الصفحة 141

 

الفصل الثالـــــث

 

العصمـــــة


الصفحة 142


الصفحة 143

 

عِصْمَة الإمَـــــام

تعتبر عصمة الإمام وخلافته لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) إحدى أهمّ المسائل التي ما تزال حتى اليوم تثير جدلاً واسعاً بين المسلمين، فالشيعة الإماميّة يعدّون العصمة شرطاً أساسيّاً للإمامة، وبدونها لا يكون الإمام إماماً حقّاً، فيما يعتقد أهل السُنّة بخلاف ذلك فلا يرونها شرطاً لخلافة الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فَمِن الممكن أنْ يكون الخليفة فاسقاً لجواز ذلك.

وللعصمة أكثر من تعريف، على أنّ أبرزها وأصحّها هو:

(إنّها عبارة عن ملكة وقوّة نفسية تنشأ عن مشاهدة حقائق الوجود ورؤية الملكوت، وبها يمتنع المعصوم عن ارتكاب المعاصي والذنوب أو الوقوع في الأخطاء).

* فالعصمة تعني:
ـ تلقّي الحقائق وإدراك الواقع دون خطأ.
ـ حفظ الشريعة وانعدام الغفلة في شيء منها.
ـ تبليغ الشريعة وإظهار الأحكام كما أنزلها الله.
ـ سَداد في العمل واحتراز من كلّ خطأ.


الصفحة 144

ولا ننسى هنا أنْ نشير إلى أنّ انتفاء الذنوب والمعاصي في حياة المعصوم لا يعني انعدام قدرته على ارتكابها، كأنْ يجبره الله على الطاعة. فالمعصوم كسائر عباد الله مخيّر في عمله وسيرته فلا جبر ولا إلزام في طاعته، غير أنّ بصيرته قد بلغتْ أعلى درجات الإدراك حتّى أصبح في مأمن مِن إغواء الشيطان أو تأثير النفس الأمّارة بالسوء.

* إشكـــــال:

لعلّ هناك مَن يُورد إشكالاً حول أصل العصمة، فيشكك قائلاً: كيف يمكن لإنسان عادي ـ تموج في أعماقه مثل سائر الناس الغرائزُ الحيوانيّة والميول والرغبات النفسيّة ـ أنْ يكون في مأمن من الوقوع في الذنب وارتكاب المعصية، حتّى لا يمكن احتمالها فيه أبداً؟!

* الجـــــواب:

إنّ الإنسان مجبول على طلب الكمال، فهو ينشد تكامله وسعادته في كلّ حركاته ويسعى من أجل نيل ذلك ليل نهار، فكلّ ما يقوم به إنّما ينطلق من اعتقاده أو توهّمه بأنّ مصلحته وسعادته إنّما تكمن في ذلك، حتّى في ما يرتكبه من أخطاء، ويفعله من قبائح، بل:
ـ حتّى الذي يَقْدم على الانتحار؛ إنّما يفعل ذلك لأنّه يعتقد أنّ انتحاره سيضع حدّاً لآلامِهِ وحياته المريرة، ولو كان يدرك أنّ ما يفعله هو قبيح مستهجَن، لما فعل ذلك أبداً.
ـ واللص عندما يسرق لا يفعل ذلك وهو يستهجن عمله، بل إنّه يظن عمله مفيداً وضروريّاً في أنْ يعيش حياة هانئة.
ـ والمقامر يلعب لكي يربح مثلاً.
ـ والقاتل عندما يبرر فعله الشنيع.

وبشكل عام يبقى تفسير جميع أعمال الإنسان في ضوء هذه النظريّة تابعاً لاعتقاد


الصفحة 145

المصلحة أو توهّمها. فعلى ضوء ما يُدرك الإنسان من المضارّ والمنافع ومدى أهمِّيَّتها له، يَقدم الإنسان على عمل ما.

وربّما كانت درجة الرؤية لديه ضعيفة إنْ لم تكن مقلوبة، فقد يتصوّر القبيح قبيحاً ولكنّه لا يلمّ بكلّ صورته فيجعل من تلك الرؤية الناقصة مبرّراً لكبح رغباته وشهواته، إذ انّه لم يصل بعد الدرجة النهائية في الرؤية لكي يحصل عنده اليقين الكامل الذي يرتقي إلى مرحلة الشهود.

لقد أشرنا في بحوث سابقة وبشكل إجمالي إلى أنّ الإمام ينطوي على حالة من الرؤية الباطنيّة العميقة، وأنّه يشتمل على حقيقة الدين، ويدرك في حالة من الشهود الكامل المعاصيَ والقبائحَ ويراها كما هي لا كما تُصوِّرها الأوهام، وبالتالي فهو على بصيرة عالية وإيمان عميق يحجزه عن ارتكابها أو الوقوع في حبائلها، وهو في حصن حصين عن كلّ الآثام والذنوب بإرادة منه واختيار.

* إشكال آخـــر:

إنّ طبيعة الخلق الإنساني تنطوي على قابليّة الخطأ والنسيان، وبما أنّ الأئمّة والأنبياء بشر عاديّون فهم بالتالي لا يشكّلون استثناء لهذه القاعدة، فكيف يمكن أنْ نتصوّر إنساناً ما يتمتّع بإدراكات علميّة وجهاز عصبي وحدس كسائر البشر، وهو في مأمن عن الوقوع في الخطأ واحتمال الانحراف والنسيان.

* الجـــــواب:

صحيح أنّ الأنبياء والأئمّة هم بشر عاديّون، ولكنْ سيتبيّن من خلال الأدلّة في بحوث قادمة أنّهم على مستويات علميّة عالية، وأنّهم في هذه الناحية يفوقون


الصفحة 146

سائر البشر بشكل ملحوظ.

إنّ علومنا التي نعرفها هي عبارة عن سلسلة من المفاهيم والتصوّرات التي نكتسبها عن طريق الحواس ووسائل المعرفة العقليّة؛ لذا فهي معرّضة للخطأ والنسيان.

أمّا النبي والإمام فهو على علاقة بعالَم الغيب وهو يطلّ على عالم الملكوت من خلال بصيرته النفّاذة، فهو يعيش عالم الحقائق الكبرى، فعلوم الأئمّة لا تتحصّل عن طريق الحواس بل إنّها تفور في ذواتهم كالينابيع المتدفّقة. إنّهم ينطوون على كنوز من المعرفة الحقيقيّة، ومثل هؤلاء الأفراد لا يحتمل النسيان والخطأ في حياتهم.

ثمّ إنّ النسيان والخطأ لا يشكّل ضرورة في أصل الخلقة البشريّة، فما هو المانع إذن في أنْ يَهَبَ الله الحكيم رُسُلَهُ وأوصياءهم مَلَكَةً تَعْصِمُهُم مِن آفة الخطأ والنسيان؟

إنّنا أمام حشد من الأدلّة العقليّة تؤيّدها الرواياتُ، بحيث لا يبقى مجال للشكّ في هذه المسألة الحسّاسة.

* استدلال هشــــام:

لنتأمّل في هذه الرواية قليلاً، فقد تساعد على فَهْم جانب مضيء في حياة الأئمّة (عليهم السلام).

عن محمّد بن أبي عمير قال: ما سمعتُ ولا استفدتُ من هشام بن الحكم في طول صحبتي إيّاه شيئاً أحسن من هذا الكلام في صفة عصمة الإمام، فإنّي سألتُه يوماً عن الإمام: أهو معصوم؟
قال: نعم.
قلت له: فما صفة العصمة فيه؟


الصفحة 147

وبأيّ شيء تُعرف؟
قال: (إنّ جميع الذنوب لها أربعة أوجه لا خامس لها: الحرص والحسد والغضب والشهوة فهذه منتفية عنه:
ـ لا يجوز أنْ يكون حريصاً على هذه الدنيا وهي تحت خاتمه؛ لأنّه خازن المسلمين، فعلى ماذا يحرص؟
ـ ولا يجوز أنْ يكون حسوداً؛ لأنّ الإنسان إنّما يحسد مَن هو فوقه، وليس فوقه أحد، فكيف يحسد مَن هو دونه؟
ـ ولا يجوز أنْ يغضب لشيء مِن أُمور الدنيا إلاّ أنْ يكون غضبه لله عزّ وجل، فإنّ الله قد فرض عليه إقامة الحدود، وأنْ لا تأخذه في الله لومة لائم ولا رأفة في دينه حتّى يُقيم حدودَ الله عزّ وجل.
ـ ولا يجوز أنْ يتّبع الشهوات ويُؤْثِر الدنيا على الآخرة؛ لأنّ الله عزّ وجل حبّب إليه الآخرة كما حبّب إلينا الدنيا، فهو ينظر إلى الآخرة كما ننظر إلى الدنيا، فهل رأيتَ أحداً ترك وجهاً حسناً لوجه قبيح؟ وطعاماً طيباً لطعام مرّ؟ وثوباً ليِّناً لثوب خشن؟ ونعمة دائمة باقية لدنيا زائلة فانية؟)(1).

ــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار: ج25 ص192.


الصفحة 148

 

العصمة في ضوء العقـــل

تنسحب أدلّة الإمامة كضرورة دينيّة في ضوء العقل على مسألة العصمة أيضاً؛ للتلازم الوثيق بين الإمام والعصمة كصفة جوهريّة في دور الإمامة دينيّاً واجتماعيّاً.

* ولأهمِّيَّة الموضوع نستعرض بشكل مختصر الأدلّة العقليّة مرّة أُخرى:

* ففي الدليل الأوّل تمّ إثبات:
ـ أنّ النوع الإنساني يتحرّك نحو تكامله.
ـ وأنّ الصراط المستقيم ما هو إلاّ روح الشرائع الإلهيّة التي حملها الأنبياء إلى البشر، وهي بذلك تمثّل الطريق الحقيقي الذي لا يقبل التفكيك بين درجاته وحلقاته.
ـ وأنّ غاية الحركة التكامليّة الممكنة بشريّاً تتجسّد في روح الشريعة ومنزلة الولاية والإمامة.
ـ وأنّ وجود فرد كامل بين ظهراني البشر ضرورة حياتيّة، لاستمرار وديمومة الوجود الإنساني بأسره؛ لأنّه المحل الذي ينعكس عنه الفيض الإلهي للحقّ تعالى، وهو يمثّل العلاقة بين عالمَي الغيب والشهادة.

وعلى هذا فإنّ العصمة ضرورة من ضرورات الإمامة؛ لأنّها التجسيد الحي لتكامل الإمام وكماله، واعتباره المثال الحي لإمكانيّة البشر في سلوك الطريق


الصفحة 149

القويم من خلال حركة تكامليّة يجسّد مسيرتها الإمامُ.

وما دام الصراط المستقيم يرتبط ارتباطاً وثيقاً لا يقبل الانفكاك مع أحكام الدين، فإنّ كلّ مَن يحيد عن حكم واحد سيكون خارجاً عن الصراط، وبالتالي فلنْ يمثّل هذا الفرد بأيّ حال من الأحوال تكامل الإنسان وغاية النوع الإنساني.

وهذا أيضاً ينسحب على الخطأ والنسيان وعدم احتمالهما في ذات الإمام؛ لأنّهما يقودان إلى ذات النتيجة الآنفة الذكر.

ولأجل استيعاب الدليل أكثر، أنصح القارئ بمراجعة الدليل الأوّل حول ضرورة الإمامة؛ لأنّه سيسلّط الضوء أكثر على جوانب الموضوع.

* الدليل الثانـــــي:

قلنا في الدليل الثاني إنّ الهدف الإلهي لا ينحصر بمجرّد بعث الأنبياء وإبلاغ الرسل للشرائع؛ لأن ذلك لا يؤمّن المسيرة التكامليّة للنوع الإنساني، باعتبار أنّ فترة وجود النبي محدودة تنتهي بوفاته، بينما تبقى مسؤوليّته تطبيق الشريعة في حياة البشر بلا مسؤول. لقد اقتضى اللطف الإلهي أنْ يجتبي الله عزّ وجل أفراداً؛ من أجل تداوم غاية الأنبياء في حفظ الشريعة، ومسؤوليّة تنفيذها، وإقامة حكم الله.

ومن هنا يتوجّب أنْ يكون المسؤولون عن إقامة دين الله معصومين عن الخطأ منزّهين عن الذنب والعصيان والإثم؛ ليجسّدوا من خلال سيرتهم طريق الأنبياء وأهداف الشريعة، وهؤلاء الأفراد يتمّ اختيارهم من قِبل الله عزّ وجل، فهم واجبو الطاعة بناءً على ذلك.


الصفحة 150

* إشكـــــال:

قد يورد البعض إشكالاً حول نظرية العصمة بلزوم القضاة والحكام لارتباطهم بالمعصوم في تنفيذ أحكام الدين، وإذا انتفى شرط عصمتهم في ذلك، فلماذا لا تنتفي ضرورة عصمة الإمام أيضاً؟

* الجـــــواب:

إنّ الدليل نهض على ضرورة وجود إمام معصوم في رأس الهَرَم القيادي كمرجع يمثّل حقيقة الدين؛ ليكون بذلك ملاذاً للمسلمين إذا ما تشابهتْ عليهم الطرق، لأنّه يمثّل الصراط المستقيم، وبالتالي المَعْلَم المضيء الذي يحدّد طريق التكامل للإنسانيّة، ومدار بحثنا أنّ هناك مخاطر كبرى تترتّب على وجود إنسان غير معصوم في رأس الهرم القيادي لاحتمال انحرافه عن الطريق، وبالتالي الجنوح بالأُمة إلى هاوية الشقاء.

فوجود إمام معصوم سوف يكفل للأُمّة تشكيل حكومي صالح لقيادة المجتمع الإسلامي؛ لأنّه يُنصِّب مَن يشاء ويعزل مَن يريد، وغايته في كلّ ذلك تنفيذ وإقامة حكومة العدل الإلهي، بعيداً عن مطبّات الهوى ومزالق الأوهام.

* الدليل الثالـــــث:

قلنا فيما سبق إنّ الأحكام والقوانين الإلهيّة إنّما جاءتْ لتكامل البشريّة وتأمين السعادة للإنسان في حياته الدنيا وفي الآخرة، ومِن هنا ينبغي بقاؤها سليمة من كلّ تحريف حذفاً أو إضافةً، وبشكلٍ تكون في متناول البشر، حتّى لا يبقى هناك عُذْر لِمُعْتَذِر، ومن هنا جعل الله للشريعة حَفَظة لا يتطرّق إليهم الخطأ


الصفحة 151

والنسيان، ولو كانوا كسائر البشر فإنّ الشريعة ستكون في معرض للتغيّر والتبدّل والانحراف.

والقرآن وحده لا يكفي لبيان الطريق؛ لأنّ في أحكامه تعميماً يصعب فهمه على سائر الناس، وفيه ما يحتاج إلى تفسير وتوضيح.

* الدليل الرابـــــع:

الإمام معلّم للإنسانيّة، وقدوة لها، تتمثّل خطاه وتُنْتَهَل مِن سيرته وهداه، ولا يكفي للمرء أنْ يكون إمامه بليغاً في الحديث جميلاً في العرض والأسلوب، بل لا بدّ أنْ يكون ثقة معتمداً، له منزلة في القلوب.

والإمام لا يحتل قلوب الناس ولا يجتذب حبّهم إلاّ إذا أصبح قولُه فعلاً، وكانت سيرته مثالاً منسجماً مع كلماته؛ ليكون له في ذلك مصداق وشاهد على أَحَقِّيَّته. وفي هذا فقد يمكنه أنْ ينفذ إلى القلوب فيفجّر فيها كوامن العاطفة وينابيع الحبّ الصادق؛ لأنّ الناس لا يسحرهم الكلام فقط بل يتطلّعون إلى صاحب الكلام الجميل أنْ يكون جميلاً في عمله أيضاً، فالعمل والسلوك هو المعيار الوحيد للإنسان، وسيبقى الكلام الجذّاب وحده إذا لم يجسّده عمل، أسلوباً دعائيّاً عقيم التأثير، إنْ لم يكن سلبيّاً في أثره.

وجماهير الأُمّة حسّاسة تماماً في هذا المضمار تبحث في شخصيّة الإمام وسيرته لا أقواله ومواعظه، وإلاّ فما قيمة المواعظ مهما بلغتْ إذا كانت صادرة عن ظالم، يحذِّر الناس عواقب أعمالهم في الآخرة وهو غارق في الآثام، مستغرق في دنياه، يظلم وينهب ويغتصب؟!

ومن هنا تعيّن على الإمام أنْ يكون معصوماً عن الخطأ والغفلة والنسيان،


الصفحة 152

فإنْ جازتْ عليه هذه الصفات لم يبقَ من اعتبار لحديثه؛ لاحتمال الخطأ فيه، فتسقط الثقة عنه، بينما الهدف الإلهي هو إرشاد الإنسانيّة إلى جادّة الطريق.

* حدود العصمـــــة:

* يُستفاد من الأدلّة السابقة أنّ الإمام:
ـ معصوم عن المعاصي ومخالفة أحكام الله، فلا يرتكب ذنباً، وهو في طاعة مستمرّة لا يحيد عن أمر ولا يخرج عن نهي.
ـ في مأمن عن ارتكاب الصغائر من الذنوب أيضاً.
ـ في حرز حريز عن الخطأ والنسيان والغفلة في تعلّم أُمور الدين وإبلاغها، وفي حفظ الشريعة وأحكامها، وفي تطبيقها في حياة الأُمّة.

ومن خلال الأدلّة الأربعة هذه يتوضّح لنا ـ وبشكل قاطع ـ أنّ الإمام، وفي فترة تصدّيه لمسؤوليّته في قيادة البشريّة، لا بدّ أنْ يكون مصوناً عن كلّ خطأ، مسدّداً من لدن الله عزّ وجل في ذلك.

* العصمة قبل فترة الإمامــة:

هناك جدل قائم حول عصمة الإمام قبل فترة تصدّيه لهذه المسؤوليّة، فهل إنّ الإمام مصون عن الخطأ، معصوم عن الذنب حتّى قبل أنْ يصبح إماماً، أَمْ أنّه كسائر البشر في فترة ما قبل الإمامة؟

* يقول البعض:
إنّ الضرورة تقتضي عصمة الإمام في فترة إمامته فقط، وإنّه لا ضرورة لعصمته قبل الإمامة، ومن الممكن أنْ يكون الإمام معرّضاً للخطأ والمعصية في زمن ما قبل الإمامة، فإذا أصبح إماماً عصمه الله عن الذنب وحصّنه