الحلقة الخامسة

دلالة حديث الغدير على أحقية أمير المؤمنين بالخلافة

 

* سؤال: يبدو أن مرحلة سند الحديث سهلة الإثبات، فحديث الغدير متواتر كما اعترف بذلك الذهبي والألباني على سبيل المثال، والروايات الصحيحة فيه كثيرة، ولكن ماذا عن دلالة الحديث أليست هناك صعوبة في إثباته؟
الجواب: ما نعتقده أن مرحلة إثبات الدلالة لاتقل سهولة عن مرحلة إثبات السند، وبعض المحاولات الفاشلة في التشكيك عبر إلقاء شبهات مقابل بديهيات لن تؤثر في متانة الدليل وقوة العبارة ، فكلام الرسول (ص) لا يحتمل إلا الدلالة على استخلاف أمير المؤمنين (ع).

 

*سؤال: وكيف السبيل لإثباته؟
الجواب: ذكرنا في الحلقة الأولى أن الأصل العقائدي يثبت بشكل قطعي من خلال النص فإن النص لا يحتمل فيه المعنى المقابل، وكذلك يثبت من خلال الظاهر المؤيد بالقرائن، فإن حاول البعض التشكيك في حجية الظاهر في الأصل العقائدي فإن حجية الظاهر المقرون بالقرائن المعينة للمقصود موجب لليقين والقطع ونفي الاحتمال الآخر، وهو طريق آخر غير النص الجلي من نفس الكلام من غير حاجة للقرينة المساعدة.

 

*سؤال: وهل يمكن أن تذكر الدليل الأول أي دلالة حديث الغدير نصا على الاستخلاف؟
الجواب: قبل ما أذكر هذا لابد أن أذكر أمرا له ربط وثيق بالمقام، فالمشككون في دلالة حديث الغدير يزعمون أن قول النبي (ص): من كنت مولاه فعلي مولاه، من قبيل المشترك اللفظي، فكلمة مولى مثل كلمة عين وضعت لعدة معاني، وأحد المعاني فقط هو المثبت لرأي الشيعة، فكما أنه لايمكن أن تقول أن المقصود من العين في قولك: رأيت عينا العين الباصرة لاحتمال أن يكون المقصود هو العين النابعة، أو الجاسوس، فكذلك كلمة المولى. ومن المعروف أن المشترك اللفظي لايحمل على أحد المعاني إلا من خلال القرينة، فكلمة عين لا تحمل على الباصرة في المثال السابق إلا إذا عطفت عليها بكلمة باكية فتصير كلمة باكية قرينة على تعيين المراد، وكذلك في الأمثلة الأخرى فعندما تقول أقبلت العين مسرعة يتعين كون المراد بها الجاسوس لأن الباصرة والنابعة لا تقبل. والمولى في اللغة استعملت في عدة معاني، يقول ابن الأثير الجزري في النهاية: "قد تكرر ذكر المولى في الحديث، وهو اسم يقع على جماعة كثيرة، فهو: الرب، والمالك، والسيد، والمنعم، والمعتق (بفتح الباء)، والناصر، والمحب، والتابع، والجار، وابن العم، والحليف، والعقيد (أي المعاقد والمعاهد)، والصهر، والعبد، والمعتق (بكسر الباء)، والمنعم عليه، وأكثرها قد جاءت في الحديث، فيضاف كل واحد إلى ما يقتضيه الحديث الوارد فيه، وكل من ولي أمرا أو قام به فهو مولاه ووليه، ..... ومنه الحديث: "من كنت مولاه فعلي مولاه" يحمل على أكثر الأسماء المذكورة. قال الشافعي (رض) يعني بذلك ولاء الإسلام كقوله تعالى: {ذلك بأن
الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم. وقول عمر لعلي: "أصبحت مولى كل مؤمن" أي ولي كل مؤمن". (الحديث والأثر ج5 ص228) إن المعنى الذي ينفع الشيعة في الاستدلال بالحديث إرادة الأولوية بالتصرف، أي أنه أولى بالتصرف في أمورهم وشئونهم وتسييرها من أنفسهم، فإن كان للإمام رأي فليس لهم أي رأي قبال رأيه، وإذا قام بفعل مرتبط بشأنهم فليس لهم الاعتراض بل السمع والطاعة، كما كان الأمر مع النبي (ص)، بل إننا نقول أنه حتى بعض المعاني كالسيد تقتضي ذلك لأن السيد يتحكم في أمر من يليه وعلى من هو دونه إطاعته، والمطلوب في النهاية في حديث الغدير هو لزوم الطاعة للسيد، ولكننا سنسلك إرادة المعنى الذي لاغبار عليه في إرادته في الحديث أنه المقصود لا سواه، وهو الأولوية بالتصرف.

 

*سؤال: ألا يصعب الاشتراك اللفظي القدرة على الاستدلال بالحديث؟
الجواب: كلا، فإن هناك أمورا تجعله نصا حتى على القول بالاشتراك اللفظي. طبعا لابد من التذكير هنا أن هناك قولا آخر في كلمة المولى وأنها من المشترك المعنوي لا اللفظي، وأنه ليس للمولى إلا معنى واحد وهو الأولى بالشيء، وهذا ما تبناه ابن البطريق الحلي المتوفى سنة 600هـ في كتابه عمدة عيون صحاح الأخبار ص112 حيث قال أن المولى بمعنى الأولى بالشيء وهو المعنى الجامع بين جميع المعاني المذكورة للكلمة.

 

* سؤال: هل من الممكن بعض التوضيح حول المشترك اللفظي والمعنوي؟ وتطبيق المسألة حول رأي ابن بطريق الحلي في كلمة المولى؟
الجواب: المشترك اللفظي مثل كلمة العين التي ضربنا بها المثل سابقا، فهي لفظ واحد وضع عدة مرات لعدة معاني في عرض بعضها، ولابد لتحديد إرادة بعض المعاني من قرينة وموجب، أما المشترك المعنوي فلفظ تعدد معناه دون لفظه مع اشتراك أفراده في المعنى، مثل لفظ الجسم، فإن له معنى واحدا ولكنه يقبل الانطباق عليك وعلي وعلى السماء وعلى الشجر والحجر مع التباين بيننا في الخصوصيات، أي أن الفارق بين هذين النوعين من المشترك يعود إلى تعدد الوضع أو عدم تعدده. والاشتراك اللفظي يحتاج إلى دليل زائد يثبت تعدد الوضع بينما الاشتراك المعنوي لايحتاج إلى ذلك بل هو على الأصل، ومن هنا فالاشتراك المعنوي أولى من الاشتراك اللفظي الذي يحتاج إلى مؤونة زائدة. وبالنسبة للفظ المولى فإنها وضعت في معنى واحد وهو الأولى بالشيء، وهو الأصل والعماد الذي ترجع إليه بقية المعاني، ولكن الأولوية تختلف بحسب موارد الاستعمال، فمالك الرق يطلق عليه مولى لأنه أولى بتدبير عبده دون غيره، والمعتق (بكسر التاء) يقال له مولى لأنه أولى بميراث المعتق من غيره، والناصر يطلق عليه مولى لأنه أولى بالنصرة، وكذلك الجار أولى بنصرة جاره ومعونته فهو مولى، وهكذا في بقية المعاني. وفيما نحن فيه المولى إذا كان بمعنى الأولى بالشيء فإنه لاشك أن النبي (ص) أولى بالمؤمنين في كل أمورهم لا في النصرة أو المحبة فقط فيثبت أولوية الإمام علي (ع) أيضا. ولكننا سنجاري المدعي القائل بأن الكلمة من المشترك اللفظي ونرد عليه بناء على ادعائه.

 

* سؤال: وما الأدلة والشواهد لديك على إرادة الأولوية بالتصرف لو قال أحد بالاشتراك اللفظي؟
الجواب: قطعية المتن في الحديث وإرادة هذا المعنى أي الأولوية بالتصرف جرى فيها علماؤنا عن عدة طرق، الأول: طريق حصر المعاني المحتملة ثم نفيها واحدا بعد واحد حتى تنحصر في معنى الأولى بالتصرف، وبما أن هذا الطريق سيأخذ وقتا طويلا فسأسلك الطريقين الآخرين لأنهما أسهل وأكثر اختصارا. فالطريق الثاني يعتمد على الدخول مباشرة إلى المعنى الصحيح المنحصر من خلال الاعتماد على أنه نص أي من دون الحاجة إلى القرائن. والطريق الثالث يعتمد على تحديد المعنى من خلال الاستعانة بالقرائن.

 

* سؤال: لو ذكرتم الطريق الذي لايعتمد على القرينة.
الجواب: إن أخذ هذا الطريق موقوف على قراءة الحديث نفسه، فقد ورد في عدة أحاديث صحيحة أن النبي (ص) أخذ إقرارا من الجمع الغفير الذي كان حاضرا في غدير خم أنه أولى بهم من أنفسهم قبل أن يقول:
« من كنت مولاه فعلي مولاه».
وفي هذه العجالة أشير إلى ستة أحاديث صحيحة، سأقرأ منها ما يسمح به وقت البرنامج. الحديث الأول: روى أبو يعلى الموصلي بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى
«أن اثنا عشر بدريا قاموا يوم ناشدهم أمير المؤمنين (ع) في الرحبة فقالوا: نشهد إنا سمعنا رسول الله (ص) يقول يوم غدير خم: ألست أولى بالمؤمنين وأزواجي أمهاتهم، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.»
قال الهيثمي: رواه أبو يعلى ورجاله وثقوا. (مجمع الزوائد ج9 ص105) الحديث الثاني: روى ابن ماجة في سننه عن البراء بن عازب قال:
«أقبلنا مع رسول الله في حجته التي حج، فنزل في بعض الطريق، فأمر: الصلاة جامعة، فأخذ بيد علي (رض) فقال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال: ألست أولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا: بلى، قال: فهذا ولي من أنا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.»صحيح سنن ابن ماجة للألباني ج1 ص56 ح94 – 115) الحديث الثالث: وروى الحاكم في المستدرك ج3 ص613 بسنده عن زيد بن أرقم أن رسول الله (ص) قال في غدير خم: «يا أيها الناس من أولى بكم من أنفسكم، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى، قال: من كنت مولاه فعلي مولاه.»
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. قال الذهبي في التلخيص: صحيح. الحديث الرابع: روى البزار بسنده عن عمرو بن ذي مر وسعيد بن وهب وعن زيد بن يثيع قالوا:
«سمعنا عليا يقول: نشدت الله رجلا سمع رسول الله (ص) يقول يوم غدير خم لما قام، فقام ثلاثة عشر رجلا فشهدوا أن رسول الله قال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فأخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه وانصر من نصره واخذل من خذله.»قال الهيثمي: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة. (مجمع الزوائد ج9 ص104-105) الحديث الخامس: روى البزار وعبد الله بن أحمد بن حنبل بسندهما عن سعيد بن وهب وعن زيد بن يثيع قال: «نشد علي عليه السلام الناس في الرحبة من سمع رسول الله (ص) يقول يوم غدير خم إلا قام؟ فقام من قبل سعيد ستة (أي في روايته)، ومن قبل زيد سبعة (أي في روايته)، فشهدوا أنهم سمعوا من رسول الله يقول يوم غدير خم لعلي: أليس أنا أولى بالمؤمنين؟ قالوا: بلى، قال: اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه.»قال الهيثمي: وإسنادهما حسن. (مجمع الزوائد ج9 ص107) الحديث السادس: روى أحمد بسنده عن أبي الطفيل قال: «جمع علي (ع) الناس في الرحبة ثم قال لهم: أنشد بالله كل امرئ مسلم سمع رسول الله (ص) يقول يوم غدير خم ما قال لما قام، فقام إليه ثلاثون من الناس، قال أبو نعيم: فقام ناس كثير فشهدوا حين أخذ بيده فقال: أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم، قالوا: بلى يا رسول الله، قال (ص): من كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، قال: فخرجت كأن في نفسي شيئا، فلقيت زيد بن أرقم فقلت له: أني سمعت عليا يقول كذا وكذا، قال: فما تنكر، قد سمعت رسول الله (ص) يقول ذلك.»
قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة. (مجمع الزوائد ج9 ص104) وقال الألباني: وإسناده صحيح على شرط البخاري.(سلسلة الأحاديث الصحيحة ج4 ص331)

 

* سؤال: يعني تريد القول أن النبي (ص) أراد بالإقرار الإشارة إلى قوله تعالى: ؟
الجواب: نعم، فمن الواضح أن الأحاديث الصحيحة السابقة وخاصة رواية أبي يعلى الموصلي التي أعقبها النبي بقوله
﴿ وأزواجي أمهاتهم تريد التأكيد على إرادة الآية السادسة من سورة الأحزاب، وهذا ما يقودنا إلى ما قاله المفسرون من أهل السنة وعلماؤهم في تفسير الآية المباركة. 1 - قال محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310هـ في تفسيره ج10 ص258: "يقول تعالى ذكره: النبي محمد أولى بالمؤمنين، يقول: أحق بالمؤمنين بهم من أنفسهم، أن يحكم فيهم بما يشاء من حكم فيجوز ذلك عليهم". ثم نقل الطبري رأيا لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم يقول فيه في تفسير الآية: "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم كما أنت أولى بعبدك، ما قضى فيهم من أمر جاز، كما كلما قضيت على عبدك جاز". (تفسير الطبري المسمى جامع البيان في تأويل القرآن لأبي جعفر محمد بن جعفر الطبري – دار الكتب العلمية بيروت – الطبعة الأولى 1992م 1412هـ) 2 - وقال الحافظ ابن كثير الدمشقي المتوفى سنة 774هـ في تفسير القرآن العظيم ج3 ص450: "قد علم الله تعالى شفقة رسوله على أمته ونصحه لهم فجعله أولى بهم من أنفسهم، وحكمه فيهم كان مقدما على اختيارهم لأنفسهم كما قال تعالى: ". (تفسير القرآن العظيم – أبو الفداء إسماعيل ابن كثير الدمشقي المتوفى سنة 774هـ - دار الجيل – بيروت – الطبعة الأولى 1991م 1411هـ) 3 - ويقول البيضاوي المتوفى 685هـ في تفسيره ج4 ص53: "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم في الأمور كلها فإنه لا يأمرهم ولايرضى منهم إلا بما فيه صلاحهم ونجاحهم بخلاف النفس فلذلك أطلق، فيجب عليهم أن يكون أحب إليهم من أنفسهم وأمره أنفذ فيهم من أمرها، وشفقتهم عليه أتم من شفقتهم عليها، وروي أنه عليه الصلاة والسلام أراد غزوة تبوك فأمر الناس بالخروج فقال ناس: نستأذن آباءنا وأمهاتنا فنزلت". (حاشية محيي الدين شيخ زادة على تفسير البيضاوي – المكتبة الإسلامية – ديار بكر – تركيا) 4 - ويقول البغوي الشافعي المتوفى سنة 516هـ في تفسيره ج3 ص507: "قوله عز وجل: ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم يعني من بعضهم ببعض في نفوذ حكمه فيهم ووجوب طاعته عليهم، وقال ابن عباس وعطاء: يعني إذا دعاهم النبي (ص) ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعة النبي أولى بهم من أنفسهم، قال ابن زيد: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فيما قضى فيهم كما أنت أولى بعبدك فيما قضيت عليه". (تفسير البغوي المسمى معالم التنزيل لأبي محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي المتوفى 516هـ - تحقيق: خالد عبد الرحمن العك ومروان سوار – دار المعرفة – بيروت - الطبعة الثانية 1987م 1407هـ) 5 - ويقول النسفي المتوفى سنة710هـ في تفسيره ج2 ص335: "﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم أي أحق بهم في كل شيء من أمور الدين والدنيا، وحكمه أنفذ عليهم من حكمها، فعليهم أن يبذلوها دونه ويجعلوها فداء أو أولى بهم أي أرأف بهم وأعطف عليهم وأنفع لهم". (تفسير النسفي المسمى مدارك التنزيل وحقائق التأويل لعبد الله بن أحمد بن محمد النسفي المتوفى سنة 710هـ - ضبط وتخريج: الشيخ زكريا عميرات – دار الكتب العلمية – بيروت – الطبعة الأولى 1995م 1415هـ) 6 - ويقول الشوكاني المتوفى سنة 1250هـ في فتح القدير: "﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم أي هو أحق بهم في كل أمور الدين والدنيا وأولى بهم من أنفسهم فضلا عن أن يكون أولى بهم من غيرهم، فيجب عليهم أن يؤثروه بما أراده من أموالهم وإن كانوا محتاجين إليها، ويجب عليهم أن يحبوه زيادة على حبهم أنفسهم، ويجب عليهم أن يقدموا حكمه عليهم على حكمه لأنفسهم، وبالجملة فإذا دعاهم النبي (ص) لشيء ودعتهم أنفسهم إلى غيره وجب عليهم أن يقدموا ما دعاهم إليه ويؤخروا ما دعتهم أنفسهم إليه، ويجب عليهم أن يطيعوه طاعتهم لأنفسهم ويقدموا طاعته على ما تميل إليه أنفسهم وتطلبه خواطرهم". (فتح القدير الجامع بين فني الدراية والرواية من التفسير لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني المتوفى سنة 1250هـ - اعتنى به: يوسف الغوش – دار المعرفة – بيروت – الطبعة الأولى 1415هـ 1995م) 8 - ويقول الألوسي في تفسيره روح المعاني ج11 ص149: " أي أحق وأقرب إليهم أو أشد ولاية ونصرة لهم منها، فإنه عليه الصلاة والسلام لا يأمرهم ولا يرضى منهم إلا بما فيه صلاحهم ونجاحهم بخلاف النفس، فإنها إما أمارة بالسوء وحالها ظاهر، أو لا فقد تجهل بعض المصالح وتخفى عليها بعض المنافع، وأطلقت الأولوية ليفيد الكلام أولويته عليه الصلاة والسلام في جميع الأمور، ويعلم من كونه صلى الله عليه (وآله) وسلم أولى بهم من انفسهم كونه عليه الصلاة والسلام أولى بهم من كل الناس، وقد أخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة عنه (ص) أنه قال: ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة ...الخ". (روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني – محمود الألوسي البغدادي – تصحيح: علي عبد الباري عطية - دار الكتب العلمية – بيروت – الطبعة الأولى 1994م 1415هـ) وممن أقر بهذا المعنى من المفسرين: 1- الخطيب الشربيني المتوفى حدود سنة 977هـ في كتابه السراج المنير ج5 ص318. (السراج المنير - محمد بن أحمد المعروف بالخطيب الشربيني المتوفى 977هـ - تخريج وتعليق: أحمد عز وعناية الدمشقي – دار إحياء التراث العربي – بيروت – الطبعة الأولى 1425هـ 2004م) 2 – القونوي الحنفي المتوفى سنة1195هـ في حاشيته على تفسير البيضاوي ج15 ص30. (حاشية القونوي على تفسير البيضاوي – إسماعيل بن محمد الحنفي القونوي المتوفى سنة 1195هـ - تصحيح وضبط: عبد الله محمود محمد عمر – دار الكتب العلمية – بيروت – الطبعة الأولى 1422هـ) 3 – أبو السعود الحنفي المتوفى سنة 982 هـ في تفسيره ج5 ص210. (تفسير أبي السعود – أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى العمادي الحنفي المتوفى سنة 982هـ - دار الكتب العلمية – بيروت – الطبعة الأولى 1419هـ 1999م) إذا تبين اتفاقهم على هذا المعنى، فإن من الواضح جدا أن النبي (ص) فرع على الإقرار السابق والمعنى السابق بالفاء وكما جار في الرواية الصحيحة الواردة في مسند أبي يعلى الموصلي فقال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه، بل وحتى لو لم تكن هذه الفاء موجودة فإن الكلام اللاحق مترتب على السابق، وإلا لكان الأخذ بالإقرار فعلا لغويا وحاشا أن يصدر هذا عن إنسان عاقل عادي فضلا عن سيد الخلق وأكمل العقلاء صلى الله عليه وآله. وهذا يعني لزوم التطابق بين المعنى الأول في الإقرار والمعنى الثاني، ونحن هنا نتحدث عن الأصول المعتمدة عن أهل اللغة في محاوراتهم، باعتبار أن النصوص الواردة عن النبي (ص) كلها كانت باللغة العربية وضمن أصول أهلها. ومن الأصول المعتمدة في هذا المجال أنه إذا أورد شخص جملة صريحة في معنى، ثم عطف عليها بكلام محتمل لما تقدم التصريح به لغيره، لم يجز أن يريد بالمحتمل إلا المعنى الأول. ونحن هنا عندما نقول بكلام محتمل فلا يعني أن هناك احتمالا لمعنى آخر وأن الكلمة ليست نصا لا يحتمل سوى معنى واحدا بل المقصود أن الكلمة بتركيبتها أطلقت في اللغة على المعنى الآخر فهي محتملة له من هذه الجهة أي أصل وجود استعمال لها في اللغة، فكلمة عين في قولك: شربت من عين صافية في الصحراء، لايحتمل فيها إرادة غير العين النابعة وإن كانت كلمة عين أطلقت على الباصرة أيضا، ومقصودنا هنا نفس هذا الأمر، لا أن العبارة ليست نصا في الاستخلاف. مثلا لو أقبل على قوم فقال: ألستم عارفين بابني محمد؟ فقالوا: بلى، فقال: فاشهدوا أنني أعطيت ابني حصاني، لم يجز أن يريد بقوله ابني إلا ابنه محمد لا غيره من أبنائه، ومتى ما أراد غيره لكان لغوا وخارجا عن أصول أهل اللغة ولعابوه في قوله. ونحن في حديث الغدير نقول أن لزوم التطابق وعدم اللغوية يقتضي أن يكون المولى في قوله: «من كنت مولاه فعلي مولاه» نفس المعنى الأول أي الأولوية بالتصرف لا معنى النصرة والمحبة، وكما أن الأولوية في التصرف للنبي (ص) في الآية كانت مطلقة وبلا حدود، فإنها في حديث الغدير أيضا مطلقة وبلا حدود، فيثبت أن كل ما كان أمر النبي فيه نافذا فإن أمر الإمام علي (ع) فيه ناقذ.

 

* سؤال: ولكن ألا يمكن أن يقول شخص أن النبي (ص) إنما مهد بقوله أنه أولى بهم من أنفسهم لكي يلزمهم بطاعته فيما سيقوله من لزوم المحبة والنصرة لعلي لا إثبات الأولوية بالتصرف؟
الجواب: لو كان هذا المعنى مرادا للزم التفريق بين ما أشهدهم عليه وما أوجبهم عليه، وهذا لم يقع في أي حديث من أحاديث الغدير المروية حتى الضعيفة منها، وبما أن الأصول اللغوية تقتضي التطابق، وبما أنه لم يورد في كلامه ما يدل على إرادة خلاف ذلك الأصل فهذا يبطل هذا الاحتمال.

 

* سؤال: هناك قول بوجود مانع لغوي من إرادة الأولى بالتصرف في كلمة مولاه وذلك من جهة أنه لا يصح في اللغة أن يأتي المولى بمعنى الأولى، وبالتالي لايصح أن يراد من كلمة المولى معنى الأولى، ومن ثم نحن مضطرون للقول بأن المقصود منها معنى آخر كالمحب.
الجواب: هذا الاعتراض ساقط وموهون جدا، وذلك لأن كلمة المولى استعملت بمعنى الأولى في أقوال اللغويين والمفسرين، فمثلا جاء في اللغة قول الأخطل في يزيد بن معاوية: فأصبحت مولاها من الناس بعده * وأحرى قريش أن يهاب ويحمدا فخاطبه بلفظ مولى من جهة أنه الأولى بالأمر. (ديوان الأخطل بشرح راجي الأسمر ص28، وقد قال ابن البطريق الحلي في عمدة عيون صحاح الأخبار ص112 أن هذا البيت أورده في مدح عبد الملك بن مروان وكلاهما محتملان فقد كان الأخطل نديما لهما) وقال ابن منظور في لسان العرب ج15 ص402: "والمولى: الولي الذي يلي عليك أمرك". وفي كلمات المفسرين والمتخصصين بعلوم القرآن من أهل السنة، يقول الراغب الاصفهاني المتوفى في حدود 425هـ: "والولاية (بفتح الواو) النصرة، والولاية (بكسر الواو) تولي الأمر، وقيل: الولاية والولاية (بكسر الواو وفتحها) نحو: الدلالة والدلالة (بكسر الدال وفتحها)، وحقيقته تولي الأمر، والولي والمولى يستعملان في ذلك". (المفردات في ألفاظ القرآن ص885) وقال أيضا: "وكل من ولي أمر الآخر فهو وليه، ويقال: فلان أولى بكذا أي أحرى، قال تعالى: <الأحزاب/6> ...الخ}. (المصدر السابق ص887) فهنا اعتراف من الراغب الاصفهاني أن المولى كالولي تستعمل في معنى تولي الأمر. وقال الفراء المتوفى سنة 207هـ في كتابه معاني القرآن ج3 ص134: "إن الولي والمولى في لغة العرب واحد". وقد مر علينا سابقا في كلام ابن الأثير بعد أن عدد معاني المولى أنه قال: "وكل من ولي أمرا أو قام به فهو مولاه ووليه". (النهاية في غريب الحديث والأثر ج5 ص228) وفي قوله تعالى:
﴿ مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير (الحديد/15) ذهب معظم المفسرين السنة أن المقصود من مولاكم أي أولى بكم، مثل الطبري في تفسيره ج11 ص680، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ج17 ص161، وابن الجوزي في زاد المسير ج7 ص304، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم ج4 ص332، وجلال الدين السيوطي وجلال الدين المحلي في تفسيرهما المعروف بتفسير الجلالين ص721.

 

* سؤال: وماذا عن الإشكال الذي أورده ابن تيمية حيث يقول أن ما نسب إلى النبي (ص) من قوله (ص): علي ولي كل مؤمن بعدي كذب، لأن الولاية بمعنى المحبة ثابتة في حياة النبي (ص) وبعد وفاته فلا وجه لإضافة كلمة بعد، وإن كانت بمعنى الإمارة لكان اللازم أن يقول: علي والي كل مؤمن لا ولي كل مؤمن.
الجواب: الكلام المنقول السابق من التمييز بين كلمتي ولي ووالي أورده ابن تيمية في منهاج السنة ج 4 ص104، وأيده المباركفوري في تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي ج10 ص147، وكذلك أيده الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ج5 ص263 معتبرا إياه كلاما متينا قويا. وبناء عليه فكلام ابن تيمية يتناول شقين أساسيين مرتبطين بالسند والدلالة. أما الشق الأول المرتبط بسند الحديث وصحة صدوره. فقد اعترف الألباني بصحة صدور حديث:
« علي ولي كل مؤمن بعدي» بلفظ «بعدي» في تعليقه على حديث في كتاب السنة لابن أبي عاصم ص550 وقال: "إسناده صحيح، رجاله ثقات على شرط مسلم". وكذلك أورد أسانيده مفصلا في سلسلة الأحاديث الصحيحة ج5 ص263 معترفا بصحته استنادا لوجود روايات صحيحة كثيرة وردت في سنن الترمذي ومستدرك الحاكم ومسند أحمد ومسند الطيالسي وخصائص النسائي ثم قال: "فمن العجيب حقا أن يتجرأ شيخ الإسلام ابن تيمية على إنكار هذا الحديث وتكذيبه في منهاج السنة (4/104) كما فعل بالحديث المتقدم هناك (أي حديث الغدير) .....، فلا أدري بعد ذلك وجه تكذيبه للحديث إلا التسرع والمبالغة في الرد على الشيعة". طبعا هذا تكذيب ابن تيمية لكلمة «بعدي» في الحديث ليس بغريب على ابن تيمية فقد ضعف اللفظ المتواتر المعلوم الصدور، أي «من كنت مولاه فعلي مولاه، »وكذب اللفظ المتيقن الصدور باعتراف الألباني أي «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه »فلايتوقع منه إلا تكذيب هذا اللفظ ذا الدلالة المهمة في الحديث. المشكلة إن ذهنية ابن تيمية ابتنت على الرفض المسبق بدلا من البحث أولا في السند، ثم التأمل في الدلالة، ولكنه يبادر إلى تكذيب ما ثبت صدوره عن النبي (ص) لأن من الممكن أن يتمسك به خصمه على دعواه.

 

 * سؤال: وماذا عن الشق الثاني المرتبط بالدلالة التي قواها الألباني كما ذكرت؟
الجواب: أغلب الأحاديث التي جاءت في حديث الغدير جاءت بلفظ
« من كنت مولاه فعلي مولاه، »ولكن هناك بعض الأحاديث جاءت بلفظ «من كنت وليه فعلي وليه» مثل ما رواه البزار بسنده عن سعد بن أبي وقاص« أن رسول الله (ص) أخذ بيد علي (ع) وقال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ من كنت وليه فعلي وليه. قال الهيثمي: رواه البزار ورجاله ثقات.» (مجمع الزوائد ج9 ص107) وكذلك مثل ما رواه أحمد وابن أبي عاصم والنسائي بسندهم عن زيد بن أرقم أن رسول الله (ص)« قال في غدير خم: إن الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي فقال: من كنت وليه فهذا وليه». (فضائل الصحابة ص15، والسنة ص630، والسنن الكبرى ج5 ص45، وكذلك في خصائصه ص72 وقال محقق الكتاب الداني بن منير آل زهوي: إسناده صحيح بالمتابعات) وحيث أن كلمة المولى والولي تستعملهما العرب بمعنى واحد كما شهدت به كلمات اللغويين والمفسرين فإن مقتضى التطابق بين الإقرار والإيجاب إرادة الأولوية بالتصرف، ولايلزم أن تستخدم كلمة الوالي لأن الولي والمولى تقوم بمعناها. ومما يعزز هذا الرأي أن نفس الإقرار الموجود في حديث الغدير والتعبير بكلمة الولي مع إرادة الأولى والذي يقوم بالأمر جاء في قضية سرية اليمن أيضا حيث اعترض بعض الصحابة على تصرف الإمام علي (ع) في أخذ جارية لنفسه من الغنائم والسبي، فقد روى الترمذي في سننه وصحح الألباني حديثه في صحيح سنن الترمذي ج3 ص521 ح3712 عن عمران بن حصين، قال: «بعث رسول الله (ص) جيشا، واستعمل عليهم علي بن أبي طالب، فمضى في السرية، فأصاب جارية فأنكروا عليه، وتعاقد أربعة من أصحاب رسول الله (ص) فقالوا: إذا لقينا رسول الله (ص) أخبرناه بما صنع علي.... فلما قدمت السرية سلموا على النبي (ص) فقام أحد الأربعة فقال: يا رسول الله! ألم تر إلى علي بن أبي طالب صنع كذا وكذا؟»
إذن هذا اعتراض على تصرف، ولم يكن يرون أن للإمام علي (ع) أولوية في التصرف. وروى أحمد في مسنده ج5 ص358 والنسائي في سننه ج5 ص130 عن ابن بريدة عن أبيه، أنه مر على مجلس وهم يتناولون من علي، فوقف عليهم، فقال: إنه قد كان في نفسي على علي شيء، وكان خالد بن الوليد كذلك، فبعثني رسول
الله (ص) في سرية عليها علي، وأصبنا سبيا، قال: فأخذ علي جارية من الخمس لنفسه، فقال خالد بن الوليد: دونك ...إلى آخر الحديث الذي يثبت تغير وجه النبي (ص) وقوله: من كنت وليه فعلي وليه. وقد قال الألباني: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين أو مسلم. (سلسلة الأحاديث الصحيحة ج4 ص337) وأما ما يؤكد على أن النبي (ص) قد أخذ من المعترضين على تصرف الإمام علي (ع) نفس الإقرار الذي أخذه في حديث الغدير والمتضمن أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم ما رواه النسائي والحاكم (3/110) وأحمد (5/347) عن ابن عباس، عن بريدة قال: «خرجت مع علي رضي الله عنه إلى اليمن فرأيت منه جفوة، فقدمت على النبي (ص) فذكرت عليا فتنقصته، فجعل رسول الله (ص) يتغير وجهه، فقال: يا بريدة! ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: من كنت مولاه فعلي مولاه.»
قال الألباني: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وتصحيح الحاكم على شرط مسلم قصور. (سلسلة الأحاديث الصحيحة ج4 ص336) وقال الحافظ ابن كثير الدمشقي المتوفى سنة 774هـ: وهذا إسناد جيد قوي، رجاله كلهم ثقات. (البداية والنهاية ج5 ص209 الطبعة السادسة 1988م 1409هـ - مكتبة المعارف – بيروت) وكذلك روى أخذ الإقرار ابن أبي شيبة في المصنف ج7 ص506 وأحمد في فضائل الصحابة ص14، والضحاك في الآحاد والمثاني ج4 ص325. إذن سواء كانت الكلمة الواردة بلفظ مولى أو ولي فالمقصود هو معنى واحد وهو الذي يلي الأمر ويتصرف فيه. الطريف هنا أن ابن تيمية بعد أن يورد كلامه هذا يقول: "وأما الولاية التي هي الإمارة فيقال فيها والي كل مؤمن، كما يقال في صلاة الجنازة إذا اجتمع الولي والوالي قدم الوالي في قول الأكثر وقيل: يقدم الولي". (منهاج السنة النبوية ج7 ص391) فإن مسألة الاختلاف في تقديم الوالي على الوالي عند أهل السنة لايخل في أن ولي الميت ليس بمعنى المحب له بل بمعنى الأولى بأمره من الآخرين، ولانريد من حديث الغدير إلا هذا المعنى أي أن الإمام علي (ع) هو ولي المؤمنين والأولى بأمرهم كما أن ولي الميت هو الأولى بأمره.

 

* سؤال: وماذا عن الطريق الثاني في إثبات إرادة الأولوية بالتصرف والمعتمد على القرائن، فما تلك القرائن؟
الجواب: القرائن كثيرة، وسأشرع بذكر القرائن التي وردت في أحاديث لا اختلاف في صحتها، فمن جملة تلك القرائن: 1 – الأمر بالصلاة جامعة روى ابن ماجة في سننه عن البراء بن عازب قال:
«أقبلنا مع رسول الله في حجته التي حج، فنزل في بعض الطريق، فأمر: الصلاة جامعة، فأخذ بيد علي (رض) فقال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال: ألست أولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا: بلى، قال: فهذا ولي من أنا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.»
(صحيح سنن ابن ماجة للألباني ج1 ص56 ح94 – 115) فالصلاة جماعة مستحبة ومؤكد عليها، ومن يتتبع الكثير من الموارد التي جاء بها الأمر المباشر من النبي (ص) بالصلاة جامعة يشهد بأن هناك شيئا مهما يريد النبي (ص) إبلاغه للمسلمين، غير مجرد الاجتماع للصلاة، حيث كان يخطب في الحضور، ومن هذا القبيل ما رواه الطبراني وأحمد بسندهما عن أبي كبشة قال:
«لما كانت غزوة تبوك تسارع الناس إلى الحجر (أي حجر قوم ثمود أي ديارهم التي نزل فيها العذاب عليهم، والتي نزلت سورة في القرآن أي سورة الحجر بهم، قال تعالى: ) ليدخلوا فيه فنودي في الناس أن الصلاة جامعة فأتيت رسول الله وهو ممسك بعيره وهو يقول: على ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم. قال: فناداه رجل يعجب منهم: يا رسول الله، فقال رسول الله (ص): ألا أنبئكم بأعجب من ذلك، نبيكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم، استقيموا وسددوا فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئا».
قال الهيثمي: رواه الطبراني وأحمد بأسانيد وأحدها حسن. (مجمع الزوائد ج10 ص290) وهذا ما حصل هنا فعلا، فقد خطب النبي (ص) وأوصى باتباع الثقلين والتمسك بهما: كتاب
الله وعترة نبيه، وأن الإمام علي (ع) هو أولى الناس بالناس. 2 - إنه كان في يوم شديد الحرارة روى الحاكم بسنده عن زيد بن أرقم قال: خرجنا مع رسول الله (ص) حتى انتهينا إلى غدير خم فأمر بدوح فكسح في يوم ما أتى علينا يوم كان أشد حرا منه ...الخ. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. قال الذهبي في التلخيص: صحيح. المستدرك ج3 ص613 ط دار الكتب العلمية بتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا. فما الأمر المهم الذي دعا النبي (ص) أن يجمع المسلمين في العراء في يوم ما كان أشد حرا منه، ألا يقتضي المقام أن يكون المطروح متناسبا مع الظرف المحيط به؟ 3 - نعي النبي نفسه و قصر الفترة الزمنية بين إعلان النبي (ص) ووفاته. وهناك عدة أحاديث تشهد لهذا المعنى: الحديث الأول: روى ابن حبان بسنده عن أبي نعيم، عن فطر بن خليفة، عن أبي الطفيل قال: «قال علي (ع): أنشد الله كل امرئ مسلم سمع رسول الله (ص) يقول يوم غدير خم لما قام، فقام أناس فشهدوا أنهم سمعوه يقول: ألستم تعلمون أني أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم، قالوا: بلى يا رسول الله (ص) قال: من كنت مولاه فإن هذا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.»
فخرجت وفي نفسي من ذلك شيء (والوجه في ذلك أن أبا الطفيل الصحابي الذي كان متشيعا لعلي (ع) استغرب أنه كيف يشهد أولئك الصحابة على هذا المعنى الواضح ثم يتركون عليا (ع)؟) فذكرت ذلك له، فقال: قد سمعناه من رسول
الله (ص) يقول ذلك له. قال أبو نعيم (وهو أحد الرواة في السند): فقلت لفطر بن خليفة (وهو الرواي عن الصحابي أبي الطفيل): كم بين هذا القول وبين موته: قال مائة يوم. وقد اعترف الألباني بصحة هذا الحديث في كتابه التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان ج10 ص69. وكذلك اعترف بالصحة شعيب الأرنؤوط في تعليقته على صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان ج15 ص376. الحديث الثاني: روى النسائي في سننه بسنده عن زيد بن أرقم قال: «لما رجع رسول الله (ص) من حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات (الدوحات جمع دوحة، وهي الشجرة العظيمة) فقممن (أي كنسن) ثم قال: كأني قد دعيت فأجبت، إني قد تركت فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، ثم قال: الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فهذا وليه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، فقلت لزيد: سمعته من رسول الله (ص)؟ فقال (ص): ما كان في الدوحات أحد إلا رآه بعينيه وسمعه بأذنه.»
قال ابن كثير: قال شيخنا أبو عبد
الله الذهبي: وهذا حديث صحيح. (البداية والنهاية ج5 ص209) الحديث الثالث: روى الطبراني في المعجم الكبير ج5 ص171 ح4986 بسنده عن زيد بن أرقم قال: خرجنا مع رسول الله (ص) حتى انتهينا إلى غدير خم أمر بدوح فكسح في يوم ما أتى علينا يوم كان أشد حرا منه، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: يا أيها الناس إنه لم يبعث نبي قط إلا عاش نصف ما عاش الذي كان قبله، وإني أوشك أن أدعى فأجيب ...". قال الألباني: أخرجه الطبراني ورجاله ثقات. (سلسلة الأحاديث الصحيحة ج4 ص335) الحديث الرابع: روى مسلم في صحيحه عن يزيد بن حيان قال: «انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا، رأيت رسول الله (ص) وسمعت حديثه وغزوت معه وصليت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله (ص)، قال: يا ابن أخي، والله لقد كبرت سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله (ص)، فما حدثتكم فاقبلوا، وما لا فلا تكلفونيه، ثم قال: قام رسول الله (ص) يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين ....الخ.» (صحيح مسلم ج7 ص122) فإذا تأملنا في الأحاديث السابقة رأينا أن النبي (ص) يوصي الأمة بأهم ما يجب عليها عمله بعد وفاته القريب، وهو الرجوع إلى الثقلين الكتاب والعترة، ثم تحديد أحد أفراد العترة بالتحديد أي الإمام علي (ع) في كونه مولى المؤمنين (ع) فإن مقتضى التناسب بين اقتران التوصية بالثقلين وبين إثبات الولاية لعلي بن أبي طالب عليه السلام أن المراد هو الأولوية بالتصرف. حتى شكل حركة يد النبي (ص) برفع يد الإمام علي (ع) هي أقرب لإرادة تعيين المستخلف. هذه قرائن وردت بروايات صحيحة، وهي كافية في إثبات أن المقصود من المولى في الحديث هو الأولى. وهناك قرائن أخرى قد وردت بروايات مختلف في صحتها، وأحد الأسباب الرئيسية للاختلاف في صحتها هو اتهام الراوي بالتشيع والرفض الذي تطرقنا إليه سابقا، ومن جملتها: ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده ج4 ص281 وفي فضائل الصحابة ص596 ح116 بسنده عن البراء بن عازب قال: كنا مع رسول الله (ص) في سفر فنزلنا بغدير خم فنودي فينا الصلاة جامعة وكسح لرسول الله (ص) تحت شجرتين فصلى الظهر وأخذ بيد علي رضي الله تعالى عنه فقال: «ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا: بلى، قال: فأخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، فلقيه عمر بعد ذلك، فقال له: هنيئا يا بن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة.»
في هذا الحديث قرينة مهمة على إرادة الأولوية بالتصرف لا مجرد المحبة، لأن المحبة لعلي (ع) كانت ثابتة من قبل بأحاديث كثيرة، وهنا عمر يقول: أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة، أي أن هناك شيئا جديدا فرض على كل مؤمن ومؤمنة لم يكن من قبل. وفي هذا الحديث انحصر وجه اعتراض البعض علي سنده في علي بن زيد بن جدعان. (راجع تعليق محقق كتاب فضائل الصحابة ص597 وصي
الله محمد عباس) ولو رجعنا إلى كتب الجرح والتعديل لاكتشفنا منشأ تضعيف علي بن زيد من قبل بعض علماء الجرح والتعديل بعد توثيقه من قبل البعض الآخر، فقد نقل المزي في ترجمته في تهذيب الكمال ج13 ص271 - 272 عدة اعترافات دالة على وثاقته وصدقه، منها: قال أحمد بن عبد الله العجلي: كان يتشيع، لا بأس به. قال يعقوب بن شيبة: ثقة، صالح الحديث، وإلى اللين ما هو. وقال الترمذي: صدوق إلا أنه ربما رفع الشيء الذي رفعه غيره. أما لماذا امتنعوا من الرواية عنه وضعفوه؟ فإن المزي في تهذيب الكمال ينقل جملة من الأمور توضح ذلك: فقد قال أبو أحمد بن عدي: لم أر أحدا من البصريين وغيرهم امتنعوا من الرواية عنه، وكان يغلي في التشيع في جملة أهل البصرة، ومع ضعفه يكتب حديثه. وقال محمد بن المنهال: سمعت يزيد بن زريع يقول: لقد رأيت علي بن زيد، ولم أحمل عنه، فإنه كان رافضيا. فإذا ضممنا القرائن السابقة إلى بعضها فإن المرء غير المكابر والمعاند يتيقن أن المقصود به أمر عظيم يريد النبي (ص) أن يثبته بإعلان عام وصريح قبل أن يرحل عن الدنيا، وليس هو إلا ولاية الإمام علي (ع) وأحقيته في أمور المسلمين، ناهيك إذا ما أضفنا الروايات الأخرى غير الصحيحة مثل ما رواه النسائي في سننه ج5 ص135 ح8481 وخصائص أمير المؤمنين (ع) ص83 بسنده عن سعد بن أبي وقاص قال: «كنا مع رسول الله (ص) بطريق مكة وهو متوجه إليها، فلما بلغ غدير خم وقف الناس (أي أوقفهم)، ثم رد من مضى ولحقه من تخلف، فلما اجتمع الناس إليه، قال: أيها الناس، هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد ثلاث مرات يقولها، ثم قال: أيها الناس، من وليكم؟ قالوا: الله ورسوله – ثلاثا – ثم أخذ بيد علي فأقامه، ثم قال: من كان الله ورسوله وليه، فهذا وليه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه.»
فإن إرجاع المتفرقين والمتوجهين نحو ديارهم، وأخذ الإقرار المسبق بمن هو وليهم، ليكشف عن أن المراد إثبات الولاية في أمورهم. وكذلك ما ورد من دعاء الإمام علي (ع) على من كتم حديث الغدير أو نزول آيتي التبليغ وإكمال الدين.