رسالة

في حديث الأقتداء بالشّيخين

--------------------------------------------------------------------------------

( 358 )

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 359 )

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين، من الأولين والآخرين.

وبعد، فلا يخفى أنّ السنّة النبوية هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي عند المسلمين ـ وإن وقع الخلاف بينهم في طريقها ـ فمنها ـ بعد القرآن الكريم ـ تستخرج الأحكام الإلهية، وأصول القائد الدينية، والمعارف الفذّة، والأخلاق الكريمة، بل فيها بيان ما أجمله الكتاب، وتفسير ما أبهمه، وتقييد ما أطلقه، وإيضاح ما أغلقه ...

فنحن مأمورون باتّباع السنّة والعمل بما ثبت منها، ومحتاجون إليها في جميع الشؤون ومناحي الحياة، الفردية والاجتماعيّة ...

إلاّ أنّ الأيدي الأثيمه تلاعبت بالسنّة الشريفة حسب أهوائها وأهدافها ... وهذا أمر ثابت يعترف به الكلّ ...

ولهذا وذاك ... انبرى علماء الحديث لتمييز الصحيح من السقيم، والحقّ من الباطل ... فكانت كتب (الصحاح) وكتب (الموضوعات) ...

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 360 )

ولكنّ الحقيقة هي تسرّب الأعراض والدوافع الباعثة إلى الاختلاق والتحريف إلى المعابير التي اتّخذوا للتمييز والتمحيص ... فلم تخل (الصحاح) من الموضوعات والأباطيل، ولم تخل (الموضوعات) من الصحاح والحقائق ... وهذا ما دعا آخرين إلى وضع كتبٍ تكلّموا فيها على ما اخرج في الصحاح وأخرى تعقّبوا فيها ما أدرج الوضوعات ... وقد تعرّضنا لهذا في بعض بحوثنا المنشورة ...

وحديث: « اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر » أخرجه غير واحد من أصحاب الصحاح ... وقال بصحّته غيرهم تبعاً لهم ... ومن ثمّ استندوا إليه في البحوث العلميّة.

ففي كتب العقائد ... في مبحث الإمامة ... جعلوه من أقوى الحجج على إمامة أبي بكر وعمر بعد رسول الله عليه وآله وسلّم ...

وفي الفقه ... استدلّوا به لترجيح فتوى الشيخين في المسألة إذا خالفهما غيرهما من الأصحاب ...

وفي الأصول ... في مبحث الإجماع ... يحتجّون به لحجّيّة اتّفاقهما وعدم جواز مخالفتهما فيما اتّفقا عليه ...

فهل هو حديث صحيح حقّاً؟

لقد تناولنا هذا الحديث بالنقد، فتتبّعنا أسانيده في كتب القوم، ودقّقنا النظر فيها على ضوء كلمات أساطينهم، ثم عثرنا على تصريحاتٍ لجماعة من كبار أئمّتهم في شأنه، ثم كانت لنا تأمّلات في معناه ومتنه ...

فإلى أهل الفضل والتحقيق هذه الصفحات اليسيرة المتضمّنة تحقيق هذا الحديث في ثلاثة فصول ... والله أسأل أن يهدينا إلى صراطه المستقيم، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم ... إنّه خير مسؤول.

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 361 )

 

(1)

نظرات في أسانيد

حديث الاقتداء :

إنّ حديث الاقتداء من الأحاديث المشهورة في فضل الشيخين، فقد رووه عن عدّةٍ من الصحابة وبأسانيد كثيرة ... لكن لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما مطلقاً، ولم يخرج في شيء من الصحاح عن غير حذيفة وعبدالله بن مسعود، وقد ذهب غير واحدٍ من أعلام القوم إلى عدم قبول ما لم يخرجه الشيخان من المناقب، وكثيرون منهم إلى عدم صحّة ما أعرض عنه أرباب الصحاح.

وعلى ما ذكر يسقط حديث الاقتداء، مطلقاً أو ما كان من حديث غير ابن مسعود وحذيفة.

لكنّا ننظر في أسانيد هذا الحديث عن جميع من روي عنه من الصحابة، إلاّ أنّا نهتمّ في الأكثر بما كان من حديث حذيفة وابن مسعود، ونكتفي في البحث عن حديث الآخرين بقدر الضرورة فنقول:

لقد رووا هذا الحديث عن:

1 ـ حذيفة بن اليمان.

2 ـ عبدالله بن مسعود.

3 ـ أبي الدرداء.

4 ـ أنس بن مالك.

5 ـ عبدالله بن عمر.

6 ـ جدّة عبدالله بن أبي الهذيل.

ونحن نذكر الإسناد إلى كلّ واحدٍ منهم، وننظر في رجاله:

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 362 )

 

حديث حذيفة :

رواه أحمد بن حنبل قال:

« حدّثنا سفيان بن عيينة، عن زائدة، عن عبدالملك بن عمير، عن ربعي ابن حراش، عن حذيفة: أنّ النبّي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم، قال اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر » (1).

وقال أيضاً:

« حديثا وكيع ،حدّثنا سفيان، عن عبدالملك بن عمير، عن مولى لربعي ابن حراش، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، كنّا جلوساً عند النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم فقال: إنّي لست أدري ما قدر بقائي فيكم، فاقتدوا باللذين من بعدي ـ وأشار إلى أبي بكر وعمر ـ قال: وما حدّثكم ابن مسعود فصدّقوه » (2).

ورواه الترمذي حيث قال:

« حدّثنا الحسن بن الصباح البزّاز، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن زائدة، عن عبدالملك بن عمير، عن ربعي عن حذيفة، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر.

وفي الباب عن ابن مسعود.

هذا حديث حسن »

قال: « روى سفيان الثوري هذا الحديث عن عبدالملك بن عمير، عن مولىً لربعي، عن ربعيّ، عن حذيفة، عن النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ».

قال: « حدّثنا أحمد بن منبع وغير واحد، قالوا: أخبرنا سفيان بن عيينة،

____________

(1) مسند أحمد 5 | 382.

(2) مسند أحمد 5 | 385.

--------------------------------------------------------------------------------

( 363 )

عن عبدالملك بن عمير، نحوه ».

« وكان سفيان بن عيينة يدلّس في هذا الحديث فربّما ذكره عن زائدة عن عبدالملك بن عمير، وربّما لم يذكر فيه عن زائدة ».

« وروى هذا الحديث ابراهيم بن سعد، عن سفيان الثوري، عن عبدالملك بن عمير، عن هلال مولى ربعي، حذيفة، عن النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم » (1).

وقال:

« حدّثنا محمود بن غيلان، أخبرنا وكيع، أخبرنا سفيان، عن عبدالملك بن عمير، عن مولىً لربعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، قال: كنّا جلوساً ... » (2).

ورواه ابن ماجة بسنده :

« عن عبدالملك بن عمير، عن مولىً لربعي بن حراش، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله صلّى الله [ وآله ] وسلّم: إنّي لا أدري ما قدر بقائي فيكم ... » (3).

ورواه الحاكم بإسناده:

« عن عبدالملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم يقول: إقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمّار، وتمسّكوا بعهد ابن أمّ عبد »

____________

(1) صحيح الترمذي ـ مناقب أبي بكر وعمر.

(2) صحيح الترمذي ـ مناقب عمّار بن ياسر.

(3) سنن ابن ماجة ـ مناقب أبي بكر.

--------------------------------------------------------------------------------

( 364 )

وعنه، عن ربعي، عن حذيفة، قال:

« قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمّار، وإذا حدّثكم ابن أمّ عبد فصدّقوه ».

وعنه:

« عن هلال مولى ربعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، أنّ رسول الله صلّى الله عليه [ وآله وسلّم ] قال: باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ».

وبإسناده:

« عن عبدالملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان: أنّ رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قال: إقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمّار، وتمسّكوا بعهد ابن أمّ عبد ».

ثمّ قال الحاكم: « هذا حديث من أجلّ ما روي في فضائل الشيخين، وقد أقام هذا الإسناد عن الثوري ومسعر: يحيى الحمّاني، وأقامه أيضاً عن مسعر: وكيع وحفص بن عمر الإيلي (1) ثم قصر بروايته عن ابن عيينة: الحميدي وغيره، وأقام الإسناد عن ابن عيينة: إسحاق بن عيسى بن الطبّاع.

فثبت بما ذكرنا صحّة هذا الحديث وإن لم يخرجاه » (2).

____________

(1) لقد اقتصرنا على الكلام حول « عبدالملك بن عمير » الذي عليه مدار هدا الحديث الذي بذل الحاكم جهداً في تصحيحه فكان أكثر حرصاً من الشيخين على رواية ما وصفه بـ « أجلّ ما روي في فضائل الشيخين » وإلاّ فإنّ « حفص بن عمر الإيلي » هذا مثلاً أدرجه العقيلي في الضعفاء وروى عنه حديث الاقتداء ثم قال: « أحاديثه كلّها إمّا منكر المتن، أو منكر الإسناد، وهو إلى الضعف أقرب الضعفاء 2 | 797.

و « يحيى الحمّاني » قال الحافظ الهيثمي بعد أن روى الحديث عن الترمذي والطبراني في الأوسط: « وفيه يحيى بن عبدالحميد الحمّاني وهو ضعيف » مجمع الزوائد 9 | 295.

(2) المستدرك 3 | 75.

--------------------------------------------------------------------------------

( 365 )

نقد السند :

1 ـ هذه أشهر طرق هذا الحديث عن حذيفة بن اليمان، ويرى القارىء، الكريم أنّها جميعاً تنتهي إلى:

( عبدالملك بن عمير) وهو رجل مدلّس، ضعيف جدّاً، كثير الغلط، مضطرب الحديث جدّاً:

قال أحمد: « مضطرب الحديث جدّاً مع قلّة روايته، ما أرى له خمسمائة حديث، وقد غلط في كثير منها » (1).

وقال: إسحاق بن منصور: « ضعّفه أحمد جدّاً » (2).

وقال: أحمد أيضاً: « ضعيف يغلط (3).

أقول: فمن العجيب جدّاً رواية أحمد بن مسنده حديث الاقتداء وغيره عن هذا الرجل الذي يصفه بالضعف والغلط، وقد جعل المسند حجّةً بينه وبين الله !!

وقال ابن معين: « مخلط » (4).

وقال أبو حاتم: « ليس بحافظٍ، تغيّر حفظه » (5).

وقال ابن خراش: « كان شعبة لا يرضاه » (7).

وقال الذهبي: « وأمّا ابن الجوزي فذكره فحكى الجرح وما ذكر التوثيق » (8).

وقال السمعاني: « كان مدلّساً » (9).

____________

(1) تهذيب التهذيب 6 | 411 وغيره.

(2) تهذيب التهذيب 6 | 412، ميزان الاعتدال 2 | 660.

(3) ميزان الاعتدال 6 | 660.

(4) ميزان الاعتدال 6 | 660، المغني 2 | 407، تهذيب التهذيب 6 | 412.

(5) ميزان الاعتدال 2 | 660.

(6) تهذيب التهذيب 6 | 412.

(7) ميزان الاعتدال 2 | 660.

(8) ميزان الاعتدال 2 | 660.

(9) الأنساب 10 | 50 في « القبطي ».

--------------------------------------------------------------------------------

( 366 )

وكذا قال ابن حجر العسقلاني (1).

وعبدالملك ـ هذا ـ هو الذي ذبح عبدالله بن يقطر أو قيس بن مسهر الصيداوي وهو رسول الحسين عليه السلام إلى أهل الكوفة، فإنّه لمّا رمي بأمر أبن زياد من فوق القصر وبقي به رمق أتاه عبداللملك بن عمير فذبحه، فلمّا عيب ذلك عليه قال: إنّما أردت أن اريحه (2).

2 ـ ثمّ إنّ (عبدالملك بن عمير) لم يسمع هذا الحديث من (ربعي بن حراش) و (ربعي) لم يسمع من (حذيفة بن اليمان) ... ذكر ذلك المناوي حيث قال: « قال ابن حجر: اختلف في على عبدالملك، وأعلّه أبو حاتم، وقال البزّار كابن حزم: لا يصحّ لأنّ عبدالملك لم يسمعه من ربعي، وربعي لم يسمع من حذيفة. لكن له شاهد » (3).

قلت: الشاهد إن كان حديث ابن مسعود كما هو صريح الحاكم والمناوي فستعرف ما فيه.

وإن كان حيدث حذيفة بسندٍ أخر عن ربعي فهو ما رواه الترمذي بقوله:

« حدّثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، نا وكيع، عن سالم بن العلاء المرادي، عن عمرو بن هرم، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، قال: كنّا جلوساً عند النبّي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم فقال: إنّي لا أدري ما بقائي فيكم، فاقتدوا باللّذي من بعدي، وأشار إلى أبي بكر وعمر » (4).

ورواه ابن حزم بقوله:

« وأخذناه أيضاً عن بعض أصحابنا، عن القاضي أبي الوليد بن الفرضي، عن ابن الدّخيل، عن العقيلي، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا محمد بن فضيل، ثنا

____________

(1) تقريب التهذيب 1 | 521.

(2) تلخيص الشافي 3 | 35، روضة الواعظين: 177، مقتل الحسين: 185.

(3) فيض القدير 2 | 56.

(4) صحيح الترمذي ـ مناقب أبي بكر وعمر.

--------------------------------------------------------------------------------

( 367 )

وكيع، ثنا سالم المرادي، عن عمرو بن هرم، عن ربعي بن حراش وأبي عبدالله ـ رجل من أصحاب حذيفة ـ عن حذيفة » (1).

وفي سند هذا الحديث :

1 ـ « سالم بن العلاء المرادي » وعليه مداره.

قال ابن حزم بعد أن روى الحديث كما تقدّم: « سالم ضعيف ».

وفي: « ميزان الاعتدال »: « ضعّفه ابن معين والنسائي » (2).

وفي « الكاشف »: « ضعّف » (3).

وفي « تهذيب التهذيب »: « قال الدوري عن ابن معين: ضعيف الحديث » (4).

وفي « لسان الميزان »: ذكره العقيلي ... وضعّفه ابن الجارود » (5).

2 ـ « عمرو بن هرم » وقد ضعّفه القطّان (6).

3 ـ « وكيع بن الجرّاح » وهو مقدوح (7).

ثم إنّ في مسند الحديث عن حذيفة في أكثر طرقه « مولى ربعي بن حراش » وهو مجهول كما نصّ عليه ابن حزم.

وقد سمّي هذا المولى في بعض الطرق بـ « هلال » وهو أيضاً مجهول، قال ابن حزم:

____________

(1) الإحكام في اصول الأحكام 2 | 242.

(2) ميزان الاعتدال 2 | 112.

(3) الكاشف 1 | 344.

(4) تهذيب التهذيب 3 | 440.

(5) لسان الميزان 3 | 7.

(6) ميزان الاعتدال 3 | 291.

(7) ميزان الاعتدال 4 | 312.

--------------------------------------------------------------------------------

( 368 )

« وقد سمّى بعضهم المولى فقال: هلال مولى ربعي، وهو مجهول لا يعرف من هو أصلاً » (1).

حديث ابن مسعود :

رواه التّرمذي حيث قال:

« حدّثنا إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، حدّثني أبي، عن أبيه، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزّعراء، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم: اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي: أبي بكر وعمر. واهتدوا بهدي عمّار، وتمسّكوا بعهد ابن مسعود » (2).

والحاكم حيث قال ـ بعد أن أخرج الحديث عن حذيفة ـ:

« وقد وجدنا له شاهداً بإسنادٍ صحيح عن عبدالله بن مسعود: حدّثنا أبوبكر ابن إسحاق، أنبأ عبدالله بن أحمد بن حنبل، ثنا إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، حدّثنا أبي، عن أبيه، عن أبي الزعراء، عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم: إقتدوا باللّذين من بعدي: أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمّار، وتمسّكوا بعهد ابن مسعود » (3).

نقد السند:

1 ـ لقد صرّح الترمذي بغرابته وقال: « لا نعرفه إلاّ من حديث يحيى بن

____________

(1) الإحكام في اصول الأحكام 2 | 243.

(2) صحيح الترمذي 5 | 672.

(3) مستدرك الحاكم 3 | 75.

--------------------------------------------------------------------------------

( 369 )

سلمة بن كهيل » ثم ضعّف الرجل، وهذا نصّ كلامه:

« هذا حديث غريب من هذا الوجه من حديث ابن مسعود، لا نعرفه إلاّ من حديث يحيى بن سلمة بن كهيل، ويحيى بن سلمة يضعّف في الحديث » (1).

2 ـ في هذا الإسناد: « يحيى بن سلمة بن كهيل » وهو رجل ضعيف، متروك، منكر الحديث، ليس بشيء:

قال التّرمذي: « يضعّف في الحديث ».

وقال المقدسي: « ضعّفه ابن معين، وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ ؛ وقال البخاري: في حديثه مناكير ؛ وقال النسائي: ليس بثقة ؛ وقال الترمذي: ضعيف » (2).

وقال الذهبي: « ضعيف » (3).

وقال ابن حجر: « ذكره ابن حبّان أيضاً في الضعفاء فقال: منكر الحديث جدّاً، لا يحتجّ به، وقال النسائي في الكنى: متروك الحديث ؛ وقال ابن نمير: ليس ممن يكتب حديثه ؛ وقال الدار قطني: متروك، وقال مرّةً: ضعيف ؛ قال العجلي: ضعيف ... » (4).

3 ـ وفيه: « إسماعيل بن يحيى بن سلمة » وهو رجل ضعيف متروك:

قال الدار قطني والأزدي وغيرهما: « متروك » (5).

4 ـ وفيه: « إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى » وهو ليّن، متروك، ضعيف، مدلّس:

قال الذهبي: « ليّنه أبو زرعة، وتركه أبو حاتم (6) ».

____________

(1) صحيح الترمذي 5 | 672.

(2) الكمال في أسماء الرجال ـ مخطوط ـ.

(3) الكاشف 3 | 251.

(4) تهذيب التهذيب 11 | 225.

(5) ميزان الاعتدال 1 | 254، المغني في الضعفاء 1 | 89، تهذيب التهذيب 366.

(6) ميزان الاعتدال 1 | 20، المغني 1 | 10.

--------------------------------------------------------------------------------

( 370 )

وقال ابن حجر: « قال ابن أبي حاتم: كتب أبي حديثه ولم يأته ولم يذهب بي إليه ولم يسمع منه زهادة فيه، وسألت أبا زرعة عنه فقال: يذكر عنه أنّه كان يحدّث بأحاديث عن أبيه ثم ترك أباه، فجعلها عن عمّه لأنّ عمّه أجلى عند الناس.

وقال العقيلي: « عن مطيّن: كان ابن نمير لا يرضاه ويضعّفه وقال: روى أحاديث مناكير.

قال العقيلي: ولم يكن إبراهيم هذا بقيّم الحديث ... » (1).

ولهذا ذكر الحافظ العقيلي « يحيى بن سلمة بن كهيل » في كتابه « الضعفاء الكبير » وأورد كلمات عدّة من الأعلام في قدحه كالبخاري ويحيى بن معين والنسائي، ثم روى الحديث عنه بنفس السند الذي في « صحيح الترمذي » وهذا نصّ عبارته:

« ثنا علي بن أحمد بن بسطام، ثنا سهل بن عثمان، ثنا يحيى بن زكريّا، ثنا ابن أبي زائدة، ثنا يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن أبي الزعراء، عن عبدالله بن مسعود، عن النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم: اقتدوا ... » (2).

وقال الحافظ الذهبي مشيراً إلى الحديث الذي حكم الحاكم بصحّته: « قلت: سنده واهٍ » (3).

وقال الحافظ السيوطي: « اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمّار، وتمسّكوا بعهد ابن مسعود، ت غريب ضعيف. طب. ك وتعقّب. عن ابن مسعود » (4).

فالعجب من تصحيح الحاكم لهذا الحديث واستشهاده به، وكذا

____________

(1) تهذيب التهذيب 1 | 106.

(2) كتاب الضعفاء الكبير 7 | 2654.

(3) تلخيص المستدرك 3 | 76.

(4) الجامع الكبير 1 | 133.

 

المناوي (1). والأعجب قوله: « الترمذي ـ وحسنّه ـ عن ابن مسعود » (2).

ولقائل أن يقول: فما فائدة إخراج الترمذي أيّاه مع التّنصيص على ضعفه في كتابه الموصوف بالصحّة؟!

قلت: لعلّة إنّما أخرجه ونصّ عليه بما ذكر لئلاّ يغترّ به أحد ويتوهّم صحّته ... بالرّغم من اشتمال كتابه ـ لا سيّما في باب المناقب ـ على موضوعات كما نص عليه الحافظ الذهبي بترجمته من « سير أعلام النبلاء ».

حديث أبي الدّرداء :

رواه ابن حجر المّكي عن الطبراني حيث قال:

« الحديث الثاني والسّبعون: أخرج الطبراني عن أبي الدرداء: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، فإنّهما حبل الله الممدود، من تمسّك بهما فقد تمسّك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها » (3).

نقد السند:

1 ـ لقد روى الحافظ هذا الحديث عن الطبراني وقال: « فيه من لم أعرفهم » وهذا نصّ كلامه:

« وعن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، فإنّهما حبل الله الممدود، ومن تمسّك بهما فقد تمسّك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها.

____________

(1) فيض القدير 1 | 56.

(2) فيض القدير 1 | 57.

(3) الصواعق: 46.

--------------------------------------------------------------------------------

( 372 )

رواه الطبراني: وفيه من لم أعرفهم » (1).

2 ـ إنّ معاجم الطبراني ليست من الكتب التي وصفت بالصّحة، ولا من الكتب التي التزم فيها بالصحّة.

وعلى هذا ... لا يجوز التمسّك بالحديث بمجرّد كونه في أحد المعاجم الثلاثة للطبراني.

3 ـ لقد جاء في الصحيح في مسند أبي الدرداء ما نصّه:

« قالت أمّ الدرداء: دخل عليّ أبو الدرداء وهو مغضب: فقلت: ما أغضبك؟ فقال: والله ما أعرف من أمر محمّد صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم شيئاً إلاّ أنّهم يصلّون جميعاً ».

ولو كان أبو الدرداء قد سمع قوله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم: « اقتدوا ... » لما قال هذا ألبتّة !!

حديث أنس من مالك :

قال جلال الدين السيوطي:

« اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمّار، وتمسّكوا بعهد ابن مسعود.

التّرمذي عن ابن مسعود، الروياني عن حذيفة، ابن عديّ في الكامل عن أنس (2).

نقد السند:

فأمّا حديث ابن مسعود: فإنّ التّرمذي ضعّفه بعد أن رواه كما تقدّم.

____________

(1) مجمع الزوائد 9 | 53.

(2) الجامع الصغير بشرح المناوي 1 | 56.

--------------------------------------------------------------------------------

( 373 )

وأمّا حديث حذيفة فقد ثبت ضعف جميع طرقه ... كما تقدّم أيضاً.

وأمّا حديث أنس، فقد جاء في « الكامل » لابن عديّ ما نصّه: « حمّاد بن دليل. قاضي المدائن. يكنّى أبا زيد. حدّثنا علي بن الحسين بن سليمان، ثنا أحمد ابن محمد بن المعلّى الآدمي، ثنا مسلم بن صالح أبو رجاء، ثنا حمّاد بن دليل، عن عمر بن نافع، عن عمرو بن هرم، قال: دخلت أنا وجابر بن زيد على أنس ابن مالك فقال: قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم: اقتدوا باللذين من بعدي أبوبكر (1) وعمر، وتمسّكوا بعهد ابن أمّ عبد، واهتدوا بهدي عمّار.

ثنا محمد بن عبدالحميد الفرغاني، ثنا صالح بن حكيم البصري، ثنا أبو رجاء مسلم بن صالح، ثنا أبو زيد قاضي المدائن حمّاد بن دليل، عن عمر بن نافع، فذكر بإسناده نحوه.

ثنا محمد بن سعيد الحراني: ثنا جعفر بن محمد بن الصباح، ثنا مسلم بن صالح البصري، فذكر بإسناده نحوه.

ثنا علي بن الحسن بن سليمان، ثنا أحمد بن محمد المعلّى الآدمي، ثنا مسلم ابن صالح، ثنا حمّاد بن دليل، عن عمر بن نافع، عن عمرو بن هوم، عن ربعي، عن حذيفة، عن النبي صلّى الله عليه [ وآله ] نحوه.

قال ابن عديّ: وحمّاد بن دليل هذا قليل الرّواية. وهذا الحديث قد روى له حمّاد بن دليل إسنادين. ولا يروي هذين الإسنادين غير حمّاد بن دليل ».

إنتهى بطوله (2).

نقد السند:

في جميع الأسانيد: مسلم بن صالح، عن حمّاد بن دليل، عن عمر

____________

(1) كذا.

(2) الكامل 2 | 666.

--------------------------------------------------------------------------------

( 374 )

ابن نافع، عن عمرو بن هرم.

أمّا « عمرو بن هرم » فقد عرفت أنّه مقدوح مطعون فيه.

وأمّا « عمر بن نافع » فعن يحيى بن معين: حديثه ليس بشيء (1)، وعن ابن سعد: لا يحتجّ بحديثه (2).

وأمّا « حماد بن دليل » فقد أورده ابن عديّ في (الكامل في الضعفاء) والذهبي في (المغني الضعفاء) (3) وفي (ميزان الاعتدال في نقد الرجال) واضاف: « ضعّفه أبو الفتح الأزدي وغيره » (4) وابن الجوزي في (الضعفاء) (5).

وأمّا « مسلم بن صالح » فلم أعرفه حتى الآن.

حديث عبدالله بن عمر :

رواه الذهبي حيث قال:

« أحمد بن صليح، عن ذي النّون المصري، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر بحديث اقتدوا باللذين من بعدي » ثم قال: « وهذا غلط من أحمد لا يعتمد عليه (6).

ورواه مرةً اخرى، قال:

« محمد بن عبدالله بن عمر بن القاسم بن عبدالله بن عبيدالله بن عاصم

____________

(1) الكامل 5 | 1703.

(2) تهذيب التهذيب 7 | 499.

(3) المغني في الضعفاء 1 | 189.

(4) ميزان الاعتدال 1 | 590.

(5) انظر: هامش تهذيب الكمال 7 | 236.

(6) ميزان الاعتدال 1 | 105.

--------------------------------------------------------------------------------

( 375 )

ابن عمر بن الخطّاب العدوي العمري، ذكره العقيلي وقال: لا يصحّ حديثه ولا يعرف بنقل الحديث:

نبّأه أحمد بن الخليل، حدّثنا إبراهيم بن محمد الحلبي، حدّثني محمد بن عبدالله بن عمر بن القاسم، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً: اقتدوا باللذين من بعدي.

فهذا لا أصل له من رواية مالك ...

وقال الدار قطني: العمري هذا يحدّث عن مالك بأباطيل، وقال ابن مندة: له مناكير » (1).

ورواه ابن حجر وقال:

« قال العقيلي بعد تخريجه: هذا حديث منكر لا أصل له.

وأخرجه الدار قطني من دراية أحمد بن الخليل البصري بسنده وساق نسبه كذلك ثم قال: لا يثبت، والعمري هذا ضعيف ... (2).

كما أورد الذهبي وابن حجر هذا الحديث بترجمة « أحمد بن محمد بن غالب الباهلي » فبعد نقل كلماتهم في ذمّه وجرحه، قالا:

« ومن مصائبه: قال: حدّثنا محمّد بن عبدالله العمري، ثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ».

ثم قالا:

____________

(1) ميزان الاعتدال 3 | 610.

(2) لسان الميزان 5 | 237.

--------------------------------------------------------------------------------

( 376 )

« فهذا ملصق بمالك، وقال أبوبكر النقّاش: وهو واهٍ ... (1) ».

نقد السند:

لقد علم من كلمات الذّهبي وابن حجر وغيرهما: أنّ حديث عبدالله بن عمر هذا باطل بجميع طرقه ... وبذلك نكتفي عن إيراد نصوص كلمات سائر علماء الرجال في رجاله روماً للاختصار.

فالعجب من الحافظ ابن عساكر (2) وأمثاله الّذين ملأوا كتبهم وسوّدوا صحائفهم بهذه المناكير وأشباهها!!

حديث جدّة عبدالله بن أبي الهذيل :

رواه ابن حزم حيث قال:

« ... كما حدّثنا أحمد بن محمد بن الجسور، ثنا أحمد بن الفضل الدينوري، ثنا محمد بن جرير، ثنا عبدالرحمن بن الأسود الطفاوي، ثنا محمد بن كثير الملآئي، ثنا المفضّل الضبيّ، عن ضرار بن مرّة، عن عبدالله بن أبي الهذيل، عن جدّته، عن النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمّار، وتمسّكوا بعهد ابن أمّ عبد ».

نقد السند:

ونقتصر ـ في الكلام على الحديث بهذا السند ـ على ما ذكره الحافظ ابن حزم نفسه قبل ذلك، وهذا نصّه:

____________

(1) ميزان الاعتدال 1 | 142، لسان الميزان 1 | 273.

(2) تاريخ دمشق 9 | 645.

--------------------------------------------------------------------------------

( 377 )

« وأمّا الرّواية: اقتدوا ... فحديث لا يصحّ، لأنّه مروي عن مولى لربعي مجهول، وعن المفضّل الضبيّ وليس بحجّة، كما حدّثنا أحمد بن محمد بن الجسور ... ».

 

--------------------------------------------------------------------------------

( 378 )