الدليل الثاني : دليل اللطف


الدليل الثاني : من الأدلة غير الشرعية التي أقيمت على الإمامة هو دليل اللطف . وتقريره حسب ما ذكره العلماء إن نصب الإمام بعد النبي لطف في حق الأمة ، وهو واجب على الله تعالى فيكون نصب الإمام واجبا ، واللطف عبارة عن التقريب إلى الطاعة والبعد عن المعصية اختيارا من دون إلجاء لأحدهما من الله تعالى ، إما كون وجود الإمام بالمعنى المذكور لطف فهو مما لم يتنازع فيه أحد من أهل السنة والشيعة ، بل هو على مذهب أهل السنة أوضح لأنهم يرون

‹ صفحه 41 ›


إن نصب الإمام واجب على الأمة من باب المقدمة ، والإمامية تقول إن نصب الإمام له تمام المدخلية في الإطاعة والانقياد لأوامر الله تعالى ونواهيه ، وإجراء حدوده وإغاثة المظلوم والانتقام من الظالم ، وإزالة الفساد من الأمة ، وحصول التعزير لمن يستحقه على ارتكاب المعاصي ، وبيان الأحكام بأسرها وبيان المصالح دينا ودنيا ، فلا ريب في إن مثل هذا الشخص الجامع لتلك الخصال لطف من الله تعالى ووجوبه على الله تعالى من جهة اشتمال النصب على المصلحة ، وتركها مع الإمكان قبح ، ولا يصدر منه تعالى على إنه مع ترك النصب يلزم نقض الغرض وخلاف المقصود ، وقبح ذلك واضح ، مثاله إن من دعا أحدا للضيافة وهو يعلم إنه لا يأتي إلا بمألكة تايقه من الداعي وبدونها لا تحصل الإجابة منه ، ومن دعاه يريد وفوده عليه فإن ترك المألكة مع دعوته بغيرها وإرادته يلزم منه نقض غرض الداعي ، كذلك ترك نصب الإمام مع علم الله تعالى بتعطيل جملة من الأحكام في تركه ، فإنه نقض للغرض وخلاف المقصود ، والفرق بين هذا الدليل وسابقه إن مبنى الأول بقاء الأحكام واحتياج الأمة إلى الإمام في تمييز الحلال من الحرام إلى الدوام ، وهذا الدليل مبناه مدخلية وجود الإمام في الإطاعة والانقياد بعد معلومية أحكام الله تعالى فحينئذ نصب الإمام من باب اللطف يلزم على الله تعالى من جهتين لكنه من الجهة الأولى مشترك بين وجود الإمام والنبي ( ص ) ، ومن الثانية مختص بوجود الإمام كما إن الدليل إنما يوجب نصب الإمام على الله من حيثيته توقف بقاء الشريعة المطلوب لله تعالى عليه ، والثاني يوجب النصب لمدخلية وجود الإمام ( ع ) في امتثال أحكام الشريعة لا من جهة توقف بقائها عليه ، ودليل اللطف

‹ صفحه 42 ›


عبارة عن إثبات وجوب النصب من الجهة الثانية ، ولما كان اللطف من أفعل العباد لا من أفعال الله تعالى وجب على الله تعالى الإلزام به وإيجابه عليهم ، ولأجله وجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جميع الشرائع والأديان ، ثم إن شرذمة المناقشات السابقة في الدليل الأول ترد أيضا على هذا الدليل وأجوبتها الماضية قد لا يفيد بعضها هنا ، ولأجله كررنا ما يرد منها مما أوردناه هنا فنقول يرد على الدليل أمور : - الأول : - مطالبة الدليل على إن وجود الإمام مصلحة لقيام احتمال أن يكون في وجوده مفسدة وإثبات كونه مصلحة من جهة تقريبه
إلى الطاعة وتبعيده عن المعصية يدفعه إنه وإن كان مقربا من جهة فعسى إن يكون مبعدا من أخرى ، بل لعله يقرب إلى المعصية وهذا الإشكال وإن أوردناه على الدليل الأول ، ولكن الجواب مختلف لأنا ما أجبنا به عنه هناك إن احتمال المفسدة في وجود الإمام يلزمه احتمال المفسدة في بقاء الشريعة إلى الدوام ، وهو معلوم العدم بالضرورة كما مر ، وهذا لا يجري فيما نحن فيه لتعقب اللطف عن معرفة الأحكام ، وعدم توقف المعرفة عليه .

ثانيا : - إنه لو سلمنا وجود المصلحة في نصب الإمام فإنما نسلمه مرددا بين نصب الله تعالى ورسوله له ، وبين نصب الأمة ، وإن الله تعالى أوكل نصب الإمام إليهم فتخصيص نصبه بالخالق دون الأمة محتاج إلى القاطع .

ثالثها : - إنه على تقدير اشتمال نصب الإمام على المصلحة ، فمن أين يعلم وجوب العمل بهذه المصلحة على الله تعالى التي هي لطف ؟ والمشاهد ترك ذلك له تعالى في كثير من الموارد ، فإنا ما رأينا ولا سمعنا بأن الله تعالى لأجل الردع عن المعصية أرسل ملكا لموعظة

‹ صفحه 43 ›


العاصي كما روته أهل السنة في قصة يوسف الصديق على نبينا و ( ع ) في تفسير إنه ( وهم بها ) مثل الله له صورة يعقوب عاضا على إصبعه أو جبرئيل أو هما فترك يوسف ما أراد ، وكذلك ترك غناء الفقير لو علم الله توقف ترك عصيانه عليه وغير ذلك مما ترك الله خلقه من الأمور التي تقرب من الطاعة وتبعد عن المعصية .

رابعها : - إن الأمر إذا كان كذلك فلماذا خلى هذا الزمان من الإمام المتصرف ؟ وأي داع إلى غيبته مع إن في وجوده كمال اللطف ؟ وحينئذ إذا فسدت بعض مقدمات الدليل المزبور ولو واحدة منها ذهب الدليل ذهاب أمس، وهذه جملة ما وقفنا عليه من المناقشات في الدليل المزبور للعلماء المحققين ، ولم يخطرني أكثر مما ذكرت وعسى إن يكون بعض ما ذكرت لم يذكره أحد غيري ، وسنجيب بتوفيق الله تعالى عنها كلا بحيث إن المنكر للنصب لو وقف على الجواب لما وسعه غير الإذعان والتسليم فأستمع لما يوحى إليك .

أما الجواب عن الأول : إن احتمال وجود المفسدة في نصب الإمام مع ظهور مصلحة نصبه من جهة التقريب إلى الطاعة والبعد عن المعصية موهون وساقط عن درجة الاعتبار باتفاق الفريقين ، كيف وقد مر عليك في تحرير محل النزاع إنه لا خلاف في لزوم وجود الإمام في الجملة ، إنما الخلاف في إنه يجب أن يكون بتعيين الله من باب اللطف ، أو بتعيين الأمة من باب وجوب المقدمة ، وعليه فاحتمال المفسدة في وجود الإمام احتمال وهمي لا يليق به أن يذكر .

وعن الثاني : - إن المفسدة المحتملة في تعيين الله مما يرجع إلى الأمة أما من جهة المصلحة والمفسدة ، أو من جهة الإطاعة والمعصية .

‹ صفحه 44 ›


والأول غلط محض لأن علم الله تعالى بصلاح الأمة وفسادها ، وقابلية الإمام وعدمها مما لا يقاس به علم الأمة بذلك ، وكيف تطيق الأمة معرفة حقيقة الصلاح والفساد ، وأنى لهم بالوصول إلى ما يعلمه الله تعالى ، كذب العادلون بالله وضلوا ضلالا بعيدا ، كلا لا يكون تعيين الأمة أقرب إلى المصلحة والصواب من تعيين الله ، وهم قاصرون عن معرفة الأحوال المستقبلة .

والثاني : مثله أيضا لا يسلم ، إذ لا إشكال ولا ريب إن الإمام المعين من واجب الوجود العالم بالسر والعلن أصلح من الإمام الذي تعينه الأمة مع قصورهم عن إدراك خفي المصالح وإن لزم منه في بادئ النظر التمرد والعصيان ، فإنه لا ينافي المصلحة الواقعية كما إذا اقتضت المصلحة أن يأمر بأمر يعلم بأنه بعد التكليف يزيد عصيان المكلف ، واستوضح ذلك في أمر إبليس بالسجود لآدم إذ لو لم يأمر به لم يظهر خبثه الباطني ولا خرج من زمرة الملائكة المقربين ، فلو سلمنا إن بعض الأوامر تبعث على القرب إلى المعصية لكن اشتمال الأمر على المصلحة الواقعية مما يجعل هذه المفسدة هباءا منثورا ، وكلام أهل السنة هنا وإن صدر من علمائهم لكنه عند التأمل ساقط عن درجة الاعتبار ، فإنهم زعموا إن الله ترك تعيين الإمام حيث نظر إلى إن تفويض أمر الإمامة إلى الأمة أصلح من تعيينه للإمام ، ونحن نطالبهم بإيراد المصلحة الموجبة لهذا التفويض ، فإن زعموا إن الأمة أعرف وأبصر بالإمام النافع لأمر الدين والدنيا من الله سبحانه ، فهو والعياذ بالله كفر ، وإن ادعوا إن الله تعالى علم على إن المصلحة في إن يجعل نصب الإمام بيد الأمة ، فيمضي ما يريدونه ويرونه ، ويكون الإمام ما يجتمعون عليه ، وفائدة إن حماية الدين تحصل في

‹ صفحه 45 ›


تعيينهم أكثر مما تحصل بتعيينه ، وبذلك تحفظ بيضة الإسلام وحوزة الشرع عن التشتت خصوصا في بدء الإسلام إذ لو كان الإمام على خلاف آرائهم وله كاره منهم ، بعث ذلك على انحراف الكاره فيختل الإسلام وتتبعض صفقته ، وتكون المسلمون شعبا وقبائل .

فهذه الدعوى أيضا منظور فيها بل بديهية الفساد ، فإن ملخصها إن الأمة قد لا تطيع الإمام المعين من الله لأمور نفسانية ألقاها الشيطان في أذهانهم ، فاقتضت المصلحة في بدء الإسلام في عدم تعيين خالق الأنام للإمام ، وإيكال أمره إليهم ليطيعوه إذا كان برضاهم ولا يختلف عليه اثنان فيكون ذلك أبلغ في تأييد الشرع والإقدام على الكفرة في الجهاد وعدم الخلاف ، كالمصلحة التي أجازت إعطاء المؤلفة قلوبهم من سهم الزكاة وهم كفرة مع إنها مشروطة بالقربة ، والمعتزلة من أهل السنة بعد أن اعترفوا بأن الأمير ( ع ) أفضل من غيره من الصحابة ، بل قال بعضهم إن لا مشاركة ، تراهم يرون وجوب تقديم أبي بكر عليه من جهة رعاية المصلحة فعدم النص على الأمير ( ع ) كان لأجلها ، فتقدم أبي بكر على الأمير كان بفعل الله سبحانه لما ذكرنا ولذلك افتتح شارح النهج في أول كتابه بخطبته فقال : ( الحمد لله الذي قدم المفضول على الفاضل ) ، أراد المفضول الأول وبالفاضل الأمير ( ع ) وأشار إلى إن التقديم من الله تعالى .

والجواب عن هذه المناقشة : - إن ما ذكر مسلم لو كان نصب الإمام مجهول العنوان بمعنى إنه من الأفعال التي لا توصف بحسن ولا قبح إلا بالجهات والاعتبارات ، فيتجه حينئذ عروض المصلحة المحسنة لعدم تعيين الله للإمام ، ويدور حكم الله تعالى مدار تلك المصلحة لكن الأمر

‹ صفحه 46 ›


ليس كذلك ، بل ذكرنا وجود المصلحة في وجوب تعيين الإمام على الله تعالى وسيجئ في رد المناقشة الثالثة ما يوضح هذا المطلب على إن المصلحة المذكورة في تفويض أمر الإمامة إلى الأمة مصلحة سفسطائية لا تليق بأن يدعيها من له أدنى مسكة ، فإنه لا يلزم
على الله أن يتبع في كيفية العبادة شهوات العباد وآرائهم ، بل لا يجوز له بناء على التحسين والتقبيح أن يخالف المصلحة الظاهرة كي لا تعصي الناس ، بل اللازم على العباد أن تتبع إرادة الله فيما يريده ويأمر به وإن كان بأمر الرسول الباطني وهو العقل ، وفي الأثر ( اعبد الله حيث يريد لا حيث تريد ) .

خلاصة المقال إنه بعد معلومية المصلحة في نصب واجب الوجود وتعيينه لمخلوقه إماما يرجعون إليه في الأمور الإلهية يلزم الاعتقاد بوجوب تعيينه ، ولا معارض لهذه المصلحة إلا توهم عدم تمكين الأمة للإمام المنصوب من الله تعالى لبعض الوسوسات الشيطانية ، وهو بالبداهة ليس بمفسدة تعارض تلك المصلحة فترفعها ، أترى يمكن أن يقال إن المصلحة في أن لا يخلق الله لزيد يدا كي لا يسرق ؟ فلا وقع لهذا التوهم أبدا .

وعن الثالث : - وهو إنكار لزوم العمل بهذه المصلحة التي يطلق عليها اسم اللطف ، بأن من أنكر ذلك إن استند فيه إلى إنكار الحسن والقبح فقد عرفت بطلانه بما لا مزيد عليه .

وإن ادعى إنه لا شئ يجب على الله من باب اللطف وإن كان حسنا ولا يمتنع ذلك وإن قبح ، فهو لا وجه له ضرورة إن اللطف على الله تعالى واجب بل خلافه ممتنع لجهتين : -

‹ صفحه 47 ›


الأولى : إن ترك اللطف نقض للغرض وهو قبيح ، ومضافا إلى قبحه إن وجود ما يصرفه محال في حق الحكيم للزوم تخلف المعلول عن العلة ، إذ الغرض لو تعلق بحصول شئ لا جرم
إنه بالعرض يتعلق بحصول ما لا يحصل الشيء الأول إلا به ، ولا يتم نحققه ووجوده لولا وجود الأخر ، فلو لم يتعلق الغرض بحصول ما يتقوم به الأول يلزم أن يتعلق بطرفي النقيض ، وهذا لا يصدر من عاقل فضلا عن الخالق ، وبعد تعلق الغرض بهذه المقدمة التي هي لطف لا يمكن تخلفه ، فإن الغرض علة الأفعال الاختيارية ، والمفروض وجود القدرة على ما تعلق به الغرض من غير ترتب مفسدة صارفة ، فلا محيص إلا عن صدور ذلك من الأمر ، والفرق بين ما نحن فيه وبين ما سبق إن تمام الوجه السابق موقوف على كون الآمر حكيم لا يصدر القبح منه ، وهذا لا يتوقف إلا على عقل الآمر وإدراكه .

الثانية : وجود مقتضي اللطف بالمعنى المذكور وخلوه عن المانع ، فيؤثر المقتضي أثره ، أما المقتضي فهو اشتمال النصب للإمام على صلاح أمر الأمة بالاتفاق ، ولا مانع إلا ترتب المفسدة ولا مفسدة في نصب الإمام تمنع من اقتضاء المقتضي سوى ما مضى من عصيان الأمة على نحو المقرر ، وهو لا يساوي مصلحة النصب لله تعالى ، لأن العقل قاض بصدور اللطف من المبدأ الفياض فلا بد أن يصدر منه ما هو الأصلح للعباد والبلاد كما تقرر ذلك في علمي الحكمة والكلام ، فتلخص إن القاضي بوجوب اللطف أمور : - ( الأول ) : إن تركه نقض للغرض وهو قبيح ، وهذا الوجه موقوف على ما اخترناه في مسألة الحسن والقبح وفاقا للمشهور ، إذ المسألة خلافية .

‹ صفحه 48 ›


( الثاني ) : إن اللطف فعل اختياري والداعي لصدوره من الآمر موجود ، والفعل الاختياري مع وجود الداعي وعدم المانع لا يتخلف ، أما وجود الداعي فلأن إرادة هذا الأمر لطف بالنسبة إلى الآمر ، فكما تبعث هذه الإرادة على صدور الأمر والطلب ، كذلك تبعث
على ارتكاب اللطف لأن في كليهما فائدة وأثر ويحصل بكليهما المقصود وإذا كانت العلية مشتركة بينهما فتخصيصها بأحدهما تفكيك بين العلة والمعلول .

( الثالث ) : إن الذات المقدسة علة الإفاضة ومبدأ صدور كل خير ، واللطف فيض من الفيوضات ومصلحة من المصالح الإلهية ، فإذا خلى من المانع لا يتخلف عن إفاضة الفياض ، واعلم إن تمامية الوجوه موقوف على معلومية عدم المفسدة في نصب الإمام ( ع ) .

وأما جواب من أنكر اللطف بملاحظة النقوض التي تقدمت مثل غناء الفقير المانع له من ارتكاب المعصية وأمثال ذلك زاعما إن النقض بذلك يكشف إجمالا عن فساد الدليل فهو إنا وإن لم ننكر إنه إذا منع من اللطف مانع أو عرضت له مفسدة يكتفي الشارع المقدس بنفس الأعلام بالتكاليف الشرعية ، ولا يجب عليه النصب من جهة وجوب اللطف لكنا نمنع عروض المفسدة المانعة من اللطف في المقام ، وما وقع من العلماء من التزلزل في أصل وجوبه للنقوض التي سلفت ففي غير محله لأن كل واحد من الأمور المذكورة غير سالم عن عروض المفسدة المانعة من اللطف فلا تصلح أن تكون نقضا على الدليل العقلي القاضي بوجوبه ، وبسط الكلام في محل آخر .

‹ صفحه 49 ›


وعن الرابع : وهو أهمها ، لأنه نقض على كل دليل عقلي أقيم على وجوب نصب الإمام على الله تعالى ، بأنه يختلف حكم اللطف حدوثا وبقاء ، فقد يكون وجود الإمام ابتداء لطف وفي استمراره مفسدة ترفع اللطف الاستمراري ، ولتوضيح هذا المطلب نتكلم في بعث النبي ( ص ) ومنه يعلم حال نصب الإمام ، وخلاصته إن الحق سبحانه إذا اقتضت مشيئته وتعلقت إرادته بتشريع شريعة مشتملة على طلب أحكام مراده له من أهل عصر لا تدري بتلك الشريعة والأحكام فيجب على الله تعالى أن يبعث لهم من يعرف ذلك ويبلغهم هاتيك الأحكام المرادة بالتفصيل وإلا فالامتثال ممتنع الحصول والمؤاخذة على عدم امتثال ما شرعه ظلم وتكليف بما لا يطاق ، وذلك المبعوث هو الرسول ويسمى نبيا أيضا ، فإذا عمد أهل ذلك العصر المرسول إليهم ذلك النبي وقتلوا نبيهم بعد بعثه أو حبسوه أو خاف على نفسه منهم ففر إلى صقع أو مكان يضمه عنهم واختبى به عمن يخافه ، فليس على الله تعالى بعد أن يرسل غيره أو يحييه بعد قتله ، وله أن يعاقب الأمة المر سول إليهم على جميع أحكامه بعد بلوغهم دعوته ، وتقصيرهم في الرجوع إليه سواء بلغ الأحكام أو بعضها أو لا ، وسواء أيد بالمعجزة أو لا ، والضابط أنه متى ما اتصف من أرسل إليه بالتقصير استحق العقاب ، وكذا أعقابهم وأعقاب أعقابهم ، وغير المقصر من أي مرتبة كان لا يستحق عقابا ، وتسمى الأزمنة المتأخرة بزمان الفترة والجاهلية ، وكيفية حشرهم ونشرهم مذكورة في كتب الأخبار ويتلو النبي الإمام المنصوب في ذلك حذو النعل بالنعل ، فإذا اقتضت المشيئة الربانية بتشريع شريعة وببقاء تلك الشريعة إلى أمد مخصوص يزيد على مدة بقاء الرسول المبعوث ، أو إلى أبد

‹ صفحه 50 ›


الآباد ، وأراد جل جلاله من عباده العمل بقوانين تلك الشريعة وأحكامها يلزم أن يرسل رسولا لتشريع تلك الأحكام ، وينصب إماما للمحافظة على بقاء التدين بتلك الشريعة بعد النبي ( ص ) ، فلو ترك البعث كشف ذلك عن عدم اقتضاء المشيئة لتشريع شريعة لخلقه ، ولو ترك نصب الإمام كشف ذلك عن عدم إرادته تأييد تلك الشريعة وعمل العباد بشرايعها ، ومتى أرادهما لزم عليه البعث والنصب كما مر ذلك مفصلا ، وعليه فلو أسرعت الأمة إلى قتل ذلك الإمام الحافظ أو اقتضت شهواتها فتركته ونصبت هي غيره أو فر خوفا أو استتر عنهم في صقع أو ناحية فلا يجب على الله سبحانه منع الأمة عن ذلك كله وإبقاء الإمام بالأسباب القهرية ، بل بعد إكمال الحجة بنصب الإمام ودلالة الأمة عليه بالطرق المفضية إلى معرفته لا يحتاج بعد إلى منع الدافع له عن حقه قهرا ، ولا يجب على الله تعالى تنصيب أخر بعد موته بل هو بالخيار إن شاء نصب إماما أخرا وإن شاء ترك ، فاتضح أن الواجب على الله إيجاد ما يقتضي بقاء شرعه كإيجاد ما يقتضي حدوثه ، وأما رفع الموانع قهرا عما يقتضي البقاء أو ما يقتضي الحدوث فلا قاطع يقضي به ، فإن نفس تشريع الشريعة وإرادة بقاءها لا يوجب إبقاء المحدث والمبقي على الله وإن قضت بإيجادهما للفرق الواضح بين الإيجاد والإبقاء ، والخصم قاس الحدث بالبقاء فعارضنا بزمن الغيبة والحال أنه لا مساواة بينهما ولا قاعدة اللطف تقتضيهما ، بل إنما تقتضي الحدوث فيهما فقط .

وبالجملة أن أحداث الشريعة تقتضي بدليل اللطف إرسال من يحدثها ويعرفها للناس ولا تقتضي رفع الموانع عنه ، وبقائها أيضا بالدليل المزبور يقتضي نصب من يبقيها ويحفظ أحكامها ولا يوجب غير ذلك من

‹ صفحه 51 ›


حفظه قهرا على الخلق ورفع الموانع عنه كالسابق ، فلا نقض على دليل اللطف بزمن الغيبة ، ولا ملازمة بين وجوب الحدوث ووجوب البقاء ، فنتج من جميع ما ذكرنا إن نصب الإمام بعد الرسول لطف إذ هو يقرب إلى الطاعة ، ويبعد عن المعصية ، وليس اللطف إلا ذلك ، ولازم صدوره على الله ، وإما إبقاء الإمام قهرا على الأمة فهو وإن قرب من الطاعة أيضا لكنه مشروط عقلا بالسلامة من المفسدة فمتى لم يتحقق الشرط ولم يحرز لا يحكم حكما بتيا بوجوب البقاء ، ولازمه جواز خلو الزمان الثاني عن وجود الإمام أو عن تصرفه بخلاف الزمان الأول فإنه يلزمه فيه وجود الإمام ونصبه ولو آنا ما ، بل وكذا في باقي الأزمنة إذا استند عدم البقاء إلى فعل الخالق كأن يقول له لا تبين الأحكام وهو يطلب العمل بها ، ولا كذلك إذا استند عدم البقاء إلى المخلوق ، ومن هنا ذهب الإمامية إلى عدم جواز خلو العصر عن إمام متصرف موجود لاقتضاء بقاء الشريعة المفروغ منه على ذلك ، فحصل الفرق بين الزمانين من وجوب اشتمال الأول على وجود إمام متصرف وجواز عدم اشتمال الثاني عليه في صورة استناد العدم إلى الأمة العصاة لا إلى الله عز وجل .

لا يقال أن بقاء الشريعة لا ينفك عن وجود الإمام المتصرف في فعل القادر الفياض ، لأن حصول الانفكاك بينهما يلزمه إما عدم مطلوبية البقاء أو عدم توقفه على وجود الإمام المتصرف أو عدم قدرة الله تعالى على إبقاء الإمام بين الأمة وهو كما ترى ، فكيف تجمع الإمامية بين ذلك وبين اعتقاد غيبة الإمام والقول به ، وهذا من الغرابة بمكان ، وأهل السنة شنعوا به على الإمامية .

لأنا نقول إن بقاء الشريعة ومطلوبية ذلك من جانب الحق تعالى له معنيان :

‹ صفحه 52 ›


( الأول ) : هو بقائها على ما هي عليه من دون تغيير وتبديل ، ويراد بالبقاء الفعل التكويني وهو الإبقاء يعني أن مشيئة الله تعالى قضت بإبقاء الشريعة إما طوعا أو كرها إلى يوم الحساب ، ومعلوم أن المشيئة لم تتعلق بذلك بالمعنى المذكور ، فإن لازم التعلق عدم صدور الكفر والمعصية في الأرض ، ويكون حال أهل الأرض كحال الملائكة في السماء فإن أريد بالبقاء هذا المعنى فلا ريب في الملازمة بينه وبين بقاء الإمام المتصرف المبين لأحكام الشريعة الغراء ، ولا ينفك أحدهما عن الأخر جزما لكنه لم يدعيه أحد .

( الثاني ) : البقاء الناشئ من تشريع الشرع وصدور الأوامر والنواهي الذي هو كالحدوث ، وهذا النحو من مطلوبية البقاء لا يستلزم دوام وجود الإمام وإن اقتضى نصبه نظير إرادة الأيمان من الكافر والطاعة من العاصي ، ولذلك ذكرنا آنفا أنه لو قتل النبي بظلم وجور فلا يجب على الله أن يبعث ثان بشريعة النبي الأول ، ومرادنا ببقاء الشريعة هو المعنى الثاني ، بمعنى أن التكليف الإلهي يكشف عن المصلحة والمفسدة الواقعية وهو تعلق ببقاء الشريعة بالإجماع والضرورة والكتاب والسنة ، ولكن تعلقه على حد مطلوبية الأيمان من الكافر والإطاعة من العاصي ، وهذا المقدار من المطلوبية لا يوجب قهر العباد وإلجائهم على تنفيذ الأحكام وإبقاء الشريعة وعلى هذا فالشريعة باقية بالإرادة وهي محتاجة إلى الإمام المتصرف ، والقادر قادر على إبقاءه مدى الآباد ، ولكنه ليس بواجب عليه ذلك بل يمكن أن يخلو الزمان من إمام متصرف لجهة عصيان الأمة وعدم اقتضاء المصلحة الواقعية إنفاذ تصرف الإمام بالقهر والغلبة وذلك لا يورث خللا في لزوم إبقاء الشريعة ولا في لزوم نصب الإمام

‹ صفحه 53 ›


المتصرف ، وحينئذ يمتنع على القادر الحكيم قبل صدور العصيان من الأمة خلو الزمان من الإمام ، وأما بعد نصب الإمام وبعد جحود الأمة له أو عدم إطاعتهم له وإن لم يجحدوه أو عدم تمكينهم إياه يمكن خلو الزمان من ذلك الإمام ، ويترتب العذاب حينئذ على العاصي يشاركه المقصر في الاستحقاق ، وأما القاصر فحاله من جهة قصور حظه عن إدراك تلك السعادة والفيوضات حال أهل الفترة .

وجملة الأمر أن نصب الإمام للأمة لطف وإبقاءه أخر ، واللطف الأول يلزم خلوه عن الموانع ولو بالقهر والغلبة لأن عدمه قبيح وممتنع على الله تعالى حسب ما تقرر ذلك مفصلا .

والثاني وهو إبقاءه على كل حال وإن كان لطفا أيضا غير أنه يعرفه عروض المفسدة من عصيان الأمة وغير ذلك مما يقتضي عدم بقاءه أو تصرفه على ما عرفت ، والمعروف من علماء الإمامية أنهم أجابوا عن النقض بزمان الغيبة أن وجود الإمام لطف وتصرفه لطف أخر فأن رجح أحد العبارتين إلى الأخرى وكانا بمعنى واحد فنعم الوفاق ، وإن كان مرادهم التفرقة بين وجود الإمام وبين تصرفه لا بين نصبه وإبقائه فلا يصلح ما قالوه أن يكون جوابا للنقض المذكور ، وإن كان ما ذكروه من كون وجوده لطفا وتصرفه كذلك مسلم وصحيح لأن وجود الإمام من غير تصرف لطف معنوي نظرا لأن الإمام على مذهب الإمامية بمنزلة قلب العالم وهو قوام بقاؤه ولكن هذا المعنى من اللطف ليس له ربط بمحل النزاع إذ لو طالبهم الخصم بأن مثل هذا الإمام المعطل المهجور أي فائدة في وجوده لا يصلح ما قالوه من كون وجوده لطفا إلى أخره ، وإن يكون جوابا لهم إذ قد ورد في الأخبار تشبيه الإمام بالشمس فأن الخلق تنتفع بمجرد وجودها وإن لم يمكن الوصول إليها ، والظاهر إنه لم يكن

‹ صفحه 54 ›


مراد العلماء بهذا الكلام رد نقض الخصم المذكور لأن السؤال والجواب بعينه ورد في بعض الأخبار ، ولو أنهم أرادوا الخلاص من النقض على الأدلة العقلية بزمان الغيبة ينحصر الجواب بما نبهنا عليه - وحاصله الفرق بين بعث النبي وإبقائه وبين نصب الإمام وإبقائه في إن المانع الأول لا يعقل وجوده ، ويجب على القادر المتعال رفعه بعد استعداد خلق

‹ صفحه 55 ›


الزمان للأيمان بالله تعالى وما يلزمه من الأحكام ، ولا كذلك الثاني لإمكان وجود المانع له عقلا .

الدليل الثالث ( من الأدلة غير السمعية ) استقراء حال الأنبياء

إن استقراء حال الأنبياء الماضين واقتفاء آثارهم ، وتتبع المتواتر من أحوالهم خصوصا مشاهير الأنبياء المرسلين وألوا العزم منهم ، فإن لكل نبي منهم وصي وخليفة معروف باسمه وحسبه ونسبه ، فمن تتبع تواريخ الفريقين وكتب علماء الطرفين ولاحظ أخبار السلف ، وخلع قلادة العناد وأنصف ، رأى إن كل نبي إذا أشرف على الرحيل إلى الدار الباقية ، أو قبل ذلك يوصي ويستخلف ويدفع ميراث الأنبياء إلى ذلك الوصي أو إلى موثوق به يدفعه بعد قضاء نحبه إلى خليفته ووصيه ، فكيف لا يكون لسيد الأنبياء وخاتمهم وصيا ؟ وكيف لا يحذو حذوهم مع إن شريعته أكمل الشرائع وزمان بقاءها أطول ودائرته أوسع حتى أنه ( ص ) عمت نبوته الإنس والجن على إن أمره باتباع ملة إبراهيم مطلقا بقوله تعالى ( ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبر 1 هيم حنيفا ( مما يقضي أن يصنع كلما صنع ومنها الاستخلاف والاستيصاء بل هو أهمها ، والاستثناء يحتاج إلى برهان قاض به بل لو كان لوقع في الكتاب المجيد لأنه مما تعم به البلوى وليس كغيره مما يتسامح في مخصصه ، فإن هذا مما يورث الجزم بأن النبي ( ص ) لم يخرج من الدنيا حتى نصب له وصيا وخليفة .

‹ صفحه 56 ›


ولو قيل إن النبي ( ص ) عرف من حال الأمة عدم القبول ، وعلم منهم عدم التمكين فترك النص لذلك . فقد عرفت الجواب عنه من إن عصيان الأمة لا يمكن أن يمنع من ابتداء وجوده ، كما لا يمنع من ابتداء بعث النبي .

سلمنا لكنه لا ينفع الخصم بل يورث الخلل فيما زعمه من عدم النصب لجهة العصيان وعدم التمكين من الأمة لعودة في المعنى إلى نسبة العصيان والمخالفة لصحابة النبي ( ص ) ، وعدم قابليتهم لأن يكون فيهم من يصلح للإمامة ، فينتج منه غصبهم للخلافة باستعمال الحيل ، وهذا يثبت جزء من مذهب الإمامية ، ويثبت الباقي وهو خلافة الأمير ( ع ) بالإجماع المركب ، لأن كل من يرى إن خلافة غيره باطلة لعدم استحقاق غيره لها بل غصبه إياها يقول بخلافة الأمير ( ع ) وإنها بالنص على إنه يمكن إثبات مذهب الإمامية بلا واسطة الإجماع المركب ، لأن وجود الإمام باتفاق كل المسلمين لازم وواجب ، وليس غير مولانا الأمير ( ع ) أحد قابل من الصحابة لذلك باعتراف الخصم ، فيتعين إنه هو الخليفة حقا ، وإن تصرف غيره لا وجه له .

الدليل الرابع ( من الأدلة غير الشرعية )

سيرة وأحوال النبي ( ص )

أن المراد بهذا الدليل هو تصفح أحوال النبي ( ص ) وسيرته مع الأمير - علي بن أبي طالب ( ع ) - وغيره من الصحابة ، فإذا عرفت منه ( ص ) الميل إلى واحد بإشاراته والتفاتاته من إكرامه

‹ صفحه 57 ›


وإعظامه والرجوع إليه في المهمات ، كان ذلك شاهد حال على عدم رجحان غيره عليه ، وحصول العلم من هذا الطريق شائع معلوم ، مثلا إذا عرفت إنسان بالجود والكرم والإحسان فلا ريب إن الجلوس على باب داره والاتكاء على جداره لا يحتاج بالبداهة إلى استيذانه ، وكذا لو أضاف مبغضيه وأكرم معاديه ، فإكرامه لمحبيه معلوم بشاهد الحال ، وهكذا في ساير موارد ما يحصل العلم به من الرضا والكراهة والكرم والبخل والفسق والعدالة وغيرها من الصفات الخفية ، وحينئذ من نظر بعين الإنصاف وتفكر في أحوال سيد المرسلين قطع باستخلافه لأمير المؤمنين دون غيره من الصحابة المسلمين وأقامه مقامه في الإمارة ، وحمله أعباء الرسالة نظرا إلى أنه ( ص ) له التصرف في جميع أمور العالم وله معرفة ما يصلحهم مما يفسدهم ، وجعل لكل واقعة حكما يناسبها وما ترك الناس في وهدة الضلالة ، وبين الأحكام حتى آداب التخلي وأرش الخدش ، وعرفهم طريق السلوك وآداب المعيشة بقانون الحكمة الإلهية ، وبين لهم طريق السياسات حتى غلبة العدو في الحروب ، وأوضح لهم طرقها وكيفياتها حتى بهر العقول وأذعنت العقلاء بأن ما حواه ممتنع الحصول ولولا الإطالة لذكرنا من بعض أخلاقه وآدابه وسيرته مما لو وعاها العاقل وبها تدبر لصقع لوجهه وقال يا سبحان الله ما هذا بشر ، ولذلك كانت شريعته من أقوى معا جزه ، ومن الواضح أنه إذا كان بهذه المرتبة التي لم تحصل لأحد من الخلق من بني آدم من إدراكه لما لا تدركه العقول ، وإحاطته بالأحكام وتفاصيلها فيقطع من له أدنى روية ومسكة بأنه ( ص ) بالنسبة لأمته أشفق من الوالد الرؤوف ، وإن رحمته ولطفه على الأمة أكثر من حياطة

‹ صفحه 58 ›


الأمهات على أولادها وتعطفها عليهم ، وإنه ما استراح ساعة من غم الأمة ورفه المكروهات عنهم ، ولو تفكرت في أحوال العقلاء من الناس من الشريف والوضيع كل بحسبه لألفيت كل من تولى وملك شيئا يبالغ في حراسته وصيانته والتحفظ عليه ، وفي الأثر ( من تولى عشرة أعطي أعقلهم ) ألا ترى إلى صنيع راعي الغنم وسايس الأنعام كيف يتنكب بها الوهاد المعشبة والروابي المخضبة ، فينقلها من ناد إلى نادي ومن واد إلى وادي ، ويفنى ليله ونهاره في صونها عن المؤذيات وحراستها من المهلكات ، ولا يشغله عنها شاغل ، فكيف عن ملك أمر الأمة وأرسله الله تعالى إليهم نعمة ؟ أتراه يتركهم سدى لا ينصب لهم راعيا يدبر أمورهم ، وواليا يرجعون إليه في مهماتهم ، به يتقوى الضعيف وبه يزول كرب اللهيف ، ومنه يتعرفون أحكام واجب الوجود ويقفون على فرائض الملك المعبود ، وكيف يرجع اختيار نصب الإمام إليهم ؟ وهو أعرف بما يصلحهم منهم فيترك الأصلح إلى غيره من غير ضرورة تدعو إلى ذلك ، فإن الضرورة تقدر بقدرها عند عروضها ، واحتمال عروضها لا يوجب ترك الأصلح المأمور بفعله ، والحال إن نصب الإمام من أعظم المصالح العامة وأهمها باتفاق أهل السنة والإمامية ، ولو إن ترك ذلك مستحسن لتركته الملوك والسلاطين فتراهم ينصبون ولي عهدهم قبل كل شئ ، ويرشدون رعيتهم إليه ، أفيترك ذلك ملك الملوك والعقل الكامل ؟ كلا ولو اختبرت أهل السنة لوجدتهم يبالغون في هذا الأمر أكثر من الإمامية ، فإنهم تركوا حضور تجهيز النبي ( ص ) ودفنه ، وتهافتوا في سقيفة بني ساعده ، واشتغلوا بأمر الإمامة خشية أن لا يختل أمر الدين ولو ريثما يدفن النبي ( ص ) ، لأنهم رأوا ذلك أصلح للدين من

‹ صفحه 59 ›


انتظارهم هذه المدة اليسيرة حتى فاتتهم الصلاة عليه إلا نفرا يسيرا ، وفي بعض الأخبار لم يدفن النبي ( ص ) حتى تم أمر الخلافة وانقطع النزاع وبويع ابن أبي قحافة ، وقيل بقي النبي ( ص ) إلى ثلاثة أيام لم يقبر لكن المشهور الأول ، ولأجل لزوم ذلك والاهتمام به عهد أبو بكر إلى عمر واستخلفه ، فأي عاقل يجوز ترك الاستخلاف على من أحرز عقل الكل ؟ لعمري إن هذا بهتان عظيم . وفي الأثر ( حدث العاقل بما لا يليق فإن صدق لا عقل له ) ، وعلى كل حال فالمحقق من تواتر الأخبار وأخبار المؤرخين إن جمعا من الصحابة لم يحضروا تجهيز النبي ( ص ) ، وأسرعوا إلى سقيفة بني ساعده لطلب الإمارة والخلافة ، وهذا هو الذي دعى الإمامية إلى الانحراف عنهم وعدم الاعتناء بشأنهم ، لأن المنصف الخالي من شوائب العناد وهوى النفس يسأل منه إنه أي خلل ووهن ورخنه تصيب الدين في مدة يسيرة حتى يرتكب لأجله هذا الأمر الشنيع الذي يورث الاستخفاف بحق النبي ( ص ) أن يترك جسدا بلا روح بين الأحياء ، ولا يعجلون إلى تربته والحال إن زمان اشتغالهم بالبيعة أطول بحسب العادة من زمان تجهيز النبي ( ص ) ولو إنهم سلموا من هوى النفس والميل إلى الرياسة لجمعوا بين هذين الأمرين الممكنين وأحرز وأشرف شرف الدنيا والآخرة فيجهزون النبي ( ص ) ، ثم يعدون لما نهوا عنه من أمر الخلافة لا أقل من إن الأمير ( ع ) إن لم يكن رئيسهم فهو من أول المهاجرين ، أما كان ينبغي أن يشاوروه في هذا الأمر ، لكنهم مال بهم الهوى وراق لهم خفق

‹ صفحه 60 ›


النعال فعافوا ما يصلح دينهم لدنياهم وذلك معنى ( أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ) ، يعني بعد النصب وإكمال الحجة وتعيين الإمام لا يضر الله تعالى من يعصي ولم يتمثل وهو معنى الانقلاب ، وهذا هو ما أشرنا إليه آنفا من إن عروض المعصية بعد نصب الإمام وعدم امتثال أمره لا يجب على الله إزالته وإن وجب عليه إزالة ما يمنع من النصب ومما يقضى بأن اجتماعهم كان طلبا للرياسة لا لإصلاح أمر الأمة تظلم الأمير ( ع ) كما وقع في النهج الذي لا ريب أنه من كلامه قال في خطبة له ( حتى قبض رسول الله رجع قوم على الأعقاب وغالتهم السبل ووصلوا غير الرحم الذي أمروا بمودته ونقلوا البناء عن رص أساسه حتى بنوه في غير مرضه ) وقوله في أخرى ( فلما مضى محمد ( ص ) تنازع المسلمون الأمر من بعده فوالله ما يلقى في روعي ولا يخطر ببالي إن العرب تزيح هذا الأمر عن أهل بيته ولا أنهم منحوه عني فما راعني إلا انثيال الناس على فلان يبايعونه فأمسكت بيدي ) إلى غير ذلك من تظلمه من يوم السقيفة ، فأين صلاح أمر الأمة والأمير يرى فساد أمرهم بهذا ، وأهل السنة لما عرفوا بشاعة هذا الأمر وشناعته أخذ يلفقون ما يموهون به على العوام لرفع التشنيع عليهم من هذه الجهة لكنهم كحاطب ليل لا يدري ما يجمع ، فيجيبون تارة عن ذلك بأن الصحابة أرادوا الجمع بين الأمرين فتركوا جمعا منهم يجهز النبي ( ص ) وجمعا آخر يشتغل بأمر الخلافة والإمامة في المحل المعد له ، وليس في هذا إلا تمام العدل والإنصاف

‹ صفحه 61 ›


وحماية الدين وأداء حق الرسول ( ص ) بالاهتمام بحراسة شريعته الغراء وبتمام الجد والاجتهاد عقدوا البيعة وهدأت النفوس واعتز الإسلام وليس لهم بذلك مقصود أو غرض إلا حفظ الإسلام والمسلمين ، ثم ينسبون الإمامية إلى الجهل بمعرفة الأمور والعناد مع المسلمين .

ويتخلصون أخرى بأنه في زمن مرض النبي ( ص ) كثر القال والقيل وظهر الاختلال في الدين حتى برزنا عق المنافقين وكامن القاسطين وأشرفت الأعراب من حوالي المدينة على الارتداد ، وجاسوس المنافقين فيها يتربص الفرص ، والصحابة لما نظروا إلى ذلك لم يملكوا أنفسهم عن الإسراع إلى أمر الخلافة بعد أن قام البعض بتجهيز النبي ، وهو واجب كفاية ، لأنهم من أطلع الناس على أسرار المنافقين ومكايدهم ، ويعلمون بأن الأعراب يسرع إليهم الارتداد لأنهم ينعقون مع كل ناعق فعسى أن يكون قد انتهى الأمر بهم ووصل الحال إلى حد لو انحصر تجهيز النبي ( ص ) بهم لما فعلوه ، لكون حفظ بيضة الإسلام أهم من تجهيزه عند الله ورسوله ، وفعل الأهم واجب عند المزاحمة مع غيره ، وفي الحديث ( من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم ) ، وفي ذلك لهم تمام الفضل والفضيلة ، ولهذا ومثله أنزل الله فيهم قرآنا فقال عز وجل ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ( وربما طعنوا وشنعوا على الإمامية الذين طعنوا في الصحابة بترك تجهيز النبي ( ص ) ومبادرتهم إلى تعيين الخليفة والإمام بعده ، وعدوا ذلك من المثالب قالوا " وذلك من غواية إبليس وتدليسه بأن سلب الدين من

‹ صفحه 62 ›


الإمامية بمقدمات خيلها لديهم إنها دينية فظلوا وأضلوا وشاركوا أهل الكتاب في الكفر " .

ويا ليت شعري كيف تجديهم هذه الخرافات وتفيدهم هاتيك المغالطات فها نحن نرد الأولى بأن العقل والنقل يقضيان بحرمة الرسول ، وإن هتك حرمته فسق بل كفر ، ولا ريب بأن ترك تجهيزه يقضي بهتك الحرمة فلا عذر لهم في ذلك ، بل لو تخلف واحد منهم استحق الملامة والذم والعذاب فكيف بجلهم فإن ذلك حرام من جهتين من الإخلال بالمودة التي أمروا بها ، ومن عدم الاحترام ، ومقالة أكثرهم إن ذلك لحفظ بيضة الإسلام فيه إن فعل ما هو حرام لاحتمال المصلحة المظنونة لعله خلاف الشريعة ، ولو سلمنا إن الضرر المحتمل يلزم دفعه نقول أي دليل قضى بأن حفظ البيضة يزيل حرمة الهتك ؟

كيف وهو بيضة الإسلام ؟ ففي ترك حرمته هتك بيضة الإسلام فما فروا منه وقعوا فيه كما لا يخفى .

ونمنع الثانية بأن الارتداد المذكور والتشويش الذي يخشى منه على بيضة الإسلام لو كان لبان ، والحال إنه لم يذكره مؤرخ ولا سمعناه من ذي سيرة ، ولا وقفنا على جهة من الإعراب إلا ما صدر بعد الخلافة بمدة في عهد الأول من واقعة مالك بن نويرة وهي لعمري إن لم تكن مثلبة فما كادت لتكون منقبة فراجع السير وتعرف الواقعة تعرف إن مالكا وأصحابه لم يخلعوا طاعة ولا فارقوا الجماعة ، وإن ما صدر من خالد بن الوليد معهم كان ظلما وعدوانا ، ولا ينبئك مثل خبير ، وعند الله تجتمع الخصوم ، والحاصل لم يبلغنا ارتداد أحد ولا محاصرة المدينة ولو كان فزمان التجهيز كان بحيث أنه لولا تركه لاختل أمر الدين مما لا يتفوه به عاقل ، وهو بهذا القصد على إن من ارتد على فرضه إن لم يأت وينازع

‹ صفحه 63 ›


على إجراء الحدود مثلا هو لا يأتي ولا ينازع فالاعتذار بهذه المعاذير الواهية كما وقع من بعض علماءهم في غاية الضعف لا يخلو عن التعصب ومن الشواهد القوية تخلف الأمير ومن معه من أكابر الصحابة عن الرواح إليها والدخول فيما دخل فيه أهلها ، وإن عملهم غير مرضي للأمير .

ولو ادعوا أنه أخطأ في اجتهاده . ففيه بعد منع الخطأ في حقه خصوصا في مثل هذا الأمر العظيم - إن هذا الخطأ قد استمر معه إلى أن قضى نحبه ولقى ربه ، ولو كان كذلك ينبغي أن يزول بعد ما تم الأمر وتبين له وجه صلاحه ، كلا لقد احتج عليهم في زمانهم وتظلم منهم بعده أنظر إلى شقشقيته فإنها تنبيك عن تظلمه كغيرها من كلماته .

فإن قلت أنه كما إن من البعيد عدم تعيين الرسول ( ص ) للإمام فأبعد منه مخالفة الجم الغفير من الصحابة وفيهم أجلاء المهاجرين والأنصار ، فإن نسبة مخالفتهم النبي ( ص ) في هذا الأمر يحتاج إلى جرأة عظيمة ونسبتهم إلى الفسق لا يكاد يلتئم مع ما ورد من المدح والثناء عليهم جملة من الله ورسوله في الآيات والأخبار مثل ( كنتم خير أمة ( ومثل ( المهاجرين والأنصار ( الآية ، وقد صدر فيها تصريح الرضى من الله عنهم فيلزم المنصف أن يحمل أفعالهم على الصحة مهما أمكن ولا يتعرض لهم بسوء .

قلنا : هذا الكلام بظاهرة يكاد لا يسمع ولكنه عند التحقيق لا يشفي علة ولا ينجع غلة أما الآيات والأخبار فهي مجملة لا يركن إليها بعد معلومية أن الله سبحانه ونبيه ما أراد بذلك مدح كل الصحابة يقينا لمعلومية أن فيهم من نكث وارتد ، وفي الكتاب المجيد نزل الذم في

‹ صفحه 64 ›


خصوص بعض الصحابة أيضا مثل ( الذين آمنوا ثم كفروا ( ومثل ( انقلبتم ( وغير ذلك ، وفي الأخبار أيضا كذلك ، وإما مخالفة الأكثر وهو من البعيد فلا يكاد ينكر فإن صدور المعصية علة تامة لتحقق المخالفة وعدم العدالة ، وهي واقعة منهم باعتراف الخصوم ولأجلها أخذوا يتعلقون بكل رطب ويابس . قالوا القلوب منحرفة عن الأمير ، وأغلب المهاجرين والأنصار لا يرضونه حاكما عليهم فتدبيره مثار الفتنة والارتداد واختلال الإسلام بخلاف تقديم غيره .

وقالوا إن الحق المحض مر ، والأمير ( ع ) لا يداهن في دين الله أبدا ، ومن المعلوم إن الناس لا ترغب لغير المداهن خصوصا الولاة والقضاة والمصدقين ورؤساء العساكر وغيرهم ، ممن يرغب الارتشاء ويطلب أن يظلم ، فلو تولى الأمير أمرهم لعزرهم مضافا إلى العزل ، ولأغلظ لهم في القول ، وضعفاء العقول لا يتحملون ذلك ولا يطيقونه

 

‹ صفحه 65 ›


فيورث إرجاع الأمر إليه الهرج والمرج في بدء الإسلام ، والصحابة رأوا المصلحة لأن يتصدون أمر الخلافة ويحفظون الدين عن التغير إلى أن يتقوى الإسلام ، ونحن نقول إن هذا ومثله من المعاذير لو صدقت لكان غايتها إن استبداد الأمير بالخلافة بغير مشورتهم ومعاونتهم خلاف الأصلح . وأما خلافته بمعاونة الصحابة فلا فساد فيها فينجم الاعتراض على الصحابة إنهم لم لم يوازروه ولم يعاونوه ، فوالله العظيم لو أعانه منهم عشرة ما اختلف عليه اثنان فكيف بجلهم ، ولا يزيد كراهة إمرته على كراهة نبوة النبي ( ص ) فإنه باليسر منهم ملك رقابهم وأظهر نبوته بالسيف ، ثم إن الكاره لخلافته وإمرته إن كان من الأذناب فهم لا يعتني بشأنهم وما هم إلا كالفراش ، وإن كان من أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار جاء الحق من إنهم اتبعوا أهواء أنفسهم ولم يكن فيهم أحد سالما من غرض أو مرض ، ولولا تقاعد باقي المهاجرين والأنصار عن عثمان في المدينة وعدم رضائهم ببعض أفعاله لما مر به من يؤذيه ولا قتل ، ثم إن المنصف إذا تفكر في التواريخ وأخبار السلف يرى إن أغلب الناس إلا من يشم من نفسه الإمرة كلهم كانوا يوالون عليا ) ، ويودون ولايته عليهم فهذا العذر كالذي يليه لا يفيد فائدة ، فإن الحق أحق أن يتبع فكونه ( ع ) يقضي بالحق ويسير بالعدل ، ولا يطمع القوي في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله مما يشرف من له أدنى عقل إن العموم ترضى به لكن رضاء العموم متوقف على رضاء الخواص ، والخواص قلوبهم مرضى ، ومرض القلوب لا يداوى ، وهوى النفس يغلب ، والله سبحانه أبصر عمن خالف النص وغلبه هواه .