الحلقة الرابعة

إثبات حديث الغدير من ناحية السند

 

* سؤال: قبل أن نتعرض لسند حديث الغدير نحب أن نتعرف على الاهتمام بحديث الغدير، وهل كان ذلك مختصا بالشيعة أم اهتم به غير الشيعة أيضا؟
الجواب: لأهمية هذا الحديث وانتشاره الكبير اهتم به كلا الطرفين السنة والشيعة، يقول الحافظ ابن كثير الدمشقي في الفصل الذي عقده لحديث الغدير في البداية والنهاية ج5 ص208: "وقد اعتنى بأمر هذا الحديث أبو جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ، فجمع فيه مجلدين أورد فيهما طرقه وألفاظه، ......... وكذلك الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر أورد أحاديث كثيرة في هذه الخطبة". ويقول الحافظ الذهبي المتوفى سنة 748هـ: "ولما بلغه أي الطبري إن أبا داود تكلم في حديث غدير خم عمل كتاب الفضائل وتكلم في تصحيح الحديث. قلت (والكلام للذهبي): رأيت مجلدا من طرق الحديث لابن جرير فاندهشت له ولكثرة تلك الطرق". (طبقات الحفاظ ج2 ص713) وكذلك ألف الذهبي رسالة في طرق حديث من كنت مولاه. (بتحقيق السيد عبد العزيز الطباطبائي، وقد صرح بتأليفه هذا الكتاب في تذكرة الحفاظ ج3 ص1042) وأما من طرق الشيعة، فقد قال ابن حجر: وصححه واعتنى بجمع طرقه أبو العباس ابن عقدة (وهو من الشيعة الزيدية وموضع وثاقة كل من السنة والشيعة)، فأخرجه من حديث سبعين صحابيا أو أكثر. (تهذيب التهذيب ج7 ص296 في ترجمة أمير المؤمنين) وكذلك ألف فيه من علماء الشيعة الإمامية الحسين بن عبد
الله المعروف بابن الغضائري (رجال النجاشي ص69) ، ومحمد بن عمر التميمي الجعابي. (رجال النجاشي ص395) ومن المتأخرين كتب العلامة الأميني هذا الرجل العظيم رضوان الله عليه موسوعته العملاقة الغدير التي تعرض فيها لكل ما يرتبط بالغدير من جهة السند والمتن والكتب المؤلفة والشعراء وبحوث كثيرة قيمة.

 

* سؤال: وكيف كان اهتمام الإمام علي (ع) به؟
الجواب: بعد مضي أكثر من 25 سنة من اغتصاب حق أمير المؤمنين (ع) يقف أمير المؤمنين ليؤكد على أحقيته في الرحبة، مناشدا أصحاب النبي (ص) الشهادة. والرحبة قرية بحذاء القادسية على مرحلة من الكوفة على يسار الحجاج إذا أرادوا مكة (البداية والنهاية ج5 ص229 الهامش)، ولكن الذي يظهر من جو الحديث أن المقصود بالرحبة (بفتح الراء وتقرأ غلطا بضمها) بمعناها اللغوي أي ما اتسع من الأرض (لسان العرب ج5 ص165) أي الفناء والساحة، ولعل المقصود ساحة المسجد (كما احتمله ابن كثير في البداية والنهاية ج5 ص211 ط مكتبة المعارف – بيروت الطبعة السادسة 1988م – 1409هـ) أو ساحة كانت معروفة بالكوفة. لم تنسه تلك السنوات الطوال تلك الواقعة العظيمة، ولم يتبين لي على نحو التحديد ما الذي هيج أمير المؤمنين (ع) بحيث ناشد أصحاب النبي (ص) وأقسم عليهم ب
الله عز وجل، هل أن بعضهم أخذ يطرح التشكيك أو أن بعضهم رأى لنفسه حق مخالفة الإمام علي (ع) أثناء توليه الخلافة، أو هيجه أن البعض من أصحاب النبي (ص) قد سلم عليه مخاطبا إياه مولانا، مع ما فيها من دلالة الطاعة والسمع والتبعية فأراد أن يثبت أن هذا الحق كان ثابتا له منذ حياة رسول الله (ص) ولكن المنقلبين على أوامر رسول الله (ص) لم يسمحوا له بتنفيذ هذا الحق. فقد روى أحمد عن رياح بن الحارث قال: «جاء رهط إلى علي بالرحبة، قالوا: السلام عليك يا مولانا، فقال: كيف: أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟! قالوا: سمعنا رسول الله (ص) يوم غدير خم يقول: من كنت مولاه فهذا مولاه، قال رياح: فلما مضوا تبعتهم، فقلت: من هؤلاء؟ قالوا: نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري.»
قال الهيثمي: "رواه أحمد والطبراني، .... ورجال أحمد ثقاة". (مجمع الزوائد للهيثمي ج9 ص104)

 

* سؤال: السؤال الأهم ما قيمة الحديث من ناحية السند؟
الجواب: حديث الغدير يثبت سندا بشكل قطعي من جهتين: الأولى: التواتر. قال الذهبي في رسالته طرق حديث من كنت مولاه ص11: "حديث من كنت مولاه فعلي مولاه مما تواتر وأفاد القطع بأن الرسول (ص) قاله، رواه الجم الغفير والعدد الكثير من طرق صحيحة، وحسنة وضعيفة ومطرحة وأنا أسوقها". وأكد رأيه هذا الحافظ ابن كثير حيث نقل عنه قوله: "وصدر الحديث (أي عبارة من كنت مولاه فعلي مولاه) متواتر التيقن أن رسول
الله قاله". (البداية والنهاية ج5 ص209) وممن صرح بتواتره أيضا كل من: المناوي في فيض القدير ج6 ص218، ومن المعاصرين الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ج4 ص343. الجهة الثانية: كثرة الأحاديث الصحيحة وقد خصص الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي بابا خاصا في كتابه مجمع الزوائد ج9 ص103 ضمن الأبواب التي عقدها لمناقب علي بن أبي طالب بعنوان: "باب قوله (ص) من كنت مولاه فعلي مولاه". روى فيه الأحاديث المنقولة فقط في زوائد مسند أحمد بن حنبل ومسند أبي يعلى الموصلي وأبي بكر البزار ومعاجم الطبراني الثلاثة الكبير والأوسط والصغير، أي عن ستة كتب فقط، فبلغ عدد الروايات التي نقلها مع اختلاف في ألفاظها زيادة ونقصانا 30 حديثا، عدد الأحاديث التي اعترف بصحتها أو حسنها 15 حديثا، وعدد الأحاديث التي اختلف في صحتها 6 أحاديث، و9 منها ضعيفة. هذا فقط في ستة كتب. وكذلك خصص ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق مقطعا خاصا بطرق حديث الغدير أوصلها إلى ثلاثين صحابيا تقريبا، وقد وصفها الذهبي بقوله: "يصدق بعضها بعضا". (تاريخ الإسلام ، عهد الخلفاء ص632، وراجع كتاب طرق حديث الغدير برواية ابن عساكر لأمير التقدمي المعصومي) ولو تتبعنا أسماء الصحابة الذين صح سماعهم لحديث من كنت مولاه إليهم وبسند صحيح إليهم أو اعترفوا بصدوره من النبي (ص) وفقا لمقاييس محدثي أهل السنة وعلمائهم المختصين بالرجال في الجرح والتعديل فهم الآتي (طبعا ضمن استقرائي القاصر والسريع): علي بن أبي طالب، سعد بن أبي وقاص، وعمران بن حصين، وأبو أيوب الأنصاري، وزيد بن أرقم، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، ومالك بن الحويرث، وحبشي بن جنادة، وعبدالله بن عباس، وعمير بن سعد، وبريدة بن الحصيب، وأنس بن مالك، والبراء بن عازب، وجابر بن عبد الله وثلاثون صحابيا من أصحاب النبي (ص) شهدوا لعلي (ع) بالرحبة من دون تحديد لأسمائهم منهم اثنا عشر بدريا. (راجع مجمع الزوائد للهيثمي ج9 ص103- 108، سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ج4 ص330، والبداية والنهاية ج5 ص213) ومن أمثلة تلك الأحاديث: الحديث الأول: روى أحمد عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «سمعت علي بن أبي طالب ينشد الناس فقال: أنشد الله رجلا مسلما سمع رسول الله (ص) يقول يوم غدير خم ما قال لما قام، فقام اثنا عشر بدريا فشهدوا».
قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله ثقاة. (مجمع الزوائد ج9 ص106) الحديث الثاني: وروى أبو يعلى الموصلي بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال:
«شهدت عليا في الرحبة يناشد الناس: أنشد الله من سمع رسول الله (ص) يقول في يوم غدير خم: من كنت مولاه فعلي مولاه لما قام فشهد. قال عبد الرحمن: فقام اثنا عشر بدريا كأني أنظر إلى أحدهم عليه سراويل، فقالوا: نشهد إنا سمعنا رسول الله (ص) يقول يوم غدير خم: ألست أولى بالمؤمنين وأزواجي أمهاتهم، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.»قال الهيثمي: رواه أبو يعلي ورجاله وثقوا. (مجمع الزوائد ج9 ص105) الحديث الثالث: وروى أحمد بسنده عن أبي الطفيل قال: جمع علي (ع) الناس في الرحبة ثم قال لهم: «أنشد بالله كل امرئ مسلم سمع رسول الله (ص) يقول يوم غدير خم ما قال لما قام، فقام إليه ثلاثون من الناس، قال أبو نعيم: فقام ناس كثير فشهدوا حين أخذ بيده فقال: أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم، قالوا: بلى يا رسول الله، قال (ص): من كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، قال: فخرجت كأن في نفسي شيئا، فلقيت زيد بن أرقم فقلت له: أني سمعت عليا يقول كذا وكذا، قال: فما تنكر، قد سمعت رسول الله (ص) يقول ذلك.»
قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة. (مجمع الزوائد ج9 ص104، وأقره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ج4 ص331) وقال الألباني: وإسناده صحيح على شرط البخاري. (سلسلة الأحاديث الصحيحة ج4 ص33) الحديث الرابع: روى الحاكم بسنده عن زيد بن أرقم قال:
«خرجنا مع رسول الله (ص) حتى انتهينا إلى غدير خم فأمر بدوح فكسح في يوم ما أتى علينا يوم كان أشد حرا منه، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: يا أيها الناس أنه لم يبعث نبي قط إلا عاش نصف ما عاش الذي قبله، وإني أوشك أن أدعى فأجيب، وإني تارك فيكم ما لن تضلوا بعده، كتاب الله عز وجل، ثم قام فأخذ بيد علي رضي الله عنه فقال: يا أيها الناس من أولى بكم من أنفسكم، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى، قال: من كنت مولاه فعلي مولاه.»
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. قال الذهبي في التلخيص: صحيح. المستدرك ج3 ص613 ط دار الكتب العلمية بتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا. الحديث الخامس: روى الحاكم بسنده عن عمرو بن ميمون قال: إني لجالس عند ابن عباس إذ أتاه تسعة رهط (وكلمة رهط في اللغة تعني العدد الذي يكون من الثلاثة إلى العشرة وليس فيهم امرأة، ولكن إذا أضيف إلى الرهط عدد كما هنا حيث قال تسعة رهط فالمراد به الشخص، أي تسعة أشخاص) فقالوا: يا بن عباس إما أن تقوم معنا وإما أن تخلو بنا من بين هؤلاء، قال: فقال ابن عباس: بل أنا أقوم معكم، قال: وهو يومئذ صحيح قبل أن يعمى، قال: فابتدؤوا فتحدثوا فلا ندري ما قالوا، قال: فجاء ينفض ثوبه ويقول: أف وتف، وقعوا في رجل له بضع عشرة فضائل ليست لأحد غيره، وقعوا في رجل قال له النبي (ص): لأبعثن رجلا لايخزيه
الله أبدا، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فاستشرف لها مستشرف، فقال: أين علي؟ فقالوا: إنه في الرحى يطحن! قال ابن عباس: وما كان أحدهم ليطحن، قال: فجاء وهو أرمد لايكاد أن يبصر، قال فنفث في عينيه، ثم هز الراية ثلاثة فأعطاه إياه فجاء علي بصفية بنت حيي (التي أسرت يوم خيبر وكانت تحت رجل يهودي قتل في خيبر فاصطفاها النبي (ص) لنفسه ثم أعتقها ثم تزوجها)، قال ابن عباس: ثم بعث رسول الله فلانا بسورة التوبة فبعث الله عليا خلفه فأخذها منه، وقال: لايذهب بها إلا رجل هو مني وأنا منه. (طبعا المقصود من فلانا هو أبو بكر، والدليل على ذلك أن الحافظ النسائي روى نفس هذا الحديث في السنن الكبرى ج5 ص113 بسنده الصحيح وباعتراف محققا الكتاب عبد الغفار سليمان البنداري وسيد كسروي حسن وجاء فيه: وبعث أبا بكر بسورة التوبة وبعث عليا خلفه فأخذها منه، فقال: لايذهب بها إلا رجل هو مني وأنا منه، ومسألة تحريف اسم الرواة إلى كلمة فلان كثير في كتب الصحاح والمسانيد، وكان بغرض إخفاء منقبة بعض صحابة النبي (ص) وفي الغالب لإخفاء ما يدل على مؤاخذة ومنقصة بعض الصحابة، وهنا هذا الحديث يدل على أن السبب في الإرجاع أنه لايوجد في أصحاب النبي (ص) من ينطبق عليه عنوان «هو مني وأنا منه» سوى علي (ع) وأن أبابكر لاينطبق عليه هذا العنوان) فقال ابن عباس: وقال له النبي (ص) لبني عمه: أيكم يواليني في الدنيا والآخرة، قال: وعلي جالس معهم، فقال رسول الله (ص) وأقبل على رجل منهم فقال: أيكم يواليني في الدنيا والآخرة، فأبوا، فقال لعلي (ع): أنت وليي في الدنيا والآخر. ........ سأقتصر على سرد الفضائل التي لها مساس مباشر بالإمامة من حديث ابن عباس. قال ابن عباس: «وخرج رسول الله في غزوة تبوك وخرج بالناس معه، قال: فقال له علي: أخرج معك، فقال النبي (ص): لا، فبكى علي، فقال له: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس بعدي نبي، إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي، قال ابن عباس: وقال له رسول الله (ص): أنت ولي كل مؤمن بعدي ومؤمنة....»
قال ابن عباس:
«وقال رسول الله (ص): من كنت مولاه فإن مولاه علي... »
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الذهبي في التلخيص: صحيح. (المستدرك ج3 ص143 ح4652/250 بتحقيق مصطفى عبد القادر عطا) الحديث السادس: روي ابن ماجة في سننه عن سعد بن أبي وقاص قال:
«قدم معاوية في بعض حجاته، فدخل عليه سعد، فذكروا عليا، فنال منه (قال الألباني: أي نال معاوية من علي )، فغضب سعد وقال: تقول هذا لرجل سمعت رسول الله يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه.» (صحيح سنن ابن ماجة بتصحيح الألباني ج1 ص58 ح98)

 

* سؤال: فيما يرتبط بسبب الصدور، يوجد في بعض الروايات إشارة إلى أن النبي (ص) قال: «من كنت مولاه فعلي مولاه» في مسألة سرية الإمام علي (ع) إلى اليمن، فهل مناسبة الغدير التي قيلت فيها عبارة "من كنت مولاه فعلي مولاه" متحدة مع حادثة سرية اليمن أم أنها مناسبة أخرى، بلحاظ جو الحديث من حيث الزمان والمكان والأجواء العامة؟

الجواب: هما مناسبتان مختلفتان تماما من جميع النواحي باستثناء عبارة: "من كنت مولاه فعلي مولاه" وهذا ما يعزز رأي أتباع أهل البيت (ع) أن النص على خلافة أمير المؤمنين (ع) بعد رسول
الله (ص) صدر في أكثر من مناسبة بدءا بحديث الدار في بداية الدعوة عند نزول قوله تعالى: ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين وانتهاء بحديث الغدير مرورا بحديث الثقلين والمنزلة وسرية اليمن وغيرها، غير أن حديث الغدير تميز في كونه الإعلان العام من قبل النبي (ص) في النص، إذ لا تجد نصا بمستوى صراحته من جهة وكثرة الحضور من جهة أخرى كما كان في حديث الغدير. وهناك جهات اختلاف متعددة في المناسبتين، فحديث الغدير كان في الثامن عشر من ذي الحجة في الطريق ما بين مكة والمدينة وبعد انصراف النبي (ص) وأصحابه من حجة الوداع وبملأ عام منهم، بينما حديث سرية اليمن وقول النبي (ص): «من كنت وليه فعلي وليه» كان بحضور عدد قليل من أصحاب النبي (ص) ممن رجعوا من اليمن نحو المدينة، فإن الإمام علي (ع) عندما علم بتوجه النبي نحو مكة التحق به واعتمر ولحق برسول الله (ص) بعد الانتهاء من العمرة وقبل الشروع في أعمال الحج. يذكر الذهبي في كتابه تاريخ الإسلام في كتاب المغازي ص690: «بعث خالد ثم علي إلى اليمن: وقال إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق السبيعي، عن أبيه، عن جده، عن البراء: أن النبي (ص) بعث خالد بن الوليد إلى اليمن يدعوهم إلى الإسلام، قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، ثم إن النبي (ص) بعث عليا رضي الله عنه، فأمره أن يقفل خالد (أي يرجع) إلا رجل كان يمم مع خالد (أي ذهب معه) أحب أن يعقب (أي يبقى) مع علي فليعقب معه، فكنت فيمن عقب مع علي، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا فصلى بنا علي ثم صفنا صفا واحدا، ثم تقدم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله (ص) فأسلمت همدان جميعا، فكتب علي إلى رسول الله (ص)، فلما قرأ الكتاب خر ساجدا ثم رفع رأسه فقال: السلام على همدان، السلام على همدان.»وعلق الذهبي على سند هذا الحديث بالقول: هذا حديث صحيح، أخرج البخاري بعضه بهذا الإسناد. وقال محمد بن علي وعطاء أن عليا قدم من اليمن على رسول الله (ص) في حجة الوداع. وأعقبه الذهبي قائلا: متفق على صحته من حديث عطاء". (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام للحافظ شمس الدين محمـد بن أحمد بن عثمان الذهبـي المتوفى سنة 748هـ - تحقيـق: عمر عبد السلام تدمري – دار الكتــاب العربي – الطبعة الثالثة 1998م – 1419هـ) ومن هذين الحديثين الذين اعترف الذهبي بصحتهما يفهم بوضوح أن هناك سرية رجعت إلى النبي (ص) بالمدينة وهي التي اشتكت على أمير المؤمنين (ع)، أما الإمام علي (ع) فقد التقى بالنبي (ص) في مكة في حجة الوداع، وهذا يؤكد أن ما قاله النبي (ص) في حق علي (ع) في سرية اليمن كان في المدينة وبتفاوت زمني طويل عن حادثة الغدير مما يجعلهما قضيتين منفصلتين. غير أننا نقول: لو سلمنا جدلا أن أحاديث سرية اليمن متحدة في الوقت والمناسبة مع حديث الغدير، فإن مضمون قضية سرية اليمن حيث اعترض بعض من كان فيها على تصرف الإمام علي (ع) عند النبي (ص) وقوله (ص) جوابا على اعتراضهم: «من كنت وليه فعلي وليه» يدلل على أن المقصود في حادثة الغدير في قوله (ص): «من كنت مولاه فعلي مولاه» هو نفس المعنى أي إثبات الأولوية بالتصرف، فهي في نفع الاستدلال لا فيما يضره كما حاول ابن كثير الإيهام إليه في البداية والنهاية عند تعرضه لحديث الغدير. ومن الروايات الصحيحة في سرية اليمن والدالة على أن اعتراضهم توجه نحو تصرف الإمام علي (ع) ما يلي: الحديث الأول: روى البزار عن بريدة بن الحصيب قال:
«بعثنا رسول الله في سرية فاستعمل علينا عليا، فلما جئنا قال: كيف رأيتم صاحبكم؟ فإما شكوته وإما شكاه غيري، قال: فرفع رأسه وكنت رجلا مكبابا (أي كثير النظر إلى الأرض) فإذا النبي (ص) قد احمر وجهه يقول: من كنت وليه فعلي وليه، فقلت: لا أسوءك فيه أبدا.»قال الهيثمي: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح. (مجمع الزوائد ج9 ص108) الحديث الثاني: جاء في سنن الترمذي (صحيح سنن الترمذي بتصحيح الألباني ج3 ص521 ح3712) عن عمران بن حصين، قال: «بعث رسول الله (ص) جيشا، واستعمل عليهم علي بن أبي طالب، فمضى في السرية، فأصاب جارية فأنكروا عليه، وتعاقد أربعة من أصحاب رسول الله (ص) فقالوا: إذا لقينا رسول الله (ص) أخبرناه بما صنع علي، وكان المسلمون إذا رجعوا من السفر بدأوا برسول الله فسلموا عليه، ثم انصرفوا إلى رحالهم، فلما قدمت السرية سلموا على النبي (ص) فقام أحد الأربعة فقال: يا رسول الله! ألم تر إلى علي بن أبي طالب صنع كذا وكذا؟ فأعرض عنه رسول الله (ص)، ثم قام الثاني، فقال مثل مقالته، فأعرض عنه، ثم قام الثالث، فقال مثل مقالته، فأعرض عنه، ثم قام الرابع فقال مثل ما قالوا، فأقبل رسول الله والغضب يعرف في وجهه، فقال: ما تريدون من علي؟! ما تريدون من علي؟! إن عليا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي.»
وأيضا رواه النسائي في السنن الكبرى ج5 ص132 ح8474 بسند صحيح. الحديث الثالث: روى أحمد في مسنده ج5 ص358 والنسائي في سننه ج5 ص130 (واللفظ لأحمد) عن ابن بريدة عن أبيه، أنه مر على مجلس وهم يتناولون من علي، فوقف عليهم، فقال:
«إنه قد كان في نفسي على علي شيء، وكان خالد بن الوليد كذلك، فبعثني رسول الله (ص) في سرية عليها علي، وأصبنا سبيا، قال: فأخذ علي جارية من الخمس لنفسه، فقال خالد بن الوليد: دونك، قال: فلما قدمنا على النبي (ص) جعلت أحدثه بما كان، ثم قلت: إن عليا أخذ جارية من الخمس، قال: وكنت رجلا مكبابا، قال: فرفعت رأسي فإذا وجه رسول الله (ص) قد تغير، فقال: من كنت وليه فعلي وليه».
قال الألباني: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين أو مسلم، فإن ابن بريدة إن كان عبد
الله فهو من رجالهما، وإن كان سليمان فهو من رجال مسلم وحده. (سلسلة الأحاديث الصحيحة ج4 ص337)

 

* سؤال: البعض يقر بصدر الرواية، ولكنه ينكر العجز، فما قال العلماء في عجز الرواية: «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» وقوله (ص): «وانصر من نصره واخذل من خذله».
الجواب: سأكتفي في الجواب بما قاله الألباني بعد أن أورد طرقا لبعض الصحابة الذين رووا حديث الغدير: "وللحديث طرق أخرى، جمع طائفة كثيرة منها الهيثمي في "المجمع" (9/103-108) وقد ذكرت وخرجت ما تيسر لي منها مما يقطع الواقف عليها بعد تحقيق الكلام على أسانيدها بصحة الحديث يقينا، وإلا فهي كثيرة جدا، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، قال الحافظ ابن حجر: منها صحاح ومنها حسان. وجملة القول أن حديث الترجمة حديث صحيح بشطريه، بل الأول منه أي:
«من كنت مولاه فعلي مولاه» متواتر عنه (ص) كما يظهر لمن تتبع أسانيده وطرقه، وما ذكرت منها كفاية. ... إذا عرفت هذا فقد كان الدافع لتحرير الكلام على الحديث وبيان صحته أنني رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية قد ضعف الشطر الأول من الحديث وأما الشطرالآخر فزعم أنه كذب! (مجموع الفتاوى ج4 ص417 – 418) وهذا من مبالغاته الناتجة في تقديري من تسرعه في تضعيف الأحاديث قبل أن يجمع طرقها ويدقق النظر فيها والله المستعان". (سلسلة الأحاديث الصحيحة ج4 ص343) نلاحظ هنا أن الألباني أقر أن سند حديث الغدير بشطريه مما يقطع الواقف عليه بصدوره عن النبي (ص)، وذكر طريقين في إثبات هذا القطع قد أشرنا إليهما عند التطرق للزوم إثبات الأصل العقائدي بالطريق القطعي: الأول: التواتر حيث اعترف بأن المقطع الأول منه: «من كنت مولاه فعلي مولاه» متواتر، والثاني: كثرة الأحاديث الصحيحة وإن لم تبلغ التواتر، وهذا فيما يرتبط بالمقطع الثاني: «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه »
وأود هنا التعقيب على كلام الألباني ففي تقديرنا أن تضعيف ابن تيمية للمقطع المتواتر أي قول النبي (ص):
«من كنت مولاه فعلي مولاه» وزعمه وضع واختلاق وكذب قول النبي (ص): «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» ليس منشؤه تسرع ابن تيمية في التضعيف، بل لأنه شخص متحامل وبشدة على أمير المؤمنين (ع) وفضائله، وسأكتفي بذكر شاهد واحد: قال ابن تيمية في مقام رده على العلامة الحلي الذي قال أن سورة الإنسان وقوله تعالى ﴿ ويطعمون الطعام على حيه مسكينا ويتيما وأسيرا نزلت في الإمام علي وفاطمة والحسنين قال: "وسورة هل أتى مكية باتفاق أهل التفسير والنقل، ولم يقل أحد منهم أنها مدنية". (منهاج السنة النبوية ج7 ص179) إن دعوى الاتفاق المزعومة ما هي إلا كذب وافتراء على أهل السنة، فقد قال القرطبي المتوفى سنة 671 هـ ( أي أنه عاش قبل ابن تيمية المولود سنة 661هـ ) في تفسيره "الجامع لأحكام القرآن" ج19 ص77: "مكية في قول ابن عباس ومقاتل والكلبي، وقال الجمهور: مدنية". فابن تيمية يزعم الاتفاق على مكيتها بين أهل النقل والتفسير، والقرطبي يقول أن غالبية أهل السنة يرون مدنيتها، كل ذلك حتى ينفي نزولها في الإمام علي (ع).

 

* سؤال: وماذا عن عبارة « اللهم انصر من نصره واخذل من خذله »، يبدو أن الألباني لا يقبلها؟
الجواب: صحيح، ولكن هناك ثلاثة أحاديث صحيحة باعتراف غير الألباني من محدثي أهل السنة تثبت ذلك. الحديث الأول: روى الهيثمي عن الطبراني بسنده عن حبشي بن جنادة قال:
«سمعت رسول الله (ص) يقول يوم غدير خم: اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره وأعن من أعانه.»
قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله وثقوا. (مجمع الزوائد ج9 ص106) الحديث الثاني: وروى الهيثمي أيضا عن البزار بسنده عن عمرو بن ذي مر وسعيد بن وهب وعن زيد بن يثيع قالوا:
«سمعنا عليا يقول: نشدت الله رجلا سمع رسول الله (ص) يقول يوم غدير خم لما قام، فقام ثلاثة عشر رجلا فشهدوا أن رسول الله قال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فأخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه وانصر من نصره واخذل من خذله.»
قال الهيثمي: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة. (مجمع الزوائد ج9 ص104-105) الحديث الثالث: روى النسائي في السنن الكبرى ج5 ص136 ح8483 بسنده عن أبي إسحاق عن سعيد بن وهب قال:
«قال علي في الرحبة: أنشد الله من سمع رسول الله يوم غدير خم يقول: إن الله وليي وأنا ولي المؤمنين، ومن كنت وليه فهذا وليه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره.»
وقد قال ابن كثير الدمشقي: وكذلك رواه شعبة عن أبي إسحاق، وهذا إسناد جيد. (البداية والنهاية ج5 ص230)