالب إلى عبيدالله ابن عبدالله بن عتبة بن مسعود يسأله عن بعض الشيء !! وأصحابه عنده وهو يصلّي، فجلس حتّى فرغ من صلاته ثمّ أقبل عليه عبيدالله.

فقال أصحابه: أمتع الله بك، جاءك هذا الرجل وهو ابن ابنة رسول الله

____________

(1) تهذيب التهذيب 11 | 44.

(2) هو: محمّد بن إدريس الرازي، أحد كبار الأئمّة الحفّاظ المعتمدين في الجرح والتعديل. توفّي سنة 207 هـ تقريباً. توجد ترجمته في: تذكره الحفّاظ 2 | 567، تاريخ بغداد 3 | 73 وغيرهما من المصادر الرجالية.

(3) تهذيب التهذيب 10 | 314.

--------------------------------------------------------------------------------

( 321 )

صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم وفي موضعه، يسألك عن بعض الشيء!! فلو أقبلت عليه فقضيت حاجته ثمّ أقبلت على ما أنت فيه !

فقال عبيدالله لهم: أيهات! لابدّ لمن طلب هذا الشأن من أن يتعنّى!! » (1).

وأمّا الحديث عن مسروق بن الأجدع عن عائشة:

ففيه:

1 ـ « أبو وائل » وهو « شقيق بن سلمة » يرويه عن « مسروق » وقد قال عاصم ابن بهدلة: « قيل لأبي وائل: أيّهما أحبّ إليك: عليّ أو عثمان؟ قال: كان عليّ أحبّ إليّ ثم صار عثمان!! » (2).

2 ـ « نعيم بن أبي هند » يرويه عن « أبي وائل » عند النسائي وأحمد بن حنبل. و« نعيم » قد عرفته سابقاً.

ثمّ إنّ في أحدى طريقي أحمد عن « نعيم » المذكور: « شبابة بن سوار » وقد ذكروا بترجمة أنّه كان يرى الإرجاء ويدعو إليه، فتركه أحمد وكان يحمل عليه، وقال: أبو حاتم: لا يحتجّ بحديثه (3) وقد أورده السيوطي في الفائدة المذكورة، وحكى ابن حجر في ترجمته ما يدلّ على بغضه لأهل بيت النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم (4).

هذا، ويبقى الكلام في عائشة نفسها ...

فقد وجدناها تريد كلّ شأن وفضيلةٍ لنفسها وأبيها ومن تحبّ من قرابتها وذويها ... فكانت إذا رأت النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يلاقي المحبّة من إحدى زوجاته ويمكث عندها تارث عليها ... كما فعلت مع زينب بنت

____________

(1) طبقات ابن سعد 5 | 215.

(2) تهذيب التهذيب 4 | 317.

(3) تهذيب التهذيب 4 | 264، تاريخ بغداد 9 | 295.

(4) تهذيب التهذيب 4 | 265.

--------------------------------------------------------------------------------

( 322 )

جحش، إذ تواطأت مع حفصة أن أيتهما دخل عليها النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فلتقل: « إنّي لأجد منك ريح مغافير حتّى يمتنع عن أن يمكث عند زينب ويشرب عندها عسلاً » (1).

وإذا رأته يذكر خديجة عليها السلام بخير ويثني عليها قالت: « ما أكثر ما تذكر حمراء الشدق ؟! قد أبدلك الله عزّ وجلّ بها خيراً منها » (2).

وإذا رأته مقدماً على الزواج من إمرأةٍ حالت دون ذلك بالكذب والخيانة، فقد حدّثت أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم أرسلها لتطلّع على امرأةٍ من كلب قد خطبها فقال لعائشة: « كيف رأيت؟ قالت: ما رأيت طائلاً ! فقال: لقد رأيت خالاً بخدّها اقشعرّ كلّ شعرةٍ من على حدة فقالت: ما دونك من سرّ » (3).

ولقد ارتكبت ذلك حتّى بتوهّم زواجه صلّى الله عليه وآله وسلّم ... فقد ذكرت: أنّ عثمان جاء النبي في نحر الظهيرة. قالت: « فظننت أنّه جاءه في أمر النساء، فحملتني الغيرة على أن أصغيت إليه » (4).

أمّا بالنسبة إلى من تكرهه ... فكانت حرباً شعواء ... من تلك مواقفها من الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ... فقد « جاء رجل فوقع في عليّ وفي عمّار رضي الله تعالى عنهما عند عائشة. فقالت: أمّا عليّ فلست قائلةً لك فيه شيئاً. وأمّا عمّار فإنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم يقول: لا يخيّر بين أمرين إلاّ اختار أرشدهما » (5).

بل كانت تضع الحديث تأييداً ودعماً لجانب المناوئين له عليه السلام ... فقد قال النعمان بن بشير: « كتب معي معاوية إلى عائشة قال: فقدمت على عائشة

____________

(1) هذه من القضايا المشهورة فراجع كتب الحديث والتفسير بتفسير سورة التحريم.

(2) مسند أحمد 6 | 117.

(3) طبقات ابن سعد 8 | 115، كنز العمّال 6 | 264.

(4) مسند أحمد 6 | 114.

(5) مسند أحمد 6 | 113.

--------------------------------------------------------------------------------

( 323 )

فدفعت إليها كتاب معاوية. فقالت: يا بني ألا أحدّثك بشيء سمعته من رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم؟

قلت: بلى.

قالت: فإنّي كنت وحفصة يوماً من ذاك عند رسول الله.

فقال: لو كان عندنا رجل يحدّثنا.

فقلت: يا رسول الله، ألا أبعث لك إلى أبي بكر؟ فسكت.

ثمّ قال: لو كان عندنا رجل يحدّث.

فقالت: حفصة: ألا أرسل لك إلى عمر؟ فسكت.

ثمّ قال: لا. ثم دعا رجلاً فسارّه بشيء، فما كان إلاّ أقبل عثمان، فأقبل بوجهه وحديثه فسمعته يقول له: يا عثمان، إنّ الله عزّ وجلّ لعلّه أن يقمصك قميصاً، فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه، ثلاث مرار.

فقلت: يأ أمّ المؤمنين، فأين كنت عن هذا الحديث؟!

فقالت: يا بني، والله لقد أنسيته حتّى ما ظننت أنّي سمعته » (1).

قال النعمان بن بشير: « فأخبرته معاوية بن أبي سفيان. فلم يرض بالذي أخرته، حتّى كتب إلى أمّ المؤمنين أن اكتبي إليّ به. فكتبت إليه به كتاباً » (2).

فانظر كيف أيّدت ـ في تلك الأيّام ـ معاوية على مطالبته الكاذبة بدم عثمان ! وكيف اعتذرت عن تحريضها الناس على قتل عثمان ؟ولا تغفل عن كتمها اسم الرجل الذي دعاه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ بعد أن أبي عن الإرسال خلف أبي بكر وعمر ـ وهو ليس إلاّ أمير المؤمنين عليه السلام ... ولكنّها لا تطيب نفساً بعليّ كما قال ابن عبّاس، وسيأتي.

فإذا كان هذه حالها وحال رواياتها في الأيّام العادية ... فإنّ من الطبيعي أن تصل هذه الحالة فيها إلى أعلى درجاتها في الأيام والساعات الأخيرة من حياة

____________

(1) مسند أحمد 6 | 149.

(2) مسند أحمد 6 | 87.

--------------------------------------------------------------------------------

( 324 )

رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأن تكون أخبارها عن أحواله في تلك الظروف أكثر حسّاسية ... فتراها تقول:

« لمّا ثقل رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قال رسول الله لعبد الرحمن ابن أبي بكر: إيتني بكتف ولوحٍ حتّى أكتب لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه. فلمّا ذهب عبدالرحمن ليقوم قال: أبى الله والمؤمنون أن يختلف عليك يا أبابكر » (1).

وتقول:

« لمّا ثقل رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم جاء بلال يؤذنه بالصلاة. فقال: مروا أبابكر فليصلّ بالناس ».

وتقول:

« قبض رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ورأسه بين سحري ونحري » (2).

تقول هذا وأمثاله ...

لكن عندما يأمر صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم بأن يدعى له عليّ لا يمتثل أمره، بل يقترح عليه أن يدعى أبوبكر وعمر! يقول ابن عبّاس:

« لمّا مرض رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم مرضه الذي مات فيه كان في بيت عائشة، فقال: ادعوالي عليّاً. قالت عائشة: ندعو لك أبابكر؟ قال: ادعوا قالت حفصة: يا رسول الله، ندعو الك عمر؟ قال ادعوه. قالت أمّ الفضلّ: يا رسول الله، ندعو لك العبّاس؟ قال: ادعوه. فلمّا اجتمعوا رفع رأسه فلم ير عليّاً فسكت. فقال عمر: قوموا عن رسول الله ... » (3).

وعندما يخرج إلى الصلاة ـ وهو يتهادى بين رجلين ـ تقول عائشة: « خرج

____________

(1) مسند أحمد 6 | 47.

(2) مسند أحمد 6 | 121.

(3) مسند أحمد 1 | 356.

--------------------------------------------------------------------------------

( 325 )

يتهادى بين رجلين أحدهما العبّاس » فلا تذكر الآخر. فيقول ابن عبّاس:

« هو عليّ ولكن عائشة لا تقدر على أن تذكره بخير » (1).

فإذا عرفناها تبغض عليّاً إلى حدٍ لا تقدر أن تذكره بخير، ولا تطيب نفسها به ... وتحاول إبعاده عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ... وتدّعي لأبيها ولنفسها ما لا أصل له ... بل لقد حدّثت أمّ سلمة بالأمر الواقع فقالت:

« والذي أحلف به، إن كان عليّ لأقرب الناس عهداً برسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم. قالت: عدنا رسول الله غداة بعد غداة فكان يقول: جاء علي؟!! ـ مراراً ـ قالت: أظنّه كان بعثه في حاجة قالت: فجاء بعد، فظننت أنّ له إليه حاجة، فخرجنا من البيت، فقعدنا عند الباب، فكنت أدناهم إلى الباب، فأكبّ عليه عليّ فجعل يسارّه ويناجيه، ثمّ قبض رسول الله ... (2).

إذا عرفنا هذا كلّه ـ وهو قليل من كثير ـ استيقنّا أنّ خبرها في أنّ صلاة أبيها كان بأمر من النبي صلّى الله عليه وآله، وأنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم خرج فصلّى خلفه ـ كما في بعض الأخبار عنها ـ ... من هذا القبيل ... وممّا يؤكّد ذلك اختلاف النقل عنها في القضية وهي واحدة ... كما سنرى عن قريب ...

* * *

____________

(1) عمدة القاري 5 | 191.

(2) مسند أحمد 6 | 300، المستدرك على الصحيحين 3 | 138، ابن عساكر 3 | 16، الخصائص: 130 وغيرها.

--------------------------------------------------------------------------------

( 326 )