الحلقة الثالثة

دراسة في خلفيات حديث الغدير وعلاقتها بسنده ودلالته - القسم الثاني

 

*سؤال: هل هناك عوامل أخرى مؤثرة تصعب من أمر الدليل على إمامة الإمام علي (ع)؟
الجواب: قبل أن أستعرض جملة من العوامل الأخرى أرى من المناسب التأكيد على النقطة السابقة أي التشديد على الرواة المتهمين بالتشيع والرفض، حيث قلت أن هذا لايعني أن كل من اتهم بالتشيع والرفض فإنهم قد تركوا حديثه بل أردت القول أن الحالة التي كانت سائدة في عصر ما قبل تدوين الحديث قد تركت أثرها في فترة التدوين بشكل واضح. كما ذكرت أنهم قد اختلفوا في مفهوم التشيع والرفض، وقد يكون قولي هذا غريبا على من يقرأ لبعض أهل السنة، حيث أن الدارج أن المتشيع من يفضل عليا على عثمان، والغالي في التشيع من يفضل عليا على أبي بكر وعمر، والرافضي من يطعن في بعض الصحابة وخاصة من أخذ حق الإمام علي (ع). وهناك كلام للذهبي في ميزان الاعتدال في ترجمة أبان بن تغلب يجيب فيه على كيفية الرواية عنه مع أنه صاحب بدعة فقال: "أن البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كغلو التشيع، أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرف، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بينة. ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه، والحط على أبي بكر وعمر (رض) والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة. .... فالشيعي الغالي في زمان السلف وعرفهم هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن حارب عليا (رض) وتعرض لسبهم. والغالي في زماننا وعرفنا هو الذي يكفر هؤلاء السادة ويتبرأ من الشيخين أيضا، فهذا ضال معثر، ولم يكن أبان بن تغلب يعرض للشيخين أصلا بل قد يعتقد عليا أفضل منهما". (ميزان الاعتدال ج1 ص5) وكلام الذهبي يفيد وجود تفاوت في المصطلحات بين عهد السلف وعهده في تلك المصطلحات، غير أن قوله أنهم في عهد السلف كانوا يطلقون تلك المصطلحات على المعاني التي طرحها غير تام، فهناك اضطراب في المعاني التي استخدمت فيها تلك المصطلحات في ذلك العهد، كما حصل اضطراب في المعاني بين عهد السلف وعهد الذهبي. فكلمات علماء الجرح والتعديل مضطربة في هذا المجال بحيث لايمكن الركون فيها إلى شيء، سواء في أصل مصطلح يتشيع أو غال في التشيع أو رافضي، أو في حكم الأخذ من هؤلاء، فالذهبي مثلا ينقل في ميزان الاعتدال ج1 ص27 أنه قد وقع الاختلاف في النقل عن الرافضة على ثلاثة أقوال: المنع مطلقا، الترخيص مطلقا إلا فيمن يكذب ويضع، والتفضيل بين الصدوق العارف بما يحدث فتقبل وبين الداعية إلى مذهبه فترد ولو كان صدوقا؟!! ولكن ملاحظة أقوال كثير من المعتنين بأمر الجرح والتعديل وملاحظة الأجواء الحاكمة آنذاك تفيد أنهم لم يكونوا يروون حتى عن غير الرافضة من المتهمين بالتشيع أو الغلو في التشيع، مما يعني أنه لم يكن هناك حكم واضح وثابت في تحديد معاني المصطلحات ولا في حكم الرواية عنهم. وأنا أستقرب أنها كانت كالمسبة والمنقصة التي ينبز بها الراوي أو الحافظ لخلق جو معين من أحاديثه. وسأكتفي ببعض الأمثلة فقط لإثبات ذلك وهي تصب في نفس الاتجاه الذي نتناوله أي تأثير عصر ما قبل تدوين الحديث في فترة التدوين: المثال الأول: قال الذهبي في ترجمة علي بن هاشم بن البريد الخزاز: "وثقه ابن معين وغيره، وقال أبو داود: ثبت يتشيع، وقال البخاري: كان هو وأبوه غاليين في مذهبهما، وقال ابن حبان: غال في التشيع روى المناكير عن المشاهير. قلت (والكلام للذهبي): ولغلوه ترك البخاري إخراج حديثه فإنه يتجنب الرافضة كثيرا". (ميزان الاعتدال ج3 ص160) نلاحظ أن هنا ثلاث مصطلحات لراو واحد، فأبو داود يقول أنه يتشيع، والبخاري وابن حبان يقولان أنه غال في التشيع، والذهبي يقول أن البخاري تركه لأنه رافضي!!! المثال الثاني: جاء في كتاب طبقات المحدثين بإصبهان لأبي محمد بن عبد
الله بن حيان المعروف بأبي الشيخ الأنصاري المتوفى سنة 369هـ ج2 ص282 في ترجمة إبراهيم بن عبد العزيز بن الضحاك المدائني: وحكي أنه قعد للحديث وأخرج الفضائل فأملى وأملى فضائل أبي بكر وعمر ثم قال لأصحاب الحديث بمن نبدأ بعثمان أو علي؟ فقالوا: أو تشك في هذا؟! هذا والله رافضي فتركوا حديثه. فهنا اتهم المحدث بأنه رافضي لأنه مجرد طرح سؤالا يفيد التشكيك في أفضلية عثمان على علي (ع)، فأين ذهبت مصطلحات الذهبي حول فهم السلف لها؟! وحول الرواية عن لديه تشيع؟! المثال الثالث: كتاب المجروحين لابن حبان المتوفى 354هـ ج3 ص94 الهامش 2: هارون بن سعد العجلي: صدوق في نفسه لكنه رافضي بغيض، روى عباس عن ابن معين قال: هارون بن سعد من الغالية في التشيع، وقال أبو حاتم: لا بأس به. نلاحظ هنا استخدام مصطلحين: الغالية في التشيع والرافضي. المثال الرابع: في كتاب الموضوعات لابن الجوزي ج1 ص341: بعد أن ذكر أن الرافضة وضعت أحاديث في فضل علي ومن جملتها رواية تقدم إسلامه، أورد سندين في هذا المعنى، ثم قال عن السند الثاني: "أما الثاني فقال ابن عدي: عباد ضعيف، غال في التشيع، قال العقيلي: هو ضعيف، يروي عن أنس نسخة عامتها مناكير، وعامة ما يروي في فضائل علي عليه السلام، فقال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث جدا، منكره، وقد روى هذا عن علي أنبأنا إسماعيل بن أحمد ..... عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله الأسدي، قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "أنا عبد الله وأخو رسوله، وأنا الصديق الأكبر، لا يقولها بعدي إلا كاذب، صليت قبل الناس سبع سنين". نلاحظ أن عبادا اتهم بأنه غال في التشيع لمجرد روايته حديثا يفيد تقدمه في الإسلام على غيره وأنه الصديق الأكبر، مع أنه لا ينطبق عليه لا المصطلح الذي كان في عهد السلف للغالي في التشيع ولا المصطلح الذي كان في عهد الذهبي. علما بأن الحديث رواه ابن ماجة في سننه ج1 ص44، وقال عنه محمد فؤاد عبد الباقي: "في الزوائد: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات".

 

* الرواية عن أعداء علي (ع) سؤال: وهل كانت كفة الميزان متساوية؟ يعني هل هناك أدلة على عدم الرواية عن خصوم وأعداء علي (ع)؟

الجواب: للأسف كلا، ففي الجهة الأخرى كانوا يقبلون من الرواة والحفاظ الذين كانوا ينتقصون عليا ويسبونه، وسأكتفي بذكر ثلاثة أمثلة اختصارا: المثال الأول: حريز بن عثمان الرحبي الحمصي. هذا الشخص وثقه كل من أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني وابن عدي وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم والعجلي مع اعتراف كل من أحمد بن حنبل والعجلي وابن عدي أنه كان يحمل على علي وينتقص منه وينال منه. (تهذيب الكمال ج4 ص235 – 236) وكذلك اعترف بأنه كان يحمل على علي كل من ترجم له كالذهبي في ميزان الاعتدال ج1 ص475، وابن حجر في تهذيب التهذيب ج1 ص466. أما كيف كان يحمل على علي، فقد قال أحمد بن سعيد الدارمي عن أحمد بن سليمان المروزي : سمعت إسماعيل بن عياش قال : عادلت حريز بن عثمان من مصر إلى مكة فجعل يسب علياً ويلعنه. ( تهذيب التهذيب ج1 ص466 ، تهذيب الكمال ج4 ص237) وقال ابن حبّان : كان يلعن علياً بالغداة سبعين مرة ، وبالعشي سبعين مرة ، فقيل له في ذلك فقال : هو القاطع رؤؤس آبائي وأجدادي!! (تهذيب التهذيب ج1 ص467، وهنا يتبين أحد مناشئ بغض أمير المؤمنين عليه السلام). قال يحيى بن المغيرة: ذكر جريراً أنّ حريزاً كان يشتم علياً على المنابر. (تهذيب الكمال ج4 ص237) . ومن العجيب بحق كيف استأمنوا هذا الناصبي على سنة النبي (ص) فأخرج له البخاري وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه وغيرهم وروى عنه الكثير من علماء وحفاظ أهل السّنة. المثال الثاني: أبو هشام المغيرة بن مقسم الضبي وثقه كل من ابن معين والنسائي وأبو حاتم والعجلي مع إقراره بأنه كان يحمل على أمير المؤمنين (ع). قال العجلي: وكان أعمى، وكان عثمانيا إلا أنه يحمل على علي (ع) بعض الحمل. (تهذيب الكمال ج18 ص321) ومصطلح عثماني تعني: المبغض لعلي، وكثير من الرواة وصفوا بهذا الوصف، ولا مجال لحصرهم. المثال الثالث: الحافظ إبراهيم بن يعقوب أبو إسحاق الجوزجاني. وثقه كل من النسائي والدارقطني، فلم يقتصر أمر التوثيق والأخذ على الرواة العاديين بل امتد ليشمل الحفاظ أيضا!!! يقول ابن حجر في مواضع مختلفة من كتابه تهذيب التهذيب عن الجوزجاني ما يلي: "والجوزجاني مشهور النصب والإنحراف". (تهذيب التهذيب ج10 ص14) وقال ابن عدي: كان شديد الميل إلى مذهب أهل دمشق في الميل على علي (ع). (تهذيب التهذيب ج1 ص159) وقال ابن حبان في الثقات: .... وكان صلبا في السنة حافظا للحديث إلا أنه ربما كان يتعدى طوره. (لاحظوا كيف يعتبر ابن عدي هذا الناصبي متشددا في السنة!!) وقال السلمي عن الدارقطني بعد أن ذكر توثيقه لكن فيه انحراف عن علي. اجتمع على بابه أصحاب الحديث فأخرجت جارية له فروجة لتذبحها فلم تجد من يذبحها، فقال: سبحان
الله، فروجة لايجد من يذبحها وعلي يذبح في ضحوة نيفا وعشرين ألف مسلم. قلت (والكلام لابن حجر): وكتابه في الضعفاء يوضح مقالته. (تهذيب التهذيب ج1 ص159) ومن يراجع تراجم كثير من الرواة تجدهم يعتمدون على قول الجوزجاني في الجرح والتعديل. فماذا يرتجي من توثيق الجوزجاني لمن يروي في فضائل علي (ع)؟ ولابد من وقفة هنا على قول الجوزجاني بأن الإمام علي (ع) ذبح في ضحوة نيفا وعشرين ألفا!! فقد روى أبو يعلى الموصلي بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله، فقال: لا، قال عمر: أنا يا رسول الله، قال: لا، ولكنه خاصف النعل، وكان أعطى عليا نعله يخصفها. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ج5 ص186: "رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح". (ورواه أيضا بسند صحيح آخر وبلفظ مقارب، فراجع مجمع الزوائد ج9 ص133) ومن ثم روى الطبراني بسنده عن ابن عباس أن عليا كان يقول في حياة رسول الله (ص): «إن الله عز وجل يقول:﴿  أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله تعالى، والله لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت، والله إني لأخوه ووليه وابن عمه ووارثه، فمن أحق به مني».
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ج9 ص134: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح". والنقطة المهمة هنا، أنه كيف كان التشديد على الراوي الذي ينال غير علي بن أبي طالب (ع) من الصحابة، فإذا نال راو من أبي بكر أو عمر وسم بالرفض ثم نعتوه بأشنع الصفات وتركوا روايته، ولكن عندما يصل الأمر إلى لعن علي (ع) وسبه والانتقاص منه تجدهم يروون عن ذلك الراوي، ولايعملون قواعدهم فيمن سب صحابيا على ساب أمير المؤمنين (ع)، ألا يدل ذلك على تغلغل الحقد الأموي وغير الأموي على أمير المؤمنين (ع)؟!

 

* قتل الحفاظ الذين يخالفون التوجه العام سؤال: ذكرتم أن بعض الحفاظ كالجوزجاني كان ممن يبغض عليا وينال منه، فهل تأثر الحفاظ الآخرون بهذا الجو؟
الجواب: الحالة السابقة تركت آثارا مهمة على واقع المحدثين، فالجو العام يريد أن يسمع أشياء ولايريد أن يسمع أخرى ولو كانت حقا، وأذكر هنا من باب الاستشهاد الحافظ أبا عبد الرحمن النسائي المتوفى سنة 303هـ ، حيث أنهم ذكروا في ترجمته أنه قتل بسبب تأثيرات ذلك الجو، أي في فترة تدوين الأحاديث. يقول أبو عبد
الله الحاكم النيسابوري: سمعت علي بن عمر (أي الدارقطني) يقول: كان أبو عبد الرحمن أفقه مشايخ مصر في عصره وأعرفهم بالصحيح والسقيم من الآثار وأعلمهم بالرجال، فلما بلغ هذا المبلغ حسدوه فخرج إلى الرملة (الموجودة في فلسطين) فسئل عن فضائل معاوية فأمسك عنه، فضربوه في الجامع، فقال: أخرجوني إلى مكة، فأخرجوه إلى مكة وهو عليل وتوفي بها مقتولا شهيدا. (تهذيب الكمال ج1 ص157) وكذلك نجد الأمر يتكرر في الحافظ محمد بن يوسف الكنجي الشافعي المقتول سنة 658هـ فقد قال أبو شامة المقدسي في الذيل على الروضتين ص208: "وفي 29 من رمضان قتل بالجامع الفخر محمد بن يوسف بن محمد الكنجي، وكان من أهل العلم بالفقه والحديث، ولكنه كان فيه كثرة كلام وميل إلى مذهب الرافضة". (كفاية الطالب ص14) ويشعر هذا الكلام أن مذهب الكنجي كان له دور في مقتله.

 

* تحريف الروايات المثبتة أحقية علي
سؤال: إذا لم يسلم المحدثون والرواة الذين يخالفون التوجه العام فهذا يعطي صورة قاتمة حول الوضع في فترة التدوين، فهل يمكن بعد هذا إثبات أحقية الإمام على بالخلافة؟
الجواب: نعم لأن
الله يأبى إلا أن ينم نوره، مع أنه مضافا إلى ما فات حتى الكتب لم تسلم من التحريف. يروي الطبري في تفسيره ج9 ص483 ح26806 بسنده عن عبد الله بن عباس، عن علي بن أبي طالب قال: «لما نزلت هذه الآية على رسول الله (ص) ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين دعاني رسول الله فقال لي: يا علي، إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، قال: فضقت بذلك ذرعا، وعرفت أني متى ما أنادهم بهذا الأمر أر منهم ما أكره، فصمت حتى جاء جبرائيل فقال: يا محمد، إنك إلا تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك، فاصنع لنا صاعا من طعام، واجعل عليه رجل شاة، واملأ لنا عسا (القدح والإناء الكبير) من لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغهم ما أمرت به، ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم له، وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه ، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب، فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم فجئت به. فلما وضعته تناول رسول الله حذية ( قسما) من اللحم فشقها بأسنانه، ثم ألقاها في نواحي الصحفة (قصعة كبيرة منبسطة تشبع الخمسة، أي الصينية في زماننا) قال: خذوا باسم الله، فأكل القوم حتى ما لهم بشيء حاجة، وما أرى إلا مواضع أيديهم، وأيم الله الذي نفس علي بيده إن كان الرجل الواحد ليأكل ما قدمت لجميعهم، ثم قال: اسق الناس، فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا منه جميعا، ثم تكلم رسول الله (ص) فقال: يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي وكذا وكذا؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعا، وقلت: وإني لأحدثهم سنا، وأرمصهم عينا (أي أكثرهم إصابة بالرمص وهو وسخ أبيض في مجرى الدمع من العينين)، وأعظمهم بطنا، وأخمشهم ساقا: أنا يا نبي الله أكون وزيرك، فأخذ برقيتي، ثم قال: إن هذا أخي وكذا وكذا، فاسمعــوا له وأطيعوا، قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع».
وفي هذه الرواية لايعرف المقصود بالضبط من كلمة: كذا وكذا وإن كان يظهر من قول أمير المؤمنين (ع): أنا يا نبي
الله أكون وزيرك وأمر النبي (ص) بني عبد المطلب بالسمع والطاعة أن الأمر مهم جدا ومرتبط بالاستخلاف والوزارة التي تجعل عليا (ع) كالنبي (ص) في وجوب السمع والطاعة. ولكن الطبري يروي نفس الرواية وبنفس السند عن ابن عباس أيضا عن أمير المؤمنين (ع) في تاريخ الطبري ج1 ص 542 ويحدد المقصود من كذا وكذا التي حرفت في تفسيره، فقد روى المقطع الأخير من الرواية هكذا: «يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعا، وقلت: أنا يا نبي الله أكون وزيرك، فأخذ برقيتي، ثم قال: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي، فاسمعوا له وأطيعوا.»فمن قام بهذا التحريف في تفسير الطبري؟ هل هو الطبري نفسه؟ أم من جاء ونسخ هذا الحديث؟ لانعلم بالضبط ولكن ما نعلمه أن هناك استعدادا للتحريف فيما يرتبط بأدلة وإثباتات خلافة أمير المؤمنين (ع) وأن هذا الاستعداد ترجم إلى واقع عملي.

 

* سؤال: هل تعتقد أن هذا التحريف كان لمجرد اعتقاد الطرف الآخر بأن الحديث ضعيف وباطل من ثم قام بهذا العمل؟
الجواب: أولا التزوير صفة مذمومة حتى لو كانت في أمر باطل في نظر الآخر، وثانيا: لو كان الحديث ضعيفا في رأيه أو غير دال على مسألة الخلافة فلم الخوف والتحريف؟! ولكنني أعتقد أن المسألة نابعة من التعصب الذي كان منتشرا وبلغ إلى حد أن الشخص يقر بأن هذا حديث رسول
الله وحكمه ولكن حيث أن الشيعة تقوم به فيجب تركه!!

 

* سؤال: وهل يعقل أن يقر مسلم أن هذا حكم رسول الله (ص) ثم يخالفه؟
الجواب: نعم هذا هو الحاصل والواقع، وسأتطرق لشواهد معدودة: الشاهد الأول: مسألة تسطيح القبر أو تسنيمه. ذهبت الشيعة إلى استحباب التسطيح وكذلك اعترف أهل السنة، يقول محيي الدين النووي المتوفى سنة 676 هـ في كتابه المجموع في شرح المهذب ج5 ص297 عند بحثه في أن الأفضل تسطيح القبر أم تسنيمه: "فيه وجهان: ":الصحيح: التسطيح أفضل وهو نص الشافعي في الأم ومختصر المزني، وبه قطع جمهور أصحابنا المتقدمين وجماعات من المتأخرين، منهم الماوردي والفوراني والبغوي وخلائق، وصححه جمهور الباقين، كما صححه المصنف، وصرحوا يتضعيف التسنيم كما صرح به المصنف. والثاني: التسنيم، حكاه المصنف عن أبي علي الطبري، والمشهور في كتب أصحابنا العراقيين والخراسانيين أنه قول علي بن أبي هريرة، وممن حكاه عنه أبو الطيب وابن الصباغ والشاشي وخلائق من الأصحاب، وممن رجح التسنيم من الخراسانيين الشيخ أبو محمد الجويني والغزالي والروياني والسرخسي، وادعى القاضي حسين اتفاق الأصحاب وليس كما قال، بل أكثر الأصحاب على تفضيل التسطيح وهو نص الشافعي كما سبق، وهو مذهب مالك وداود، وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد رحمهم
الله: التسنيم أفضل، .... ورد الجمهور على دعوى ابن أبي هريرة في دعواه أن التسنيم أفضل لكون التسطيح شعار الرافضة فلا يضر موافقة الرافضي لنا في ذلك، ولو كانت موافقتهم لنا سببا لترك ما وافقوا فيه لتركنا واجبات وسننا كثيرة". ويقول أبو القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي المتوفى سنة 623هـ في فتح العزيز في شرح الوجيز ج5 ص231: "وقال ابن أبي هريرة: إن الأفضل الآن العدول من التسطيح إلى التسنيم لأن التسطيح صار شعارا للروافض فالأولى مخالفتهم وصيانة الميت وأهله عن الإتهام بالبدعة، ومثله ما حكي عنه أن الجهر بالتسمية إذا صار في موضع شعارا لهم فالمستحب الإسرار بها مخالفة لهم". الشاهد الثاني: التختم باليمين أو اليسار. يقول الشيخ محمد الشربيني في مغني المحتاج ج1 ص392: "بل لبسه سنة، سواء كان في اليمين أو اليسار، لكن اليمين أفضل على الصحيح في باب اللباس من الروضة، وقيل اليسار أفضل لأن اليمين صار شعارا للروافض". الشاهد الثالث: الإفراد في الصلاة على الأشخاص قال الزمخشري تفسيره الكشاف ج3 ص246: "القياس جواز الصلاة على كل مؤمن لقوله تعالى: ﴿ هو الذي يصلي عليكم وقوله تعالى:« وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم» ، وقوله (ص): «اللهم صل على آل أبي أوفى».
ولكن للعلماء تفصيلا في ذلك، وهو أنها إن كانت على سبيل التبع كقولك صلى
الله على النبي وآله فلا كلام، وأما إذا أفرد غيره من أهل البيت بالصلاة كما يفرد هو فمكروه، لأن ذلك صار شعارا لذكر رسول الله ولأنه يؤدي إلى الاتهام بالرفض". وكذلك جاء البحث في السلام بالإفراد على غير الأنبياء، يقول ابن حجر في فتح الباري: "فقيل يشرع مطلقا، وقيل: بل تبعا ولايفرد لواحد لكونه صار شعارا للرافضة". ويبرر ابن تيمية هذه المخالفات ويعطيها فلسفته في كتابه منهاج السنة النبوية ج4 ص154 ويقول: "فإنه إذا كان في فعل مستحب مفسدة راجحة لم يصر مستحبا، ومن هنا ذهب من ذهب من الفقهاء إلى ترك بعض المستحبات إذا صارت شعارا لهم، فلا يتميز السني من الرافضي، ومصلحة التميز عنهم لأجل هجرانهم ومخالفتهم أعظم من مصلحة هذا المستحب".