الدليل الأول : الدليل العقلي


أولها : توقف حكم العقل بخلافة الأمير ( ع ) على إحراز مقدمات لو سلمها الخصم فلا بد له عقلا من الإقرار بذلك .

المقدمة الأولى : -

إن النبي خاتم الأنبياء ، وشريعته خاتمة الشرائع ، وبقائها إلى يوم القيامة لازم ، لأن المفروض إنها خاتمة فلو لم تبق يلزم عدم الختم ، والختم من الضروريات مع تصريح الكتاب به ، فالبقاء مثله ، وقوله تعالى

‹ صفحه 12 ›


( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ، أقوى دليل على البقاء
إلى يوم الانقضاء .

المقدمة الثانية : -

إن البقاء إلى يوم النفخ يحتاج إلى حافظ ، ومع عدمه يضمحل شيئا فشيئا ، إذ هو في معرض الزوال والاندراس ، وتوفر الدواعي إلى اندراسه من وجود الكافر والمنافق وغيرهما ، وليس ذلك إلا كالبناء الذي ليس له حافظ فإنه يسقط وإن بني محكما ، ومع الحارس والمداومة على إصلاحه يبقى ويدوم ، ثم لا فرق بين الدوام والحدوث ، فكما إن الحدوث محتاج إلى بعث الرسول من جهة احتجاب النفوس البشرية وعدم لياقتها وقابليتها إلى استفادة الأحكام الإلهية بلا واسطة من مصدرها ، فكذلك البقاء حذو النعل بالنعل يحتاج إلى مبين ومرجع وحافظ للأحكام ، وهو الذي يطلق عليه الأمام ، ولا بد إن يكون معينا ومشخصا لتعرفه الأمة فترجع إليه .

المقدمة الثالثة : -

في إن العلم بذلك الحافظ المبين مختص بالله وبرسوله وليس للأمة في ذلك مسرح ولا نصيب لعدم إحاطة عقولهم بمعرفته ، فيرجع تعيينه إلى الله وإلى رسوله ، ويجب على الله ورسوله تعيينه كي لا تضيع الأمة الطريق فتقع في الضلالة ، فإن كان موجودا بين الناس أشارا إليه وعيناه ، وإن لم يكن موجودا لزم على الله تعالى إيجاده ، وعليهما إرشاد الناس إليه لكي يبين الأحكام ويحفظ النظام ، ويقوم بأمور الدنيا والدين .

المقدمة الرابعة : -

إنه يلزم أن يكون ذلك الشخص المعين خال عن المفسدة ، وصلاحيته للاستخلاف معلوم بين الأمة .

‹ صفحه 13 ›


المقدمة الخامسة : -

إنه بعد أن اتضح لزوم تعيين الإمام على الله ورسوله ( ص ) ، وإن في ذلك صلاح أمر الدنيا والدين ، وإن ترك المصلحة على الله ورسوله قبيح ، فلا جرم إن تستقل حكومة العقل بأن حضرت الرسالة لم تفارق روحه الدنيا إلا بعد أن عين للناس إماما يرجعون إليه في الأحكام ، وإلا يلزم أحد محذورين محالين ،
أما عدم أمر الخالق جل جلاله بتعيين الإمام ، أو إن الرسول ( ص ) خالف الأمر الوارد من الله بالتعيين ، وكلاهما باطلان بالضرورة ، فإن عدم أمر الله تعالى بذلك مع الاحتياج إليه قبيح ، وهو المنزه عن كل قبيح ، على إنه يلزم منه تكليف ما لا يطاق ، لأنه مع عدم الأمر بتعيين الإمام ، إما أن يريد من الأمة امتثال أحكامه أو لا يريد ذلك ، فإن أراد لزم التكليف بالممتنع كما لو أراد الامتثال ولم يرسل رسولا يبين أحكامه ، وإن لم يرد ذلك كشف عدم إرادته عن عدم إرادة بقاء الشريعة إلى يوم القيامة ، وهو ينافي المقدم المفروض من بقاء الشريعة إلى قيام الساعة ، وإن كان الله تعالى أمر رسوله بتعيين
من شخصه وعينه للإمامة ، والرسول ( ص ) ما أطاع ولم يبلغ ما أمره به ، لزم نسبة العصيان إلى النبي ( ص ) واللازم باطل باتفاق الإمامية وأهل السنة ، إذ لا شك ولا إشكال في وجوب عصمة النبي حال النبوة فيثبت بهذه المقدمة إن الله جل وعلا والرسول ( ص ) قد عينا للإمامة من يصلح لها .

المقدمة السادسة : -

هو إن القبيح لا يصدر من الله ورسوله أبدا ، وإن ذلك ممتنع

‹ صفحه 14 ›


في حقهما .

المقدمة السابعة : -

إن الذي أمرا بالرجوع إليه وعيناه إماما للرعية هو أمير المؤمنين ( ع ) ، إذ لم يدع التعيين غيره أحد من الناس لما مر عليك بأن كل من ادعى إمامة غيره ينكر أصل وجوب تعيين الله ورسوله للإمام ، وينكر وقوعه منهما ، وعلى تقدير ثبوته فالإجماع قائم من كل الأمة إن المعين هو الأمير ( ع ) .

وهذا الدليل المركب من هذه المقدمات على الإجمال مذكور في كتب العلماء ، ولكن سبق إلى بعض الأذهان القاصرة إنه لا ينتج المقصود ، وأظن ذلك من إجمال تعبيرهم لهذا الدليل ، وإلا فبعد تحريره على الوجه المذكور لا جرم إنه يفيد العلم الضروري بالمقصود ، ومع ذلك فقد وقع في أذهان بعض المشككين من بعض علماء أهل السنة بعض الشبهات في الدليل المزبور ، ورد أكثر مقدماته ، بل كأنهم لم يعترفوا إلا بالمقدمة الأولى ، وهي بقاء الشريعة إلى يوم القيامة ، وناقشوا في باقي المقدمات .

مناقشة المقدمة الثانية : -

فقد ذكروا إن الشريعة محتفظة بنفسها لا تحتاج إلى حافظ ومأمونة من الزوال بحسب العادة ، وليست هي إلا مثل الكتاب العزيز ، فإن الشرع عبارة عن الأحكام الثابتة بالكتاب والسنة ، والكتاب لا يحتاج إلى حافظ بل الوجود ببركاته مأمون غير الزمان وآفة الدوران ، ولو عرض عليه أحيانا ما يوجب تلفه أو زواله من سوانح الدهر فحفظه نظير محافظة النفوس والأموال والأمور الخطيرة التي

‹ صفحه 15 ›


لا تحتاج إلى وجود شخص معين ، على إنه يجب كفاية حفظه
على جميع المكلفين نظير حفظ بيضة الإسلام عند خوف غلبة الكفار .

وأما السنة فهي أيضا محفوظة من جهة وجود الصحابة الكرام ، فإنهم صحبوا النبي ( ص ) برهة من الدهر حتى أخذوا أحكام الله تعالى بأسرها منه وتلقوها عنه وبلغوها غيرهم ، وأخذتها الناس يدا بيد ، أو إحتفظوها كالقرآن ودونها ، فهي والقرآن مأمونان من الزوال إلى أبد الآباد ، فلا يلزم تعيين حافظ غير الصحابة من جانب الله تعالى ، إذ هو تحصيل حاصل نظير بعث نبي بعد نبي في تبليغ شريعة واحدة في عصر واحد ، فحينئذ دعوى احتياج الشريعة إلى إمام حافظ مثل النبي ممنوعة أشد المنع ، هذا أقصى ما يقرر في الإشكال على المقدمة المزبورة من جانب الخصم ، ومع ذلك هو صورة بلا معنى أو هيولا بلا صورة ، كسراب بقيعة ، فإن قياس السنة بكتاب الله تعالى قياس مع الفارق ، نظرا إلى أن الكتاب المجيد صدر من مصدر الجلال الإلهي ، والحفاظ والكتاب عند نزوله دونوه وحفظوه وضبطوه أشد الضبط ، واجتهدوا في حراسته على حد المحافظة لساير كتب العلوم ، حتى إنهم طالما يتنازعون في الهمزة والضمة والكسرة منه ، إلى أن دونت الكتب في ذلك ، ولذلك كان الكتاب المجيد متواترا وباقيا إلى يوم القيامة نظير الكتب الدينية وغير الدينية الباقية في الناس على الدوام لاشتمالها على المصالح الدينية والدنيوية ، أو لميل طباع النوع الإنساني إلى بقاءها كما هو المشاهد في كتب القصص والحكايات والأشعار ، وليس الكتاب العزيز بأقل منها .

وأما السنة النبوية المشتملة على بيان النبي ( ص ) للأحكام فمن المعلوم إن بيان الأحكام بأسرها دفعة واحدة لم يقع منه ، بل غير ممكن

‹ صفحه 16 ›


عادة ، وإنما الصادر منه ( ص ) البيان في مواقع الابتلاء ، وفي مقامات الاحتياج للمحتاج عند سؤاله أو ابتلائه بحكم لا يعلمه ، ولم ينقل عنه ولا عرف منه إنه عند بيان الحكم لسائل يحضر ( ص ) جميع الصحابة لسماع ذلك الحكم ، أو جمعا منهم يفيد قولهم القطع إذا نقلوا الحكم وضبطوه ، أو إن الصحابة تصدوا لهذا الأمر بحيث لم يصدر حكم من النبي ( ص ) إلا وضبطوه وحرروه على نسق اهتمامهم بضبط المنزل من القرآن وتدوينه ، حنى إنه عين لكتابة الوحي أربعة عشر كاتبا ، والقرآن كان ينزل منجما ، وكان كلما هبط الأمين بشيء منه ، كتبه أولئك ودونوه وضبطوه ونشروه بين الصحابة ، ولا كذلك السنة قطعا ، نعم نحن لا ننكر بأن جمعا من الصحابة تصدوا لحفظ الحديث واجتهدوا في ضبطه لكن كونهم اتفقوا على تلك المحفوظات واتفاقهم عليها صار سببا لبقائها بحيث صارت كالكتاب أمر غير معلوم ، بل المعلوم عدمه وإن كان ذلك يدعى أو ذلك قد يقال به في بعض المتواترات من الأحاديث ، فنحن ما ادعينا السلب الكلي ، بل إنما أنكرنا الإيجاب الكلي الذي لا ينافيه الاعتراف ببعض الأفراد ، وحينئذ فينحصر الحفظ في جملة السنة النبوية بما تواتر وحصل الاتفاق عليه من الصحابة ، فلا يقال للصحابة إنهم حافظين إلا في هذا المقدار ، ويختص الحفظ بمن أدرك شرف الحضور ، وأقتبس من ذلك النور ، وإما من شحطت دياره عن المدينة فلا يأتيها إلا إلماما ، وكذلك التابعين وتابعيهم إلى زماننا هذا فلا يجري هذا المعنى في حقهم ، نعم تلقوه منهم يدا بيد وأخذوه عنهم بلا اختلاف يلزم قبوله ، ولكن ذلك أقل قليل لا يف بمثقال ذرة من الأحكام

‹ صفحه 17 ›


ولا يتم به المقصود من بقاء الشريعة ، أنى وكل واحد من الصحابة محتاج إلى الآخر ، كاحتياج الآخر إليه في محفوظاته ، والبعيد من الأمة لا شك باحتياجهم إلى الأحكام أشد الاحتياج وقول أحاد الصحابة في حقهم لا يفيد ظنا فضلا عن العلم لظهور وجود الطعن في حقهم الذي صار به كالشبهة المحصورة فيهم ، وعلى ما حررناه فالشريعة معطلة بين الصحابة حيث لم يكن عند
كل واحد منهم جميع الأحكام ، وعند غيرهم ممن بعد عنهم أو جاء بعدهم أشد تعطيلا . ولو سلمنا احتفاظ الشريعة من جهة وجود الصحابة في العصر الأول ، فلا نسلمه قطعا في الأعصار اللاحقة ، وبقاء الشريعة إلى أبد الآباد لا يمكن إن يكون مستندا إلى محفوظات الصحابة في العصر الأول ، ولا يسع الخصم ادعاء ما هو ضروري البطلان وأوهن من بيت العنكبوت . لا يقال إن بقاء الشريعة مطلوب في جميع الأعصار على نسق طلبه في عصر النبي ( ص ) ، ومعلوم إن ما كان في عصره ( ص ) هو بيان كليات المسائل ، وهي التي تتحملها نوابه ورسله إلى النواحي ، وأما الجزئيات فكانوا يجتهدون فيها ، كما إن النبي ( ص ) بنفسه كان أيضا يجتهد في الجزئيات ، وقد ورد عنه وتكرر منه في كثير من القضايا والمحاكمات إنه كان يشاور أصحابه ، ودعوى إنه كان لا يعمل إلا بالوحي لا بالاجتهاد ولا المشورة حتى في الجزئيات كما تدعيه الإمامية لا يعترف بها الخصم ، وهي عنده في غاية الضعف ، فتلخص من هذا النظر إن حفظ الشريعة بما اتفق عليه الصحابة من الأحكام بانضمام اجتهادهم في الجزئيات ، وانضمام اجتهاد الولاة والنواب فيها عن تلك الكليات المأخوذة من الصحابة في جميع الأطراف

‹ صفحه 18 ›


والجوانب البعيدة والقريبة وهذا المقدار من الحفظ غير قابل للإنكار في العصر الأول ، بل في جميع الأعصار منظما ذلك إلى الأحكام القرآنية ، وكون المطلوب من الحفظ أكثر من ذلك غير معلوم فلا يتم الدليل المزبور ، ولا يلزم به المنكر بل ولا المشكك ، لأنا نقول إن الدليل على بقاء الشريعة لا يخلوا من أمرين : - أحدهما الإجماع والضرورة . والثاني الكتاب والسنة .

فأما الإجماع والضرورة فإنما يدلان على البقاء فقط ، وأما كيفيته فما كانا ليدلان عليها فهما إنما يقضيان ببقاء الشريعة في الجملة من دوام الاعتقاد بالمعارف وضروريات الفروع .

وأما الكتاب والسنة فالمستفاد منهما بقاء الأحكام الواقعية الإلهية إلى يوم الدين على نهج واحد ، وفي قوله تعالى ( وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ( والحديث المتواتر ( حلال محمد حلال إلى يوم القيامة ، وحرامه كذلك ) وأمثاله من السنة ، صراحة بينه ودليل قاطع على ما ذكرنا من بقاء الأحكام الواقعية إلى يوم القيامة على ما نزلت ، ومن البديهيات التي لا تقبل الإنكار إن من الممتنع المستحيل أن تبقى الشريعة من دون تغيير وتبديل وزيادة ونقصان على نهج زمان نزول الوحي وعصر حضرت الرسالة إلى أبد الآباد بلا حافظ رباني ، وعالم حقاني يتلقى الأحكام من مصادرها ومواردها ، ويعرف محكمها ومتشابهها ، وبالجملة إن الله تعالى إذا جرى في علمه إرادة بقاء الشريعة بما هي عليه من غير تغيير وتبديل يلزمه عقلا أن يعين لذلك عالم معصوم من الزلل في جميع الأعصار حتى تتم الحجة في إرادة وإلا يلزم

‹ صفحه 19 ›


الحكم بعدم إرادته لذلك ، ولا يعقل القول بأن إرادة ذلك مع عدم النصب يجتمعان ، إذ ذلك أمر لا يمكن اجتماعه في المخلوق فضلا عن الخالق .

ولو ادعى الخصم بأن التغيير والتبديل من لوازم الاجتهاد ، والاجتهاد واقع في عصر النبي ( ص ) ، ومعمول به بالبداهة واعتقاد أهل السنة على جواز اجتهاد الرسول في الجزئيات ، فكيف بسفرائه وأمنائه في الأصقاع والبلدان ؟ ومنه يظهر إن التأبيد المذكور في الخبر لحرامه وحلاله يجتمع مع التغيير والتبديل الاجتهادي ، ولا منافاة بينهما ، فالمراد بالتأبيد بقاء الكتاب المجيد والأخبار المتواترة والفروع الضرورية . وأما غيرها من الجزئيات يرجع فيها من له قابلية الاجتهاد إليه في جميع الأعصار من العلماء وحفظة الأحاديث .

والحاصل إن أحكام الله تطلب وتراد من الأمة في الأزمنة المتأخرة على نحو ما كانت تطلب في عهد النبي ( ص ) ، فكما إنها في زمانه مستغنية عن حافظ معصوم كذلك في باقي الأعصار ، وإرادة أكثر من ذلك لا دليل عليه بل في ملاحظة حال السلف وحال أهل عصر النبي أقوى دليل على ذلك . لأجبناه : -

أولا : إنا ننكر اجتهاد النبي ( ص ) في جزئيات الأحكام وننكر معلومية ذلك في الأمة ، وجريان العمل عليه ، فإن القول بذلك خلاف قوله تعالى ( وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ( وغير ذلك مما يفيد مفاد الآية .

وأما رسله وسفراؤه في الأصقاع فمن الممكن المحتمل إنهم

‹ صفحه 20 ›


لا يعملون إلا بما سمعوه أو علموه من حضرت الرسالة ، والحوادث الواقعة لا يفتون بها ولا يحكمون إلا بعد مراجعة النبي ( ص ) ، وما هم إلا كنواب المجتهد في هذا الزمان بتبليغ الأحكام إلى المقلدين ، فإن ما يحدث من الوقائع وما لم يسمعوه من المجتهد ولم يروه في زبره ورسائله لا يفتون الناس به بالاجتهاد أبدا بل يتوقفون من الإفتاء حتى يراجعوه ، وإبداء هذا الاحتمال يكفي في نهوض الدليل العقلي على إثبات مدعانا بتقرير إن الكتاب والسنة صرحا ببقاء الأحكام الإلهية إلى منتهى الأبد ، والتغير والتبديل الاجتهادي ينافي الأمر بالبقاء المذكور وإن كان في الجزئيات من الحوادث ، والتحفظ عنها حادثة موقوفة على حافظ معين فإذا لم يثبت العمل بالاجتهاد في الجزئيات في زمن الحضور مطلقا ، بل هي محتاجة إلى السماع ثبت وجوب وجود الحافظ ليرجع إليه فيها ، والقول بثبوت ذلك يلزمه التصرف والتأويل لما قضى بتأبيد الأحكام مطلقا ، والتأويل خلاف الظاهر بل يحتاج إلى الدليل ، فالحكم العقلي بحاله على وجوب تعيين الحافظ بلا شبهة .

وثانيا : إنا لو سلمنا إمكان الاجتهاد في الجزئيات في حق الرسول ( ص ) وسفرائه وتنزلنا مع الخصم فحكمنا بوقوعه فغاية الأمر إن وقوع ذلك كان في عصر النبي وهو موجود بين أظهرهم ، وأما بعد فقده فلا ، إلا بوجود حافظ لأن المماثلة بين العصرين تقتضي وجود المعصوم في كل عصر وإلا يلتزم أن لا تساوي بين بقاء الشريعة وحدوثها وهو باطل .

وبعبارة أخرى إن تغيير الأحكام بسبب الاجتهاد مع عدم وجود الإمام يزيد على التغيير مع وجوده كثيرا ، ومقتضى دوام الشريعة وبقائها

‹ صفحه 21 ›


هو البقاء على نهج عصر الحضور ، ومع فقد المعصوم
لا يتساوى البقاء والحدوث فلا بد من وجوده كيما يحصل التساوي .

لا يقال إن ما دل هذا الدليل هو الاستدلال بظواهر الأدلة القاضية بتأييد الأحكام الواقعية وهو أولا خروج عن الاستدلال بالدليل العقلي ، وثانيا هذا دليل ظني وهو لا ينفع في مسألة إثبات الإمامة المطلوب فيها الاعتقاد والعلم . لأنا نقول إن استفادة وجوب نصب الإمام من الكتاب والسنة التي أقمناها إنما كان بمداليلها الالتزامية ، وهي من الأدلة العقلية كما صرح به المحققون من الفريقين في الأصول .

وإما الثاني من إن الدليل أفاد ظنا ، والظن لا يغني ولا يكفي في أصول العقائد .

فجوابه إن الإمامة ليست من العقائد المحضة حتى لا تكون منشأ للتكاليف العملية ، بل هنالك تكاليف عملية مرتبة على وجود الإمام كترتبها على وجود الرسول ، وكل مسألة يترتب عليها تكليف عملي تجري فيها الدليل الظني ويؤخذ به ويلزم الخصم فيه ، ألا ترى إن أدلة المخالفين على حجية الإجماع في خلافة الخلفاء كلها ظنية ، فغاية الأمر إن هذا الدليل على نسق أدلتهم فيعارض أدلتهم ، فكما إنهم قد استندوا إلى ظواهر الآيات والأخبار على حجية الإجماع ، وبعد إثبات حجيته بذلك أثبتوا خلافة خلفائهم ، كذلك الإمامية يمكن أن تتمسك بأدلة بقاء التكاليف على فساد مذهب أهل السنة وحقية مذهبهم ، فإن كانت الظواهر لا تنفع في باب الإمامة يسقط تمسك الفريقين بها ، وإن نفعت نفعتها معا على إن التمسك بأدلة بقاء التكاليف على تعيين الإمام له جنبتان عقلي من جهة ونقلي من جهة أخرى .

فإن قلت إن مصلحة نصب الإمام لا تزيد قطعا على مصلحة بعث

‹ صفحه 22 ›


الرسول ، وبعث الرسول قد يختص بزمان دون زمان وبقطر دون قطر وبقوم دون قوم ، وكثير ما يوجد في الربع المسكون من الناس
من لم تبلغهم دعوة النبي ، وذكر أهل التواريخ إن كثيرا من الخلق في الأزمنة السابقة لم يرسل لهم رسول ولا تدينوا بدين وذلك لمصالح لا يعلمها إلا علام الغيوب ، فعسى أن يدعى إن علة نصب الإمام بعد رحلت النبي ( ص ) لم تكن كاملة ليترتب عليها وجود المعلول .

قلنا نعم نحن نعترف بإمكان ما ذكر بل بوقوعه ، غير إنا نقول إن أدلة استدامة الشريعة وبقائها إلى يوم الحساب يرفع هذا الاحتمال ويدل على قابلية الزمان وأهله بعد النبي ( ص ) للعمل بأحكام الشريعة ، وبعد دلالتها كذلك نقضي بلزوم وجود الإمام فقياس بقاء التكاليف على وجوب بعث الرسول لا محصل له لوجود الفارق بينهما كما بينا . نعم نصب الإمام ( ع ) بعد النبي ( ص ) مع الإعراض عن أدلة بقاء الشريعة هو كبعث النبي ( ص ) في عدم حكومة العقل بلزومه على الله تعالى ولا كذلك بعد فرض وجوب بقاء الأحكام والشريعة ، وتوقف البقاء على الحافظ فلا محيص عن القول بوجوب النصب وحكم العقل به إذ عدم النصب يلزمه عدم البعث وعدم إرسال من يبين الأحكام ويبلغ الأنام ، ونتيجته إن الله لا يريد من العباد ارتكاب ما أمر به واجتناب ما نهى عنه اللذان يطلق عليهما الواجب والحرام .

وربما يعترض كما وقع ذلك لجماعة من محققي أهل السنة

‹ صفحه 23 ›


وهو إن وجوب نصب الإمام على الله في كل عصر منقوض بزمان الغيبة عند الإمامية ، فالقول بوجوب حافظ منصوب متصرف مع القول بغيبة ذلك الحافظ لا يكاد يجتمعان إذ لا زم القول بالغيبة إنه في زماننا يكون مدار الشرع الأخبار والأحاديث المروية عن الصحابة والتابعين والإمام المعصوم الذي يجب تلقي أحكام الله تعالى منه لا وجود له بين الأمة فيكشف ذلك كشفا إجماليا عن فساد الدليل العقلي المزبور ، أو فساد المقدمة الأولى من لزوم بقاء الشرع على ما هو عليه إلى يوم القيامة ، أو بطلان ثاني المقدمات من إن البقاء على هذا النهج لا يمكن بلا وجود إمام معصوم ، أو منع الثالثة وفسادها من إن النصب والتعيين لازم على الله لا على الأمة بل يلزم بطلان سائر مقدمات هذا الدليل من جهة فساده إجمالا .

وجواب هذا الإشكال حيث كان مشترك الورود بين هذا الدليل ودليل اللطف - لم نتعرض لرده وجوابه هنا بل أخرنا ذلك إلى التعرض لذلك الدليل إن شاء الله تعالى - فإن أعظم ما تعلق به أهل السنة في نقض الدليلين المزبورين هو زمان الغيبة لأنهم نسبوا الإمامية المدعين ذلك إلى السفه والجنون ، حتى قال شاعرهم (1)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) ذكره صاحب الصواعق المحرقة : بن حجر المكي ، وشطره السيد عبد المطلب الحلي في البابليات رادا على الأصل بقوله :

ما آن للسرداب أن يلد الذي *** فيه تغيب عنكم كتمانا

هو نور رب العرش إلا أنكم *** صيرتموه بزعمكم إنسانا

فعلى عقولكم العفى لأنكم *** أنكرتم بجحوده القرآنا

لو لم تثنوا العجل ما قلتم لنا *** ثلثتم العنقاء والغيلانا

 

‹ صفحه 24 ›


ما آن للسرداب أن يلد الذي صيرتموه بزعمكم إنسانا
فعلى عقولكم العفا لأنكم ثلثتم العنقاء والغيلانا ونحن بحول الله تعالى وقوته نجيب عن هذا النقض بأوضح عبارة وألطف إشارة بما يلقم المعترض الحجر ، فانتظر وأستمع لما يتلى عليك لترى أي الفريقين أحق بالنقصان .

مناقشة المقدمة الثالثة : -

وأما المقدمة الثالثة فغاية ما يزعم في ردها إن الإمام الحافظ للشرع لا يشترط فيه إلا معرفة أمور الدين والدنيا من العدل والإنصاف وسياسة الرعية ، ولهذه الأوصاف آثار ظاهرة فمتى كشفت تلك الآثار عن تلك الأوصاف في شخص معين ومشخص في الأمة ، واشتهر أمره وعرف بذلك بين القريب والبعيد من الأمة أغنى ذلك عن تعيين الله تعالى ورسوله له ، لأن فائدة التعيين إرشاد العالم وإعلامهم بصلاح من أحرز الشرط كيما يأتمرون بأمره وينزجرون عن ما نهى عنه ، ومتى كان ذلك معلوما انتفت فائدة التعيين فلا يجب حينئذ ، بل هو تحصيل حاصل إن كان المقصود بالإعلام حقيقته ، نعم إذا كان الأعلام من باب الترغيب والتحريض على الأمر المعلوم كان ذلك من المقاصد الحسنة لكنه لا يجب على الله تعالى ، كما لو ثبتت نبوة نبي بمعجزة أجراها الله على يديه ، وبعد ثبوتها أجرى الله تعالى على يده معاجز أخرى للتأكيد والمبالغة فإن عدم وجوب إجراء المؤكد من المعجزات لا يجب على الله تعالى بعد إثبات النبوة بغيرها بالبديهية .

ولو قيل بأن الأمة لا تطيع من أحرز شرط الإمامة وإن عرف بذلك إلا بالنص عليه من الله تعالى كيما ترجع الخلق إليه ، ولا تتمرد عن ذلك كمن عرف بالاجتهاد وأحرز له ممن كان مستجيزا عمن قبله وهكذا .

‹ صفحه 25 ›


لقلنا في الجواب إن الأمة لو علمت بمن أحرز شرط الإمامة ، واحتاجت الرجوع إلى الإمام وجب عليهم من باب المقدمة الرجوع إليه في الشرعيات من دون حاجة إلى الأعلام الإلهي ، وأما من تمرد وعاند منهم فهو معاقب كسائر العصاة المتمردين على الله بعد معلومية الحلال والحرام لديهم ، ولا يجب على الله تعالى إلا الإعلام وإبداء الحجة وقطع الأعذار ، وإن صدر أمر من الباري أو نهي من باب التأكيد فهو من باب الفضل والإحسان لا من باب الوجوب والحتم .

والجواب عن هذا الرد : -

أولا : إن العلم والعدالة وأمثالهما من الصفات غير محسوسة ، وإن كان لها أثار محسوسة يتوصل بها إلى العلم بغير المحسوس لكن حصول العلم بذلك موقوف على المعاشرة والمخالطة التامة فيختص بمن عاشر وخالط . وأما في حق غير المخالطين عمن شحطت دياره أو دنى ولم يخالط لا طريق يحصل له العلم منه إلا الاشتهار وهو لا يفيد إلا الظن ، فإن حصول العلم من الاشتهار لا دائمي ولا غالبي . نعم يمكن أن يفيد العلم أحيانا لبعض الناس كما إنه قد لا يفيدهما حتى اشتهر ( كم من مشهور لا أصل له ) ، ولو قلنا بإفادته العلم غالبا أيضا لا يكفي ، فإن من لم يحصل له العلم منه معذور في المخالفة لعدم قيام الحجة عليه ، فما حال من لم يحصل له الظن فإنه معذور بالأولوية القطعية فلا يعاقب من لم يحصل له العلم مطلقا على عدم الرجوع في الشرعيات وغيرها إلى الذي أحرز تلك الخصال .

وقد يدعي إنه لا تفيد تلك الآثار المحسوسة بعد المعاشرة إلا الظن ، لأن حصول العلم من تلك الآثار راجع إلى قرائن الأحوال وشاهد الحال ، ومن الواضح إن شاهد الحال يختلف باختلاف الأشخاص

‹ صفحه 26 ›


المشاهدين ، فالاعتماد حينئذ على الآثار في معرفة المرجع وترك التنصيص عليه من الله تعالى ونبيه ( ص ) لا يكاد يجري على القاعدة
على إن طريقة العقلاء جارية بأن المطلب المهم المراد إتقانه وإحكامه يلزمه صاحبه إن يحكمه بجميع أنواع الإحكامات ، ولا يعتمد على سبب لا كلية فيه ، وقد يتخلف عن حصول المقصود كما هو واضح .

وثانيا : إن الآثار الظاهرة من العلم والعمل تصلح أن تكون طريقا إلى الأمور المستقبلة دون الماضية ، وقد سبق في المقدمة الأولى إن من اللازم أن يكون الإمام عالما بجميع الأحكام ماضيها ومضارعها إلى يوم التناد فلا يمكن إن يتأتى للأمة معرفة مثل هذا الشخص بمشاهدة الآثار الكاشفة ، بل من الأمور الممتنعة إن تحيط العقول بشخص عنده علم ما كان وما يكون من الأحكام والحوادث اللاحقة والسالفة من دون نص علام الغيوب عليه ، كلا بل تختص معرفته بذاته المقدسة ، وعليه بيان ذلك للعباد بما يعرفهم به غيره مما اختص علمه به ، ودعوى إمكان تمييز الأمة لمثل هذا الشخص بآرائهم القاصرة وعقولهم الفاسدة من بين المخلوقين لا يلتفت إليها ولا يعول عليها لظهور فسادها .

وثالثا : إن الأمة بعد فرض عدم النص من الله تعالى على الإمام يمكنهم عدم إطاعة من عينوه للإمامة لأن وجوب الرجوع في الأحكام لا يلازم وجوب الإطاعة في الأمور الدنيوية والسياسات ، ومن هنا وجب الرجوع إلى العلماء في زمن الغيبة في الأحكام فقط دون الأمور الدنيوية ، ولا كذلك الإمام المنصوص عليه إذ هو مما تجب إطاعته مطلقا في الأحكام وغيرها ، فإنه أولى بالناس من أنفسهم .

‹ صفحه 27 ›


ولو قيل : بأن أمر الإمام إذا تعلق بالأمور الدنيوية لا تلزم إطاعته عقلا حتى لو كان فيها صلاح الدين أيضا ، بل يختص وجوب الرجوع إليه بالأحكام فقط .

نقول : إن أمر الإمام بالأمور الدنيوية لجهة إصلاح الدين قد تختلف فيه آراء الناس كما لو أمر الإمام بسرية على طائفة طاغية والعموم ترى أن لا صلاح في ذلك ، فإنه لا دليل على وجوب العمل برأي الإمام ، وقاعدة وجوب المقدمة لا تنفع ، وحينئذ وجوب الإطاعة يلزم أن يكون من الله تعالى ، وليعلم إنه بناء على ما أجبناه به ثالثا عن أصل المقدمة من إنه يختص معرفة الشخص القابل للإمامة بالله تعالى لو بطل وأذعنا بإمكان تشخيص ما هو قابل للإمامة بنظر الأمة لا يورث ذلك الوهن في الدليل العقلي المزبور ولا تخريمه ، بل يوجب مضافا إلى تعليل مقدماته إتقانه لأن إطاعة الإمام في السياسات واجب ولا يكفي في وجوبه تشخيص الخلق للإمام ، بل يتوقف على النص عليه من الله تعالى فيجب فليفهم .

مناقشة المقدمة الرابعة : -

وأما طريق المناقشة في رابع المقدمات :

- إن غاية ما ثبت هو اشتمال تعيين الإمام على مصلحة تقتضي الأمر به وتعيينه وذلك غير كاف في وجوب إيجاده وتعيينه على الله تعالى ، بل يلزم مضافا إلى ذلك كون تعيينه خال عن المفسدة أيضا ، وإحراز الخلو عن المفسدة لا يمكن إلا بعد تعيينه لتوقف العلم بالخلو على التعيين البتة فيدور ، إذ تعيينه متوقف على عرائه من المفسدة ، وخلوه عنها لا يعلم إلا بعد التعيين ، فهو موقوف عليه وهو خلف .

وجوابه : عدم توقف التعيين على الخلو عن المفسدة لإمكان معرفة

‹ صفحه 28 ›


الخلو قبل التعيين فلا دور . وتوضيحه إن لزوم بقاء الشريعة دليل
على وجوب التعيين ، وخلوه عن المفسدة فالتعيين والخلو عن المفسدة مستندها لزوم دوام الشريعة ، فهما شريكان في ذلك الدليل الدال على البقاء ومعلولان لعلة واحدة ، والشركة في الدليل تكون سببا للتلازم لا سببا للتوقف كيما يكون دورا ، والمورد رأى التلازم فحسبه توقفا وأين هذا من ذلك ؟ ، وكيفية الملازمة بين بقاء الشريعة وسلامة تعيين الإمام من المفسدة مر في المقدمة الثانية مفصلا وخلاصته إن أدلة بقاء الشريعة ودوامها تقضي بعدم المفسدة في تعيين الإمام ، لأن بقاء الشريعة بلا إمام معين لا يمكن فإذا كان في تعيينه مفسدة يلزم أن يكون في البقاء أيضا مفسدة والمفروض خلافه فتدبر .

مناقشة المقدمة الخامسة : -

فقد يدعى منعها بأن الحسن والقبح في أفعال الخالق والمخلوق فيه خلاف للعلماء ومعركة الآراء ، وأكثر أهل السنة على تنكر الحسن والقبح ، ويزعمون إنه لا معنى له في الأفعال . نعم في المأكولات والمشروبات والملبوسات والألوان والصفات يمكن أن تكون حسنة وقبيحة ، فيقال المأكول والمشروب والملبوس الفلاني حسن أو قبيح ، والجود حسن والبخل قبيح وكذا العلم والجهل .

وأما الأفعال فلا تتصف بحسن ولا قبح ، ومن هذه الجهة قالوا لا شئ يجب على الله كيما يكون تركه قبيحا عليه ، حتى إنهم نفوا قبح الظلم على الخالق والمخلوق ، ولم يذعنوا بلزوم العدل عليهما كذلك ، فغاية ما في الباب أن يقال إن تعيين الإمام مشتمل على المصلحة ، لكن لزوم العمل بالمصلحة في حق الله تعالى أول الكلام ، بل لا معنى للقول

‹ صفحه 29 ›


بلزوم شئ على الله تعالى لأنه فاعل مختار وقادر فعال يفعل ما يريد
لا يعترض عليه أحد في تدبيره ، وحكمه في كل ما كان أو يكون بين الكاف والنون لا يسأل عن ما يفعل وهم يسألون ، فلو بعث نبيا في زمان ولم يبعث في وقت أخر لا يقال الأول إنه حسن ولازم عليه ولا للثاني إنه قبيح وممتنع عليه ، وكذلك نصب الوصي والإمام على فرض اشتماله على المصلحة حسبما تدعيه الإمامية فإنه ليس بلازم على الله تعالى إذ لا يمكن الحكم بوجوب شئ على الله تعالى لكي يتفرع عليه نصب الإمام ، ومن هذه الجهة كان الدليل المزبور عقيما لا نتيجة له ولا يثبت هذه الدعوى . والجواب عن ذلك كله : -

أولا : إن من المحقق الثابت في محله الذي لا يعتريه شوب الإشكال بالبراهين القطعية الحسن العقلي والقبح العقلي ، ولا يمكن لمن له أدنى شعور إن ينكر قبح بعض الأشياء عند العقل بحيث إن فاعلها يستحق المؤاخذة والعقاب وحسنها كذلك بحيث إن فاعلها يستحق المدح والثواب ، وعجبا أي عاقل لا يقبح الظلم المطلق ، ومن الخالق أعظم ، ولا يحسن العدل ، ويجوز عذاب المطيع على الله تعالى بلا سبب وإعزاز المنكر له والكافر به .

والحاصل إن إنكار الحسن والقبح في الأشياء مما قضت البداهة ببطلانه ، ولا يحتاج إلى تكلف الاستدلال عليه إذ مفاسده لا نهاية لها .

وثانيا : إن المنكرين للحسن والقبح من أهل السنة شرذمة قليلة في قبال المعترفين كيف وعلماء المعتزلة كلهم وكثير من غيرهم يقولون به ولا ينكرونه فدع عنك من مالت به الأهواء ، وأدركه مرض الجهل وأعظم داء .

ولو زعموا إن الحسن والقبح بالوجوه والاعتبارات ، فالحسن يتصف

‹ صفحه 30 ›


بالقبح وبالعكس كالكذب النافع ، وقالوا إن تعيين الإمام
وإن كان حسنا وخلافه قبيح لكن لعله لأمر ما يقتضي تركه في عصر النبي ( ص ) من المصالح ترك الله ذلك الحسن ولم يأمر به ومع قيام هذا الاحتمال لا يمكن الحكم بأن الله تعالى عين الإمام المخصوص إذ التعيين منه متوقف على نفي هذا الاحتمال ولم يعلم عدم اشتمال التعيين في ذلك العصر على صفة مقبحة له .

لرددناهم : بأن نصب الإمام كوجوب بعث النبي ( ص ) لا تعرض لهما صفة مقبحة ، ولو أمكن ذلك لتوفرت الدواعي إلى فعله وليس ، وبعد ملاحظة أدلة بقاء الشريعة واحتياجها إلى حافظ كما تقدم ينتج العلم بأنه لا يمكن أن يعتري نصب الإمام مفسدة ملزمة تخرجه عن الحسن ، وسيجئ في جواب سابع المقدمات ما يوضح ذلك .

وثالثا : على فرض تسليم بطلان الحسن والقبح العقليين مماشاة للخصم نقول إن امتناع الظلم على الله مسلم لم ينكره أحد من أهل السنة حتى من نفى الحسن والقبح ولا من الإمامية ولا غيرهم من أهل الكتاب ممن يوحد الله ، بل كل من جعل له إلها من سائر المخلوقين نفى عن ربه الظلم مضافا إلى إن نفي الظلم عن الله تعالى وقع في محكم كتابه وسنة نبيه فلا محيص لمن اعترف بها إن يجوزه على الله ولا ينفيه عنه ، ومن الأشياء الغنية عن البيان إن في عدم نصب الإمام مع احتياج الأمة إليه وشدة ضرورتهم إلى العمل بأحكام الشريعة ظلما لا يجب تنزيه الخالق عنه جل وعلا لأدائه إلى التكليف بما لا يطاق وإضلال العباد وتركهم يخوضون بحار الفتن والأهوال العظيمة ، فإنه وقع ذلك رأي

‹ صفحه 31 ›


العين بعد رحلة النبي وإنكار النص في حق الوصي وهذا المقدار يكفي
في لزوم تعيين الله للإمام ، وبعد ثبوت المقدمة الثانية للدليل العقلي وهي احتياج الشريعة إلى إمام حافظ يتضح ثبوت الظلم على الله في عدم النصب ، فمنع المقدمة أولى بالمنكر فتفكر ، ومن منع هذه المقدمة يظهر منع السادسة أيضا .

مناقشة المقدمة السادسة : -

إذ غب ما قبح الظلم في حقه تعالى ، امتنع صدوره منه البتة . فالقول بأن امتناع الظلم لا يمنع الصدور لأنه ممكن ، وكل ممكن يمكن وقوعه ، بل قال علماء الكلام إن كلما شككت في إمكان شئ وعدمه فذره في بقعة الإمكان ، فإن القبح لا يصير الشيء واجب الامتناع كشريك الباري ، وكذلك الحسن لا يجعل الشيء واجب الوجود ، على إن الوجوب والامتناع فعل ممكن يتوقف على إرادة ومشيئة ، والمشيئة واللا مشيئة كل منهما يحتاج إلى دليل ، فإذا لم يدل على أحد الطرفين لا جرم أن يكون الصدور واللا صدور فعلين مشكوكين ، ولم يثبت مما مضى إن صدور القبيح ممتنع على الباري كيما ينتج الحكم البتي بنصب الإمام .

موهون بأن الثابت من الشرع عدم صدور القبح والظلم من الباري ، وهو يفيد الجزم بنصب الإمام الذي تركه ظلم وقبح على إن امتناع صدور القبح من الله تعالى ثابت في محله فليطلب ونشير إليه إجمالا ، وهو صدور الفعل من الفاعل إما أن يكون لغرض اقتضى صدوره منه أو لا ، والأول يلزم إن يصدر منه ما يحصل به ذلك الغرض ، فلو قلنا بصدور الظلم من جانب الله تعالى لتحصيل ذلك الغرض فقد نسبنا العجز للقادر عن تحصيله بغير الظلم تعالى الله عن ذلك ، والثاني عبث محض أيضا تعالى الله عنه ، ويلزم ما هو محال من وجود المعلول

‹ صفحه 32 ›


بدون علته ، إذ علة الأفعال الاختيارية هو الداعي والغرض فإذا فرض وجود فعل اختياري بلا داع ولا غرض فقد فرض وجود المعلول بلا علة وهو محال ، فثبت من مجموع ما تلونا عليك من المقدمات إن الله سبحانه نصب إماما وبعد ثبوت ذلك تثبت سابع المقدمات .

مناقشة المقدمة السابعة : -

من إن الإمام الصادع بالحق هو علي بن أبي طالب ( ع ) دون غيره من سائر الصحابة رضوان الله عليهم ، ولنا على ذلك أمور : -

أولها : اعتراف الخصم بأن خلافة الخلفاء لم تكن بالنص من النبي ( ص ) ، وإن الرسول أهمل ذلك لعدم الحاجة إليه ، أو لعدم اقتضاء مصلحة الوقت لذلك ولكن الإجماع من الصحابة مهاجريهم وأنصاريهم أجمعوا على خلافة أبي بكر فلزم اتباعهم .

نعم قد تقدم إن بعض من ليس له قدم ولا روية ولا اطلاع في التواريخ والأخبار ادعى النص على خلافة أبي بكر ، كما إن بعض آخر ادعاه في حق العباس عم النبي ، وهما موهونان بما مر عليك ، وبأن الجمهور من أهل السنة ما أشاروا إلى ذلك في زبرهم بيد ولا بلسان بل تراهم يثبتون خلافة الأول بالإجماع والثاني بنص الأول والثالث بالشورى .

ثانيها : إن أبي بكر في حديث معتبر قال ( أقيلوني فلست بخيركم وعلي فيكم ) ، فإن فيه إمارة ظاهرة وإيماء بين إلى صلاحية علي ( ع ) للخلافة ، ووقوع النص عليه من الرسول ، وإلا كيف يطلب الإقالة وهو منصوص عليه بالخلافة ؟ ، وقد قال الله سبحانه ( وما كان لمؤمن ولا

 

‹ صفحه 33 ›


مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا إن يكون لهم الخيرة من أمرهم ( ولو زعم إنه قال ذلك عملا بما ورد من تصغير النفس ، وكراهة مدح الإنسان نفسه ، وإظهار عدم القابلية لنفسه أمر مستحسن .

لرددناه بأن مثل هذا المحل ليس من المقامات التي يستحسن فيها تصغير النفس ، والحال إن الله سبحانه أمر بذلك والرسول بلغ .

والحاصل إن صدور هذا الكلام من أبي بكر رواه أكثر أهل السنة فلا ريب في صحته وهو لا يخل إما إن يكون على سبيل الحقيقة أو على تصغير النفس أو لبعض المصالح الباعثة على ذلك ، وعلى كل حال فيه مخالفة للكتاب ، وجرأة على الله ورسوله في مخالفة عما أمر الله به ، أترى يصلح للنبي إن يقول أقيلوني من النبوة ؟ فإن الإمامة أختها .

ولو عورض ذلك بصنع الأمير علي بن أبي طالب ( ع ) بعد قتل عثمان ، فإنه امتنع من بيعة الناس يوما أو أياما ، وذلك ينافي امتثال النص ، فما يعتذر به عن هذا فهو بعينه يكون عذرا عن ذاك .

نقول في منعه بالفرق بين عدم قبول البيعة له وبين الاستقالة ، لأن عدم القبول من الأمير - علي بن أبي طالب ( ع ) - قد يكون لمصالح أظهرها تأكيد الحجة عليهم ، فما في ذلك مخالفة لله ورسوله ، وأما الاستقالة فالمخالفة فيها ظاهرة .

ثالثها : إن النص على أبي بكر لو كان معلوما لما احتاج إلى الاجتماع في سقيفة بني ساعدة وانتهاز الفرصة والركون إلى من يعادي الأمير - علي بن أبي طالب ( ع ) - من معاذ بن جبل وخالد بن الوليد وغيرهما ، وطلب المساعدة منهم ، واغتنام الفرصة

‹ صفحه 34 ›


في مشغولية الأمير بتجهيز النبي ( ص ) ، وعدم حضوره وصاحبه وهما من كبار المهاجرين تجهيز النبي ( ص ) ، ودفنه ومنازعته مع الأنصار أشد النزاع في طلب الرياسة ، بل لا معنى لطلب الأنصار إن يكون منهم أمير ، ومن البعيد بل الممتنع عادة إن هنا نص والأنصار كلهم لم يعلموا به ، أو خالفوه بعد العلم ، ثم إن من المتواتر الذي لا يقبل الإنكار تخلف علي ( ع ) وجماعة من أجلاء الصحابة عن البيعة له حتى صدر ما صدر بينهم مما لا يليق إن يخطه اليراع ، والتخلف مع وجود النص من مثل أمير المؤمنين لا يمكن إن يكون ، إذ ذاك يورث العصيان الذي لا يعقل تحققه في المتخلفين ، ونقل عن سلمان الفارسي رضي الله عنه وهو من أجل الصحابة وخيارهم إنه قال ذلك اليوم بمحشد من المهاجرين والأنصار ( كردى ونه كردى ونه ميداني جكردي )
أليس في ذلك كفاية عن عدم صدور النص ، ولو ضربت عن ذلك كله صفحا ففي قول عمر على المنبر حسبما رواه الفريقان واعتمده الطائفتان ( إن بيعة أبي بكر كانت فلتة ، وقى الله المسلمين شرها ) فإن في قوله ( فلتة ) أقوى شاهد إن لا نص هناك ، وجملة الأمر إن دعوى إن هناك نص من النبي في حق أبي بكر أو غيره من الصحابة ، أو ادعاه أحدا منهم غير علي ( ع ) لعله من المزخرفات التي لا تليق بأن تدون أو يلتفت إليها ، وأوهن منها إن العباس عم النبي كان منصوصا عليه ، فإن ذلك مخالف لإجماع الفريقين وقد أغنانا غير واحد منهما عن التعرض له .

رابعها : إن تجهيز جيش أسامة إلى مؤتة ، وهو المكان الذي استشهد

‹ صفحه 35 ›


أبوه فيه في مرض النبي ( ص ) ، وعقد اللواء له بأمره وتأميره على المهاجرين والأنصار الذين منهم أبو بكر وصاحبه أقوى دلالة على عدم النص عليه بالإمامة ، فإن النبي ( ص ) لو فرض إن الخصم ادعى عدم علمه بموته في ذلك المرض فلا أقل من إنه ( ص ) يظن ذلك ظنا قويا ، فينبغي استثناء أبي بكر عن ذلك وإبقاء وصيه ومن نص عليه بالإمامة عنده ، فعدم استثنائه له يقضي بعدم النص عليه البتة .

ودعوى إن أبا بكر لم يكن مأمورا من النبي ( ص ) بالمسير مع أسامة بل المأمور غيره . يكذبها ذكر أصحاب السير والتواريخ لذلك ، وقد أخرج البلاذري في تأريخه ، وهو المعروف بالوثاقة والضبط ، وبرئ من الميل إلى الشيعة ، إن أبا بكر وعمر كانا في جيش أسامة ، ولعمري إن الإنكار لما يجري هذا المجرى لا يغني شيئا ، وما ذاك ألا كمناقشات بعض علماء أهل السنة لما ضاق عليهم الخناق في دلالة حديث أسامة على عدم أهلية أبي بكر للخلافة ، ودلالته على عصيانه لتأخره عن جيش أسامة مع أمر النبي ( ص ) بتنفيذه ، فإنهم تفصوا عن ذلك طورا بأن الأمر لا يقتضي الفور فلا يلزم من التأخر العصيان . وجوابه في الأصول مفصلا ومحصله تحقق العصيان بمجرد المخالفة وإن لم نقل بأن الأمر للفور على ما حققناه في كتبنا الأصولية .

وأخرى بأن الخبر إن النبي ( ص ) خاطب أبا بكر بقوله ( نفذوا جيش أسامة ) ، والمخاطب خارج ، ونقل أبو الثنا الآلوسي تبعا لغيره عن قاضي القضاة ما نصه ( إن خطابه ( ص ) بتنفيذ الجيش يلزم أن يكون متوجها إلى القائم بعده ، لأنه من خطاب الأئمة ، وهذا

‹ صفحه 36 ›


يقتضي أن لا يدخل المخاطب بالتنفيذ بالجملة حتى قال ( وهو يدل على إنه لم يكن إمام منصوص عليه ، وإلا لأقبل بالخطاب عليه ، وخصه بالأمر بالتنفيذ دون الجميع ) ثم ذكر إن الرسول ( ص ) إنما يأمر بما يتعلق بمصالح الدنيا من الحروب عن اجتهاده ، ولا يجب أن يكون ذلك عن وحي مثل الأحكام الشرعية ، واجتهاده يجوز إن يخالف بعد وفاته ، فتخلف أبي بكر وعدم تنفيذه الجيش بعد النبي ( ص ) لا عصيان فيه ، ثم إن أمر الرسول عن اجتهاده لا بد وأن يكون منوطا بالمصلحة ، وأن لا يعرض ما أهم منه فإذا وجدوا إن تنفيذ الجيش يعقب ضررا في الدين لهم أن لا يمتثلوه ( انتهى .

والجواب عن ذلك كله يعلم من سالف كلماتنا من مقدمات الدليل العقلي ، ونزيده هنا إن عدم امتثال أبي بكر لهذا الأمر لا يمكن إن ينكر في حال حياة النبي ( ص ) ، بل وبعد مفارقته الدنيا ، أما في حال الحياة فلأنه أراد تنفيذ الجيش فهو واجب ، ولا يتم هذا الواجب إلا بمسير أبي بكر إذ هو من الجيش فهو واجب ، والرواية المعروفة إنه أقبل عليه في المسجد ، وقال ( ص ) : نفذوا جيش أسامة ، وهو من جملة الجيش ، فلا بد أن يكون أمرا له بالخروج ، واستثنائه من الجيش يحتاج إلى دليل وليس في كلامه ما يقتضي بالاستثناء .

ومقالة الخصم إنه من خطاب الأئمة وإن المخاطب خارج لبعد شموله لنفسه ، لا محصل لها بعد أمره بتنفيذ أمره في مسير الجيش ، وكان أبو بكر منصوصا عليه بالمسير مع أسامة ، وخيال إن الجيش ليس مثل العشرة التي لا تتحقق بنقصان واحد منها إذ هو اسم لجماعة من الناس

‹ صفحه 37 ›


أعدت للحرب ، فلا يضر في صدق الجيش خروج واحد والاثنين باطل لعدم ما يقضى بسقوط الأمر عنه بعد أمره بالخروج ، وعدم رضاء النبي ( ص ) بالتخلف ، والأمر بالتنفيذ لا يقتضي خروجه وإن كان مخاطبا .

وأوهن من ذلك زعمه بأن النبي ( ص ) يأمر بالحروب وما شابهها عن اجتهاد لا عن وحي فمعاذ الله أن يكون كذلك ، لأن حروبه لم تكن مما تختص بأمور الدنيا ، بل الدين فيها أقوى تعلق ، والحال إن عز الإسلام وقوته وفتوحه منحصر به ، وليس يجري ذلك مجرى أكله وشربه ونومه مما يجوز إن يكون عن رأيه لعدم تعلق له بالدين ، ولو جاز أن كون مغازيه وبعوثه مع التعلق القوي لها بالدين عن اجتهاد أيضا ، لجاز ذلك في الأحكام قطعا ، وعلى فرض كونه عن اجتهاد أيضا لا تجوز مخالفته لا في حياته ولا بعد مماته كما مر ذلك عليك ، وأغرب من ذلك ادعاءه اشتراط الأمر بالنفوذ بالمصلحة إذ إطلاق الأمر يمنع من إثبات الشرط ، فإن الأمر مطلقا بالنسبة إلى غير البلوغ والقدرة والعقل والاختيار ، والشرطية تحتاج إلى شئ يقضي بها ، ومن هنا يحمل على الإطلاق في حالة الشك . ثم إن الحكيم كيف يأمر بشرط المصلحة ، بل إطلاق الأمر منه يلزمه ثبوت المصلحة وعدم المفسدة ، ولو فتح هذا الباب لحصل الخلل في الأوامر كلها .

وأما قوله ( لو كان هنالك إمام مخصوص منصوص عليه كما تقوله الإمامية لخصه بالخطاب ) . ففيه : - أولا : إن الخطاب كان للمتخلفين فلا يلزم إن يكون للإمام بعده .

وثانيا : إنه ( ص ) مرامه التنفيذ في حياته لا بعد موته ليأمر

‹ صفحه 38 ›


الإمام بعده والأمر أمره في حياته ، ويلزم أيضا التنفيذ بعد رحلته
عن الدنيا .

والحاصل لم نعلم كيف جاز لأبي بكر وغيره ممن تخلف عن جيش أسامة إن يتأخر عن المسير وأن يرجع إلى المدينة ، وهلا نفذ لوجهه ولم يرجع حتى بلغه موت النبي ( ص ) لتحقق عدم الامتثال لو لم يفعل وهو معصية . ولو عورض بأن الأمير - علي بن أبي طالب ( ع ) - لم لم يخرج مع أسامة وتخلف مع بغض النبي ( ص ) لمن تخلف على العموم ولا استثناء في الخبر .

نقول في جوابه إن استثناء الأمير ( ع ) عن الخروج في ذلك الجيش محقق وإلا لنقل في كتاب إنه لم يمتثل أمر الخروج ولأعابته بذلك مبغضيه ، فإنه كان مع النبي ليلا ونهارا يمرضه ولا يفارقه ثم إن من المتفق عليه بين الفريقين إن النبي ( ص ) أمر عليا في كثير من المواطن ولم يجعل عليه أمير ، وبالبداهة إن من جعل عليه أميرا مثل أسامة ممن ليس له قدم ولا سابقه لا يساوي من لم يجعل عليه أميرا أبدا ، ولنقل ذلك أحد من المؤرخين ، ولا يخفى إن الظاهر من الأمر بتنفيذ الجيش ، وإرسال أسامة ومن معه إلى هذا المكان البعيد هو خلو المدينة ممن له طمع بالخلافة ليستقيم الأمر لعلي ( ع ) وتخلو المدينة عن المنازع ، فإن النبي ( ص ) علم برحلته ، فأمر عن الله بما أمر من مسير أسامة وتصغير من يتطلع إلى الخلافة بجعله مأمورا لأسامة . ولو قيل إن الأمر إذا كان كذلك فلم لم يصرح النبي ( ص ) بخلافة الأمير ( ع )

‹ صفحه 39 ›


وإمامته في مرضه ، ولم لم يشدد على أبي بكر بالخروج إلى الجيش ، فإن احتمال توثبه على الأمر وإنكاره النص بخلافة الأمير كان من المقطوع به .

قلنا إن النصوص من النبي ( ص ) بذلك لعلها كادت إن تلحق بالمتواترات كما ستمر عليك إن شاء الله ، ولقد هم أن يكتب في مرض موته كتابا لن تضل الأمة بعده ، ومن القرائن الحالية والمقالية يظهر إنه ما أراد إلا أن يكتب ما يؤكد به النص على خلافة الأمير ( ع ) ولذلك منعه عمر وقال ما قال ، ولو إن النبي ( ص ) يصر على هذا الأمر وعلى إخراج من يأمل الإمارة والخلافة من المدينة لحصل التشويش في المسلمين ، وربما أورث الاختلال في الدين ، وبهذا اعتذر عند الأمين جبريل لما أمره في مكة المكرمة عن الله بتنصيب علي ( ع ) إماما ، قال ( ص ) ) إن قومي حديث عهد بالإسلام فأخشى أن يقولوا عمد لابن عمه وصهره ونصبه ) ، وأمسك عن ذلك إلى إن رجع إلى غدير خم فأنزل الله عليه ( ص ) قرآنا ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ( إلى أخر الآية ولمثل هذا المحذور صبر الأمير ( ع ) على البلوى وأمسك عن الخلافة ، ولم يشهر سيفه كل ذلك حفظا لبيضة الإسلام فجمع النبي ( ص ) بين إظهار الحق والخروج من الطاعة ، فإنه مأمور بمداراة الأعداء والحكمة الإلهية البالغة تعلقت بعدم انقطاع أسباب

‹ صفحه 40 ›


المعصية بالمرة وإليه يرشد قوله تعالى ( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا امنا وهم لا يفتنون ( وليمتاز العاصي من المطيع ولا ينقطع الامتحان ، وتظهر فائدة أوضاع الوعد والوعيد والجنة والنار ، ولو لا ذلك لم يبق امتحان ، ولم يفرق بين العاصي والمطيع ولو أراد الله تعالى هداية خلقه لهداهم جميعا ولكنه تعالى شأنه أهمل لخفي من المصالح التي أحاط بها علمه حتى نطق بذلك الكتاب قال جل وعلا ( ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم ( وقال تعالى : ( ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا ( الآية . ثم ذلك منقوض بالمنافقين الذين يعلم الرسول ( ص ) بهم فردا فردا فإنه أهمل عقابهم وتركهم في خوضهم يلعبون مع قدرته عليهم ، وأنزل الله فيهم سورة خاصة ، فلم لم يأمر بإخراجهم عن مدينته أو يقتلهم أو غير ذلك مما يشتت شملهم به فكل جواب يجاب به عن ذلك بعينه ندفع به كلام المعترض هنا .