الصفحة 30

وما أسمى أنْ ينتخب الله إنساناً معصوماً؛ ليكون عالماً بالشريعة أميناً عليها مسدَّداً من لدنْه في تنفيذ أحكام السماء.

* وفي زمن الغيبة:

إنّ مسألة القيادة والحكم ظاهرة عريقة في حياة البشريّة، ومن ضرورات الحياة الاجتماعيّة، ولا يشكّ في ذلك عاقل، وبدون نظام للحكم وللإدارة تعمّ الفوضى ويختلط الحابل بالنابل.

وإنّ وجود فرد أو أفراد في قمّة الهَرَم الاجتماعي لقيادة الحياة اجتماعيّاً ـ وتكون مهمّتهم إقامة العدل ومنع العدوان وكفالة الحقوق العامّة ـ أمر في غاية الضرورة، ومسألة بديهيّة لا تحتاج إلى جَدَل.

وبالطبع، فإنّ الإسلام لم يؤيّد هذه الظاهرة العقلائيّة في الحياة الإنسانيّة فحسب، بل إنّه جعل من النبي واثني عشر إماماً ـ من أهل بيته ـ قادة للمسلمين، وأوجب طاعتهم على الجميع.

ولقد بلغتْ هذه المسألة درجة من الأهمِّيَّة البالغة لا يمكن إهمالها في كلّ العصور وفي كلّ الظروف، حتّى لو لم تبلغ الأُمّة درجة من الوعي الذي يجعلها على قناعة بذلك، فإنّ قائداً كهذا يبقى على قوّته ومتانته لإقامة العدل، وبناء نظام يقوم على معادلة الحق والواجب المتبادل بين أفراد المجتمع.

وحتّى في غياب المعصوم أو الإمام، فإنّ مسألة إقامة النظام الإسلامي مهمّة عامّة تتطلّب من الأُمّة الاستجابة لها كتكليفٍ إلهي، وانتخاب الفرد الصالح الذي ينطوي على مقوّمات القيادة.

قال تعالى:(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَّاتَ أَوْ


الصفحة 31

قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)(1).

وقد نزلتْ هذه الآية في معركة أُحد عندما تعرّض المسلمون إلى هجوم عنيف شنّه فرسان المشركين في عمليّة التفاف، إثر عصيان الرُمَاة لتعليمات النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وترك مواقعهم في جبل (عينين)، وقد أُشيع وَقْتَهَا بأنّ محمّداً (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قد قُتل، وسرعان ما فعلتْ هذه الشائعة فِعْلها الخطير في نفوس المسلمين، الذين بدأوا فرارهم من ساحة المعركة ولولا صمود بعض الصحابة والتفافهم حول الرسول لَقُتِل (صلوات الله عليه وآله).

وشيئاً فشيئاً عادتْ للمسلمين ثقتهم، وبدأوا تجمّعهم حول النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بعد أنْ تبيّن لهم كذب الشائعات.

وقد نزلتْ هذه الآية في تلك الظروف العصيبة تخاطب المسلمين، وتستنكر هزيمتهم وتخلّيهم عن الرسالة، فهل يكون قتل النبي أو وفاته مدعاة للانقلاب والتقهقر؟

وفي هذه الآية تأكيد على حفظ النظام الاجتماعي باعتباره ضرورة عقليّة، وبالتالي استمرار الجهاد حتّى في غياب النبي(صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

ولقد كانت مسألة الحكومة من البديهيّات لدى المسلمين، وهذا ما ظهر جليّاً في الجدل الذي احتدَّ في سقيفة بني ساعدة، عشيّة دَفْن النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) حول مسألة الخلافة.
فقد قال الأنصار:
فينا الإمارة.
وقال المهاجرون: مثل قولهم.
وقال الأنصار: منّا أمير ومنكم أمير.
وقال المهاجرون: نحن الأُمراء وأنتم الوزراء!

ــــــــــــــ
(1) آل عمران: الآية 144.


الصفحة 32

ولكنّ أحداً لم يتفوّه أبداً ليقول: لا ضرورة للخلافة وإنّ الحياة الاجتماعيّة لا تتطلّب ذلك، ولم يقل علي والصحابة الذين امتنعوا عن البيعة إنّه لا ضرورة للخليفة، بل قال: إنّ الخلافة حقّه وميراثه من الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، الذي جعله وصيّاً وخليفة له من بعده، وكان هذا رأي بعض الصحابة الذين وقفوا إلى جانبه في محنته.

ولم يقف علي(عليه السلام) بعد ذلك موقفاً سلبيّاً من جهاز الخلافة طيلة حياته، بل تعاون معهم بالقدر الذي يدعم الوجود الإسلامي ويرسّخه في الحياة، ولم يسعَ إلى إضعاف مركزهم، وكان يدعم مواقفهم أحياناً، وكانت له مواقفه المشهودة في الأزمات العاصفة، وقد اشترك ابناه الحسن والحسين(عليهما السلام) في حروب الفتح الإسلامي.

والتاريخ يذكر مقولته المشهورة عندما رفع الخوارجُ شعارَهم الخطير (لا حكم إلاّ لله) فقال:

(كلمةُ حقٍّ يُرَادُ بِها باطل. نعم، إنّه لا حُكْمَ إلاّ لله، ولكن هؤلاء يقولون: لا إمرة إلاّ لله، وأنّه لا بدّ للناس من أمير بَرِّ أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر ويبلغ الله فيها الأجل ويجمع به الفيء، ويقاتل به العدوّ، وتَأْمَن به السُبُل ويُؤْخَذ به للضعيف من القوي، حتّى يستريح برّ ويُستراح مِن فاجر)(1).

وفي الختام ينبغي القول إنّ مسألة الحكم الإسلامي وتشكيل الدولة الإسلاميّة أمرٌ لا ينحصر بفترة النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وحياته الشريفة، بل إنّ ضرورة استمرارها وإقامتها يستوعب جميع العصور، حتّى في زمن غياب المعصوم (عليه السلام).

ــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة: الخطبة 40.


الصفحة 33

وإنّ مسألة القيادة والزعامة من حتميّات الإسلام، وإنّها احتلّتْ مركزاً حسّاساً بالغ الأهمِّيَّة، بحيث يكون القائد فرداً معصوماً من الخطأ مطهَّراً من الذنوب.

ومن هنا، فإنّ الذين يعتقدون بضرورة القيادة كواجب ديني مقدّس وتكليف الهي أكيد لا بدّ وأنْ يُوْلُوْهَا أهمِّيَّة فائقة، فإنْ وُجِدَ المعصوم فهو، وإلاّ توجّب السعي الحثيث من أجل انتخاب الفرد الصالح، الذي يتمتّع بمقوّمات القيادة ونيابة المعصوم في ذلك.

ومن المثير للدهشة أنّ الأُمّة التي تعتقد بضرورة القيادة كواجب ديني مقدّس نراها تُهْمِل عمليّاً هذا الجانب الحياتي، بل وتتحفّظ من الذين يتدخّلون فيها!

وتعتقد الأُمّة أنّ منزلة القيادة تبلغ من حسّاسيّتها درجة لا تَرى سوى المعصوم فرداً يمكنه أنْ يشغلها، ومع كلّ هذا نجدها لا تكترث أبداً في حياتها العمليّة، وفي حالة غياب المعصوم في أمر يتوقّف عليه مصيرها ومصير الرسالة التي تؤمِن بها.

قم

إبراهيم الأميني

خريف 1350 هـ. ش


الصفحة 34


الصفحة 35

 

الفصـــــل الأوّل

الإمامـــــة


الصفحة 36


الصفحة 37

 

ما هي الإمامـــــة؟

* تعني الإمامة في اللغة:

القيادة والريادة، فكلّ من اتّبعتْه فئةٌ من الناس في فِكْره وَعَمَلِهِ كان إماماً لها.

وإمام الجماعة: من اقتدى به المأمومُ في الصلاة، وتابعه في حركاته وسكناته، وجعله مِعْرَاجاً له في رحلته الروحيّة تلك.

* وقد يكون الإمام إماماً لـ:
ـ مجموعة أو فئة من الناس.
ـ وربّما كان لعامّة الأُمّة.
ـ وربّما اقتصرت إمامته على عمل محدّد.
ـ وربّما كانت مطلقة شاملة.
ـ وقد يكون الإمام إماماً للناس في شؤونهم الاجتماعيّة فقط أو السياسيّة.
ـ وربّما اقتصرتْ إمامتُه لهم في الأخلاق فقط.

أمّا الإمام ـ مطلقاً ـ فلا تُطْلَق على أحد إلاّ إذا كان مرجعاً عامّاً للناس جميعاً في كلّ شأن من شؤون الرسالة، فهو الأمين على الشريعة، والمسؤول الأوّل عن تنفيذ أحكام الله، وهو الذي يقتدي به الناسُ في كلّ شؤونهم السياسيّة والاجتماعيّة، فَعَنْهُ يأخذون ومنه يصدرون، وهو قائد الأُمّة يقودها كما تُريد السماء، يطبّق أحكام الدين ويُقيم بناء الإسلام، ويدعو الناس إلى ذلك.

وخلاصة القول: إنّه الفرد الذي يجسّد مَثَل الدين، ويسير في هُداه على


الصفحة 38

صراطه المستقيم، وهذا هو الإمام. إنّه يسير إلى الله، ويدعو الناس إلى اقتفاء إثره والسير على خُطاه. ومن هنا وجبتْ له الطاعة والإقتداء بأفكاره وأعماله وسيرته.

فالإمام مَنْ تتحقّق فيه مصاديق الإمامة، ولا تُطلق على مَن يكتفي بدعوة الناس كلاماً ما لم يجسّد ما يدعو إليه في حياته الشخصيّة، وعندها يكون إماماً في القول والعمل.

وانطلاقاً من كلّ هذا، يمكن القول: إنّ الإمامة هي الرئاسة العامّة في كلّ شؤون الدين والدنيا.

* ومن هنا يتّضح أنّ مفهوم الإمامة لدى أهل السُنّة وبعض الشيعة يبقى ناقصاً ومتخلِّفاً عن معناها الحقيقي في اللغة:
ـ فهي مثلاً في رأي البعض: خلافة الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وحفظ الدين وحوزة المسلمين.
ـ وهي في رأي آخر: الرئاسة العامّة في أُمور الدين والدنيا(1)
.
ـ وفي رأي ابن خلدون: أنّ الخلافة نيابة صاحب الشريعة في حفظ الدين وسياسة الدنيا، فيُقال لِمَن تصدّى إلى ذلك إماماً أو خليفة(2).
ـ أو هي عبارة عن: الرئاسة العامّة الإلهيّة، ونيابة الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في شؤون الدين والدنيا(3)
.

وكلّ هذه التعريفات لا تنهض بحقيقة معنى الإمامة، بشموليّتها المطلَقة واستيعابها للأُمّة. وقصارى القول إنّها تكشف عن جانب منها لا أكثر.

ــــــــــــــ
(1) المواقف: طبعة القسطنطينيّة 1239هـ ص603.
(2) مقدّمة ابن خلدون: ص191.
(3) كفاية الموحّدين: ج2.


الصفحة 39

 

الخلافة والإمامة:

* تعني الخلافة:

نيابة الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عند غيابه في إدارة شؤون المسلمين، ويجعل أغلب علماء السُنّة الخلافة بمنزلة الإمامة، والخليفة إمام كما أنّ الإمام خليفة.

يقول ابن خلدون:

(وقد بيّنا حقيقة هذا المذهب نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين وسياسة الدنيا به تسمّى خلافة وإمامة، والقائم به خليفة وإماماً، فأمّا تسميته إماماً فتشبيهاً بإمام الصلاة في اتّباعه والاقتداء به)(1).

وبالطبع فإنّ هذا لا يستوعب بشكل كامل معنى الإمامة بأبعادها الحقيقيّة.

فالإمام:

مَن يُجسّد عملُه قولَه، لا أنْ ينوب أحدُهم النبيَّ في إدارة أُمور المسلمين عند غيابه حتّى لو لم يطابق قولُه عملَه؛ لأنّ الخلافة تعني نيابة النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

ونحن لا نبحث هنا شروط الخلافة ومواصفات الخليفة، بقدر ما نريد أنْ نحدّد معنى الإمامة والخلافة.

وعلى هذا فإنّ الخلافة والإمامة تختلفان في المعنى، فقد يتحقّق معناهما في فرد ما، فمثلاً لو انتخب النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) صحابيّاً ما وجعله خليفة له وسلّمه زمام الأُمور سياسيّاً واجتماعيّاً في الحفاظ على الشريعة والدين، فإنّ شخصاً كهذا سيكون إماماً وخليفة في آن واحد؛ لأنّه أمين على الشريعة ومنفّذ لها.

وربّما يصبح خليفة للنبي ولكنّه ليس بإمام، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى مخاطباً سيّدنا إبراهيم (عليه السلام):

ـــــــــــــــ
(1) مقدّمة ابن خلدون: ص191.


الصفحة 40

(إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً)(1)، فلقد كان نبيّاً ورسولاً.

كما أنّ فرداً ما قد تتحقّق فيه أحكام الشريعة وتتمثّل فيه الرسالة وكانت سيرته كما يرسمها الدين، ويقتدي به المؤمنون ويتّخذون مِن فعله وقوله وتقريره سُنّةً لهم، فيكون ـ ذلك الشخص ـ إماماً في الإطار اللغوي، ولكنّه ليس خليفة.

* وقد تكون خلافة أحدهم صادقة ولكن لا إمامة له، فمثلاً:

لو استخلف النبي صحابيّاً وأوكل إليه إنجاز سلسلة من الأعمال المحدّدة يقوم بها أثناء غيابه، فيمكن أنْ نسمّي هذا الشخص خليفة، ولكنّه ليس بإمام يقتدي به الناس في كلّ شؤونهم، ولو أنّ أفراد الأمة انتخبوا من بينهم فرداً يقوم مقام النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وأوكلوا إليه إدارة الأُمور، فيمكنهم أنْ يسمّوه خليفة للنبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وهو أمر ينسجم مع معطيات المعنى اللغوي لمفهوم الخلافة، ولكنْ أنْ يكون إماماً فلا؛ لأنّه لا يجسّد معاني الإمامة.

وعلى كلّ حال، فإنّ مصطلح الإمام إنّما يُطلق على شخص تكون له النيابة العامّة في قيادة الناس، ولا يوجد ما يقيّده في ذلك وعلى جميع المستويات.

قال الإمام الرضا معرّفاً الإمامة:

(هل يعرفون قدر الإمامة، ومحلّها من الأُمّة فيجوز فيها اختيارهم؟
إنّ الإمامة منزلة خصّ الله بها إبراهيم الخليل (عليه السلام) بعد النبوّة والخلّة مرتبة ثالثة، وفضيلة شرّفه بها وأشاد بها ذكره، فقال عزّ وجل:
(
وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً).
 
قال الخليل مسروراً بها: (
وَمِن ذُرِّيَّتِي * قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ).
فأبطلتْ هذه الآية إمامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة، وأبقتها في الصفوة)
(2).

ـــــــــــــــ
(1) البقرة: الآية 124.
(2) أصول الكافي: ج1 ص199.