الصفحة 261

ـ سبحانك هل كنت إلاّ بشراً رسولاً.

وإلاّ فهل هناك عاقل يطلب أنْ يأتي الرسول بالله عزّ وجل أو يطلب منه أنْ تُسقَط السماء عليه كسفاً. فما معنى هذا الطلب الذي ينطوي على تحطيم الوجود بأسره.

وبالرغم من انطواء بعض مطالبهم على أشياء ممكنة، ولكن ينبغي الانتباه إلى نقطتين:

الأُولى:
إنّه بالرغم من السموّ النفسي الذي يحظى به النبي والإمام، وإمكان ارتباطهم بعالَم الغيب وقيامهم بأعمال خارقة، لكنّ هذا لا يعني إلغاءً لحالتهم البشريّة وحاجتهم إلى الله عزّ وجل: (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ)(1).

الثانية:
إنّ المعجزة تشكّل استثناءً في قانون ثابت للطبيعة ينهض على أساس العلّة والمعلول، فالمعجزة لا تحدث إلاّ في اللحظات الضروريّة كشاهد على مصداقيّة الرسول، بعيداً عن إشكال الاستعراض والعَبَث.

ومّن يتأمّل الآيات المذكورة يلاحظ تصعيداً في المطالب ينضح عناداً ومكابرةً، ولا ينمّ ـ من قريب أو بعيد ـ عن عقول حائرة أو قلوب تبحث عن الحق، ومثل هؤلاء عبّر عنهم القرآن بقوله تعالى: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ)(2).

ــــــــــــــ
(1) الرعد: الآية 38.
(2) الحجر: الآية 14 ـ 15.


الصفحة 262

* إشكـــــال:

من الإشكالات التي تُثَار حول المعجزة هو:

انتفاء السنخيّة وغياب الارتباط بين الادّعاء والعمل. فَمَنْ يدّعي الطبابة مثلاً يتحدّاه الناس بمعالجة مرض مُزْمِن أو مرض مُسْتَعْصٍ، لا أنْ يقولون له: إذا كنتَ طبيباً حقّاً فهل بإمكانك التحليق في السماء؛ إذ لا توجد علاقة بين الطب والطيران في السماء.

ومَن يدّعي حمل الشريعة والأخلاق التي تُربِّي النفوس على الفضائل وهدايته للبشر وإنقاذهم من الضلال، فإنّ الناس لا يطلبون منه لإثبات صِدْقه أنْ يُحْيِيَ الموتى أو يُبْرِئ الأكمه.

وهذه المسألة تنسحب على الأنبياء والأئمّة، فَمَنْ يدّعي ذلك فإنّ الناس سيطلبون منه أنْ يُقدّم ما لديه من أنظمة وطقوس للعبادة، وأنْ ينفذّها، فإنّ وَجَدُوها تُطابق العقل وكان لها نتائج طيّبة في الحياة ثبتت لهم مصداقيّة المدّعي وصدْق الادِّعاء، لا أنْ يقولون له لِتَعْرج إلى السماء، أو تُحيي الموتى، أو ادْعُ هذه الشجرة لتأتي إليك بعروقها!

* الجـــــواب:

للإجابة عن هذه الإشكالات نقول:

إنّ السنخيّة موجودة بين الادّعاء بالنبوّة وبين المعجزات، وإنّ العلاقة بينهما وثيقة للغاية؛ لأنّ كلا الأمرَين خارق للمألوف، فَمَنْ يدّعي أنّه على ارتباط بعالَم الغيب وأنّه رسول الله إلى الناس، فإنّ ظاهرة كهذه تُعدّ في حياة البشر أمراً خارقاً وادّعاءً ضخماً مِن لَدُن إنسان عادي يعيش بين الناس، يأكل مثل ما يأكلون، ويلبس مثل ما يرتدون، ويمشي مثلهم في الأسواق.


الصفحة 263

لهذا تأتي المعجزات كشواهد على صدق مَن يدّعي بذلك؛ لأنّ كلا الأمرَين ـ الوحي والمعجزة ـ ينبعان من مصدر واحد وهو الغيب، ولعلّ إشكال الكاتب المذكور يأتي من عدم استيعابه لظاهرة الوحي والنبوّة، واعتبار الأنبياء مجرّد مصلحين لا غير.


الصفحة 264

 الفرق بين المعجزة والسحـــــر

من الأمور التي يتوجّب بحثها هو تحديد الفرق بين المعجزة والسحر، فقد يتبادر للذهن أنّ الساحر يأتي بأعمال خارقة يعجز عن القيام بها غيره.

* فما هو الفرق بين السحر والمعجزة وما هو التفاوت بين النبي والساحر؟

* للإجابة عن هذا التساؤل نحدّد وجه الاختلاف بين الأمرَين:

* إنّ السحر لا يملك رصيداً من الحقيقة، وعمل الساحر ينصبّ فقط في الهيمنة على الحواس والذهن فتبدو الأوهام حقائق، وهذا ما يتجلّى واضحاً في قصّة سيّدنا موسى مع سحرة فرعون، فلقد ألقى السحرةُ حبالَهم وعصيِّهم وجاءوا بسحرٍ عظيم على حدّ تعبير القرآن الكريم، فبدتْ تلك الحبال والعصي لِمَنْ يراها أفاعي تسعى وتتلوّى، ولكنّ الحقيقة كانت غير ذلك، فالسحر يؤثّر على الحواس فقط؛ ولذا قال القرآن الكريم:
ـ (فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ)(1).
ـ
(فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى)(2).

ــــــــــــــــ
(1) الأعراف: الآية 116.
(2) طــه: الآية 66.


الصفحة 265

ويعبّر القرآن الكريم عن السحر بأنّه مجرّد مكائد وأوهام ولا حقيقة لما يفعلونه؛ لذا أمر الله عزّ وجل سيّدنا موسى (عليه السلام) بقوله تعالى: (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى)(1).

والسحرة كانوا أوّل مَن أدرك حقيقة ما قام به موسى (عليه السلام)؛ ولهذا اهتزّوا بشدّة وآمنوا بالله الواحد القهّار وهَوَوا ساجدين لربّ موسى وهارون، ولم تُفْلِح تهديدات فرعون عن ثَنْيهم رغم آلام التعذيب الرهيبة.

وخلاصة القول: إنّ المعجزة تتدخّل في تكوين الأشياء ذاتها، فعيسى (عليه السلام) كان يُحيي الموتى ويُبرئ الأكمه، كما خرجتْ أمام الملأ من ثمود ناقةٌ من قلب الصخور ناقة حقيقيّة كانت تدرّ اللبن الوفير، فيما يبقى السحر محصوراً في دائرة ضيّقة من الأوهام والأباطيل.

* إنّ الساحر يقوم بسلسلة من الأعمال المبهمة التي لا غنى عنها؛ من أجل أنْ يؤثّر سحره في الناس، بينما المعجزة تحدث فجأة بمجرّد الإرادة، ويتكفّل الغيب في تنفيذها؛ انتصاراً للنبي وتعزيزاً لموقفه.

* إنّ النصر حليف المعجزات: فالمعجزة ظاهرة لا تقهر؛ لأنّها تستقي من نبع القدرة المطلقة، بينما السحر يبقى فنّاً من الفنون يتوقّف على مهارة الساحر الذي قد يأتي مَنْ يفوقه دائماً. كما غلب موسى (عليه السلام) سَحَرَةَ فرعون، وغلب الإمام الصادق (عليه السلام) سَحَرَةَ المنصور.

* إنّ السحر يبقى في دائرة محدودة، فلا يمكن للساحر أنْ يقوم بكلّ ما يطلب منه، فيما تبقى المعجزة تتمتّع بدائرة أوسع بكثير.

ـــــــــــــ
(1) طه: الآية 69.


الصفحة 266

* يبقى السحر جزءاً من قانون الطبيعة، وفنّاً من الفنون التي يمكن إتْقانها لِمَنْ يريد، ولا علاقة له بالغيب والسماء والله، أمّا المعجزات فأمر يختلف تماماً، إنّه لا يمتّ إلى قانون الطبيعة بصلة لا من قريب ولا من بعيد.

الإعجاز وما يقوم به المرتاضون:

نقرأ أحياناً في الصحف والمجلاّت وفي الكتب أو نسمع عن أُناس يقومون بأعمال خارقة لا يمكن لغيرهم أنْ يقوموا بها، وقد سبقتْ الإشارة إلى بعضها. فما هو الفرق بين ما يقومون به من أعمال خارقة وبين المعجزات؟

* لتحديد الفرق بين الظاهرتَين نشير إلى أنّ هؤلاء الأفراد الذين يقومون بتلك الأعمال يخضعون أنفسهم لسلسلة من التمارين النفسيّة العنيفة، تنطوي على تعذيب شديد للجسد والحرمان من اللذائذ، إلى أنْ يحصلوا على تلك القوّة الخفيّة، بينما يقوم الرسول أو الإمام بالمعجزة دون الحاجة إلى كلّ ذلك العذاب، بل قد يقوم به وهو في فترة الرضاعة كما حصل ذلك لدى سيّدنا عيسى (عليه السلام) إذ تكلّم في المهد.

* الفرق الآخر: إنّ دائرة المرتاضين تبقى محدودة دائماً، وتقتصر على بعض الأعمال، وفي مناسبات محدودة زماناً ومكاناً، فيما تتحرّك المعجزة في دائرة كبيرة وواسعة جدّاً من حيث الزمان والمكان.

* يبقى الارتياض هو الآخر فنّاً وطريقة ممكنة لِمَنْ يشاء لا علاقة لها بالإيمان بالله، بينما تبقى المعجزة كما قُلنا خارج نطاق الحقول العلميّة والظواهر الطبيعيّة تماماً.


الصفحة 267

المعجزة والكرامـــــة:

هناك من الأمور الخارقة ما يتّخذ اسماً آخر هو الكرامة، والكرامة لطف من الله عزّ وجل يخصّ به بعضَ عباده، وقد أكّد القرآن وجودها في آيات عديدة، كما نجد ذلك لدى سيّدة النساء مريم ابنة عمران (عليها السلام):
(كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)(1).

فقد جاء في التفاسير والروايات أنّه كان يجد عندها فاكهة الصيف في فصل الشتاء، وفاكهة الشتاء في فصل الصيف, وهناك في التاريخ الإسلامي روايات تُخبر عن كرامات عديدة لبعض الصحابة من بينهم: سلمان الفارسي، وأويس القرني، وفاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين.

* وهناك أوجه شبه بين المعجزة والكرامة:
ـ إذ يشتركان بعلاقتهما بالغيب.
ـ وكونها أُموراً خارقة للمألوف.
ـ وإنّ صاحب الكرامة وصاحب المعجزة كلاهما أثيران لدى الله عزّ وجل ومقرّبان إليه سبحانه.

* والى جانب هذا التشابه توجد فروق بين المعجزات والكرامات منها:
ـ إنّ العبادة لله هي الملاك في حصول الكرامات لدى بعض عباد الله الذين سلكوا درب التكامل والخلوص لله عزّ وجل، بينما المعجزة أصل ذاتي في نفس النبي والإمام بالرغم من التشابه العام بين صاحب الكرامة وصاحب المعجزة في قربهما من الله سبحانه، ولكنّ الفرق واضح بين من حصل على الكرامة من خلال

ـــــــــــــــ
(1) آل عمران: الآية 37.


الصفحة 268

خلوصه وعبادته لله، وبين مَن اختاره الله أساساً واصطفاه هادياً للناس جميعاً.
ـ إنّ المعجزة تقترن بالتحدّي دائماً، فالمعجزات ما هي إلاّ استجابة ايجابيّة للتحدّي، فهي انتصار الحق والحقيقة، بينما تظلّ الكرامة هبات إلهيّة تكريماً لعباده من الناس.


الصفحة 269

 

الفصل الســـــادس

 

أفضليّة الإمام وطريقة الانتخاب


الصفحة 270


الصفحة 271

 أفضليّة الإمـــــام

من المسائل التي أثارتْ جَدَلاً بين الشيعة والسنّة هي مسألة أفضليّة الإمام، إذْ ينادي أهل السُنّة بجواز إمامة المفضول في وجود الفاضل، ويستشهدون على صحّة رأيهم بقصّة استخلاف أبي بكر وعمر، حيث تسنّما مقام الخلافة بوجود عليّ بن أبي طالب الذي يفوقهم في فضائله ومنزلته، قائلين في افتتاحيّات الكتب: الحمد لله الذي قدّم المفضول على الفاضل أي الحمد لله الذي قدّم أبا بكر على علي.

وفي مقابل هذا الرأي تعتقد الشيعة الإمامية أنّ الإمام يمثّل الفرد الكامل بين سائر الناس، وأنّه لا يوجد له نظير في فضْله ومنزلته، ولقد بحثنا فيما مضى ضرورة الإمام الذي يمثّل ذروة الكمال الإنساني، وأنّ الله عزّ وجل الذي اصطفاه للإمامة لنْ يُقدّم آخر عليه؛ إذْ لا معنى لتقديم المفضول على الفاضل، وأنّ ما حصل هو إرادة البشر التي ضربتْ عَرْضَ الحائط رضا الله وإرادته فقدّمت المفضول على الفاضل.

ولا نريد هنا أنْ نكرّر ما بحثناه سابقاً، ولكنّ التأكيد على رؤوس الأقلام أراه ضروريّاً هنا.


الصفحة 272

إنّ الإمام فرد معصوم على ارتباط بعالَم الغيب، ينطوي على علْم واسع ومعارف شاملة، وعقيدته هي العقيدة الصحيحة السليمة لا يشوبها انحراف ولا يلابسها ضلال، والإمام شخص متكامل يمثّل ذروة الكمال البشري الممكن، وسيرته هي السيرة المثال في جميع المستويات.

والإمام على حدّ تعبير الإمام الرضا (عليه السلام) هو: (المطهّر من الذنوب والمبرّأ من العيوب، المخصوص بالعلم، الموسوم بالحلم، نظام الدين وعزّ المسلمين، وغيظ المنافقين وبوار الكافرين، الإمام واحد دهره، لا يُدانيه أحد ولا يعادله عالم، ولا يوجد منه بدل ولا له مثل لا نظير. مخصوص بالفضل كلّه من غير طلب منه له ولا اكتساب، بل اختصاص من المفضّل الوهّاب)(1).

ـــــــــــــ
(1) أصول الكافي: ج1 ص200.


الصفحة 273

 انتخاب الإمـــــام

تُعدّ الطريقة التي يتمّ فيها انتخاب الإمام مِن أقدم المسائل التي أثارتْ جَدَلاً في الأوساط الإسلاميّة، وهي المسألة التي انشعب عندها الصرح الإسلامي إلى فرقتَين شيعة وسُنّة.

* فالعقيدة الإماميّة ترى:
ـ أنّ مسألة الإمامة غاية في الحسّاسيّة والأهمِّيَّة، وأنّه ليس من حقّ الإرادة البشريّة التدخّل في ذلك، وأنّ الله عزّ وجل هو وحده له الحقّ في انتخاب الإمام من خلال رسوله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).
ـ وأنّ من صفات الإمام العصمة عن الذنب، والخطأ، والنسيان، والغفلة، وكلّ ما يَعْتَور التفكير والسلوك البشري من شوائب.
ـ ومِن صفاته أنْ يكون عالماً بالشريعة علماً شموليّاً، محيطاً بأحكامها ودقائقها، وقد بحثنا ذلك فيما مضى.

وفي ضوء العقيدة الإماميّة يكون انتخاب الإمام حقّاً لِمَنْ كان عالماً عين العلم وليس أحد سوى الله عزّ وجل؛ لأنّه وحده الذي يعرف الأعماق، وهو وحده علاّم الغيوب محيط بما خَلَق.

فَمِنْ أين للناس ذلك العلم الذي يحيط بسريرة الإمام ويعرف منزلته


الصفحة 274

الشامخة؟ الناس لا يرون سوى ظاهر من القول والفعل، وما أكثر الذين يظهرون بوجه لمّاع برّاق ظاهره الصلاح، وباطنه من قِبَلِهِ الفساد.

وما أكثر المتقدّسين الذين إذا رأيتهم حسبتهم ملائكة ولكنّهم ينطوون على نفوس أين منها الشياطين! يتذرّعون بالزهد ويتوسّلون بالدين من أجل تحقيق أهدافهم ومآربهم.

* وإذن، فإنّنا أمام ثلاث طرق يتمّ بموجبها معرفة الإمام:
ـ اختياره من لدن الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)؛ لأنّه على ارتباط بالغَيب ولا ينطق عن الهوى إنْ هو إلاّ وحي يوحى.
ـ أو مَن ثَبَتَتْ إمامته من قَبْل فيختار الإمام الذي يليه.
ـ أو الإتيان بمعجزة وعمل خارق مِن شأنه إثبات إمامته وعصمته.

* أمّا آراء أهل السُنّة في انتخاب الخليفة، فهي تجعل ذلك حقّاً للأُمّة، إضافة إلى طرق أُخرى(1):

* الإجماع:

وهي إحدى الطرق التي يتمّ من خلالها تعيين وانتخاب فرد ما للخلافة، ويكون الخليفة واجب الطاعة، ودليلهم في ذلك ما حصل بعد وفاة النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فقد اجتمع المسلمون في (سقيفة بني ساعدة) واتّجهتْ الأبصار إلى أبي بكر، فرأوه أصلح الصحابة للخلافة فبايعوه، وإذنْ فإجماع الصحابة يضفي الشرعيّة على انتخاب فردٍ ما.

وهنا يَرِدُ إشكال: حول مسألة الإجماع؛ لأنّ منطق الحقائق يقول إنّ

ــــــــــــــ
(1) يستلهم أهل السُنّة مُجْمَل آرائهم من خلال إضفاء الشرعيّة الكاملة على كلّ الحوادث التي أعقبتْ وفاة النبي (صلَّى الله عليه وآله)، والطريقة التي حُسِمَتْْ بموجبها مسألةُ الخلافة، بالرغم من حدّة التناقضات التي حصلتْ فيها ـ المترجم.


الصفحة 275

المسلمين لم يُجْمِعوا على بيعة أبي بكر وانتخابه للخلافة. فهناك فريق من الصحابة ناهَضَ البيعة وامتنع عن المبايعة، وإذنْ فالإجماع منتفٍ هنا.

ويفرّ البعض من مواجهة هذا الإشكال: من خلال القول بأنّه لا ضرورة لحضور المسلمين جميعاً من أجل حصول الإجماع، بل إنّ أهل الحلّ والعقد خبراء في ذلك ينوبون المسلمين في هذه المهمّة، ولقد حصل ذلك في بيعة أبي بكر.

وتمادى آخرون بقولهم: لو أنّ شخصاً واحداً من أولئك بايع فرداً للخلافة توجّب على الجميع الإقتداء به؛ لأنّ عمر لمّا بايع أبا بكر، بايع سائر المسلمين اقتداءً به.

ويعترض الشيعة الإماميّة على الطريقة التي تمّ من خلالها انتخاب أبي بكر للخلافة وأنّها تفتقد إلى الشرعيّة للأسباب التالية:

أولاً:
ضرورة توفّر العصمة في الإمام؛ إذْ يتوجّب على الإمام أنْ يكون معصوماً من الخطأ منزّهاً عن الذنب، عالماً بالشريعة محيطاً بأحكامها، وإذنْ فاختيار مثل هكذا فرد لا يتمّ إلاّ مِمَّن هو عالم بظاهره وباطنه وهو الله عزّ وجل، وأنّ لا دَخْل للأُمّة في مسألة الاختيار، وأنّ الذي يصطفي للرسالة يصطفي للإمامة.

ثانياً:
إنّ طريقة انتخاب أبي بكر لا تُتَرْجِم حالة الإجماع أبداً ولا تعبّر عن إرادة عامّة للمسلمين، فلقد اقتصر اجتماع السقيفة على أفراد معدودين، إضافةً إلى ما رافقه من ملابسات عديدة، حتّى لقد فوجئ فريقٌ كبير من الصحابة بنتائج الاجتماع، بل وامتنع بعض مَنْ شارك في مداولات الاجتماع عن البيعة.

وإذنْ، فهناك قطّاع هام من الصحابة رفض البيعة لأبي بكر وفي طليعتهم: