بسم الله الرحمن الرحيم

ترجمة المؤلف

اسمه ونسبه : -

هو الشيخ عباس نجل الشيخ حسن صاحب كتاب ( أنوار الفقاهة ) ابن الشيخ الأكبر الشيخ جعفر صاحب كتاب ( كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء ) ، ولد في النجف الأشرف سنة 1253هـ.

شيوخه : -

حضر على جماعة من علماء عصره وفقهاء مصره ، قرأ المبادئ من النحو والصرف والمنطق والبيان والمعاني والباب الحادي عشر على الشيخ إبراهيم قفطان ، وقرأ المعالم والشرائع على الشيخ محمد حسين الأعسم ، وحضر خارجا على ابن عمه الشيخ مهدي الشيخ علي كاشف الغطاء ، وعلى علم الهدى الثاني الشيخ مرتضى الأنصاري ، والمجدد السيد ميرزا حسن الشيرازي ، عاصر كثيرا من العلماء واستفاد منهم كالشيخ محمد الزريجي والميرزا حبيب الله الرشتي والحاج ملا علي الخليلي والسيد مهدي القزويني وغيرهم حتى استغنى بعدهم عن الحضور ، ورجعت إليه جميع الأمور.

مكانته العلمية : -

كان فقيها أصوليا ، حسن الذهن متوقد الذكاء قوي الحافظة ، وكان أديبا شاعرا ، سريع البديهية في النظم ، وله في مدح أمير المؤمنين ( ع ) النصيب الأوفى ، فلا عجب فهو من بيت زقوا العلم زقا ، ومن أسرة تتجدد غر مساعيهم وتبقى ، فبيتهم في الغري معروف وينهى عن المنكر ويأمر بالمعروف ، قد ورثوا العلم والدين ولد عن والد وماجد عن ماجد .

آثاره العلمية : -

برز من يراعه الشريف وقلمه المنيف هذه المؤلفات : - -

1 . منهل الغمام في شرح شرائع الإسلام في المعاملات متعرضا لكلمات أستاذه علم الهدى الثاني الشيخ مرتضى الأنصاري ( رحمه الله ) .

2 . منظومة في الصوم والخمس والحج حذو ما نظمه السيد الأجل المرحوم بحر العلوم ، ولا غرو فلقد خصه الله بمنحة عجيبة وقوة عربية في جزالة التحرير وحسن التحبير وفصاحة ما تنفثه أقلامه وما تحكيه أرقامه فله اليد الطولى في الأدب .

3 . الفوائد الجعفرية يحتوي على مائة فائدة في الأصول والفقه .

4 . رسالة في الإمامة ، لله در مصنفها لا فض فوه ، وصعق إلى الحضيض حاسدوه ، قال فأوجز وكتب فأعجز ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . وهي هذه التي بين يديك .

5 . الرد على الرسالة اللاهورية لمفتي بغداد السيد محمود أفندي الآلوسي زاده بهر بها أهل السنة والجماعة وأتى بما يروق للبصر ويعذب سماعه إلى غير ذلك مما لا يطيق اليراع ولا اللسان تبيانه .

6 . شرح اللمعة الدمشقية من كتاب الطهارة وبعض الصلاة .

7 . رسالة في الاجتهاد والتقليد .

8 . رسالة في مواليد الأئمة ووفياتهم .

9 . رسالة في الأخلاق والمواعظ .

10 . كتاب في المسائل الأصولية أطنب فيها الكلام لمسألة الضد ومقدمة الواجب واجتماع الأمر والنهي وغيرها .

وفاته : -

توفي في الثامن عشر من رجب سنة 1323 هجرية ، وشيع بكل تبجيل ودفن في النجف الأشرف في مقبرة آبائه ، وأرخ وفاته ولده العلامة الشيخ مرتضى فقال :

بسحاب الرحمة الله بجنان الخلد مثواه يا له من مرقد خصه طاب للعباس أرخه

‹ صفحه 1 ›


بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين .

الرابع من أصول الدين : الإمامة

وهي الاعتقاد والتدين بإمامة الأئمة الاثني عشر صلوات الله عليهم أجمعين .

والأمام عند الإمامية رضوان الله عليهم : - هو الوارث لعلم النبي ورياسته بعده المتخلق بأخلاقه ، والمتحلي بأوصافه الجميلة ، والخالي من جميع الأخلاق الرذيلة ، السالك في الأمة سلوكه والثابت له كلما ثبت له عدا ربقة النبوة من السياسة والرياسة ووجوب الإطاعة ، والعالم بالأحكام جملة حتى أرش الخدش علما حضوريا ، لا يعزب عنه شئ منها ، وإن كان إراديا في غير الأحكام مما كان ويكون حسب ما تقرر ذلك في كيفية علم الإمام ( ع ) ويلزم إن يكون معينا ومنصوبا من قبل النبي ( ص ) ولا يكفي نصب الأمة له ، وهذه المسألة من أعظم مسائل أصول الدين ، وهي معركة الآراء بين العامة والخاصة ، فكم زلت بها الأقدام ، وحادت فيها عن الحق أقوام بلا تروي ولا بصيرة حتى هلكوا وأهلكوا ، والعقل والنقل لا يعذران الغافل والمتغافل ، ولا من أخذته حمية الآباء فاقتدى آثارهم وسلك

‹ صفحه 2 ›

سبيلهم ، بل لو أدعي عدم وجود جاهل قاصر في هذا العصر عن هذا الأمر لم يكن بعيدا ، فمن خلع برود العناد ، ونظر بعين الإنصاف ، وجانب جادت الاعتساف هداه الله إلى سواء الطريق ، فإن النبوة والإمامة من واد واحد فمن أنكر أو حاد عن إحداهما أنكر الأخر وحاد عنه ، وإن اعترف به لسانه أو عقد عليه قلبه ، فإن ذلك لا يجدي في الخلاص من العذاب الدائم والخلود الأبدي في سقر وهو الكفر الباطني ، وفي الأثر الصحيح ( من لم يعرف إمام زمانه مات ميتة الجاهلية ) وفيه بالمعنى لو إن عبدا صلى وصام ، وجاء بالفرض والسنة مدة عمره ثم لم يعرف ولاية ولي الله فيواليه ، ولا يتبرى من معاديه لا ينفعه ذلك كله ، فإن النبي والإمام معا سفيرا حق منصوبان من جانب الله تعالى ، والإقرار بأحدهما لا يكفي ، وإنكار أحدهما كفر ، نعم مشهور أصحابنا على عدم نجاسة منكر الإمامة ، وهو لا ينفي الكفر ، فإن ارتفاع حكم من أحكام الكفر لمصلحة لا يوجب ارتفاعه بعد إجماعهم على عد أصول الدين خمسة ، واتفاقهم بأن المنكر لأحدها كافر وأما العامة فلا يرون إن الإمامة من أصول الدين ، وظاهرهم إنهم يرون إنها من الفروع ، حيث إنهم حصروا الأصول بالتوحيد والنبوة والمعاد وبنوا على إن الاعتقاد بالإمامة من واجبات الشريعة على حد وجوب الصلاة والصوم وباقي الفروع الضرورية ، وظاهر إن مقالاتهم إن تعيين الإمام واجب عيني على الأمة لتوقف بعض الشرعيات على ذلك ، كإجراء الحدود وسياسة الإسلام وغير ذلك مما لا بد له من وال يقوم به ، وذلك مما لا مدخليه له في حقيقة الإسلام ،

‹ صفحه 3 ›


بل له مدخليه في توقف النظام ، فإذا أجمع الأمة على نصب واحد مشخص أو نصب نفسه ، وتعقبه رضاء العموم وجب عليهم حينئذ إطاعته والانقياد له ما دام قائما بتلك الوظائف الشرعية ، وصريح مقالة بعضهم أن لو زاغ أو مال به الهوى فترك سياسة المسلمين خلع وإن لم تخلعه الأمة ، وما دام باقيا عليها حرم البغي عليه ووجب جهاد من خرج عن طاعته وقتله ، وإن قتله من باب إجراء الحد كإجرائه بالنسبة إلى المفسد والمحارب ، وحيث قام الحرب بين الفريقين
على ساق ، وكل منهما جاء بالدلائل والبراهين على صحة ما ذهب إليه ، ودونت في ذلك الكتب للفريقين لا بأس علينا بأن نكشف النقاب عن ذلك في هذه الرسالة ، وانظر إلى ما قيل ، وجانب الاعتساف فإنا قد أنصفناهم غاية الإنصاف ، وربما أثرنا فيها إلى الرائق من أدلة الطرفين بأوضح إشارة ، وأضفنا إلى ذلك ما سنح في ذهن هذا العبد الطالب للتوفيق من مبديه رجاء إن يكون ثالث العمل الذي لا ينقطع ، وإن يسهل الأمر على طالب الحق فلا يراجع كتب الفريقين ، فإن فيما نذكر كفاية للبصير النيقد ، وأوضحنا عباراتها لينتفع بها العالم والمتعلم ، وقبل الشروع في المقصود لا بد من ذكر مقدمات تورث سهولة المطلب للطالب : -

المقدمة الأولى:

إنا قد أشرنا قبل إجمالا بأن النزاع دائر بين النفي والإثبات في النبوة بين المسلم والكافر ، فمنكر النبوة في قبال مدعيها ناف ، ومدعيها مثبت ، وعلى المثبت الدليل ، ومثله النزاع في الإمامة فإن مدعيها على الوجه الذي تقوله الشيعة مثبت في قبال النافي لها فيحتاج المثبت إلى الحجة لا النافي ، فلا وقع حينئذ لما يتخيل من إن العامة كالخاصة

‹ صفحه 4 ›


يعترفان بالإمامة إجمالا غير إن كل منهما يدعي إمامة شخص بخصوصه ، فالعامة تقول بإمامة الخلفاء والخاصة ترى إمامة علي ( ع ) وأولاده الأحد عشر عليهم السلام ، لأن دعوى خلافة الخلفاء لا تمكن إلا بعد الفراغ من بطلان دعوى الإمامية في إثبات الإمامة على وجه السابق من إن ذلك بتعيين الله والرسول ، وعليه فبين الدعويين ترتب طبيعي إذ مستند دعواهم الإجماع المحكي في ألسنتهم حيث لا نص قاطع في الإمامة ، ومستند دعوى الإمامية ورود النص الواجب اتباعه بما اعتقدوه من الإمامة ، فيلزم أولا إبطال حجتهم ثم إيراد الدليل على خلافة الخلفاء ، وليس لقائل إن يقول بعدم الفرق بين خلافة الأمير ( ع ) وبين خلافة غيره بحيال إن كل منهما قابل لإقامة الدليل عليه ، فدعوى كل منهما يحتاج إلى البرهان ، فإذا ثبت أحدهما بدليله بطل الثاني ، وقد أورد علماء العامة من الأدلة العقلية والنقلية على خلافة الخلفاء ما يغني عن التفكر في أدلة الإمامية وحينئذ لا يلتفت إلى أدلتهم في إثبات خلافة الأمير ( ع ) لما هو مقرر من إن قيام الدليل العلمي على أحد الضدين يورث العلم الإجمالي بفساد أدلة الضد الأخر ، ولا حاجة إلى التعرض إلى نقض أدلة الضد الأخر والجواب عنها تفصيلا ، وتعرض علمائهم للجواب عنها تفصيلا إنما كان لرفع الشبهة عن جهالهم إذ ذلك كلام شعري لا محصل له فإن لم ندع إن خلافة الخلفاء لا تحتاج إلى الدليل أو إنها ليست بضد لخلافة الأمير ( ع ) ،

‹ صفحه 5 ›


أو إن الدليل على حقيقتها لا يكون دليلا على فساد خلافة الأمير ( ع ) وإنما قلنا بأن دعوى الإمامية بإمامة حضرة أسد الله
الغالب ( ع ) بحسب المرتبة لها تقدم على دعوى المخالفين بحقية خلافة الخلفاء غيره ، فإذا لم تبطل هذه الدعوى لا يمكن إثبات دعواهم على حقية خلافة خلفائهم نظير ذلك مثلا لو قبض الحاكم الشرعي مال من لا وارث له بحسب الظاهر ، وأراد صرفه فيما يترجح في نظره من المصارف ، ثم حصل من يدعي إنه يرث صاحب المال المقبوض ، فإن الحاكم ليس له قطع المدعي بإقامة الدليل على صرفه فيما ترجح في نظره من المصارف ، بل اللازم عليه أن يسمع تلك الدعوى من مدعيها فإن اتضحت لديه بطريق شرعي من بينة وغيرها رفع يده عن المال ، وإلا فعليه بيان دليل صحت المصرف وغب ( 1 ) 1 بيانه صرف المال في مصرفه ، وهذا أمر لا يسع الخصم إنكاره ولو ادعى الخصم بأن خلافة الخلفاء عند مثبتها كخلافة الأمير ( ع ) في كونها بالنص لا بالإجماع ، فحينئذ لا مسرح لترتب المذكور ، بل تحصل المعارضة ، ويفزع إلى الترجيح لرددناه بأن ذلك لو قيل به فهو مخالف للإجماع من العامة في ثبوتها بالإجماع عندهم دون النص ، ومخالف لما تواتر عن عمر ورواه المعتبرون من أهل السنة والجماعة في قضية الشورى من قول عمر لابن عباس أن أترك الاستخلاف فلقد ترك من هو خير مني يعني رسول الله ( ص ) ، وأن استخلف فقد استخلف من هو خير مني يعني به أبا بكر في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

غب : بعد

‹ صفحه 6 ›


حقه ، ثم ما معنى الشورى بعد النص وما معنى الأمر بقتل المستخلف بالنص من النبي ( ص ) فما ذلك إلا اختلاق فلا يلتفت حينئذ إلى لقلقة الرازي وبعض من تبعه وتلفيقا تهم
في إثبات خلافة بن أبي قحافة ببعض الإبهامات والنصوص التي بعد إمعان النظر فيها هي كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ، وعساك تقف في طي كلماتنا الآتية على ما يوضح ذلك أي إيضاح فانتظر .

المقدمة الثانية : -

إن خوارق العادات المعبر عنها بالكشف والكرامات لو حصل لشخص يدعي النبوة أو إمامة من جانب الحق سبحانه ، فهي مما يعول عليها ويثبت بذلك المنصب المدعى من نبوة أو إمامة ، وهي التي يطلق عليها بالمعجزة ، وبها ثبتت نبوة أكثر الأنبياء ، وأما حصولها عند غير من يدعي ذلك ، فهي من التمويهات التي لا طائل تحتها ، ولابد من ظهور بطلانها ، فإن محض جريان خارق العادة على يد شخص ، لا يثبت مطلبا أبدا، لا بحسب الشرع ، ولا بحسب العادة ، بل لا يقضى أكثرها بجلالة من حصلت منه لإمكان أن تكون من تأثيرات بعض الأسباب والطلسمات ، وعسى إن بعضها يورث البعد من الله تعالى ، فإن من المشاهد إن بعض خوارق العادة كثيرا ما ظهرت من بعض الكفرة المرتاضين والملحدين من المفسدين .

والحاصل إن خوارق العادة لو ظهرت ممن يدعي منصبا يتعلق بالخالق ، ويستدل بها على حقيقة منصبه ، يثبت بها ذلك المنصب الإلهي ، وتسمى بالمعجزة ، وأما مجرد ظهورها ممن لا يدعي منصبا إلاهيا أو يدعيه ولا يستند بما ظهر منه على إثبات تلك الدعوى ، فظهورها كعدمه بالنسبة إلى ذلك الشخص لا تدل على شأن

‹ صفحه 7 ›


من الشؤون ، ولا منصب من المناصب وذلك أمر بديهي لا يحتاج
إلى تجشم الاستدلال .

المقدمة الثالثة : -

إنك بعد ما عرفت إن وجوب نصب الإمام عند المخالفين هو على الأمة لا على الله تعالى ورسوله ، وإن مسألة الإمامة من فروع الدين لا من أصوله ، على خلاف ما تدعيه الفرقة المحقة ، ومر عليك في المقدمة الأولى إن النزاع في مسألة الإمامة راجع إلى النفي والإثبات ، وينبغي إن تحيط خبرا بأن كل دليل تركن إليه الإمامية في تنوير دعواهم ، وإثبات مدعاهم من آية أو نص ينافي طبعا ما تعلق به أهل الخلاف من ذلك بتعيين المخلوقين من الأمة ، فحينئذ ثبوت أدلة الفرقة المحقة قاض بفساد خلافة الخلفاء ، وبطلان تصرفهم في الأمور الراجعة إلى منصب الإمامة ، ولا يحتاج بعد إلى نصب دليل على فساد خلافة الخلفاء ، ولا إلى التفكر في أدلتهم نقضا وإبراما ، بل أدلة الشيعة حاكمة على تلك الأدلة ومزيلة لها ، إذ الأدلة التي تعلقوا بها على إثبات خلافة الخلفاء لا تخلو عن وجهين : لأنها إما أن تقتضي بعدم تعيين إمام بالنص من النبي ، وإما أن تكون ساكتة عن تعيين الإمام .

والوجه الأول على ضربين :

( الأول ) إن ما دل منها على عدم التعيين يعارض الدليل الدال عليه ويقاومه ، ومعنى المعارضة هو إن اجتماع الدليلين يستحيل واقعا ، ويلزم أن يكون أحدهما حقا والأخر باطلا عقلا .

( الثاني ) ما يتوقف دلالته على عدم تعيين الإمام على عدم دليل يقضى بتعينه ، فمتى دل دليل على التعيين يسقط دلالته على حقية خلافة الخلفاء ولا تتم .

‹ صفحه 8 ›


الوجه الثاني مع القسم الثاني لا تنافي بينهما وبين ما قضى
من الأدلة بالتعيين لأن جمعهما أمر ممكن ، نعم ما كان من أدلتهم على الوجه الأول يعارض وينافي الأدلة الدالة على تعيين الإمامة بالنص ، ولا يمكن الجمع بينهما البتة ، ضرورة إن فرض صدق كل واحد منهما يدل دلالة عقلية إجمالية على فساد الثاني ، وأدلة المخالفين إذا تصفحتها ألفيتها تشتمل على جميع الضروب السابقة ، لكن ما كان منها من قبيل الوجه الأول قليل وضعيف جدا ، وما كان بزعمهم قوي فهو غير نافع وغير مجد لما عرفت من إمكان الجمع بين الدليلين ، وسيأتي القول في تفصيل ذلك إن شاء الله .

المقدمة الرابعة : -

إن جميع الأمور تنقسم إلى ممكن ومحال والمحال ينقسم إلى محال عادي وعقلي والمحال العادي هو ما حصل العلم بعدم وجوده بملاحظة العادة ، والمحال العقلي هو ما استحال وجوده بملاحظة العقل ، ولازم المحال العقلي إنه لا يثبت خلافه بدليل عقليا كان الدليل أو عاديا ، لأن العادي لا يعارض العقل ، والعقليان لا يتعارضان ، ولا بد أن يرمى أحدهما بالاشتباه فيكشف المعارض عن إن المعارض - بالفتح - غير محال عقلي ، بل ممكن عقلي ، وكذا المحال العادي لا يمكن إثباته بالعادة ، وإلا يلزم إنه غير محال عادي ، نعم يمكن إثبات خلافه بدليل عقلي إذ لا منافاة بين امتناع الشيء بحسب العادة وبين وقوعه بقدرة الله تعالى .

وأما الأدلة الشرعية فقسمان قطعية وظنية : -

والأول هو الذي لا يتطرقه احتمال الخلاف ، والثاني ما يحتمل فيه ذلك . والقسم الأول لا يقبل المعارضة حتى بالدليل العقلي ، ولو

‹ صفحه 9 ›


ورد مثل ذلك معارضا فهو صورة دليل لا دليل عقلي حقيقي ، هذا إذا لم يظهر طريق فساده ، ولو ظهر كفى الله المؤمنين القتال .

والثاني وهو الظني وحكمه إنه يبطله الدليل العقلي والعادي ويجعله هباء منثورا لا يعارضانه .

المقدمة الخامسة : -

إن الإمامة كالنبوة تثبت بكل ما تثبت به النبوة ، وتزيد عليها بأن تثبت بالنص دونها لأنه غير معقول ، قتثبت بالمعجزة ، وقد تثبت بقرائن الأحوال المفيدة للقطع بها ، وتثبت بالنص من النبي ( ص ) .

إذا عهدت هذه المقدمات فلنشرع بالمقصود من إثبات صحة مذهب الإمامية بالأدلة القطعية . وفي المقصود مقاصد : -

أولها في إقامة البرهان الساطع على إمامة النور اللامع أسد الله الغالب ( ع ) وخلافته بلا فصل .

ثانيها إقامة الحجة الواضحة على فساد خلافة الخلفاء ، وضلالة من تابعهم ، وأوجب إطاعتهم ، وإن كان في إثبات خلافة الأمير ما يغني عن إثبات فساد خلافة الخلفاء كما تقدم في المقدمة الثالثة ، لكن حيث جرت عادة السلف رضوان الله تعالى عنهم أجمعين على ذلك ، لزمنا أن نحتذي مثالهم وإن كان لم يسبقن أحد إلى تدوين مثل هذه المقدمات غير إن الفضل للمتقدم ، مضافا إلى إن وضع هذه الرسالة للخواص والعوام ، فلا بد من أن نورد فيها ما ينتفع به الفريقان إن شاء الله بتوفيق صاحب الشريعة .

وثالثها في إثبات إمامة باقي الأئمة الإثنا عشر في مقابل الفرق التي تزعم خلاف ذلك ، وتقتصر على البعض منهم : -

المقصد الأول : -

‹ صفحه 10 ›


إعلم إن علماء الإمامية خلفا عن سلف كم أقاموا الحجج والبراهين على ذلك شكر الله سعيهم حتى إن العلامة الحلي دون كتابا سماه بالألفين أورد فيه ألف دليل عقلي وألف دليل نقلي
على هذا الأمر ، ولكن بناء الحقير على عدم التعرض لتلك الأدلة بالتفصيل ، وإنما نذكر الحجج التي تسلم مقدماتها الخصوم ولا يحتاج فهمها إلى مراجعة غير هذه الرسالة من كتب الأخبار ، لأن أكثر ما نذكره لا ينكره المخالف فإن المهم في تأليف هذه الرسالة انتفاع الضعفاء وذي القوة العادي عن الأسباب ، وأما من له قوة الترجيح والاستنباط وأخذ الأشياء من مواضعها فحاله حال المؤلف ، وفقنا الله لمراضيه وجعل مستقبل عمرنا أحسن من ماضيه ، ثم إنا قد آثرنا سابقا في إثبات النبوة ، إن الدليل على ضربين إقناعي وإلزامي ، والأول في حق المنصف المائل عن جادة الاعتساف . الثاني في حق العنود الجحود المجادل في البديهيات ، والمقدمات الواضحة التي تنتج المقصود حتى لو تحاكما عند ثالث تراضيا عليه صدق المستدل وكذب المنكر ، كما لو تواتر خبر مائة بأن وراء الجدار يانع شجر مثمر أو لا ثمرة فيه ، وحصل من يرد أنباء تلك المائة ، ويدعي إن أخبارهم لا تفيد علما بالمخبر به في حقي ، فإن مثله إما خارج عن طريقة العقلاء ، وإما يطلقون عليه المعاند الجاحد ، والشرط في حصول العلم للخصم صفاء ذهنه من الشبه وسلامة فطرته من الخبائث والقذارات المعنوية ، كمن دخل في الإسلام رغبة وأراد أن يميز الفرقة المحقة عن غيرها من الفرق التي تنتهي إلى السبعين أو أكثر ، وأما من كان مسبوقا بشبهة تشوش ذهنه منها ، أو لم تطهر نطفته ، أو أخذته حمية الآباء فاقتفى آثارهم ،

‹ صفحه 11 ›


فمثله لا تنفعه الأدلة ، وهدايته موقوفة على عناية ربانية ، ومن هنا ترى
مشايخ أهل الخلاف ممن تبحر في العلوم مال به الهوى ، وأخذته الحمية حمية الجاهلية أو الجهالة فلم يحصل لهم العلم من الأدلة الإمامية إلا نفر قليل ممن أذعن بالحق وأعترف بصدق بعد تشيخه ، وأسماءهم في كتب الرجال مسطورة ، ونسب إلى إمام الحرمين بعدما شاخ هذين البيتين تخف الجبال وهي ثقال حملوا يوم السقيفة أوزارا وهيهات عثرة لا تقال ثم جاءوا من بعدها يستقيلون أشار بهن إلى قول الأول بعد السقيفة ( أقيلوني فلست بخيركم وعلي فيكم ) ، ولم يسمع انعكاس القضية ، بأن كان الشيعي بسبب نظره في أدلة المخالفين معوجا وزائغا عن مستقيم الصراط ، ولو اتفق ذلك لشخص نعوذ بالله لم يدرج في سلسلة العلماء ، بل هو من الهمج الرعاع الذين ينعقون مع كل ناعق ، وأراء مثل هؤلاء لا عبرة بها أبدا ، ولنرجع إلى الأدلة فنقول : -

الأدلة التي أقاموها على المقصود قسمان عقلية ونقلية ، والعقلية منها قرر بتقارير : -