‹ صفحة 257 ›

الحديث الثلاثون

في تفسير قوله تعالى : " والسابقون السابقون * أولئك المقربون * في جنات النعيم " . ( 1 )

في غاية المرام من طريق العامة إبراهيم بن محمد الحمويني بإسناده

المتصل إلى سليم بن قيس الهلالي - في حديث طويل - يذكر أمير المؤمنين عليه السلام

فضائله بمشهد جمع كثير من المهاجرين والأنصار ويناشدهم الاقرار

بفضائله عليه السلام التي يذكرها - إلى أن قال عليه السلام - : فأنشدكم الله أتعلمون أن الله

عز وجل فضل في كتابه السابق على المسبوق في غير آية . وإني لم يسبقني

إلى الله عز وجل ، وإلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أحد من الأمة ؟ قالوا : اللهم نعم ،

فأنشدكم الله أتعلمون حيث نزلت " والسابقون الأولون * من المهاجرين

والأنصار " ( 2 ) " والسابقون السابقون أولئك المقربون " . سئل عنها

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : أنزلها الله تعالى ذكره في الأنبياء وأوصيائهم ، فأنا

أفضل أنبياء الله ورسله ، وعلي بن أبي طالب وصيي أفضل الأوصياء ؟ قالوا :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) الواقعة : 10 - 12 .

( 2 ) التوبة : 10 .

‹ صفحة 258 ›

اللهم نعم . . . ( 1 ) والحديث طويل .

والثعلبي في تفسيره ، قال : أخبرني أبو عبد الله ، حدثنا عبد الله بن

أحمد بن يوسف بن مالك ، حدثنا محمد بن إبراهيم بن زياد الرازي ، حدثنا

الحارث بن عبد الله الحارثي ، حدثنا قيس بن الربيع ، عن الأعمش ، عن

عباية بن ربعي ، عن ابن عباس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : قسم

الله الخلق قسمين : فجعلني في خيرها قسما ، فذلك قوله تعالى :

" وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين " ، ( 2 ) فأنا خير أصحاب اليمين ، ثم

جعل القسمين أثلاثا ، فجعلني في خيرها ثلاثا ، فذلك قوله تعالى :

" فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة * وأصحاب المشأمة ما أصحاب

المشأمة * والسابقون السابقون " ( 3 ) وأنا من السابقين ، وأنا من خير السابقين ،

ثم جعل إلا ثلاث قبائل ، وجعلني من خيرها قبيلة ، وذلك قوله عز وجل :

" وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم " ( 4 ) فأنا

أتقى ولد آدم ، وأكرمهم على الله عز وجل ثناءه ، ولا فخر ، ثم جعل القبائل

بيوتا فجعلني من خيرها بيتا ، فذلك قوله تعالى : " إنما يريد الله ليذهب

عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " ( 5 ) . ( 6 )

والفقيه ابن المغازلي الشافعي في المناقب ، في قوله تعالى :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) غاية المرام ص 355 نقلا عن فرائد السمطين .

( 2 ) الواقعة : 27 .

( 3 ) الواقعة : 8 - 10 .

( 4 ) الحجرات : 13 .

( 5 ) الأحزاب : 33 .

( 6 ) غاية المرام ص 386 نقلا عن تفسير الثعلبي .

‹ صفحة 259 ›

" والسابقون السابقون " يرفعه إلى ابن عباس ، قال : " السابق ثلاثة : سبق

يوشع بن نون إلى موسى عليه السلام ، وسبق صاحب يس إلى عيسى عليه السلام ، وسبق

علي عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو أفضلهم " . ( 1 )

وأبو نعيم الحافظ عن رجاله ، مرفوعا إلى ابن عباس : سابق هذه الأمة

علي بن أبي طالب عليه السلام . ( 2 )

وأبو المؤيد موفق بن أحمد ، بإسناده إلى إبراهيم بن سعيد الجوهري

وصي المأمون ، حدثني أمير المؤمنين الرشيد ، عن أبيه ، عن جده ، عن

عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - قال : سمعت عمر بن الخطاب - وعنده

جماعة - فتذكروا السابقين إلى الإسلام فقال عمر : أما علي فسمعت

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : فيه ثلاث خصال ، لوددت أن تكون لي واحدة منهن ،

وكانت أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ، كنت أنا وأبو عبيدة ، وأبو بكر ،

وجماعة من أصحابه ، إذ ضرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم على منكب علي رضي الله عنه

وقال له : ويا علي أنت أول المؤمنين إيمانا ، وأول المسلمين إسلاما ، وأنت

مني بمنزلة هارون من موسى . ( 3 )

وموفق بن أحمد بإسناده إلى مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : قال

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : السبق ثلاثة : السابق إلى موسى عليه السلام يوشع بن نون ، والسابق

إلى عيسى عليه السلام صاحب يس ، والسابق إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم علي بن

أبي طالب عليه السلام . ( 4 )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) غاية المرام ص 386 . مناقب ابن المغازلي ص 320 .

( 2 ) غاية المرام ص 386 .

( 3 ) غاية المرام ص 356 . مناقب الخوارزمي ص 19 .

( 4 ) غاية المرام ص 356 . مناقب الخوارزمي ص 20 .

‹ صفحة 260 ›

وأما الروايات من طريقنا فكثيرة جدا بالغة حد التواتر ، ولنتبرك بذكر

واحدة منها .

علي بن إبراهيم ، في تفسيره ، أخبرنا الحسن بن علي ، عن أبيه ، عن

الحسين بن سعيد ، عن الحسين بن علوان الكلبي ، عن الحسين بن علي

العبدي ، عن أبي هارون العبدي ، عن ربيعة السعدي ، عن حذيفة بن اليمان :

أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرسل إلى بلال فأمره أن ينادي بالصلاة قبل وقت كل يوم

في رجب لثلاثة عشر خلت منه ، قال : فلما نادى بلال بالصلاة فزع الناس

من ذلك فزعا شديدا ، وذعروا وقالوا : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أظهرنا ، لم يغب

عنا ، ولم يمت ، فاجتمعوا وحشدوا ، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمشي حتى انتهى

إلى باب من أبواب المسجد ، فأخذ بمضاديته ، وفي المسجد مكان يسمى

السدة ، فسلم ثم قال : " هل تسمعون يا أهل السدة ؟ فقالوا : سمعنا وأطعنا ،

فقال : هل تبلغوه ؟ قالوا : ضمنا ذلك لك يا رسول الله ، ثم قال

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أخبركم أن الله خلق الخلق قسمين : فجعلني في خيرها

قسما ، وذلك قوله : " أصحاب اليمين وأصحاب الشمال " فأنا من أصحاب

اليمين ، وأنا من خير أصحاب اليمين ، ثم جعل القسمين أثلاثا ، فجعلني من

خيرها ثلاثا ، وذلك قوله : " أصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب

المشأمة ما أصحاب المشأمة * والسابقون السابقون " فأنا من السابقين ، وأنا

خير السابقين ، ثم جعل الأثلاث قبائل ، فجعلني في خيرها قبيلة ، وذلك

قوله : " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل

لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم " فقبيلتي خير القبائل ، وأنا سيد ولد

آدم ، وأكرمهم على الله ، ولا فخر ، ثم جعل القبائل بيوتا ، فجعلني من

خيرها بيتا ، وذلك قوله : " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت

‹ صفحة 261 ›

ويطهركم تطهيرا " ألا وإن الله اختارني في ثلاثة من أهل بيتي ، وأنا سيد

الثلاثة وأتقاهم لله ، اختارني ، وعليا وجعفرا ابني أبي طالب ، وحمزة بن

عبد المطلب ، كنا رقودا بالأبطح ، ليس منا إلا مسجى بثوبه على وجهه ،

علي بن أبي طالب عن يميني ، وجعفر عن يساري ، وحمزة عند رجلي ، فما

نبهتني عن رقدتي غير حفيف أجنحة الملائكة ، وبرد ذراعي علي بن

أبي طالب في صدري ، فانتبهت من رقدتي ، وجبرائيل في ثلاثة أملاك ،

يقول له أحد الأملاك الثلاثة : جبرائيل إلى أي هؤلاء أرسلت ؟ فرفسني

برجله ، فقال : إلى هذا ، قال : ومن هذا يستفهم ، فقال : هذا رسول الله

سيد النبيين صلى الله عليه وآله وسلم وهذا علي بن أبي طالب سيد الوصيين ، وهذا جعفر بن

أبي طالب عليه السلام له جناحان يطير بهما في الجنة ، وهذا حمزة بن عبد المطلب

سيد الشهداء " عليهم الصلاة والسلام . ( 1 )

أقول : لا شبهة عند الفريقين أن أول من آمن بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وآله وسلم

وصلى معه من الرجال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، كما أن أول من آمن به من

النساء خديجة الكبرى أم المؤمنين ، وقد تواترت الأخبار فيه من الجانبين .

وقد ذكر في غاية المرام في هذا الباب سبعة وأربعين حديثا من طريق

العامة ، وثمانية عشر من طريقنا . ( 2 )

ومن جملة ما رواه من طريقهم : ما رواه عن موفق بن أحمد بإسناده ،

إلى معاذ بن جبل ، أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام : " اختصمت بالنبوة

ولا نبوة بعدي وتخصم الناس بسبع لا يحاجك فيهن أحد من قريش ، أنت

أولهم إيمانا بالله ، وأوفاهم بعهد الله ، وأقومهم بالله ضرابة ، وأقسمهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) غاية المرام ص 356 نقلا عن تفسير القمي 661 . الطبع الحجري .

( 2 ) غاية المرام ص 499 .

‹ صفحة 262 ›

بالسوية ، وأعدلهم في الرعية ، وأبصرهم في القضية ، وأعظمهم عند الله

يوم القيامة مزية " . ( 1 )

وما عن إبراهيم الحمويني من أعيان علماء العامة ، بإسناده إلى

ابن سخيلة ، قال : حججت أنا وسلمان ، فنزلنا بأبي ذر فكنا عنده ما شاء

الله ، فلما حان منا خفوق ، قلت : يا أبا ذر ، إني أرى أمورا قد حدثت وإني

خائف على الناس الاختلاف ، فإن كان ذلك فما تأمرني ؟ قال : إلزم كتاب

الله وعلي بن أبي طالب عليه السلام ، فأشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : علي

أول من آمن بي ، وأول من يصافحني يوم القيامة ، وهو الصديق الأكبر ،

والفاروق يفرق بين الحق والباطل . ( 2 )

وما عن الحمويني المتقدم ، بإسناده عن أبي أيوب ، قال : قال

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لقد صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين ، لأنا كنا

نصلي ليس معنا أحد يصلي غيرنا " . ( 3 )

وما عن ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ، قال : روى

عبد السلام بن صالح ، عن إسحاق الأزرق ، عن جعفر بن محمد عليه السلام عن

آبائه عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما زوج فاطمة دخل النساء عليها ، فقلن : يا بنت

رسول الله خطبك فلان وفلان فردهم عنك وزوجك فقيرا لا مال له ، فلما

دخل عليها أبوها صلى الله عليه وآله وسلم رأى ذلك في وجهها ، فسألها فذكرت له ذلك ، فقال :

" يا فاطمة إن الله أمرني فأنكحتك أقدمهم سلما ، وأكثرهم علما ، وأعظمهم

حلما ، وما زوجتك إلا بأمر من السماء ، أما علمت أنه أخي في الدنيا وفي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) غاية المرام ص 502 نقلا عن مناقب الخوارزمي ص 61 .

( 2 ) غاية المرام ص 502 نقلا عن فرائد السمطين .

( 3 ) غاية المرام ص 502 نقلا عن فرائد السمطين .

‹ صفحة 263 ›

الآخرة . ( 1 )

ومن جملة ما رواه من طريقنا : ما عن ابن بابويه ، قال : حدثنا

محمد بن علي رحمه الله عن عمه محمد بن أبي القاسم ، عن محمد بن علي

الكوفي ، عن محمد بن سنان ، عن مفضل ، عن جابر بن يزيد ، عن أبي الزبير

المكي ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الله

تبارك وتعالى اصطفاني ، واختارني ، وجعلني رسولا ، وأنزل علي

سيد الكتب ، فقلت : إلهي وسيدي إنك أرسلت موسى إلى فرعون فسألك

أن تجعل معه أخاه هارون وزيرا ، يشد به عضده ، ويصدق به قوله ، وإني

أسألك يا سيدي وإلهي أن تجعل لي من أهلي وزيرا تشد به عضدي ، فاجعل

لي عليا وزيرا وأخا ، واجعل الشجاعة في قلبه ، وألبسه الهيبة على عدوه ،

وهو أول من آمن بي ، وصدقني ، وأول من وحد الله معي ، وإني سألت

ذلك ربي عز وجل فأعطانيه ، فهو سيد الأوصياء ، اللحوق به سعادة ،

والموت في طاعته شهادة ، واسمه في التوراة مقرون إلى اسمي ، وزوجته

صديقة الكبرى ابنتي ، وابناه سيدا شباب أهل الجنة ابناي ، وهو ، وهما ،

والأئمة من بعدهم حجج الله على خلقه بعد النبيين ، وهم أبواب العلم في

أمتي ، من تبعهم نجا من النار ، ومن اقتدى بهم هدي إلى صراط مستقيم ، لم

يهب الله محبتهم لعبد إلا أدخله الله الجنة " . ( 2 )

إذا وقفت على ما بيناه ورويناه في تفسير الآية الكريمة من روايات

الفريقين ، من أنها نزلت في شأن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، فاعلم أن الآية

الكريمة تدل على اختصاص الخلافة والإمامة به عليه السلام من وجهين :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) غاية المرام ص 503 .

( 2 ) غاية المرام ص 504 . أمالي الصدوق ص 28 المجلس 6 .

‹ صفحة 264 ›

الأول : إخباره تعالى شأنه عن السابقين في الإيمان بالله تعالى

وبرسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأنهم السابقون على وجه الاطلاق ، يعني أنهم استحقوا السبق

في جميع الموارد ، ومن جملتها : الخلافة ، والإمامة ، والإمارة ، فجعل

السابق مسبوقا في الخلافة عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم نقض صريح لقوله

تعالى ، ورد عليه عز وجل .

والثاني : إخباره تعالى عنهم بأنهم المقربون ، فإن مقتضى كون

السابقين هم المقربون إلى الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، تقدمهم على المسبوقين ،

فتقديم المسبوقين على السابقين في الخلافة تقريب للبعيد ، وتبعيد للقريب ،

وهو ضروري البطلان ، إذ لا يمكن أن يكون المحمول نافيا للموضوع .

بيانه إن التقرب ( 1 ) إليه تعالى لا يكون بالمكان ، بل بالمنزلة ، كما هو

ظاهر فإذا صار البعيد خليفة عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم والقريب تحت

طاعته ، وبيعته من قبل الله تعالى صار البعيد قريبا إليه تعالى شأنه ، إذ

لا منزلة أقرب إليه تعالى من منزلة الخلافة عنه ، والقريب بعيدا ، لتمسكه

بذيل البعيد ، فهو خلف للموضوع ، واستحالته أوضح من استحالة اجتماع

الضدين .

فإن قلت : لا شبهة في أن الأقرب إلى الله تعالى يستحق التقدم على

غيره ولكن قد تقتضي الحكمة تقديم البعيد على القريب ، كما قال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) وببيان أوضح قرب العبد إلى الله تعالى وصيرورته من المقربين : إنما هو بظهور آثار القرب

فيه ، وترتب آثاره عليه من سبق دخوله في الجنة ، وإنزال الرحمة عليه وإكرامه بما لا يكرم

به غيره ، وهكذا من الآثار المترتبة على القرب ، لا بصيرورته قريبا حقيقة في المكان أو في

سائر الجهات المتطرقة في الخلق ، فلو رتب آثار القرب على المسبوق بجعله خليفة لله

تعالى ، والسابق تحت طاعته وولايته للزم أن يكون المسبوق مقربا إليه تعالى ، دون

السابق " وهو مناقض لقوله عز وجل " أولئك هم المقربون " . منه " قدس سره " .

‹ صفحة 265 ›

ابن أبي الحديد في خطبته : ( 1 ) " الحمد لله الذي قدم المفضول على الفاضل "

لحكمة اقتضتها ، فلا مانع حينئذ من القول بتقديم البعيد على القريب ، مع

وجود ما يقتضيه .

قلت : إنك قد عرفت أن تقديم البعيد على القريب في الخلافة

والإمامة مما لا يعقل ، لأن القرب بالنسبة إليه تعالى إنما هو في المنزلة ، لا في

المكان أو النسب وهكذا من أسباب القرب المتطرقة في الممكنات ، وتقديم

البعيد عنه تعالى منزلة على القريب إليه كذلك في الخلافة والإمامة يوجب

انقلاب الموضوع ، وصيرورة البعيد قريبا ، والقريب بعيدا ، وهو خلف

محال ، مع أنه لو قطعنا النظر عما بيناه من عدم إمكانه في حد نفسه ، فالقول

بوقوعه ونسبته إليه تعالى شأنه باطل ، إذ لو أريد من نسبة تقديم المفضول

على الفاضل إليه تعالى شأنه ثبوت النص على تقديم الخلفاء الثلاثة على

مولانا أمير المؤمنين عليه السلام فهو بديهي البطلان ، إذ لم يدع أحد منهم وجود

النص على خلافتهم ، بل استخلاف الأول منهم بالبيعة بزعمهم ، والثاني

بنصب الأول إياه ، والثالث بالشورى التي جعلها الثاني .

وإن قيل إن نسبة التقديم إليه تعالى باعتبار اتفاق الأمة على البيعة معه ،

الكاشف عن استحقاقه الخلافة كقوله صلى الله عليه وآله وسلم : " لا تجتمع أمتي على الخطأ " ( 2 ) فهو

بديهي البطلان أيضا لعدم انعقاد الاجماع على بيعته طوعا ، كما مر لك

ذكره .

وإن قيل إنها باعتبار تفويض أمر الخلافة إليهم من قبل مولانا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) يعني خطبة كتاب شرح نهج البلاغة .

( 2 ) راجع البحار ج 2 / 225 و ج 28 / 104 ، والمعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي

ج 1 / 367 .

‹ صفحة 266 ›

أمير المؤمنين ، فهو أبين بطلانا ، إذ المراد من التفويض إما الإنابة والتوكيل أو

إلقاء حبل الخلافة إليهم ، معرضا عنها ، مسقطا حقه فيها أم لا والكل باطل .

أما الأول فمع أنه فرية بينة ، لا يجامع مع إصرارهم على أخذ البيعة

منه عليه السلام حتى اهتموا بإحراق بيت سيدتنا فاطمة الزهراء عليها السلام لإخراجه

وإحضاره وأخذ البيعة منه عليه السلام كرها ، كما رواه نقلة الأخبار من الفريقين ، إذ

لا مجال لأخذ النائب البيعة من المنوب عنه .

وأما الثاني فهو غير معقول في حد نفسه ، لأن حبل الخلافة بيده تعالى

شأنه ، ولا يقبل السقوط بإسقاط الإمام عليه السلام مع أنه باطل مع قطع النظر عما

بينا ، لمنافاته مع شكايته عليه السلام عنهم في مواضع كثيرة ، كما عرفت .

وأما الثالث فهو راجع في الحقيقة إلى الأول .

وكيف كان لا يجامع هذا النحو من التفويض ، مع أخذ البيعة منه عليه السلام

وينافي مع شكايته عليه السلام عنهم ، فلا معنى للتفويض على كل ، بل لم يدعه أحد

من الأمة .

نعم صبر عليه السلام على غصب حقه ، ولا يطالبه بالسيف خوفا من ارتداد

الناس عن الإسلام رأسا .

وإن أريد أن خلافة الخلفاء كانت بمشيئته تعالى وإلا لم تكن ، إذ " ما

شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن " ففيه : أن مشيئته تعالى بمعنى التقدير ،

وعدم منع العبد عن مراده ، وإبقاء الاختيار له ، حتى يتمكن من فعل ما أراده

جارية في الطاعة والمعصية ، وإلا لم يصدر منهم ، مع أن صدور المعصية

منهم من الشرك والإلحاد وهكذا ، واضح بين ، فلا تكشف المشيئة بهذا المعنى

من رضائه تعالى شأنه بما فعله العبد . فتبين بما بيناه غاية التبين أن نسبة تقديم

الخلفاء إلى الله تعالى غلط بين .

‹ صفحة 267 ›

فإن قلت : إسلام مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وإيمانه بالله تعالى

وبرسوله صلى الله عليه وآله وسلم إنما كان في حال صباه ، وقبل بلوغه ، ولا عبرة بإسلام الصبي ،

فلا يكون فضلا له موجبا لتقدم إسلامه على إسلام الخلفاء .

قلت : هذا اعتراض على خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم حيث مدح مولانا

أمير المؤمنين عليه السلام بأنه أول المؤمنين إيمانا ، وأول المسلمين إسلاما ، كما رواه

الفريقان ، بل قد عرفت أن الخليفة الثاني من جملة رواة هذه الرواية الشريفة ،

وأنه قال : لوددت أن يكون لي واحدة منهن ، وكانت أحب إلي مما طلعت

عليه الشمس ، بل اعتراض على الله تعالى شأنه حيث أنزل في شأنه عليه السلام

قوله عز وجل : " والسابقون السابقون * أولئك المقربون " ( 1 ) باتفاق روايات

الفريقين ، فهو لا يستحق جوابا حينئذ ومع ذلك نقول تفضلا : إن الصبا

لا يمنع من كمال العقل الموجب لقبول الإسلام والإيمان ، ألا ترى أن عيسى

ويحيى عليه السلام أوتيا الحكمة في حال الصبا ومولانا أمير المؤمنين عليه السلام حسب أخبار

النورانية وغيرها من الأخبار التي رواها الفريقان كان أكمل الخلق بعد خاتم

النبيين صلى الله عليه وآله وسلم ، فلا مجال حينئذ لتوهم عدم قبول إيمانه في حال صباه ، بل يجب

على من أسلم بعد عثوره على روايات الباب الاعتراف بفضيلة أخرى له عليه السلام

وهو كماله قبل بلوغه عليه السلام لا الاستبعاد ، وإظهار التزلزل في قبول إيمانه عليه السلام .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) الواقعة : 9 - 10 .

‹ صفحة 268 ›

الحديث الحادي والثلاثون

في تفسير قوله تعالى : " طوبى لهم وحسن مآب " . ( 1 )

في غاية المرام : الثعلبي قال : أخبرني عبد الله بن محمد بن عبد الله بن

محمد ، حدثنا محمد بن عثمان بن الحسن ، حدثنا محمد بن الحسين بن

صالح ، قال : حدثنا علي بن محمد الدهان ، والحسين بن إبراهيم الجصاص ،

قالا : حدثنا الحسين بن الحكم ، حدثنا حسن بن حسين ، عن حيان ، عن

الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس : " طوبى لهم " قال : شجرة أصلها

في دار علي عليه السلام في الجنة ، وفي كل دار مؤمن منها غصن يقال له : طوبي ،

و " حسن مآب " حسن المرجع . ( 2 )

أيضا : الثعلبي ، عن أبي صالح ، أخبرنا عبد الله بن سواد ، حدثنا

جندل بن والق النعماني ، حدثنا إسماعيل بن أمية القرشي ، عن داود بن

عبد الجبار ، عن جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قوله :

" طوبى لهم وحسن مآب " فقال : شجرة في الجنة أصلها في داري وفرعها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) الرعد : 28 .

( 2 ) غاية المرام ص 392 نقلا عن تفسير الثعلبي .

‹ صفحة 269 ›

على أهل الجنة ، فقيل له : يا رسول الله سألناك عنها فقلت شجرة في الجنة ،

أصلها في دار علي وفرعها على أهل الجنة ، فقال : إن داري ودار علي واحدة

غدا في مكان واحد . ( 1 )

وعن محمد بن سيرين في قوله تعالى : " طوبى لهم " قال : هي

شجرة في الجنة أصلها في حجرة علي وليس في الجنة حجرة إلا وفيها غصن

من أغصانها . ( 2 )

وقد روى الثعلبي في وصف شجرة طوبى خبرين :

الأول : قال روى معاوية بن قرة عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

" طوبى شجرة غرسها الله تعالى بيده ونفخ فيها من روحه تنبت بالحلي

والحلل ، وإن أغصانها لترى من وراء ستور الجنة " .

والثاني : قال عندر بن عمير : هي شجرة في جنة عدن ، أصلها في

دار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي كل دار وغرفة غصن منها ، لم يخلق الله لونا ولا زهرة

إلا وفيها منها ، إلا السواد ، ولم يخلق الله فاكهة ولا ثمرة إلا وفيها منها ، ينبع

من أصلها عينان : الكافور والسلسبيل - وبه قال مقاتل - كل ورقة تظل أمة

عليها ملك يسبح بأنواع التسبيح . ( 3 )

هذا . وأما الروايات من طريقنا فكثيرة جدا ، ولنذكر خبرين منها

تيمنا .

الأول : ابن بابويه ، بإسناده عن أبي بصير ، قال : قال الصادق عليه السلام :

طوبى لمن تمسك بأمرنا في غيبة قائمنا ولم يزغ قلبه بعد الهداية ، فقلت له :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) غاية المرام ص 392 نقلا عن تفسير الثعلبي .

( 2 ) غاية المرام ص 392 .

( 3 ) غاية المرام ص 391 - 392 نقلا عن تفسير الثعلبي .

‹ صفحة 270 ›

جعلت فداك وما طوبى ؟ قال : شجرة في الجنة ، أصلها في دار علي بن

أبي طالب عليه السلام وليس من مؤمن إلا وفي داره غصن من أغصانها ، وذلك قول

الله عز وجل : " طوبى لهم وحسن مآب " . ( 1 )

والثاني : محمد بن يعقوب بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام

قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام : إن لأهل الدين علامات يعرفون بها صدق

الحديث ، وأداء الأمانة ، ووفاء العهد ، وصلة الأرحام ، ورحمة الضعفاء ،

وقلة المراقبة للنساء - أو قال : قلة المواتاة للنساء وبذل المعروف ، وحسن

الخلق ، وسعة الحلم ، واتباع العلم فيما يقرب إلى الله زلفى طوبى لهم

وحسن مآب ، وطوبى شجرة في الجنة ، أصلها في دار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وليس من

مؤمن إلا وفي داره غصن منها ، لا يخطر على قلبه شهوة شئ إلا أتاه به ذلك

الغصن ، ولو أن راكبا مجدا سار في ظلها مائة عام ما خرج منه ، ولو أن

غرابا طار من أسفلها ما بلغ أعلاها حتى يسقط هرما ، ألا في هذا فارغبوا ،

أن المؤمن من نفسه في شغل ، والناس منه في راحة ، إذا جن عليه الليل

افترش وجهه وسجد لله عز وجل بمكارم بدنه ، يناجي الذي خلقه في فكاك

رقبته ، ألا فهكذا كونوا . ( 2 )

أقول : ويستفاد عن هذه الروايات الشريفة المفسرة للآية الكريمة

المستفيضة من طريق العامة ، المتواترة من طريقنا ، أن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام

سيد المؤمنين وخيرهم ، وأفضلهم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنه بمنزلة نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم ،

وليس أحد أقرب منه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم درجة ومنزلة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) غاية المرام ص 392 نقلا عن الصدوق .

( 2 ) الكافي 2 / 239 . غاية المرام ص 396 .

‹ صفحة 271 ›

توضيح ذلك : إن قوله صلى الله عليه وآله وسلم في جواب السائل : إن داري ودار علي

واحدة غدا في مكان واحد ، يدل على أن منزلته عليه السلام منه صلى الله عليه وآله وسلم منزلة نفسه

الشريفة وهما في درجة واحدة عند الله تعالى شأنه ، كما أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم " أصلها

في دار علي وفرعها على أهل الجنة ، وليس من مؤمن إلا وفي داره غصن

منها " ، كاشف عن أنه عليه السلام أفضل المؤمنين ، وسيدهم ، وخيرهم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم

ويتبين المعنى الأول أيضا من آية " أنفسنا " ( 1 ) وخبر المنزلة ، وحديث المؤاخاة

المتواترين من الجانبين ، ومنها يتبين المعنى الثاني أيضا ، ضرورة أن من كان

بمنزلة نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخا له صلى الله عليه وآله وسلم يكون سيد المؤمنين ، وأفضلهم ، وخيرهم .

ويدل عليه بالخصوص الروايات المتواترة عند الفريقين ، وقد ذكر - في

غاية المرام من طريق العامة - في هذا الباب ما تجاوز عن خمسين حديثا . ( 2 )

منها : ما رواه عن أبي المؤيد موفق بن أحمد أخطب خطباء خوارزم ،

من أعيان علماء العامة في كتاب فضائل أمير المؤمنين عليه السلام بإسناده عن أنس

قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " يا أنس اسكب لي وضوءا ثم قام فصلي ركعتين ،

ثم قال : يا أنس أول من يدخل عليك من هذا الباب : أمير المؤمنين

وسيد المسلمين ، وقائد الغر المحجلين ، وخاتم الوصيين ، قال : قلت اللهم

اجعله رجلا من الأنصار وكتمته إذ جاء علي عليه السلام : فقال : من هذا يا أنس ؟

فقلت : علي عليه السلام ، فقام مستبشرا فاعتنقه ، ثم جعل يمسح عرق وجه علي عن

وجهه ، فقال علي : يا رسول الله لقد رأيتك صنعت أشياء ما صنعت بي من

قبل ، قال : وما يمنعني وأنت تؤدي عني ، وتسمعهم صوتي ، وتبين لهم ما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) آية المباهلة .

( 2 ) غاية المرام ص 454 - 460 .

‹ صفحة 272 ›

اختلفوا فيه من بعدي . ( 1 )

بيان : المراد من خاتم ( 2 ) الوصيين : خاتم أوصياء الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم فلا ينافي

مع أنه أول الأوصياء بالنسبة إلى نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وبعد ما تبين لك أنه عليه السلام بمنزلة نفس

النبي وأنه أفضل المؤمنين وسيدهم وخيرهم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم تبين لك اختصاص

الخلافة والإمامة به ، لاستحالة أن يكون من هذا شأنه تحت بيعة من دونه من

المؤمنين .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) غاية المرام ص 619 نقلا عن مناقب الخوارزمي ص 42 .

( 2 ) هكذا في رواية موفق بن أحمد ، وروى غيره من العامة والخاصة ، عن أنس بدل خاتم

الوصيين خير الوصيين ، فعلى هذا يحتمل أن يكون خاتم الوصيين سهوا من الراوي أو

الناسخ ، ولو صح تعين حمله على ما ذكرناه ، إذ لم يدع أحد الوصاية لغيره عليه السلام ، والعامة

فرقوا بين الوصاية والخلافة ، فجعلوا الوصاية لعلي عليه السلام والخلافة لأبي بكر بالبيعة ، ولم

يدع أحد منهم الوصاية له .

‹ صفحة 273 ›

الحديث الثاني والثلاثون

في تفسير قوله تعالى : " ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين

أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك

رفيقا " . ( 1 )

في غاية المرام : الشيخ الطوسي في مصابيح الأنوار . ( 2 )

عن أنس بن مالك قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض الأيام

صلاة الفجر ، ثم أقبل علينا بوجهه الكريم ، فقلت : يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن رأيت

أن تفسر لنا قول الله عز وجل : " أولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين

والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا " فقال صلى الله عليه وآله وسلم : أما النبيون

فأنا ، وأما الصديقون فأخي علي بن أبي طالب عليه السلام وأما الشهداء فعمي

حمزة ، وأما الصالحون فابنتي فاطمة عليها السلام وأولادها الحسن والحسين عليهما السلام ، قال :

وكان العباس حاضرا فوثب وجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال : ألسنا أنا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) النساء : 69 .

( 2 ) هذا الكتاب ليس من الشيخ الطوسي " ره " .

وفي غاية المرام هكذا : " ابن بابويه في كتاب مصباح الأنوار " وهذه النسبة أيضا غير

صحيحة . راجع الذريعة 21 / 103 .

‹ صفحة 274 ›

وأنت وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهما السلام من نبعة واحدة ، قال : وكيف

ذلك يا عم ، قال العباس : لأنك تعرف بعلي وفاطمة والحسن والحسين

دوننا ، فتبسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال : أما قولك يا عم ألسنا من نبعة واحدة ،

فصدقت ، ولكن يا عم إن الله خلقني وعليا وفاطمة والحسن والحسين عليه السلام

قبل أن يخلق الله آدم ، حيث لا سماء مبنية ، ولا أرض مدحية ، ولا ظلمة

ولا نور ، ولا جنة ولا نار ، ولا شمس ولا قمر . قال العباس : وكيف كان بدء

خلقكم يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : يا عم لما أراد الله أن يخلقنا تكلم بكلمة خلق

منها نورا ، ثم تكلم بكلمة ، فخلق منها روحا ، فمزج النور بالروح ، فخلقني

وأخي عليا وفاطمة والحسن والحسين ، فكنا نسبحه حين لا تسبيح ، ونقدسه

حين لا تقديس ، فلما أراد الله أن ينشئ الصنعة فتق نوري فخلق منه العرش ،

فالعرش من نوري ، ونوري من نور الله ، ونوري أفضل من العرش ، ثم فتق

نور أخي علي بن أبي طالب ، فخلق منه الملائكة ، فالملائكة من نور علي ،

ونور علي من نور الله ، وعلي أفضل من الملائكة ، ثم فتق نور ابنتي فاطمة ،

فلخلق منه السماوات والأرض ، ونور ابنتي فاطمة من نور الله عز وجل ،

وابنتي فاطمة أفضل من السماوات والأرض ، ثم فتق نور ولدي الحسن ،

وخلق منه الشمس والقمر ، فالشمس والقمر من نور ولدي الحسن ، ونور

ولدي الحسن من نور الله ، والحسن أفضل من الشمس والقمر ، ثم فتق نور

ولدي الحسين ، فخلق منه الجنة والحور العين ، فالجنة والحور العين من نور

ولدي الحسين عليه السلام ونور ولدي من نور الله ، وولدي أفضل من الجنة والحور

العين ، ثم أمر الله الظلمات أن تمر بسحائب الظلم ، فأظلمت السماوات

على الملائكة ، فضجت الملائكة بالتسبيح والتقديس ، وقالت إلهنا وسيدنا منذ

خلقتنا وعرفتنا هذه الأشباح لم نر بؤسا ، فبحق هذه الأشباح إلا ما كشفت

‹ صفحة 275 ›

عنا هذه الظلمة ، فأخرج الله من نور فاطمة قناديل فعلقها في بطنان العرش ،

فأزهرت السماوات والأرض ، ثم أشرقت بنورها ، فلأجل ذلك سميت

الزهراء ، فقالت الملائكة : إلهنا وسيدنا لمن هذا النور الزاهر الذي أشرقت به

السماوات والأرض ؟ فأوحى الله إليها هذا نور اخترعته من نور جلالي

لأمتي فاطمة بنت حبيبي ، وزوجة وليي ، وأخ نبيي ، وأب حججي على

عبادي ، أشهدكم يا ملائكتي أني قد جعلت ثواب تسبيحكم وتقديسكم لهذه

المرأة وشيعتها ومحبيها إلى يوم القيامة ، فلما سمع العباس من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

وثب قائما وقبل ما بين عيني علي عليه السلام وقال : والله أنت يا علي الحجة

البالغة ، لمن آمن بالله واليوم الآخر . ( 1 )

أقول : على ما في هذه الرواية من تفسير الصديقين بمولانا أمير المؤمنين عليه السلام ما رواه الفريقان عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مستفيضا بل متواترا من

طريقنا : " ثلاثة : حبيب النجار مؤمن آل يس ، وحزقيل مؤمن آل فرعون ،

وعلي بن أبي طالب عليه السلام وهو أفضلهم " وقد رواه في غاية المرام من طريق

العامة بستة عشر طريقا . ( 2 )

منها : عن عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثنا محمد قال : حدثنا

الحسن بن عبد الرحمن الأنصاري ، قال : حدثنا عمر بن جميع ، عن أبي ليلى ،

عن أخيه عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبيه قال : قال

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الصديقون ثلاثة : حبيب بن موسى النجار ، وهو مؤمن

آل يس ، وحزقيل مؤمن آل فرعون ، وعلي بن أبي طالب الثالث ، وهو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) غاية المرام ص 427 .

( 2 ) غاية المرام ص 648 .

‹ صفحة 276 ›

أفضلهم . ( 1 )

ومنها : من الجزء الثاني من جزئين اثنين من كتاب الفردوس ، وهو

نصف الكتاب من تصنيف ابن شيرويه الديلمي ، في باب الصاد عن داود بن

بلال ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " الصديقون ثلاثة : حبيب النجار مؤمن

آل يس ، وحزقيل مؤمن آل فرعون ، وعلي بن أبي طالب عليه السلام وهو

أفضلهم " . ( 2 )

ومنها : عن ابن المغازلي بطريقين ، مسندا إلى أبي ليلى ، عن أبيه عن

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . ( 3 )

ومنها : عن الثعلبي ، في تفسيره بالإسناد عن عبد الرحمن بن

أبي ليلى ، عن أبيه ، قال : سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين :

علي بن أبي طالب عليه السلام ، وصاحب يس ، ومؤمن آل فرعون ، فهم الصديقون ،

وعلي عليه السلام أفضلهم . ( 4 )

ومنها : عن علي بن الجعد ، عن الحسن ، عن ابن عباس ، في قوله

تعالى : " والذين آمنوا بالله ورسوله أولئك هم الصديقون " ( 5 ) قال : صديق

هذه الأمة علي بن أبي طالب هو الصديق الأكبر ، والفاروق الأعظم ، ثم

قال : والشهداء عند ربهم . قال ابن عباس ، وهم : علي ، وجعفر وحمزة ،

وهم صديقون ، وهم شهداء الرسل على أممهم ، أنهم قد بلغوا الرسالة ، ثم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) غاية المرام ص 647 .

( 2 ) غاية المرام ص 647 .

( 3 ) غاية المرام ص 648 . مناقب المنازلي ص 246 - 247 .

( 4 ) غاية المرام ص 648 نقلا عن تفسير الثعلبي .

( 5 ) الحديد : 19 .

‹ صفحة 277 ›

قال : لهم أجرهم على التصديق بالنبوة ، ونورهم على الصراط . ( 1 )

بيان : المراد من مؤمن آل يس : صاحب يس ، فالإضافة فيه ظرفية أي

آل مذكور في سورة يس .

أقول : يظهر من رواية الثعلبي أن الاتصاف بهذه المرتبة الجليلة - وهي

مرتبة الصديقية - أو كمالها متفرع على السبق إلى الإيمان بالله تعالى

وبرسوله صلى الله عليه وآله وسلم على سائر الناس فينحصر حينئذ الصديق الكامل في مولانا

أمير المؤمنين عليه السلام لسبق إيمانه على إيمان سائر الناس باتفاق المسلمين . فيدل

على ثبوت هذه المرتبة له عليه السلام جميع ما دل على سبقه على سائر الناس ،

فيثبت له عليه السلام كمال مرتبة الصديقية بالأخبار المتواترة من الجانبين ، لأن

مجموع الروايات الواردة من الطريقين ، بل من طريق المخالفين فقط يبلغ حد

التواتر قطعا .

ثم اعلم أن صيغة فعيل تدل على ملازمة المبدأ ودوامه ، كما يشهد به

الاطراد في موارد الاستعمالات ، فإن سكير لا يطلق إلا على دائم السكر ،

وملازمه ، كما أن شريب لا يطلق إلا على دائم الشرب وملازمه ، فالصديق

من كان ملازما للصدق ومداوما عليه ، ولا يتحقق هذا المعنى إلا بأن يصدق

قوله فعله ، وفعله قوله ، وكمال هذه المرتبة ملازمة للعصمة .

وإذا تبين لك ما بيناه تبين لك اختصاص الخلافة والإمامة به عليه السلام

ضرورة استحالة أن يكون من هذا شأنه تحت طاعة من لم يكن صديقا في

قوله وفعله .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) غاية المرام ص 648 نقلا عن مناقب ابن شهرآشوب . 3 / 89 طبع قم .

‹ صفحة 278 ›

فإن قلت : إن أبا بكر كان صديقا أيضا ، وقد اشتهر تلقبه بهذا اللقب

عند المسلمين .

قلت : إطلاق الصديق عليه كإطلاق خليفة رسول الله ، وأمير المؤمنين

عليه ، من موضوعات الناس ، فلا عبرة به ، وأين اللقب الذي أعطاه الناس

الذين لا اطلاع لهم على السرائر والضمائر ، حسب هواهم من اللقب الذي

أعطاه الله تعالى العالم بسرائر عباده وضمائرهم .

‹ صفحة 279 ›

الحديث الثالث والثلاثون

في تفسير قوله تعالى : " أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في

جنب الله وإن كنت لمن الساخرين " . ( 1 )

في غاية المرام بعد أن ذكر أن فيه ثلاثة أحاديث من طريق العامة .

قال : الأول ، محمد بن إبراهيم المعروف بابن زينب النعماني ، رواه

من طريق العامة ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن معمر الطبراني بطبرية ،

سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة ، وكان هذا الرجل من موالي يزيد بن معاوية

ومن النصاب ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا علي بن هاشم ، والحسن بن

السكن ، قال : حدثنا عبد الرزاق بن همام ، قال : أخبرني أبي عن مينا مولى

عبد الرحمن بن عوف ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال : وفد على

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهل اليمن ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : جاءكم أهل اليمن يبسون بسيسا ،

فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : قوم رقيقة قلوبهم ، راسخ إيمانهم ، منهم

المنصور ، يخرج في سبعين ألفا ، ينصر خلفي ، وخلف وصيي ، حمائل

سيوفهم المسك ، فقالوا يا رسول الله ، ومن وصيك ؟ فقال : هو الذي أمركم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) الزمر : 57 .

‹ صفحة 280 ›

الله بالاعتصام به ، فقال عز وجل : " واعتصموا بحبل الله جميعا

ولا تفرقوا " ( 1 ) فقالوا : يا رسول الله بين لنا ما هذا الحبل ؟ فقال : هو قول

الله : " إلا بحبل من الله وحبل من الناس " ( 2 ) ، فالحبل من الله كتابه ،

والحبل من الناس وصيي ، فقالوا : يا رسول الله ومن وصيك ؟ ، فقال : هو

الذي أنزل فيه : " أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله "

فقالوا : يا رسول الله وما جنب الله هذا ؟ فقال : هو الذي يقول الله فيه :

" ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا " ( 3 )

هو وصيي ، السبيل إلى من بعدي ، فقالوا : يا رسول الله بالذي بعثك بالحق

أرناه ، فقد اشتقنا إليه ، فقال : هو الذي جعله الله آية للمتوسمين فإن نظرتم

إليه نظر من " كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد " عرفتم أنه وصيكم ،

كما عرفتم أني نبيكم فتخللوا الصفوف ، وتصفحوا الوجوه ، فمن أهوت إليه

قلوبكم فإنه هو ، لأن الله عز وجل يقول في كتابه : " واجعل أفئدة من الناس

تهوى إليهم " ( 4 ) وإلى ذريته عليه السلام ، قال : فقام أبو عامر الأشعري في

الأشعريين ، وأبو غرة الخولاني في الخولانيين وظبيان وعثمان بن قيس ،

وغربة الدوسي في الدوسيين ، ولاحق بن علاقة ، فتخللوا الصفوف ،

وتصفحوا الوجوه ، وأخذوا بيد الأصلع البطين ، وقالوا : إلى هذا أهوت

أفئدتنا يا رسول الله ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أنتم نخبة الله حين عرفتم وصي

رسول الله قبل أن تعرفوه ، فيم عرفتم أنه هو ؟ فرفعوا أصواتهم يبكون ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) آل عمران : 103 .

( 2 ) آل عمران : 112 .

( 3 ) الفرقان : 27 .

( 4 ) إبراهيم : 37 .

‹ صفحة 281 ›

وقالوا : يا رسول الله نظرنا إلى القوم فلم ينجس لهم ، ولما رأيناه وجلت

قلوبنا ، ثم اطمأنت نفوسنا فانجاست أكبادنا ، وهملت أعيننا وتبلجت

صدورنا حتى كأنه لنا أب ، ونحن له بنون ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " وما يعلم

تأويله إلا الله والراسخون في العلم " ( 1 ) أنتم منه بالمنزلة التي سبقت لكم بها

الحسنى ، وأنتم عن النار مبعدون ، قال : فبقي هؤلاء القوم المسمون حتى

شهدوا مع أمير المؤمنين عليه السلام الجمل وصفين ، فقتلوا رضي الله عنهم بصفين ،

وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبشرهم بالجنة وأخبرهم أنهم يستشهدون مع علي بن

أبي طالب كرم الله وجهه . ( 2 )

وقال : الثاني ، صاحب المناقب الفاخرة في العترة الطاهرة قال : يروى

عن أبي بكر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " خلقت أنا وأنت يا علي من جنب

الله تعالى ، فقال : يا رسول الله ما جنب الله تعالى ؟ فقال : سر مكنون ،

وعلم مخزون ، لم يخلق الله منه سوانا ، فمن أحبنا وفي بعهد الله ، ومن

أبغضنا فإنه يقول في آخر نفس : " يا حسرتي على ما فرطت في جنب

الله " . ( 3 )

قال : الثالث ، إبراهيم الحمويني من أعيان علماء العامة بإسناده إلى

أبي جعفر بن بابويه قال : حدثنا أبي قال : حدثنا سعد بن عبد الله ، عن

أحمد بن محمد بن عيسى ، عن العباس بن معروف ، عن عبد الله بن

عبد الرحمن البصري ، عن أبي المعز حميد بن المثنى العجلي ، عن أبي بصير ،

عن خيثمة الجعفي ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : سمعته يقول : " نحن جنب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) آل عمران : 7 .

( 2 ) غاية المرام ص 341 نقلا عن غيبة النعماني ص 39 - 41 طبع مكتبة الصدوق .

( 3 ) غاية المرام ص 341 .

‹ صفحة 282 ›

الله ، ونحن صفوته ، ونحن خيرته ، ونحن مستودع مواريث الأنبياء ، ونحن

أمناء الله عز وجل ، ونحن حجة الله ، ونحن أركان الإيمان ، ونحن دعائم

الإسلام ، ونحن من رحمة الله على خلقه ، ونحن بنا يفتح ، وبنا يختم ،

ونحن أئمة الهدى ، ونحن مصابيح الدجى ، ونحن منار الهدى ونحن

السابقون ، ونحن الآخرون ، ونحن العلم المرفوع للحق من تمسك بنا لحق

ومن تأخر غرق ، ونحن الغر المحجلون ، ونحن خيرة الله ، ونحن الطريق

الواضح والصراط المستقيم إلى الله ، ونحن نعمة الله عز وجل على خلقه ،

ونحن المنهاج ، ونحن معدن النبوة ، ونحن موضع الرسالة ، ونحن مختلف

الملائكة ، ونحن السراج لمن استضاء بنا ، ونحن السبيل لمن اقتدى بنا ، ونحن

الهداة إلى الجنة ، ونحن الجسور والقناطر ، من مضى عليها لم يسبق ، ومن

تخلف عنها محق ، ونحن السنام الأعظم ، ونحن بنا ينزل الله عز وجل

الرحمة ، وبنا يسقون الغيث ، ونحن الذين بنا يصرف عنكم العذاب ، فمن

عرفنا وأبصرنا ، وعرف حقنا ، ويأخذ بأمرنا فهو منا وإلينا . ( 1 )

والروايات من طريقنا كثيرة جدا .

منها : عن ابن بابويه رحمه الله بإسناده عن أبي بصير ، عن

أبي عبد الله عليه السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام : أنا الهادي وأنا المهتدى وأنا

أبو اليتامى والمساكين ، وزوج الأرامل ، وأنا ملجأ كل ضعيف ، ومأمن كل

خائف ، وأنا قائد المؤمنين إلى الجنة ، وأنا حبل الله المتين ، وأنا عروة الله

الوثقى ، وكلمة التقوى ، وأنا عين الله ، ولسانه الصادق ويده ، وأنا جنب

الله الذي يقول : " أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله " ،

وأنا يد الله المبسوطة على عباده بالرحمة والمغفرة ، وأنا باب حطة ، من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) غاية المرام ص 341 - 342 .

‹ صفحة 283 ›

عرفني وعرف حقي فقد عرف ربه ، لأني وصي نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في أرضه وحجته

على خلقه ، لا ينكر هذا إلا راد على الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ( 1 )

ومنها : عن الطبرسي في الاحتجاج ، في حديث طويل عن

أمير المؤمنين عليه السلام قال : قد زاد جل ذكره في التبيان وإثبات الحجة في قوله في

أصفيائه وأوليائه عليهم السلام : " أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب

الله " تعريفا للخليقة قربهم ، ألا ترى أنك تقول فلان إلى جنب فلان إذا

أردت أن تصف قربه منه ، وإنما جعل الله تبارك وتعالى في كتابه هذه الرموز

التي لا يعلمها غيره وغير أنبيائه ، وحججه في أرضه ، لعلمه ما يحدثه في

كتابه المبدلون من إسقاط أسماء حججه وتلبيسهم ذلك على الأمة ، ليعينوهم

على باطلهم فأثبت فيه الرموز ، وأعمى قلوبهم وأبصارهم لما عليهم في

تركها وترك غيرها من الخطاب الدال على ما أحدثوه فيه . ( 2 )

أقول : ويدل على ما في الرواية الأولى من أن وصيه صلى الله عليه وآله وسلم مولانا

أمير المؤمنين عليه السلام الأخبار المتواترة من الجانبين ، وقد روى في غاية المرام في

هذا الباب من طريق العامة ما تجاوز عن خمسين حديثا . ( 3 )

والوصاية في هذا الخبر ، وفي سائر الأخبار صريحة في الخلافة عنه صلى الله عليه وآله وسلم

في شأن الرسالة التي هي الولاية والإمامة الكبرى ، ضرورة أن سؤال أهل

اليمن إنما هو عن وصيه صلى الله عليه وآله وسلم القائم مقامه في أمور المسلمين ، لا عن وصيه في

صرف مال ونحوه ، وجوابه بأنه هو الذي أمركم بالاعتصام به وأنه هو الذي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) غاية المرام ص 342 نقلا عن الصدوق .

( 2 ) الاحتجاج 1 / 75 . غاية المرام ص 343 .

( 3 ) غاية المرام ص 341 - 343 .

‹ صفحة 284 ›

أنزل فيه " أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله " أصرح

وأبين ، فلا مجال لاحتمال أن تكون الوصاية في غير مسألة الخلافة

والإمامة .

وإذا تبين لك من روايات الفريقين أن جنب الله في الآية الكريمة

مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، تبين لك اختصاص الخلافة والإمامة به عليه السلام .

بيان ذلك : أنه لا يطلق جنب الله مطلقا على شخص إلا مع تمحضه

في القرب إليه تعالى ، ضرورة أن من قرب إليه تعالى مرة بالطاعة ، وبعد عنه

تارة بالمعصية لا يكون جنبه تعالى ، ولا يستحق إطلاق هذا الاسم عليه من

الله تعالى ، بل يظهر من الرواية الثانية المنسوبة إلى الخليفة الأول من طريقهم

أنه أكمل مراتب القرب بحيث خص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعلي أمير المؤمنين ،

والتمحض في القرب ملازم للعصمة والطهارة .

ومن هذا شأنه لا يقاس بجنب الناس ، وهو الخليفة الأول الذي اختاره

أهل الحل والعقد للخلافة بزعمهم . أترى أنه لو دار الأمر بين جنب الله

وجنب الناس في الخلافة عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم يجوز تقديم جنب الناس

على جنب الله تعالى ؟ كلا ثم كلا ، فتبين أن الآية الكريمة تدل على وجود

صفة في مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، لا تنفك عنها الخلافة والإمامة ، ولا يجوز

تقديم غيره عليه في الخلافة .

هذا كله مع قطع النظر عن الخصوصيات التي تحتوي عليها الروايات ،

وأما مع ملاحظتها فالأمر أوضح وأظهر .

فإن دلالة الرواية الأولى في غاية الوضوح والظهور .

والرواية الثانية تدل على أنه أقرب الخلق إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأنه خير

‹ صفحة 285 ›

الخلق بعده صلى الله عليه وآله وسلم ومن المعلوم أنه لا مجال حينئذ لتقديم غيره عليه في الخلافة عن

الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم .

وأما الرواية الثالثة ، فكل فقرة منها تدل على إمامته ، وخلافته عليه السلام

وخلافة الأئمة من ذريته سلام الله عليهم ، ولا يمنع من قبولها إسنادها إلى

مولانا الصادق عليه السلام ، من دون إسناد إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه عليه السلام مقبول

القول عند أهل السنة .