‹ صفحه 66 ›

الخامس من الأدلة : ( التي هي غير سمعية )

 

دعواه للإمامة والخلافة أن عليا ( ع ) ادعى الإمامة والخلافة بالنص ، وأنه أقام على ذلك البراهين والمعاجز.

أما دعواه الإمامة فغنية عن البرهان لا تحتاج إلى الإثبات ، ويكفي فيها تظلمه في نهجه كما غبر ( 1 ) وتخلفه عن البيعة لغيره بإجماع الفريقين . نعم الخصم يدعي بيعته بعد أن قضى رسول الله ( ص ) بمدة ، والإمامية تقول ما بايع أبدا ، ولأن ظهر منه صورة بيعة فلأمر ما جذع قصير أنفه ، ويستندون في ذلك إلى مشاهدة أحواله حتى عممه ابن ملجم ، وأنه لم يزل يتظلم فلو كان مبايعا لا يحسن منه ذلك وعلى كل حال فتخلفه عن البيعة عند فقد الرسول ( ص ) مما لم ينازع فيه أحد ، وادعاءه إنه أحق بهذا الأمر مما لا ينكر .

وأما ما جرى على يده من المعاجز الباهرة ، فذلك في الجملة مما لا يعترضه الشك ، وإنكار منكريه لا ينفع بعد ظهوره بين الخاص والعام ، واعتراف الكفرة بذلك فضلا من الإسلام حتى اشتهر بمظهر العجائب بين الأنام .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) غبر : مضى

‹ صفحه 67 ›


ولو قيل بأن تسليم ذلك لا يصلح أن يكون حجة على الإمامة ودليلا لأن دعواه للإمامة لم يكن مقرونا بالمعجزة ، ولا استند إلى إثباتها بذلك ، غاية ما في الباب إنه ادعى الإمامة وظهرت منه المعاجز .

فرده أما على مذهب الإمامية وما وصل إليهم من الأخبار الموثقة من الرواة الذي جرى توثيقهم في السنة من أهل السنة والشيعة مما هم مذكورون في ميزان الاعتدال في معرفة الرجال إنه ادعى الإمامة وأظهر المعجزة وبذلك وردت جملة من النصوص { كمنازعته مع أبي بكر بعد موت النبي ( ص ) وتوافقا على الرواح إلى قبر النبي ( ص ) ، فلما ذهبا إليه سمع أبو بكر صوت النبي بل رأى شخصه بدعاء علي ( ع ) وهو يقول ( علي مني بمنزلة هارون من موسى ، اللهم وآل من والاه ) ، فذهب وهو يقول سحر بني هاشم ورب الكعبة } . . . الخبر ، وكذا منازعته مع العباس في ميراث النبي ( ص ) وغير ذلك .

وأما مذهب أهل السنة فظهور المعجزة وإن لم تكن مقرونة بدعوى الإمامة إلا إنه بعد عدم إنكار صدور المعاجز منه يقضي صدورها بمزيد الفضيلة على المخلوقين وتميزه على من سواه ، والمميز من البشر العالي عليهم أحق بالأمر من غيره ، فإن علو المراتب بحسب القابلية وهو ظاهر .

الدليل السادس : - ( وهو من الأدلة العقلية )

الإمام معصوم

السادس من الأدلة العقلية : - إن الإمام المنصوب للرعية لا بد وأن يكون معصوما من الخطأ والزلل ، والعلم بعصمته لا تمكن ولا تأتى لغير

 

‹ صفحه 68 ›


الله تعالى ورسوله ، فيتعين وجوب نصبه على الله ورسوله . فهنا دعويان : -

( الأولى ) : وجوب كون الإمام معصوما ، وإن غير المعصوم يجوز عليه الخطأ والمعصية ، ويلزم الأمة من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ردع المرتكب لذلك ، فالشخص الذي تجب عليه سماع قول الأمة والأمة يلزمهم ردعه كيف يكون حاكما عليهم وقاهرا لهم ، ويجب عليهم امتثال أمره ونهيه ، فإنه قد يكون مستحقا للتعزير أو للحد أو للقتل وإطاعة مثل هذا الشخص من أقبح الأشياء وأفضحها ، ولما نظر بعض علماء أهل السنة إلى بشاعة هذا الأمر تخلصوا منه بأن الإمام إمام ما دام مطيعا لله تعالى ، ومتى خالف تعزله الأمة ويعينون غيره ، وهذا التخلص من دفع الفاسد بالأفسد لأداء ذلك إلى اختلال النظام ولزوم الهرج والمرج وتشويش أمر الأمة كما وقع ذلك في أمر خلافة بني العباس ، ويلزمه تسلط الرعية على ولي الأمر مع اختلاف مذاهب الناس وميلهم .

ولو عورض هذا الدليل باستقرار أمر الأمة في خلافة الخليفتين وغيرهما من بعض السلاطين المتصرفين في الرعية بتنصيبهم لهم ، لأجبنا عن ذلك بقلته أولا . وبأن الاستقرار للخوف من سيوفهم ، ولو وجدوا فرصة لعزلوه ثانيا . وبأنا لم نحكم بعدم إمكان الاستقرار أو بامتناعه أو عدم وقعه ثالثا ، وإنما حكمنا بأن والي أمر الأمة وسلطان الدين لا يليق به أن يكون منصوبا لهم ، ولهم الولاية عليه في العزل والنصب لوجوه : - ( أولها ) : إن الغرض من وجود السلطان إزالة الفساد واستراحة العباد ، فإذا كان تعيينه بأمر الأمة نافى ذلك الغرض ، بل كان ذلك عين الفساد وعدم الصلاح .

‹ صفحه 69 ›


( ثانيها ) : إن من عينته الأمة منها للإمارة لابد وأن يكون غير معصوم ، إذ تعيين الأمة وتنصيبهم له لا يجعله معصوما بالضرورة ، ومتى كان كذلك يمكن في حقه أن ينهمك في المعاصي ويتوغل في الظلم والجور ، ويخطأ في الأحكام وحينئذ فإن بقي وجوب إطاعته على الأمة بعد ذلك فوا سوئتاه ، وإن وجب عليهم عزله ونصب غيره جاء الهرج والمرج وعساهم لا يمكنهم ذلك لكثرة من تعلق به من شياطين الأنس ، ومتى عجزوا وقعوا في المهلكة العظمى والبلية الكبرى ، وذكر بعض المؤرخين أنه جاءوا بسارق إلى الرشيد بمحضر الإمام علي الرضا ( ع ) ، فأمر الرشيد بحده فقال له : إن من وجب عليه الحد لا يحد ، وقد وجب عليك من حدود الله تعالى الكثير ، فالتفت الرشيد إلى الرضا وقال له : ما تقول في رده ، فقال ( ع ) : إن قوله موافق لدليل فيحتاج رده إليه .

( ثالثها ) : أنه قد لا يحصل الاتفاق من الجميع على واحد بأن يختلفون في فردين ، كما أنه قد يحصل الاتفاق على واحد متهتك لا يصلح للإمامة ، فإن كلاهما ممكن وفي ذلك تمام الفساد وعدم الصلاح ، والعجب من علماء أهل السنة إنهم يتحملون في دفع هذه المحاذير ويستندون إلى ما لا يسمن ولا يغني ، فأي ضرورة ألجأتهم إلى اختيار هذا حتى احتاروا في دفع ما يلزم منه ، وقد ينسبون إلى الهذيان في رد مثل هذه المحاذير بالساقط عن درجة الاعتبار ، والإمامية في راحة من ذلك لاشتراطهم العصمة في الإمام ، وقولهم بأن العلم بها من خصائص الله تعالى لامتناع علم الناس بأحوالهم المستقبلة فضلا عن أحوال سواهم ، وحينئذ بناء على ثبوت المقدمتين يجب على الله تعالى أن يعين

‹ صفحه 70 ›


الإمام ويوحي إلى رسوله به ، ووجب على الرسول أن يعينه بشخصه وحسبه ونسبه للأمة ، وبعد ثبوت وجوبه يثبت فعليته لأن الوجوب على الله تعالى ملازم للفعلية باتفاق العقول ، لأن عدم النصب ظلم وإضرار وتفويت للمصلحة وامتناع الظلم على الله ثابت بالدليل الفطري ، ولا يحتاج في ثبوته إلى قاعدة الحسن والقبح .

ودعوى إن الواجب على الله أن لا يظلم ولا يصدر منه ذلك ، وإما تفويت المصلحة وترك فعل الأصلح فلا يمتنع في حقه تعالى ، مدفوعة بأن معنى الظلم عرفا بالنسبة إلى الله تعالى هو الخروج عن القوانين العقلية والنقلية ، وأي خروج أعظم من نسبة القادر المختار إلى إهمال أمور عباده وإيقاعهم في المهلكة بعد قدرته على عدم ذلك وهو ينظر إلى مفاسد عدم تعيين الإمام ، ولا فائدة ترجع إليه في الإهمال .

ودعوى إن المصلحة ربما كانت في الإهمال ، مدفوعة بالتفكر في سالف كلماتنا بأن مثل هذه المصلحة غير معقولة إلا من جهة عدم تمكين الأمة للإمام المنصوب من الله تعالى ، وهو لا يزيل مصلحة نصبه ، كما إن كفر الكفار لا يقضى بعدم بعث النبي فإذا ثبت النصب تعين إن يكون المنصوب هو أمير المؤمنين ( ع ) ، لما مر مفصلا من عدم ادعاء غيره ذلك .

 

‹ صفحه 71 ›

الدليل السابع ( وهو من الأدلة العقلية )
أفضليته

إن الإمام لابد وأن يكون أفضل من غيره وإلا يلزم إطاعة الفاضل للمفضول وهو قبيح فيمتنع ، ولا ريب في أفضلية الأمير ( ع ) على من سواه من المهاجرين والأنصار وذلك لا يحتاج إلى تجشم الاستدلال ، ويكفي فيه ما ورد صحيحا من طرق الطرفين ( علي أقضاكم ) وغير ذلك مما يحسر عنه نطاق القلم ، والمعتزلة بأسرهم يقولون بذلك وأما الأشاعرة الذين جوزوا صدور القبيح على الله تعالى وإمكانه أيضا بلا مصلحة ، لا يجوزون تقديم الفاضل على المفضول ، ويرون التقديم بلا سبب ظلم في حق الفاضل وصدور الظلم من الله قبح لا ينكره الأشعري من جهة دلالة الكتاب والشرع عليه ، وإن جوزوه عقلا ، واحتمال إنه ربما كانت هنالك مصلحة اقتضت التقديم يدفعه التدبر فيما تلوناه عليك مما غير من الأدلة العقلية من إن المصلحة المتوهمة لا ترفع المصلحة اللازمة في أصل التعيين .

والقول بأن الأمير ( ع ) وإن كان أفضل من غيره في جميع الصفات الحميدة من العلم والشجاعة والحسب والنسب فعسى أن يكون غيره أبصر منه في السياسات والإمارة ، مدفوع بعدم معلومية ذلك بل المعلوم غيره من رجوع الصحابة إليه في أكثر المهمات وقد ورد ( لولا علي لهلك عمر ) ، وعدم المعلومية تكفينا على إن الصحابة لو أطاعوه وأمروه عليهم لسار فيهم سيرة النبي ( ص ) ، ولشاورهم كما يفعل الرسول فلا محذور على إن هذا البحث يجري في حق النبي ( ص ) ،

‹ صفحه 72 ›


لأنه كثيرا ما يشاور أصحابه في الوقائع ، ويأخذ بما يرونه من التدبير فإذا اقتضى ذلك حجر مستحق الخلافة جرى مثله في حق النبي ( ص ) .

وزاعم الفرق بينهما بأن النبي ( ص ) ورد الأخذ برأيه وامتثال أمره من الله تعالى فوجب على الأمة إطاعته ومرعاة المصلحة ، وعدمها ملغاة في حقه .

وأما الإمام ( فلم يرد النص بتقديم رأيه على رأي الأمة ، فاشتراط الأخذ برأيه بأن لا يكون نظر غيره أصوب من نظره وأبصر لا عيب فيه ، بل مما يحسنه العقل ، مردود بأن النزاع ليس في فعل الأمة بل في فعل الله تعالى في إن الأبصرية بالسياسة تكون باعثا وسببا لتفويض الله جل شأنه الإمارة والسلطنة لغير الأفضل أم لا ، ولكون ذلك ممنوع على الله تعالى في حق الرسول ففي حق الإمام أيضا كذلك ، على إن الأبصرية في السياسات إن كانت فيما يعود إلى أمر الدنيا فقط ولا دخل لها في الدين فذلك لا كرامة فيه ولا ترجيح ، وإن كانت الأبصرية في الأمور الدنيوية المتعلقة بالآخرة فذلك خلاف الأعلمية والأفضلية ، والمفروض أن الأمير ( ع ) أفضل من غيره في كل ما يتعلق بالدين من الفرائض والسنن والمعاش والسياسات وغيرها فلم يبق إلا ما يتعلق بأمر الدنيا محضا ، والاشتغال بذلك إن لم يكن نقصا في حق ولي الله فما كاد أن يكون واجبا خلاصة الكلام إن الأمير ( ع ) أفضل من غيره فتقديم غيره عليه قبيح ، والصغرى والكبرى معلومتان فالنتيجة بديهية .