‹ صفحه 73 ›


الدليل الثامن ( وهو من الأدلة غير السمعية )

إجماع الإمامية

 

إجماع الإمامية على اختلاف فرقهم على وجوب تقديم الأمير ( ع ) في الإمارة على غيره ، وإنه مدفوع عن حقه ، وذلك يكشف عن رأي رئيسهم كما هو المعهود في كل من تبع غيره ، والخصم يعترف باتفاق جميع المسلمين يكشف عن رأي نبيهم لأنهم أتباعه فكذا اتفاق جملة المتابعين يكشف عن رأي متبعهم ، وهذا الدليل يشمل على مقدمات : -

( أولها ) : ثبوت اتفاق الإمامية على وجوب تقديم الأمير على غيره ، وعلى عدم أحقية من سواه بإمرة المؤمنين ، بل على عدم جواز عزل نفسه عن هذا الأمر ، وتسليم الأمر لغيره طوعا .

( ثانيها ) : حصول الكشف والقطع إن ذلك هو رأي سيدهم وإمامهم .

( ثالثها ) : إن رأي الإمام صواب لا يجوز الرد عليه ولا مخالفته .

( ورابعها ) : ثبوت الملازمة بين بطلان خلافة الخلفاء وحقية خلافة الأمير ( ع ) وعدم إمكان الجمع بين حقيتهما معا .

والرابعة من المقدمات كالأولى يمكن النزاع فيها ولا يتصور .

وأما المقدمتان المتوسطتان فقد أنكرهما جل أهل السنة ، فطورا يقولون إن الشيعة بيت الكذب والافتراء لأنهم ينسبون رؤساء المذهب وأئمة الدين إلى قبح الأمور وارتكاب المعاصي ، وربما يعتمدون ويتمسكون على هذا المطلب ببعض ما ورد من أئمة الإمامية في مدح الخلفاء خصوصا والصحابة عموما كقول الأمير ( ع ) في رواية

‹ صفحه 74 ›


الطوسي ( رحمه الله ) عن سويد بن غفلة ( من فضلني على أبي بكر جلدته حد المفتري ) ، وقول الصادق ( ع ) ( ولدت منه مرتين ) وقوله ( ع ) ( هما إمامان عادلان كانا على الحق وماتا عليه ) وقول الإمام الباقر ( ع ) في رواية كشف الغمة لما قال الإمام ( ع ) ( أبا بكر الصديق قال السائل : منكرا عليه أتقول هذا ؟ قال الإمام ( ع ) نعم هو الصديق ثلاثا ، ومن لم يقل إنه الصديق فلا صدق الله تعالى قولا ) وكقول الإمام الصادق ( ع ) للمنصور في حديث رواه في الاحتجاج ( بأبي أنت وأمي يا أمير المؤمنين ) ، وكقول الإمام الرضا ( ع ) للمأمون مثل ذلك وكتبه في ظهر الطرس الذي فيه ولاية عهده ، ولم نقف بعد التتبع على غير ذلك في المدح من طرق الإمامية للجماعة .

والجواب عن ذلك كله مسطور في كتب الإمامية وخلاصته إن أمثال هذه الأخبار محمولة على التقية الموجبة لأكثر من ذلك بالعقل والإجماع والكتاب والسنة ، وفي الكشاف في تفسير قوله تعالى ( إلا أن تتقوا منهم تقية ( : أي إلا أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقائه رخص لهم في موالاتهم إذا خافوهم ، والمراد بتلك المولاة معاشرة ومخالفة ظاهرة مستشهد بقول عيسى كن وسطا وامشي جانبا . . . انتهى . نعم يبقى لهم مطالبة الدليل على الخروج عن ظاهر الخطاب وترك العمل بأصالة الحقيقة والحمل على التقية ، ولعل القرينة في مثل هذه الخطابات وصرفها عن ظاهرها ظاهرة إذ لو لم يكن مغروسا في أذهان الشيعة انحراف الإمام عن أبي بكر لما قابله بقوله ( أتقول هذا ) على طريق الاستفهام الإنكاري ، ولا

‹ صفحه 75 ›


داعي للإمام أن يقول ( بأبي أنت وأمي ) لأنه إفراط في التحبب المستهجن في حقه ، مضافا إلى الدغدغة ( 1 ) في سند هذه الأخبار ، وعدم الوقوف على تصحيح رجالها ، وعلى العلات فهي معارضة بما هو أقوى منها سندا ودلالة ، والنظر في قواعد التعادل والتراجيح إذا تعذر الجمع يوجب الأخذ بالأقوى بعد التدبر في لحاظ السند والدلالة في كل متعارضين ، ولولا ذلك لفسد أمر الشريعة رأسا لوجود الأخبار المتعارضة في الشريعة فوق حد الإحصاء .

وروى محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه ، وأبي الحسين مسلم بن الحجاج وغيرهما حديثا مرفوعا إلى أنس بن مالك ، وحذيفة بن اليمان إن النبي ( ص ) قال ( ليردن علي أناس من أصحابي الحوض حتى إذا رأيتهم وعرفتهم اختلجوا دوني ، فأقول : يا رب أصحابي أصحابي ، فيقال أنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول : سحقا سحقا ) . فإن أهل السنة تصرفوا في ظاهر هذا الحديث بأنواع التصرف بعد أن أثبتوا عدالة الصحابة وعرفوا إن إبقاء الحديث على ظاهره صريح في مذهب الإمامية من حيث أنهم يقولون بمخالفة بعض أصحاب النبي ( ص ) ، وأهل السنة ينكرون ذلك فتحملوا في حمل الحديث على محامل من دون قرينة داخلية أو خارجية حرفة العاجز فإذا فتح باب التصرف عندهم فليت شعري كيف يغلق على الشيعة ؟ والحال إن بين التصرفين بعد المشرقين ، فالركون إلى مثل هذه الأخبار بعد القرائن الظاهرة صرفها عن ظاهرها ، ووجود المعارض الذي يوجب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) كناية عن ضعف سندها

‹ صفحه 76 ›


طرحها إن لم يتصرف فيها مما لا محصل له في إثبات هذه الدعوى الجسيمة .

وأخرى يزعمون بأن مذهب الشيعة والرافضة ليس له أساس وإنما هو من تدليسات هشام ابن الحكم ونصرة بن الراوندي وأبو عيسى الوراق وعبد الله بن سبأ والعلامة والكاشي وغيرهم هم الذين روجوه ، وتارة يدعون أن مذهب الرافضة صنيع يهودي أراد الخلل في الإسلام فلم يقدر فألف كتابا في ثلب الصحابة وأودعه عند الإمام الصادق ( ع ) ولما فارق الإمام الدنيا وجد في خزانته فحسبته الشيعة أنه من كلامه فتدينت به ، إلى غير ذلك من المضحكات التي لا تليق بأن تدون ، ولكن قوة الشيطان وقدرته على الغواية في المسائل العلمية كقدرته عليها في المسائل العملية ، فإن منع المقدمتين بأمثال ذلك مما لا شبهة في بطلانه ، وكيف يختلج ببال أو يسري في خيال احتمال افتراء الشيعة على أئمتهم مع إنهم يدققون ويتفكرون في النقير والفتيل ، ويحتاطون في أغلب الموارد ، وأهل السنة وإن زادوا عددا عليهم إلا إن الخواص من علماءنا تزيد على الخواص من علمائهم ، والعبرة بهم لا بالسواد الذي لا يتدبر شيئا والله تعالى يقول ( وقليل ما هم ( وملخص القول إن إجماع الشيعة وعلماءهم يكشف قطعا عن رأي رئيسهم ، فإن يكن هنالك طعن فهو في الرئيس عافانا الله من سوء

 

‹ صفحه 77 ›


العقيدة ، وغلبة الشيطان ، والتطويل في مثل ذلك لعله لا فائدة فيه لظهوره .

هذا تمام لما يستدل به من الأدلة العقلية .

الباب الثاني

الأدلة النقلية على إمامة أمير المؤمنين ( ع )

وأما الأدلة النقلية منها ، فهي كثيرة فوق حد الإحصاء ، ونحن نذكر منها ما يغني العاقل المتبصر مما اشتملت على نكات ودقائق تدل على المدعى بلا واسطة شأن النزول مما لا ينكره الخصم ، وإلا فلو ذكرنا الآيات التي نزلت في حق الأمير ( ع ) وعترته من طرق أهل السنة وطرقنا لخرجت عن حد الإحصاء ، وقد تصدى غير واحد من علماءنا إلى ذكرها فراجع تذكرة العلامة المجلسي من الإمامية وغيره ، وراجع طوق الحمام في الإمامة للعالم المتبحر إمام الحرمين الشافعي فنقول : -

( الأول ) : آيات الإطاعة نحو ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ( وتقريب الاستدلال حسب ما ذكره بعض أصحابنا إن المراد بأولي الأمر الإمام المعصوم ( ع ) الحافظ لأحكام الله تعالى ، لأن إطاعة غيره من الناس قبيح ، ومن قرن الله إطاعته بطاعته يلزم أن يكون فيه المزية التامة على غيره ، ولا تمييز بغير العصمة ومتى ثبت إن الولي لا بد وأن يكون معصوما ثبت ما تقوله الشيعة في حق أئمتهم وأنهم ولاة الأمر بعد النبي بضميمة ما مر عليك من الأدلة العقلية ، فالآية بنفسها

‹ صفحه 78 ›


تقضي بعصمة الإمام ، وحقية مذهب الشيعة ، وأهل السنة بعدما نفوا عصمة الإمام وأنكروا ذلك بل لأجله أنكروا الحسن والقبح العقليين ذهبوا في تفسير الآية كل مذهب فقال بعضهم إن المراد بأولي الأمر الخلفاء الراشدين وذهب آخرون إلى تعميمه لجميع السلاطين والحكام ، ومنهم من نفاه عن الحكام مطلقا وخصه بالخلفاء والعلماء ، والتفاسير المذكورة كما ترى ، فالأول مضافا إلى ما اشتمل عليه من المفاسد التي مرت عليك إنه لا يفيد فائدة لاحتياج الأعصار المتأخرة من عصر الخلفاء إلى مثلهم لتجب إطاعته ، والمفروض إن أهل السنة رووا مرفوعا إلى النبي ( ص ) ( أن الخلافة ثلاثون سنة وبعدها تكون ملكا عضوضا ) فكيف يلتئم الملك العضوض مع وجوب الإطاعة والانقياد .

وإما المعنى الثاني فأدهى وأمر للزوم وجوب الإطاعة والانقياد للفسقة الفجرة المنتهكين لحرمات الله سبحانه وتعالى فإن أغلبهم يشرب الخمر ويستعمل المنكرات وهو ملعون بنص الكتاب مستوجب للحد والتعزير ، ومن كان كذلك كيف يوجب الله إطاعته ، والمشاهد من حكام الوقت وسلاطينهم هو سيرهم بسيرة الأكاسرة والجبابرة ومخالفة الشريعة الغراء في كل قوانينهم ، ثم مع تعدد السلاطين كيف يكون عمل الأمة ، نعم الإطاعة من باب دفع الضرر لازمة عقلا وشرعا فهي لأجل حفظ النفوس والأموال والأعراض لا بد منها ، وكل حاكم لا بد وأن ينظم مملكته بأحسن نظام ، والإطاعة بهذا المعنى لا ربط لها برئيس المسلمين ، ومن إطاعته تتلو إطاعة الله ورسوله .

والثالث أبده فسادا من سابقيه ، فإنه يلزم تعدد الأئمة وهو كتعدد الإلهة ، والتخصيص بالأفضل لا يجدي عند اشتباه موضوعه على الأمة

‹ صفحه 79 ›


لو تعدد العلماء ، فيعود المحذور وبعض من لا بصيرة له فر من هذا المحذور إلى ما هو أدهى وأمر فخصص ولي الأمر بمن خرج بالسيف وأوجب اتباعه ، واستند للآية والإجماع على ذلك ، ولعمري أي رحمة على العباد في ذلك ، ومع تعدد الخارج كيف تكون الإطاعة ؟ بل يقضي أن يكون دين النبي عذاب لا رحمة ، وهل يوصي عاقل أتباعه حين وفاته : إن من يغلب على الأمر بالسيف من بعدي اتبعوه ، لأول ذلك إلى الوصية بالمقاتلة بعده ، ونزع السيوف من أغمادها على إن خصوص العلماء يحتاجون إلى إمام قطعا لإمكان الاختلاف بينهم في أمور الدين والدنيا الذي لا يخلو منه نوع العالم ومن تجب إطاعته عليهم لابد وأن يكون من غير جنسهم ، وإلا فكل يدعي وصلا بليلى ، وفي صورة تعدد المدعى كيف يكون حال الأمة ؟ فإن إطاعة الكل مع الاختلاف لا يمكن ، وإطاعة البعض لا مرجح لها على البعض الأخر ، ولو قصرناه على الأفضل تجيء الحيرة مع التساوي أو الجهل به ، ولو قلنا بالتخيير فاستمرارية مفسدة وتعيين المختار في زمان ، ولزوم إطاعته دائما لا دليل من عقل ولا نقل عليه ، واستخراجه بقرعه ونحوها مسخرة ، نعم الرجوع إلى العلماء في أخذ الأحكام الشرعية لا بأس به ، وأما وجوب إطاعتهم على حد إطاعة الله ورسوله كما تفصح به الآية الكريمة في العرض والمال بحيث يكون مختارا لا يرد عليه كما تقتضيه آية ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة ( فكلا معل تعالى الله عن ذلك .

لا يقال إن الآية من خطاب المشافهة وهو مختص بالحاضرين على ما هو التحقيق ، فلا يسري وجوب الإطاعة لغير زمن الخطاب ، وحينئذ

‹ صفحه 80 ›


يختص بزمان الخلفاء ولا يشمل الأعصار اللاحقة حتى يقال بانحصاره بالأئمة على مذهب الإمامية ، لأن إثبات الانحصار متفرع على شمول الخطاب للمعدومين والشمول ممنوع .

لأنا نقول أولا : لو كان الأمر كذلك للزم أن تختص إطاعة الله والرسول بالحاضرين أيضا وفساده واضح .

وثانيا : إن إطاعة أولي الأمر من الأحكام التي لا تقبل الاختصاص بزمن الحضور للإجماع القطعي بأن الإمام الواجب الإطاعة لازم الوجود أبدا ، وعليه فيلزم إما أن يعينه الله تعالى ، أو يأمر الأمة بتعيينه ، والثاني باطل لاتفاق المسلمين على عدم صدور الأمر من الله بذلك . نعم ذهب أهل السنة إلى إن الله تعالى أمر بإطاعة الإمام الذي عينته الأمة ، وهذا بمجرده لا يقضي بوجوب تعيين الإمام من جانب الحق تعالى شأنه ، وإن زعموا أن وجوب التعيين من الأمور الواضحة - لأنه مقدمة وجوب العمل بالأحكام الشرعية - فلا يحتاج إلى الأمر ، بل يكفي فيه الأمر بالأحكام ، فعدم الأمر به اتكالا على وضوح وجوبه ، لأن فائدة الأمر الأعلام بالوجوب وهو حاصل فلا حاجة إليه .

فالجواب عنه أن وجوب تعيين الإمام على الأمة ليس بواضح ، وعسى إن وجوبه كذلك غير معلوم فضلا عن أن يكون ضروريا وبديهيا . وادعاء أن وجوبه من باب المقدمة أول الكلام ، لأن العمل بالواجبات والمحرمات على مذهب أهل السنة من الكتاب والسنة حاصل بدون وجود السلطان المتصرف بالأمور التي تحتاج إلى أمير من السياسات وغيرها ، وكون هذه الأشياء تحتاج إلى أمير فيجب على الأمة نصبه ممنوع ، بأن الاحتياج بمجردة لا يوجب النصب على الأمة ، ولا دليل على وجوبه على الأمة غيره بزعمهم كما حققنا ذلك في الأصول .

‹ صفحه 81 ›


سلمنا الاقتضاء لكنه اقتضاء خفي لا يفهمه إلا أهل العلم على أن الأمة لا قابلية لها ولا صلاحية لنصب الإمام ، وإيكال الله سبحانه وتعالى هذا الأمر إلى الأئمة مورث للفتنة وسفك الدماء فيلزم نقض الغرض في الإحالة ، إذ الغرض من نصب الإمام القسط والعدل وحفظ النفوس والأموال والأخذ بيد المظلوم ، ودفع الظلم والظالم ، فلا جرم إن المراد بأولي الأمر من يكون دون النبي وفوق جميع الأمة كي يكون الأمر بإطاعة الأمة له لا يورث فتنة ولا فساد ، فإن عصوه دخلوا في زمرة العاصين وقد سلف منا ما يوضح ذلك .

ودعوى : إن هذا البحث مشترك الورود لعدم وجود الإمام المتصرف في الأزمنة المتأخرة على مذهب الإمامية ، فكل ما يقولوه في تفسير الآية في الأعصار المتأخرة ، يجاب به بناء على مذهب العامة ، ورد هذه الدعوى قد اكتست حلة البيان والتوضيح عند تعرضنا للوجه الأولي وحاصله : -

إن الشيعة يقولون في تفسير الآية أن المراد بأولي الأمر أوصياء الرسول ( ص ) بأمر من الله تعالى ، ولا يخلو عصر من الأعصار من وصي وإمام منصوص عليه سواء هذا الزمان وغيره من سابق الأزمنة ، والله سبحانه وتعالى جاء بما لزم عليه من تعيين الوصي ونصبه إماما متسلسلا إلى قيام الساعة ، ولكن الأمة ما عملوا بما أوجب الله تعالى عليهم من لزوم الاتباع وعصوا في ذلك الله ورسوله على حد عصيانهم في الأحكام ، وتقدم أنه ليس على الله جبرهم على الاتباع ، فالأئمة ما انفكوا خائفين مترقبين للمكاره ، فإذا لم يبلغوا بعض الأحكام بل كلها لا ضير عليهم ولا ينقص ذلك في إمامتهم ، فإنهم مكثوا بين

‹ صفحه 82 ›


أظهر الأمة وصبروا على إيذائهم وسلكوا طريق التقية ، واعتزلوا الأمة حتى آل الأمر من شدة الخوف إلى أن غاب مهديهم عن الأبصار ، واستتر عنهم أي استتار فها هو ينتظر الفرج سهل الله له ولجميع الأئمة الظهور والمخرج . . . آمين .

( الثانية ) : قوله تعالى ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ( فإنها بعد الأعراض عن شأن نزولها ، وإنها نزلت في حق الأمير ( ع ) يوم الغدير كما اتفقت عليه الإمامية وكثير من مفسرين أهل السنة تقتضي حقيقة مذهب الشيعة ، بتقريب إن الآية في ( اليوم ) للعهد الحضوري ، فيكون إشارة إلى يوم معين فيه كمل الدين ، وتمت النعمة ، وليس هو إلا يوم تعيين الإمامة والخليفة الذي هو من أصول الدين ، ويجب الالتزام والاعتقاد به ، فالمراد بالدين حينئذ خصوص أصول الدين لا فروعه . ومعنى الآية على هذا أنه لم يبق من أصول الدين إلا نصب الإمام والالتزام بإطاعته ، وقد أمر الله به في ذلك اليوم وهو يوم الغدير الذي صدر التنصيب فيه لعلي ( ع ) من الله ورسوله ، ولا يمكن أن يراد به غير ذلك ، لأن ذلك الغير المراد إما فروع الأحكام أو الأعم منها ومن الأصول ، وكلاهما كما ترى لأداء الأول إلى أن النبي ( ص ) لم يبلغ جميع الأحكام الفرعية ، وهو لا يتم على المذهبين ، فإن أهل السنة حكموا بأن أكثر الوقائع خالية من الأحكام المقررة لها وطريق استخراجها منوط بنظر المجتهد بالطرق التي قرروها من الأقيسة والاستحسانات وغيرهما ، والشيعة وإن لم يعتقدوا ذلك ، وعندهم إن لكل واقعة حكم عينه الله ورسوله ، وإن الأحكام

‹ صفحه 83 ›


بأسرها وصلت إلى النبي ( ص ) وهو علمها لأوصيائه ، وهم بلغوها تدريجيا كما بلغها النبي ( ص ) ، ومعلوم إن هذا المقدار من تشريع الأحكام وإنزالها لا يكفي في إكمال الدين وإتمام النعمة ، لأن جعلها وتبليغها الرسول مع عدم إطلاع الأمة عليها كلا لا يصدق معه إتمام الدين ، وإن كان الله يعلم بوجودها في العالم . نعم لا نضايق في إنها بالنسبة إلى النبي ( ص ) وأوصيائه كاملة ، وإما في حق الأمة مع جهلها ببعضها فلا ، والإكمال والإتمام لا يتصور فينبغي بل يلزم حينئذ إفراد الضمير في ( لكم وعليكم ) .

وإن قالوا إن الخطاب بضمير الجمع مع جهل الأمة ببعض الأحكام لا ضرر فيه نظر إلى وجوب الاجتهاد في الحوادث التي لم يعلم حكمها ، فمعه بانضمام الأحكام المفصلة النازلة يتحقق إكمال الدين في حق الأمة .

فردهم أولا : إن وجوب الاجتهاد في الوقائع لم يرد فيه نص على مذهب أهل السنة ، وإنما ثبت عندهم بدليل العقل وفعل النبي ( ص ) والصحابة فلم يكن لوجوبه يوم معين ورد فيه الأمر بوجوبه حتى تكون اللام في ( اليوم ) إشارة إليه .

وثانيا : إن إيجاب الاجتهاد على القول به مخصوص ببعض أفراد الأمة لا جميعها لعدم إمكان ذلك في حق الجميع فيتبعض الإكمال بل ظاهر الإكمال أن يكون بالفعل لا بالقوة فهو لا يتم حتى في حق البعض القابل للاجتهاد ، فالآية الشريفة بملاحظة ما ذكرنا وبقرينة العقل والاعتبار الصحيح تفصح وتقضي بعقد عهد الإمامة والخلافة لواحد من الأمة ، وذلك الواحد هو الأمير ( ع ) دون غيره ، فلا يحتاج إلى

‹ صفحه 84 ›


ملاحظة شأن النزول الذي ربما تنكره أهل السنة لو ادعيناه ، ولا يصغى إلى إن الآية نزلت في خلال أحكام بعض الفروع من حلية بعض المآكل والمشارب وحرمتها كحلية بهيمة الأنعام غير محلى الصيد ، وكحرمة الميتة والدم ولحم الخنزير ، وبعد الآية قوله تعالى ( فمن اضطر في مخمصة ) ، فكيف تصرف إلى الأصول ؟ لأن ورودها في سياق تلك الأحكام لا يقضي باختصاصها بها ، وإن ظهر ذلك منها لكن بعد قيام القرينة العقلية ينتفي ذلك الظهور مضافا إلى وقوع مثل ذلك في الكتاب المجيد فإن آية التطهير نزلت في خصوص رجال أهل البيت أو في الأعم منهم والإناث مع وقوعها تلو مخاطبات أزواج النبي ( ص ) ، وأمثالها في الفرقان العظيم فوق حد الإحصاء مع إن ذلك فن من فنون البلاغة وشعبة من شعوبها .

الآية الثالثة : آية التبليغ : - وهي قوله تعالى ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ( وهذه الآية نزلت في حق الإمام علي ( ع ) ، وعقد ولايته بإجماع الشيعة وجماعة من أهل السنة ، ودلالتها على المقصود غير محتاج إلى الاستعانة بشأن النزول والتفاسير بل صريحها إن الله تعالى أمر نبيه ( ص ) بتبليغ حكم في تبليغه خوف وخطر من الناس عليه ، ولم يكن في الفروع حكم في تبليغه خطر وخوف ، فإن أشق التكاليف على نوع البشر خصوصا العصاة منهم الجهاد وترك المال وبذل النفوس ، وقد وردت الأوامر المؤكدة بذلك في الزكاة والكفارات والجهاد والحدود والحج وغيرها ، وبعدها أي حكم من الأحكام الفرعية يخشى النبي ( ص )

‹ صفحه 85 ›


ويخاف من تبليغه مع كمال شدته ( ص ) وإقدامه على المكاره وهو مصداق ( لا تأخذه في الله لومة لائم ) ، وأي تكليف بقي ورسول الله ( ص ) يتوانى في تبليغه حتى تنزل هذه الآية التي ظاهرها العتاب على عدم المسارعة في التبليغ .

لا يقال إن عصمة النبي ( ص ) تنافي عدم تبليغ كل حكم نزل به الأمين عليه ومن جملة الأحكام إمارة حضرة الأمير ( ع ) فلو كان مأمورا بها لبلغ ذلك عند الأمر ، فظاهر الآية غير مستقيم على المذهبين ولا بد من التصرف فيها على حد غيرها من المتشابه .

لأنا نقول فرق واضح بين تبليغ سائر الأحكام وتبليغ الإمامة في المسارعة والتواني إذ الإمامة يقتضي التواني في تبليغها من جهة نفرة قلوب المنافقين وعدم ميلهم وقبولهم لذلك ، ولأجل ذلك توانى النبي ( ص ) ولم يسارع في هذا الحكم برجاء إنهم يقبلونه حيث لم يصدر بفورية الأمر بفورية التبليغ والله سبحانه يعلم بما تكن صدور أصحاب النبي ( ص ) من النفاق ، ويعلم بما وقع في نفس رسول الله ( ص ) من انتظار الوقت المناسب لتبليغ هذا الحكم ، فلذلك خاطبه بهذا الخطاب واللبيب من نفس الآية ينتقل إلى إن حضرت الرسالة يريد تبليغ هذا الحكم لكنه يمنعه عن الإعلان به خوف الفتنة وأذية المنافقين ، وينتظر وقتا يصلح له إلى أن حج حجة الوداع فتضيق الوقت بحيث لا يمكن التأخير ، والمسلمون مع رؤسائهم كانوا في ذلك النادي مجتمعون من كل فج عميق ، لهذا ورد الأمر الفوري به أن بلغ

‹ صفحه 86 ›


ذلك في موضعك هذا ولا تؤخر ، ولأجل إبداء عذر النبي ( ص ) قال الله تعالى ( وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ( حتى إن الناس تعلم العذر في تأخر الرسول عن التبليغ ، ومن أنصف ووعى وجد هذه الآية من دون استعانة بشأن النزول تقضي بصحة مذهب الإمامية . لا يقال إن الآية على حد وأصدع بما تؤمر .

الآية الرابعة : مما تفرد بها ذهني القاصر حيث لم أقف على من تعرض لها في الإمامة أو استند إليها ، وأرى إنها بنفسها تدل على المطلوب ، وأرجو ممن اطلع عليها أن يمعن النظر في تقريب دلالتها على النحو الذي وقع في ذهني فأن وجده صحيحا فذاك وإلا فليرده على المستدل ، ولا يتهم العلماء الأعلام في أنظارهم وهي قوله عز وجل في سورة تبارك عن لسان رسوله ( وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ( وقبلها قوله تعالى ( ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ، يا ويلتي ليتني لم اتخذ فلانا خليلا ( وفي بعض الأخبار فسر الظالم بالأول وفلانا كناية عن الثاني ، وظاهر الآية أن لام التعريف في الظالم ليست للجنس بل ظاهرة في العهد وفيها إشارة إلى ظالم معين ، كما إن فلانا كناية عن شخص معين ، والعدول فيها عن التصريح إلى الكناية له جهات وفوائد ليس للتعرض لها فائدة ، وحيث إن علماء أهل السنة والجماعة ينكرون ما ترويه الإمامية ، ويحملون على ظواهر القرآن الأولية حتى صار ذلك شعارهم في أصول الدين لهذا لا يمكن إلزامهم بتفسير الإمامية في عهدية اللام ، لكن الآية الأخيرة

‹ صفحه 87 ›


بملاحظة قرائن صناعة تدل على المدعى بأوضح دلالة خصوصا بملاحظة الأخبار المتواترة من طرق العامة المتضمنة جميعا إن رسول الله ( ص ) أخبر بأنه يرد بعض أصحابي على الحوض والملائكة تذودهم عني وعن الورود ، فأقول هؤلاء أصحابي دعوهم يلحقون بي فتقول الملائكة لي أنهم ارتدوا بعدك ، وبدلوا السنة والدين .

وتقريب الاستدلال في الآية إن ( القوم ) المضاف إلى ياء المتكلم الذين شكى النبي إلى الله منهم لا يمكن أن يقال إنهم اليهود والنصارى وأمثالهم من الزنادقة وزمر الكفرة لأنهم ليسوا من قوم نبينا ( ص ) ، وإن كلا منهم ينتسب إلى نبيه أو إلاهه فلا يصلح عند أهل اللسان إضافتهم إلى نفسه ، ثم إن نسبة أخذ القرآن وهجره إليهم ينافي أن يكون الآخذ والهاجر هو الكافر ، لأنهم لا يدخلوا في الإسلام ولا ذاقوا طعم الأيمان ، وليس في الكتاب المجيد من إرب ، فكيف يصح نسبة أخذ القرآن مهجورا إليهم ؟ ومثلهم العصاة فإن النبي ( ص ) بعث رحمة للعالمين ، ولم يزل ينوء بحمل غم الأمة وهمها ، ويطلب لهم الغفران ، ويشفع لهم وقد أعطاه الله تعالى منصب الشفاعة الكبرى ، ومن البعيد أن النبي ( ص ) مع تلك الرحمة الواسعة في يوم الشفاعة أول شكاية يشكوها في العرصة الكبرى من عصاة الأمة ، كلا بل أول ما يشفع لهم ، فلا جرم أن القوم الذين شكى منهم هم فرقة من المسلمين لا عقيدة لهم في دين الإسلام ، وإن نطقوا بالشهادتين فذلك جرى في لسانهم من دون عقد القلب عليه ، فهم يشاركون الكفار ويزيدون عليهم بأن نسبوا الظلم إلى النبي ( ص ) ، والشكاية من

‹ صفحه 88 ›


محض كفر الكافرين من دون نسبة الظلم إلى الرسول لا يناسب المقام ، وكذلك الشكاية ممن أسلم ظاهرا وقلبه مطمئن بالكفر مع عدم الإيذاء للنبي ( ص ) لا وجه له لأن عقاب الطرفين على الله سبحانه ، فتخص الشكاية بمن صدرت منه الأذية والهتك لرسول الله ( ص ) ، وحينئذ فأما أن يراد ب‍ ( القوم ) في الآية من بايع الخليفة الأول وأعرض عن الأمير ( ع ) ، أو من بايع الأمير ( ع ) وتابع الأئمة بعده وأعرض عن الخلفاء ، والثاني باطل لوجوه .

أولها : إن أهل السنة أعلنوا جازمين بأن مذهب الإمامية في زمن الخلفاء لا عين له ولا أثر ، وحينئذ لا يكون محل شكاية النبي ( ص ) واحتمال أن المراد ب‍ ( القوم ) الفرقة المستحدثة في الأعصار المتأخرة بعيد عن الصواب في غاية السخافة نظرا إلى أن الفرق المستحدثة حدثت بعد انقراض أعصار الأولين ، فلا يقال لهم أنهم قوم النبي ( ص ) لأن القوم ليس كلفظ الأئمة كي يصدق على من أدرك الحضور ومن لم يدرك ذلك ، بل هو مختص بالقوم المدركين لزمن الحضور ، ولو فرض صدقه بنحو فبملاحظة إضافته لياء المتكلم يكون صريحا في الاختصاص .

ثانيها : إن الشيعة يرون إن العمل بالكتاب متوقف على بيان العترة النبوية ، وعلى الجمع بين أخبارهم والكتاب العزيز كيما يعملون بوصية النبي ( ص ) حيث قال ( إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي )... الخبر ، والذي يعمل بهذا لا يزعم في حقه إنه أخذ القرآن مهجورا ، بل هم العاملون بحقيقة الكتاب ، فكيف يشكو النبي ( ص )

‹ صفحه 89 ›


من قوم عملوا بوصيته في متابعة الكتاب بانضمام العترة ، سبحانك هذا بهتان عظيم .

ثالثها : - إن المفرد المضاف خصوصا في أمثال المقام يدل على العموم ، فلا جرم أن يكون المراد بالقوم في الآية ، أما تمام الصحابة أو رؤساءهم حفظا للمناسبة إلى العموم نادرة وإرادة شرذمة بإرادة أظهر الأفراد قليلة من العام مخالف للقواعد العربية فيتعين بهذه الملاحظة أن المراد من القوم غير من بايع الأمير ( ع ) وتابعه ، ممن بايع الأول وتابعه وتابع الخلفاء بعده ، إذ الأمير ومن تابعه لم يتركوا العمل بالقرآن أصلا وبالمرة ، ولا اقتصروا على العمل بظاهره من دون انضمام العترة النبوية إليه ، بل أخذوا الكتاب حسبما أمر النبي ( ص ) من الجمع في الحديث المستفيض المجمع عليه المتقدم ذكره ، وحينئذ فمن عمل بأحدهما من دون انضمام الأخر إليه يصدق عليه إنه هجر القرآن ولم يعمل به ، ولا ريب إن الآخذ بظواهر الكتاب التارك لانضمام العترة والاستعانة بهم في فهم معناه هاجر للقرآن الكريم ، فتمحض الشكاية على من عرفت ممن لا يصغي إلى العترة ولا يأخذ معنى القرآن منهم ، لأنهم هجروا بهجرهم للعترة ، وهو واضح .

ويمكن أن يكون المراد بالقرآن هنا القرآن الذي جمعه الأمير ( ع ) ، ولم يقبله الثاني ، وقال إن فيه ثلب جملة من رؤساء المهاجرين والأنصار ونحن ليس لنا حاجة بهذا القرآن ، وفي بعض الأخبار إن فيه ذم سبعين واحد باسمه من المنافقين ثم دعى زيد بن ثابت وقال له : إئتني بقرآن لا يشمل على ذم أحد ، فاستمهله زيد وأتى بقرآن له ، وقال لعمر :

‹ صفحه 90 ›


إني امتثلت أمرك لكن إن أخرج علي ( ع ) قرآنه يظهر للناس فسق جميع الصحابة فقال عمر : ما الحيلة ، قال زيد : أنت أعرف بها فقال عمر : لا حيلة لنا إلا أن نقتله ونأمن شره ، فطلب خالد بن الوليد وأمره بذلك فلم يتيسر له هذا الأمر .

ويحتمل أن يراد بالقرآن أمير المؤمنين ( ع ) إذ هو الكتاب الناطق كما قاله ( ع ) في صفين ، وعلى جميع الاحتمالات والتقادير يثبت مذهب الإمامية ، وتقريب الاستدلال على وجه الاختصار أن المراد بالقوم إما أهل السنة أو الشيعة ، والأخير لا يمكن أن يدعى لأن الإمامية عملوا بحقيقة القرآن وكنهه بالرجوع إلى العترة النبوية ، وأخذ معناه منهم فلا يكون محلا للشكاية ، وأما أهل السنة فهم وإن عملوا بظواهر الكتاب لكنهم تركوا تفسير العترة له وراء ظهورهم ، فهم الذين اتخذوا هذا القرآن مهجورا .

هذه جملة من الآيات التي تقضي بالإمامة بلا ملاحظة شأن النزول ، وإما ما دل منها بتلك الملاحظة فهو كثير ، وفي روايات الإمامية إن ثلث القرآن نزل في شأن أهل البيت ومدحهم ، والثلث الثاني في ذم أعدائهم ، والثالث في الأحكام والقصص ، ولما كانت أخبار الشيعة لا أثر لها عند أهل السنة لذلك لم نتعرض لها ولكن العلامة المجلسي ( رحمه الله ) وأعلى مقامه في تذكرة الأئمة ذكر جملة من الآيات ، وذكر إنها وردت في حق الأمير ( ع ) باتفاق أهل السنة وهي ثلاث مائة آية رقمها على نسق الفهرست فكان المناسب لنا أن نودع جملة منها في هذه الرسالة بطريق الإجمال ليسهل الأمر على من يريد الرجوع إلى تفاسيرها : -

‹ صفحه 91 ›


1 - ( إنما وليكم الله ) 2 - - ( يا أيها الرسول بلغ ) 3 - - ( قل تعالوا ندع ) 4 - - ( إنما أنت منذر ( 5 - - ( ولكل قوم هاد ( 6 - - ( وقفوهم إنهم مسؤولون ( 7 - - ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) 8 - - ( إتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) 9 - - ( واعتصموا بحبل الله جميعا ) 10 - - ( وكفى الله المؤمنين القتال ) 11 - - ( فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ) 12 - - ( أم حسب الذين اجترحوا السيئات ) 13 - - - ( السابقون السابقون ) 14 - - - ( إن الذين أمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ) 15 - - ( ومن المؤمنين رجال ) 16 - - ( اهدنا الصراط المستقيم ) 17 - - ( واركعوا مع الراكعين ) 18 - - ( الذين ينفقون أموالهم باليل والنهار ) 19 - - ( واسأل من أرسلنا ) 20 - - ( يا أيها النبي حسبك الله ) 21 - - ( وكفى بالله شهيدا ) 22 - - ( هذان خصمان ) 23 - - ( إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ) 24 - - ( أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستون ) 25 - - ( والذين أمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ) 26 - - ( فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين ) 27 - ( يوم لا يخزي الله النبي ) 28 - - ( أولئك هم خير البرية ) 29 - - ( وتواصوا بالحق ) 30 - - ( فاستوى على سوقه ) 31 - - ( ألم ، أحسب الناس أن يتركوا ) 32 - - ( من بعد ما تبين لهم الهدى ) 33 - - ( ويؤت كل ذي فضل فضله ) 34 - - ( أفمن يعلم أنما أنزل

‹ صفحه 92 ›


إليك ) 35 - - ( فانقلبوا بنعمة ) 36 - - ( في بيوت أذن الله ) 37 - - ( لا تحرموا طيبات ما أحل الله ) 38 - - ( واجعل لي لسان صدق في الأخرين ) 39
الأدلة النقلية

‹ صفحه 93 ›


- - ( والعصر ) 40 - - ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ) 41 - - ( في لحن القوم ) 42 - - ( من جاء بالحسنة ) 43 - - ( فأذن مؤذن ) 44 - - ( في مقعد صدق ) 45 - - ( ولما ضرب ابن مريم ) 46 - - ( وممن خلقنا ) 47 - - ( وتعيها أذن ) 48 - - ( والذين يؤذون المؤمنين ) 49 - - ( ويقولون امنا بالله ) 50 - - ( وهو الذي خلق من الماء بشرا ) 51 - - ( وأولو الأرحام بعضهم ) 52 - - ( اليوم أكملت لكم ) 53 - - ( وأذان من الله ) 54 - - ( طوبى لهم وحسن ) 55 - - ( فإما نذهبن بك ) 56 - - ( بينهما برزخ ) 57 - - ( ونادى أصحاب الأعراف ) 58 - - ( ونزعنا ما في صدورهم ) 59 - - ( أجعلتم سقاية الحاج ) 60 - - ( إنما يريد الله ليذهب ) 61 - - ( هل أتى ) 62 - - ( وأقام الصلاة وأتى الزكاة ) 63 - - ( والموفون بعهدهم ) 64 - - ( ومن يطع الله ورسوله ) 65 - - ( ليس البر ) 66 - - ( جزائهم عند ربهم ) 67 - - ( إذا ناجيتم الرسول ) 68 - - ( أأشفقتم أن تقدموا ) 69 - - ( هو الذي أيدك بنصره ) 70 - - ( قل لا أسئلكم عليه أجرا ) 71 - - ( واذكروا نعمة الله ) 72 - - ( قل ما يكون لي أن أبدله ) 73 - - ( سأل سائل ) 74 - - ( اليوم يئس الذين كفروا ) 75 - - ( ولقد صدق عليهم إبليس ) 76 - - ( سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ) 77 - - ( أم يحسدون الناس ) 78 - - ( ولقد عهدنا إلى آدم ) 79 - - ( فأوحى إلى عبده ) 80 - - ( والنجم إذا هوى ) 81 - -

‹ صفحه 94 ›


( عم يتساءلون ) 82 - - ( والعاديات ضبحا ) ، يقول المؤلف ومن تدبر الفرقان ، وجمع بينه وبين الأخبار الواردة عن العترة ، عرف أن أكثره ورد في حق آل بيت النبي ( ص ) لكن بكنايات وتوريات ودقايق غير خارجة عن المعاني والبيان العربي .

الأدلة السمعية ( السنة النبوية ) : -

وأما السنة النبوية فحيث إن وضع الرسالة كان على إتقان الأدلة العقلية القاضية بالإمامة ، وعلى إبداء بعض الدقائق والنكات التي تضمنتها الآيات والأخبار المسلمة عند الطرفين ، لهذا اقتصرنا على إيراد بعض الأخبار التي تضمنتها كتب أهل السنة من الصحاح الست وغيرها التي هي صريحة في إثبات الإمامة حسب ما تعتقده الشيعة ، وصريحة أيضا بفساد ما تزعمه أهل السنة في أمر الخلافة ، وربما تعرضنا لرد بعض المناقشات التي أوردها بعض علماء أهل السنة على الأحاديث المذكورة ، مثل الرازي والتفتازاني والعضدي وغيرهم ، فاستمع لما يوحى إليك : - -

( الحديث الأول ) : -

الخبر المستفيض وهو خبر الغدير ، وهذا الحديث عند الأمامية متواتر بل ضروري ، ولذلك إن يوم الغدير من أعظم أعياد السنة عندهم ، فإنهم يعظمونه أكثر من يوم المبعث لأن الدين به كمل ، والغدير اسم موضع بين الحرمين مكة والمدينة المنورة ، والنبي ( ص ) في حجة الوداع لما وصل إليه مجد في السير إلى المدينة لينصب عليا ( ص ) فيها لأن الأمر بالنصب كان بمكة ، فاستمهل النبي ( ص ) الأمين جبرائيل في التبليغ حتى يصل إلى المدينة ، ولما وصل إلى غدير خم وهو موضع تفرق الأعراب إلى أهاليها هبط عليه الأمين وأمره أن ينصب عليا في مكانه هذا ولم يجوز له

‹ صفحه 95 ›


في التأخير ، وكان مع النبي ما يزيد على ستين ألف واحد من الناس ومعه رؤساء المهاجرين والأنصار ، وحينئذ أمر ( ص ) بأن يصنع له منبرا من الأقتاب فصنع له ذلك ، وأمر بجمع الناس فجمعوا في صعيد واحد ، وصعد النبي على تلك الأعواد المصنوعة من الحودج والأكوار ، ثم وعظ الناس وخطب خطبة بليغة لم يسمع السامعون مثلها حتى قال : ( ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) قالوا بلى يا رسول الله ، ثم أخذ بيد علي حتى بان بياض إبطيهما ورأه كل من حضر ، وقال : ( من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وآل من والاه ، وعاد من عاداه ، وأدر الحق معه حيث دار ) .

وروى هذا الحديث جماعة من معتبرين أهل السنة ، مثل محمد بن جرير الطبري رواه بسبعين طريق ، وابن عقده بمائة وخمس طرق ، وبعض منهم رواه بمائة وخمسين طريقا ، وبعض بمائة وخمسة وعشرين طريقا ، وعن مسند بن حنبل ، وتفسير الثعلبي ، وابن المغازلي ، وابن مردويه وعقد بن عقد ربه مرويا بطرق متعددة ، ورواه مسلم وداود السجستاني ، والترمذي في صحيحهما بطرق متكثرة ، وروى في الجمع بين الصحيحين ، وفي الجمع بين الصحاح الست باثني عشرة طريقا . وقال ابن المغازلي بعد روايته : هذا حديث صحيح .

وجملة الأمر إن هذا الحديث مروي بطرق متشعبة في كتب أهل السنة بحيث إنه لا يمكن إنكاره لأحدهم ولا يتيسر ، ونقل عن الشافعي الشامي ، وأبو المعالي الجويني ، وابن الجزري الشافعي وغيرهم ، إنهم وجدوا كتب وتصانيف عديدة دونت في ضبط هذا الحديث ، وقال الإمام الغزالي في سر العالمين ما نصه : ( قال رسول الله ( ص ) لعلي يوم غدير خم من كنت مولاه فعلي مولاه ، فقال عمر بن الخطاب : بخ بخ لك يا أبا

‹ صفحه 96 ›


الحسن لقد أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة ، ثم قال وهذا رضى وتسليم وولاية وتحكيم ، ثم بعد ذلك غلب الهوى وحب الرياسة وعقود البنود ، وخفقان الرايات ، وازدحام الخيول وفتح الأمصار ، والأمر والنهي ، فحملهم على الخلاف فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا ، وبئس ما يشترون حتى قال : إن أبا بكر قال على منبر رسول الله ( ص ) أقيلوني فلست بخيركم وعلي فيكم ، أفقال ذلك هزوا أو جدا أو امتحنا ، فإن كان هزوا فالخلفاء لا يليق بهم الهزل إلى أن قال : والعجب من منازعة معاوية بن أبي سفيان عليا في الخلافة ، أنى ومن أين أليس رسول الله ( ص ) قطع طمع من طمع فيها بقوله ( ص ) : إذا ولي الخليفتان فاقتلوا الأخير منهما ، والعجب من حق واحد كيف ينقسم بين اثنين ، والخلافة ليست بجسم ولا عرض فتتجزى . . . انتهى كلامه . وهو صريح بأن صحة الحديث المذكور من المسلمات ، ولذا أرسله إرسال المسلمات ، هذا كله مع قطع النظر عن كلام أهل السنة في تفسير آية التبليغ السابقة ، فإن الثعلبي في تفسيره وتفسيرها ، روى عن ابن عباس إن الآية المذكورة نزلت في حق علي ( ع ) ، وأخذ النبي ( ص ) بيد علي وقال : من كنت مولاه . . . إلى آخره .

ونقل عن الفخر الرازي هذه الرواية أيضا عن ابن عباس ، وزاد بأن عمر استقبل عليا حينئذ وقال هنيئا لك يا علي أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة ، ولا يقدح اختلاف اللفظ بين ما رواه الغزالي وما رواه الرازي عن ابن عباس ، فإن الخبر بالنسبة إلى تهنئة الأمير ( ع ) متواتر معنوي ، وبالنسبة إلى لفظ مولاي متواتر لفظي ، ومما اشتهر في ذلك اليوم تهنئة حسان بن ثابت شاعر النبي ( ص ) بعد أن استأذنه

‹ صفحه 97 ›


لعلمه ( ع ) من قصيدة منها ، وقال له قم يا علي فإنني رضيتك من بعدي إماما وهاديا ، ويكفي في اشتهاره إن ابن عقدة من أعاظم العلماء ومن ثقات أهل السنة ألف كتابا سماه بكتاب الولاية جمع فيها أخبار غدير خم ، ورواه عن أكابر الصحابة ومنهم العشرة المبشرة وغيرهم من الأعاظم ، وذكر غير واحد من المفسرين الخاصة وأهل السنة في تفسير ( سأل سائل بعذاب واقع ( إنها نزلت في حق الحارث بن النعمان ، حيث إنه لم يكن حاضرا يوم الغدير ولما شاع خبر تنصيب علي في ذلك اليوم ، وبلغ الحارث ذلك ، فركب ناقته وجاء إلى المدينة ، ودخل المسجد فوجد النبي ( ص ) جالسا والمسجد مشحون من المهاجرين والأنصار فقال : يا محمد أمرتنا بالتوحيد وبنبوتك فقبلنا وسلمنا فلم تقنع بذلك منا حتى عمدت إلى ابن عمك ففضلته علينا ، ولم نعلم إن ذلك من عند نفسك أم من عند الله تعالى ؟ فأجابه الرسول ( ص ) بأن ذلك بأمر من الله تعالى ، فرجع الحارث مغضبا وقال يا ربي إن كان محمدا صادقا فأنزل علي حجرا من السماء ، فلم يبلغ راحلته حتى وقعت عليه حجارة من السماء فأهلكته فنزلت هذه الآية في حقه .

وروى إن أبا قحافة كان في الشام في موت النبي ( ص ) وكان قد شهد الغدير فجاء من الشام ووجد ابنه أبا بكر على المنبر فصاح ما هذا ، وأين سلامكم على علي ( ع ) بالإمرة يوم الغدير ، فقال عمر يا أبا قحافة غبت وشهدنا ، ويرى الحاضر ما لا يراه الغائب ، إلى غير ذلك ، ولكن ومع هذا كله فقد ناقش في الخبر المز بور جماعة من أفاضل علماء العامة ، وهي وإن كانت أوهى من بيت العنكبوت لدى من له أدنى خبرة

‹ صفحه 98 ›


بالمعقول والمنقول ، لكنا تصدينا لها لنوضح دفعها كيما يعرفه القروي والبدوي ، فنقول أجيب عن هذا الحديث بأجوبة : - -

( أولها ) : منع تواتر الحديث ، ومنع كونه مجمعا عليه بين المحدثين نظرا إلى عدم وجوده في بعض كتب الأحاديث والتفاسير وفي إثبات المذهب ، فلا يكون حجة بعد كونه خلافيا ، وهذا الرد لشرذمة منهم التفتازاني في شرح المفصل ، ونقل عن الرازي إنه قال : ظفرت بأربعمائة طريق إلى حديث الغدير ، ومع ذلك لم يؤثر صحته في قلبي .

والجواب عن هذه المناقشة ظاهر فإن عدم رواية الحديث لا يدل على عدم صحته بأحد من الدلالات ، لأن عدم روايته لا تكون شهادة على عدم وروده حتى يتعارض النقلان ، ويكون حديث الغدير خلافيا بل هي ساكتة عن غير المروية فيها ، كيف وليس شرط صحته الحديث أن يروى في جميع الكتب ، وكثير من مقطوع الصدور لم يرو في بعض كتب الأحاديث وأغرب من ذلك عدم وقوفه مع ضبطه وإتقانه على الحديث في الصحيحين البخاري ومسلم حتى نفى فيهما مع وجوده في الكتابين ، ونقله عنهما الكثير ممن تعرض للخبر من العلماء من الأمامية وأهل السنة .

وبالجملة إن عدم نقل بعض الرواة للخبر لا يقدح في صحته ، إنما العبر ة بالأسانيد والطرق ، وشاهد حال الرواة والمحدثين ، فإذا كان عدد الرواية بمثابة يكون احتمال الكذب والجعل فيها بعيدا يلزم القول بصحتها خصوصا إذا كانت الرواية مخالفة لما يزعمه الرواي من المذهب ، ولو سلمنا اختلاف الرواة في الحديث المذكور فهو من باب تعارض

‹ صفحه 99 ›


النافي والمثبت والثاني مقدم بالاتفاق بل من المتحقق عقلا في مقام اختلاف الشهادات إن شهادة المثبت مقدمة على النافي .

وإن قالوا : إن تقديم شهادة المثبت على النافي في صورة رجوع شهادة النافي إلى لا أدري لا إلى أدري لا ، فإنه يرجع إلى أمر وجودي وعدمه ، ذكر جملة من الرواة لهذا الحديث في قوة أدري لا عملا بشاهد الحال ، فإن الرواة المتصدين لجمع الأخبار من البعيد أن يخفى عليهم مثل هذا الخبر المشتهر ، فشاهد الحال يقضي بعدم وقوفهم على صحته بل قيامهم بنفيه . فمنعه إن شاهد الحال ، وامتناع خفاء مثل هذا الحديث عليهم لا يوجبان الجزم بشهادة النفي على الوجه المذكور لقيام احتمال العوائق القهرية والموانع التي ليست باختيارية من بعض مقدمات الرواية للراوي ، ومع هذا الاحتمال لا يمكن القطع بأن من لم يذكر الحديث المز بور جازم بعدمه .

ولو قالوا أيضا : إن تقديم شهادات المثبت على النافي منحصر في المسائل العملية دون الاعتقادية العلمية .

فجوابه : - - إن مسألة الإمامة عندهم من مسائل الفروع كما سبقت الإشارة إليه فبناء على مذهبهم يجب الالتزام بمضمون الحديث المذكور لعدم ثبوت المعارض لذلك .

ومنه يعلم إن منع الإجماع على صدور النص المذكور أو منع تواتره لا ينفع أهل السنة أبدا لأنهم أجمعوا على حجية أخبار الآحاد في المسائل العملية فلا عذر لهم في الإعراض عن حديث الغدير من هذه الجهة .

ثانيها : - - ما ذكره التفتازاني في شرح المقاصد ، وأيضا تبعه الروزبهاني بأن لفظ المولى مشترك بين معان عديدة ، فيستعمل بمعنى السيد والأولى

‹ صفحه 100 ›


بالتصرف ، وبمعنى الناصر والمحب والجار وابن العم والمعتق وغير ذلك ، والمناسب للحديث من هذه المعاني أربعة السيد والأولى بالتصرف والناصر والمحب ، واللفظ المشترك بلا قرينة معينة
ليس له ظهور في واحد من المعاني المشتركة ، فكيف يثبت بهذا الحديث مولوية حضرة الأمير ( ع ) وأولويته بالتصرف في أمور الناس من غيره ؟ وترقى وادعى إن قوله ( ص ) ( اللهم وآل من والاه . . . إلخ ) قرينة مقارنة على إرادة المحب والناصر وقد تصدى للجواب عن ذلك بعض العلماء بوجوه : -

منها : إن صدر الحديث وهو قوله ( ص ) ( ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) قرينة معينة لإرادة السيد والأولى بالتصرف من المولى ، وإلا لما صح التفريع في ( فمن كنت مولاه ) ، وإنكار التفتازاني لوجود صدر الحديث لا يلتفت إليه بعد ما بينا تواتر الحديث المز بور ، وإلا ينسد باب الاستدلال بالسمعيات .

وحاصله إن رواة صدر الحديث إذا بلغوا ما يفيد العلم للخالي عن الغر ض والمرض ، كفى في صدوره متواترا خصوصا بعد ملاحظة شواهد الحال وانتفاء دواعي الكذب ، ولا يلزم في ذلك رواية جميع الرواة وأهل الحديث .

ومنها : إن التحابب والتناصر بين المؤمنين ثابت بقوله تعالى ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) ، ولا داعي لخروج علي عن عموم المؤمنين ليأكد النبي ( ص ) دخوله فيهم بهذا الخبر في رمضاء الهجير ، ويقيم بذلك الوادي ويدع الناس تستظل بظل دوابها وتلف ثيابها على أقدامها من حرارة الأرض ، فإن المنصف لا يرتاب في أن الاهتمام بمثل

‹ صفحه 101 ›


ذلك قرينة حال على إرادة المعنى المذكور من المولى ، ومما يضحك الثكلى مقالة التفتازاني إن الشاهد على التأكيد منع احتمال طرو التخصيص في آية موالاة المؤمنين بالنسبة إلى علي ( ع ) وهذا الاحتمال لا يحتمله سفيه فضلا عن عاقل لأن عليا إن لم يكن الفرد الكامل من المؤمنين فلا أقل إنه واحد منهم ، وهذا من التشبث بالحشيش ، عجبا يرتكب النبي هذا الأمر الجسيم لسد باب الاحتمال والفاضل الروزبهاني لما وجد بشاعة هذا الاحتمال اعتذر بما يقرب منه ، بأن النبي ( ص ) أراد الوصية بأهل بيته ليعلو شأنهم عند العرب وتزيد مرتبتهم فارتكب ما ارتكب ، وأوقع ذلك في غدير خم ، لأنه محل تفرق الناس إلى أطرافهم وأهاليهم ، وهو أيضا كما ترى من إن شدة الاهتمام بهذا الأمر موجب إلى ما هو أعظم من ذلك وليس إلا التنصيب ، ومن البديهي أن ليس المقصود من وصية النبي إبلاغ العرب الهمج الرعاع ، بل العرب تابعة لرؤسائها ، والمقصود إسماع من حضر من الناس ذلك بمحضر من أكابر المهاجرين والأنصار ليشهدوا عليهم إذا نكثوا وخالفوا ، ولو كان المقصود مجرد الوصية بحبهم وإبلاغ ذلك العرب لوقع ذلك في عرفات أو في مكة ، فأن النافر من مكة إلى أهله خلق كثير ، فالمتدرب المتدبر يجزم بأن ذلك لم يكن إلا لأمر فوري عظيم ، والمقصد فيه أخذ البيعة على الرؤساء وأعلام من حضر ليشهدوا عليهم ، ولولا يوم الغدير وما وقع فيه من التنصيب لعلي ( ع ) لما وقع الاختلاف بين المسلمين ولا ادعى علي ( ع ) بأنه مغلوب على حقه ولا جلس في بيته ، ولا قيد بحمائل سيفه ولدخل فيما دخل فيه الناس لو كان يعرف في ذلك إطاعة الله تعالى ، ومن تدبر نهج البلاغة جزم بما قلناه .

‹ صفحه 102 ›


ومنها : إن الوصية من النبي ( ص ) بأهل بيته قد وقع في مقامات عديدة وفي أخبار متواترة مثل خبر الثقلين وغيره ، فلا حاجة حينئذ إلى التكلف في إبداء هذا الأمر ، وليس هو إلا من باب إيضاح الواضحات ، فإن شدة الاهتمام بهذا الأمر يوجب إنه أمر جديد غير مسبوق ، فتوقف النبي ( ص ) ونزوله وإقامته مع شدة الحر ما هو إلا لأمر حادث فيه نجاة الأمة من الهلاك ، وما هو إلا نصب علي ( ع ) إماما ، لأنه يروم أن يوصي بحبه الذي هو معلوم من يوم مبيته على فراشه ، ومأمور به كل غزوة ، وظاهر من أفعال النبي ( ص ) وأقواله معه ، فمن أرجع حديث الغدير إلى غير التنصيب وصرفه عن ما هو صريح فيه من الإمامة ، فقد مال به الهوى وغلب على عقله الشيطان ومنها : ما التفت إليه الفاضل الفياض في جواب التفتازاني ، وهو إنه على فرض تسليم أن المراد بالمولى الموالاة ، فإنه يدل أيضا على تقديم الأمير ( ع ) على جميع الناس في جميع الأمور لظهور اقتران مولاته بمولاة النبي ( ص ) وسعد الدين اعترف بأن هذا الاقتران من خصائص الأمير ( ع ) ، والاقتران المز بور يورث مولوية الأمير ( ع ) حيث إن موالاته كموالاته ، ومحبته كمحبته لكن محل الكلام إنه هل بين الخلافة وهذا الاقتران المذكور تلازم وارتباط أم لا ؟ ولعل غرض الفاضل الفياض أن محبة الأمير ( ع ) وموالاته لما كانت كمحبة النبي ( ص ) وموالاته فلا يجوز للأمة أن تجري على خلاف ما يحب ويهوى ، ولا ريب إن تقديم غيره عليه مما لا يحبه ويهواه ، فلا يجوز للأمة ارتكابه .

ثالثها : - - ما أجاب به العضدي في موقفه ، بعدم ورود لفظ ( المولى ) بمعنى أولى ، فلا يقال مولى الرجلين بكذا ، ويقال : أولى الرجلين بالأمر ،

‹ صفحه 103 ›


ويقال فلان أولى بالأمر الفلاني ، ولا يقال فلان مولى بكذا ، وعلى فرض صحة الإطلاق ، وإنهما بمعنى فذيل الحديث من قوله ( ص ) ( اللهم وآل من والاه ) قرينة على إرادة المحب من المولى ، ولو سلم إن المولى بمعنى الأولى ، وأعرض عن القرينة المذكورة فدلالته على الأولوية في التصرف ممنوعة ، بل غايته الدلالة على أولوية الأمير ( ع ) في أمر من الأمور فالمولى هنا كالأولى في قوله تعالى ( إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ( يعني بالمتابعة والقرب إلى خليل الله إبراهيم . . . هذا ملخصه .

وأجاب القاضي الششتري ( رحمه الله ) عن جميع ذلك . أما إنكار ورود المولى بمعنى الأولى ففيه إنه خلاف ما نص عليه أهل اللغة ، فعن أبي عبيده وهو من أهل اللسان إن المولى في آية ( مولاهم النار ( فسرت بالأولى ، وورد ذلك في الشعر أيضا ، وفي الحديث النبوي ( أي امرأة نكحت بغير أذن مولاها ) أي بغير أذن سيدها ومالكها فإنكار العضدي لوروده في اللغة كما ترى .

وأما الآية الشريفة ففرق بينها وبين ما نحن فيه ، لأن الأولى فيها أضيفت لنفس إبراهيم ( ع ) بخلاف حديث الغدير ، فإن الأولى فيه بالقياس إلى الناس ، ولو أن الآية ( إن أولى الناس بإبراهيم ( من نفسه يكون من قبيل ما نحن فيه .

أقول كأن القاضي أراد بهذا الرد إن التفضيل لا بد فيه من أمور ثلاثة ، المفضل والمفضل عليه والمفضل فيه ، فلو قال أحد : أنا أولى بك من زيد ، كان المفضل هو المتكلم ، والمفضل عليه المجرور بمن ، والمفضل فيه ما يتعلق بالمخاطب من الأمور بدلالة قرينة المقام ، ومراد القاضي من قوله

 

‹ صفحه 104 ›


( الأولى ) في الآية أضيفت إلى إبراهيم ( ع ) هو إن نفس حضرة إبراهيم ( ع ) هو المفضل فيه لا المفضل ، وحديث الغدير ليس كذلك ، بل المفضل هو نفس النبي ( ص ) والمفضل فيه ما يتعلق بالمخاطبين من الأمور ، فكان النبي ( ص ) بعد كون المراد بالمولى الأولى قال : ( من كنت أولى به من نفسه فعلي كذلك ) .

والحاصل إن المفضل هو النبي ( ص ) والمفضل فيه هو الأمور المتعلقة بهم ، ثم قال القاضي : فلو كانت الآية إن أولى الناس بإبراهيم من نفسه لكانت من قبيل ما نحن فيه ، لأن المفضل عليه يكون هو نفس إبراهيم ، والمفضل فيه ما يتعلق به من الأمور والمفضل هم التابعون ، لكن الآية ليست كذلك ، بل لا يستقيم أن يكون كذلك ، إذ لا معنى لكون التابعين أولى من نفس إبراهيم بأموره ، فالمراد من صيرورة الآية حينئذ من قبيل ما نحن فيه أنها من قبيله في الجملة ، أي في مجرد كونه ( ع ) مفضل عليه لا مفضل فيه ، وعليك بالتأمل والاجتهاد في كلام القاضي لغموضه ، وإن كان غير ميسور وإن بلغ ما بلغ .

وأما إن ( أولى من كذا ) صحيح ، و ( مولى من كذا ) لا يصح ، فجوابه إن مولى أسم ، وأولى صفة ، والاختلاف نشأ من هذا فأن صيغة التفضل صفة وهي بحسب الاستعمال تقتضي دخول من كذا في المفضل عليه ، والمولى صيغة تفضيل لا بطريق الصفة بل هو نظير اسم الفعل الذي حكمه حكم الفعل في الصفات والمتعلقات لا بمعنى ، وأيضا اختلاف صلات الألفاظ سماعية ، ومن أحكام الألفاظ لا من أحكام المعنى وكثيرا ما يقع في كلام العرب لفظان مشتركان في المعنى مع إن صفاتهما مختلفة ، مثلا لفظ الصلاة متعدي بعلى في مقام طلب الرحمة ،

‹ صفحه 105 ›


فيقال : صلى الله عليه ، ولا يقال دعا الله عليه ، ومع إن الصلاة بمعنى الدعاء ، وقال الفاضل الرضي ( رحمه الله ) إن العلم والمعرفة بمعنى واحد مع تعدي العلم إلى مفعولين دون المعرفة ، وأيضا أنت وكاف الخطاب بمعنى واحد مع إنه يقال : إنك عالم ، ولا يقال إن أنت عالم .

يقول المؤلف : أجوبة القاضي ( وأجوبة سائر العلماء رضوان الله عليهم تكفي في رد العضدي وغيره ممن فسر المولى في الحديث بالمحب والناصر غير إن الذي يختلج بنظر القاصر إن فساد التفسير المذكور لا يحتاج إلى هذه التفاصيل وإلى النقض والابرام ، بل يكفي في فساد ذلك اختلاله بحسب المعنى كما لو فسر بالجار والمعتق فإنه لفساده بحسب المعنى اتفق الفريقان على عدم جواز تفسير الحديث بهما مع أنهما من معاني المولى .

وتوضيحه : إن مفاد الحديث على تقدير أن المولى بمعنى المحب والناصر . إن كل من أحبه وأنصره فعلي كذلك يحبه وينصره لأن المحب غير المحبوب ، والناصر غير المنصور ، وهذا المعنى مضافا إلى ركاكته وعدم إفادته المقصود من جهة إن الواجب على الناس كافة محبة النبي ( ص ) علي ( ع ) ونصرته ومودته ، إن الحديث حينئذ مردد بين الأخبار والإنشاء ، ولكل واحد منهما أفسد من صاحبه ، إما الأول فلأن محض الأخبار كلام لغو لا فائدة له أحاشى مقام النبوة عنه ، أترى أن النبي ( ص ) ينزل ذلك المنزل الوعر ويجمع الناس بذلك الصعيد العاري من الماء والكلأ ، ويخطب تلك الخطبة في حر الهجير ، ويكون جل مقصده إخبار الناس بأن من أحبه وأنصره فعلي ( ع ) يحبه وينصره ، فأي لطف وأي فائدة في ذلك ، ومن استماع هذا الحديث أي علم أم عمل يحصل للسامع ، نعم لو كان من معاني المولى الحقيقة المحبوب والمنصور لأمكن

‹ صفحه 106 ›


أن يقال : أنه لا فساد فيه بحسب المعنى ، ويمكن أن يراد لكن لم نعثر على إن المحبوب والمنصور من معاني المولى حقيقة ، وإنما الموجود المحب والناصر .

وأما الثاني وهو الإنشاء فاسد من سابقه ضرورة إنه حينئذ أمر لعلي ( ع ) بأنه يحب من يحبه رسول الله من الناس ، وهذا المعنى لا داعي إلى بيانه والأمر به على رؤوس الأشهاد وجمع الناس له إلا أن يقال والعياذ بالله تعالى إن النبي ( ص ) خاف من عدم امتثال الأمير لهذا الأمر لو أمره بذلك مخفيا ، وتمرده وعصيانه حتى التجاء النبي ( ص ) إلى أن يشهد الناس ويطلعهم على ذلك لتتم له الحجة على الأمير ( ع ) كي لا يعصى الرسول فيه ، والمظنون من متعصبين أهل السنة أنهم لا يبالون في حمل حديث الغدير على ذلك ، ويزعمون ما لا يرضى به العقل والنقل من أنه ليس المراد من تبليغ النبي ( ص ) ( من كنت مولاه . . . إلخ ) ، إثبات مرتبة أو إظهار شرف لعلي ( ع ) بل الغرض التعريض والازراء بحق الأمير ( ع ) في إنه في امتثال الأوامر والنواهي يتساهل ويتوانى ، فأراد الرسول ( ص ) أن يسمع المهاجرين والأنصار وسائر قبائل العرب أن أمرت عليا ( ع ) بأن يحب من أحبه مثل أبي بكر وصاحبه ، وليس لعلي ( ع ) أن يستبد برأيه ، أو يسلك بغير الطريق الذي سلكته في مودة كبار الصحابة ، ومما يشهد على صدق الظن المزبور إن شارح نهج الحق للعلامة الحلي ( رحمه الله ) أنكر أكثر ما سطر فيه من فضائل علي ( ع ) حتى قاده إلى إنكار شجاعة الأمير وأشجعيته ، وزاد فادعى أشجعية أبي بكر فلا استبعاد في دعواه أو دعوى أمثاله إن خطبة الغدير

‹ صفحه 107 ›


تعريض بحق الأمير ، وليس لمثل هؤلاء من الجواب إلا الإعراض وتركهم في طغيانهم يعمهون .

الحديث الثاني : -

من الأحاديث التي اتفقت عليه الأمامية ، وأهل السنة ، ولكنه ورد بعبارات مختلفة اللفظ متقاربة المعنى ، والقدر الجامع منها المتواتر معنى إن خلفاء رسول الله ( ص ) الذين لهم التصرف في نفوس الأمة وأموالهم عددهم اثنا عشر خليفة ، وكلهم من قريش ودين الإسلام ما داموا موجود وبسبب وجودهم عزيز ممضى ومجرى ، وحيث أني لم أعثر على منكر لهذا المعنى المتواتر من جماعة هذه الأحاديث حتى إن الفاضل الروزبهاني اعترف بهذه الأحاديث مع إنكاره لأكثر المتواترات ، لذلك لم أتعرض لمن نقله من أهل السنة في كتابه إذ قل ما يخلو منه كتاب من كتبهم التي تعرضوا فيها للإمامة بل وغيرها ، ودلالة هذه الأحاديث على حقية مذهب الشيعة غني عن البيان كمنافاته لما ذهب إليه غير الأمامية من المسلمين خصوصا أهل السنة ، ومن هنا تعرف سقوط الحديث المروي عند أهل السنة عن النبي ( ص ) ( إن الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، وبعدها تكون ملكا عضوضا ) بتنزيله على زمان خلافة الخلفاء بل كذبه ، إذ من قبول هذه الأحاديث يلزم تكذيب الحديث المرقوم بالتحديد ، لكن لعدم مبالاتهم بإنكار الضروريات وعنادهم في البديهيات أخذوا في توجيه الأحاديث الناصبة على إن عدد الخلفاء إثنا عشر خليفة بمحامل سخيفة سقطوا من حيث لا يشعرون .

ونقل عن الفاضل الروزبهاني إنه قال : اختلفت العلماء في معنى هذه الأحاديث ، فقال بعض إن معناها إن أمر الدين عزيز في مدة خلافة أثني عشر خليفة حتى تبلغ ثلاثمائة سنة بعدها تكثر الفتن في الناس ويذل

‹ صفحه 108 ›


الدين . وقال آخرون إن الخلفاء الأربعة ومعاوية وعبد الله بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وخمسة من بني العباس هؤلاء الخلفاء الإثنا عشر ، وفساد هذين المعنيين لظهور وضوحه لا يحتاج إلى بيان سواء أريد من الخلفاء في الخبر خلفاء الحق فقط أو الأعم منه ومن حكام الجور ، فإن كل واحد منهما أفسد من صاحبه .

أما الثاني فلعدم اجتماع العزة وخلافة الجائر جزما ، وأي عزة للإسلام في زمن خلافة الجائر ، ولو أريد بالعزة العزة الصورية أي مجرد صيت الإسلام المجامع للظلم والعدوان وهتك النواميس الإلهية فمثل هذه العزة لا تشخص بزمان دون زمان ، ولا بحاكم دون حاكم كي يدعي اختصاصها بإثني عشر خليفة في ضمن ثلاثمائة سنة ، بل سواد الإسلام يوما فيوما بتزايد وترقي ، وفرق المسلمين كلما تأخروا كثروا وكانوا أقوى من السابقين بالبديهية ، فاختيار هذا المعنى فيه تكذيب للنبي ( ص ) من حيث لا يشعر .

وإن أريد بالخلفاء خلفاء الحق فإن أهل السنة قصروا الخلافة على أربعة وما تعدوا لغيرهم حتى إن معاوية لم يزعم أحد من أهل السنة أنه من خلفاء الحق ، بل بعضهم حكم بفسقه وبعضهم حكم باجتهاده ومعذوريته من حيث الاجتهاد ، فإن تحديد الخلافة بالمدة المزبوره صريح في ذلك ، ومن هنا يظهر فساد المعنى الثاني إذ لا عزة للإسلام قطعا في زمان معاوية ، مضافا إلى إن الجمع بين خلافة علي ( ع ) ومعاوية في عزة الإسلام من الممتنعات العقلية نظرا إلى إن حقية كل منهما باعثة على تذليل الإسلام بالنسبة إلى الآخر ، فكيف يعز الإسلام بخلافتهما ؟ وهذا الكلام من باب المماشاة مع الخصم وإلا لو أنصف المطلع على مطاعن

‹ صفحه 109 ›


الخلفاء خصوصا الثالث ومعاوية وغيرهما ممن خرج على الأمير وعانده إن لم نقل بالارتداد فيمن خرج نظرا إلى الصحيح من قول النبي ( ص ) ( يا علي حربك حربي ) ، والرائي لفعال سائر السلاطين وسوء معاملاتهم ، وارتكابهم القبائح التي نهى الله عنها في كتابه التي وقعت عما يسمونهم بالخلفاء لجزم بأن مراد النبي ( ص ) من الأئمة الإثنا عشر غير هؤلاء جزما .

وأما ما أجاب به القاضي من إنه لا يصلح أن يفسر الحديث بهؤلاء الخلفاء لأنهم لا يصلحون للخلافة لكثرة المطاعن التي فيهم ، فإن من جملتهم عبد الله بن الزبير ، فقد نهى في زمان خلافته عن الصلاة على النبي ( ص ) ، وقال إن بني هاشم يصيبهم النخوة والتجبر في ذلك ، فلو منعناهم يذهب منهم التجبر ، ومع قطع النظر عن ذلك يلزم تعطل الأحكام بعد انقضاء الثلثمائة سنة .

فأقول : كلام القاضي وإن كان صوابا غير أنه لا يدفع مقالة الروزبهاني إذ خلاصة مقالته إن النبي ( ص ) يقول إن بعد مضي ثلاثمائة سنة لا يبقى للدين صاحب وحامي ولا وآل يقوم به ، ومعنى العزة العزة الصورية الاسمية ، وهي بقاء صيت الإسلام وزيادة شوكته وكثرة سواده فحينئذ انقطاع العزة المعنوية بعد الخلفاء الاثني عشر ، وكذلك فسق الخلفاء بل كفرهم لا يصلح أن يكون ردا لأنه يثبت العزة مع اعترافه بأن معاوية من السلاطين وملوك الجور ، فلا جرم أن يكون مراده بالعزة العزة الاسمية في المدة المذكورة لا المعنوية ، فلا يفيد في رده كلام القاضي فينحصر بحسب القواعد العلمية جوابه بما حررناه ، وليعلم أيضا أن الفاضل الغزالي بعدما اطلع على هذه الأحاديث أخذته الحيرة والأفكل في تحقيق والي المسلمين وحاميهم وبعد أن اجتهد وأمعن النظر جرى في

‹ صفحه 110 ›


فكره أن قال ما محصله : إن في هذه الأزمنة الأمر مردد بين محاذير ثلاث أما منع الناس من إجراء العقود والأنكحة والقضاء بين الناس ، وأما القول من باب أكل الميتة عند المخمصة إن الناس معذورون في فعل المحرمات ، وأما إن إمام المسلمين لا يشترط فيه العدالة وغيرها من الشروط المقررة في زمن الغيبة ، ومن باب ارتكاب أقل المحذورين لابد وأن يلتزم بالأخير ، ولعمري إن هذه المحاذير لولا اختياره المذهب الفاسد والعقيدة الرديئة لما ابتلي بشيء منها ولو اختار مذهب الأمامية وترك العناد لوصل إلى حمى الأمان ، ولم يعان محذورا أبدا ، فإن الإمام ( ع ) نصب فقهاء الأمامية في التصرفات الحسبية ، وذكره للعقود والأنكحة يكشف عن عدم مهارته في علم الفقه كما هو واضح .

لا يقال : مقتضى مذهب الشيعة تأييد عزة الإسلام ودوامها أبد الدهر بسبب وجود الأئمة الاثني عشر ( ع ) واحد بعد واحد ، والحال إن ظواهر هذه الأخبار تقضي بانقطاع العزة بانقطاع الأئمة الإثنى عشر مثل قوله ( ص ) ( لا يزال أمر الناس عزيز إلى أثني عشر خليفة ، كلهم من قريش ) وقال ( ص ) أيضا ( إن هذا الأمر ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش ) وهكذا باقي الأخبار فإنها تدل بمفهوم الغاية على إثبات انقطاع العزة .

لأنا نقول : التحديد بالغاية لا يدل على انقطاع الحكم إلا بعد معلومية انقطاع الغاية ، وهو غير معلوم بل المعلوم عدمه ، فإن الأمامية قاطعة بعدم خلو الأرض من حجة إلى يوم القيامة ، والحجة من نسل النبي ( ص ) ووصيه ( ع ) ، وفي الصحيح عن الأمير ( ع ) ( أن الزمان لا يخلو من إمام من نسلي لكنه إما ظاهر مشهور أو خفي مستور ) وأخبار

‹ صفحه 111 ›


الأئمة بذلك متواترة عن النبي ( ص ) وعن الأمير ( ع ) ، إن الزمان لا يخلو من إمام منصوب من الله في خلقه ، وهو الحافظ للدين عن السرقة والتبديل والتحريف من المنافقين والمشركين ، ومن غير الزمان ، وإن عرض له زيادة أو نقصان من أهل البدع والكذابين أصلح أمره وقطع شأفتهم ، وحينئذ بعد تأييد الغاية التي هي وجود واحد من الإثنى عشر ( ع ) لا تنقطع العزة بانتهاء العدد مع بقاء الشريعة ، ويؤيد ذلك مضامين جملة من الأخبار في هذا المضمار ، فقد روى السدي وهو من قدماء المفسرين وثقاة أهل السنة ( إن سارة لما كرهت مكان هاجر أوحى الله تعالى إلى خليله أن نحي هاجر عن سارة ، وسر بها إلى تهامة ، لأنها أم إسماعيل وإني أزيد في ذرية إسماعيل ( ع ) وأجعلهم على الكافرين عذابا صبا ، وأخلق من ذريته نبيا عظيم الشأن يغلب دينه الأديان وأخلق من ذريته أثني عشر إماما لهم شأن عظيم ، وأيضا أخلق من ذريته خلقا بعدد نجوم السماء ) .

ونقل عن كتاب متعصب الأثر في إمامة الاثني عشر عن أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن عياش عن أبي سليمان راعي رسول الله ( ص ) قال : سمعت رسول الله يقول : ( أوحى إلي الله تعالى ليلة أسرى بي إلى السماء آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ؟ فقلت : أنا والمؤمنين ، فقال الله : صدقت يا محمد فمن أبقيت في أمتك ؟ قلت : خيرهم يا ربي ، فقال علي بن أبي طالب ؟ قلت نعم يا إلاهي ، فقال : يا محمد إني اخترتك من بين أهل الأرض بعد أن اطلعت عليهم وسميتك بأسماء اشتققتها من أسمي ، فلا أذكر في موضع إلا وأنت معي فأنا المحمود وأنت محمد ، وأطلعت على أهل الأرض مرة أخرى ، واخترت بعدك عليا واشتققت له اسما من أسمائي ، فأنا الأعلى وهو علي ، يا محمد خلقتك وعليا

‹ صفحه 112 ›


وفاطمة والحسنين والأئمة من أولاد الحسين ( ع ) من نوري ، وعرضت ولايتكم على أهل السماوات والأرض ، فمن قبلها كان عندي من المؤمنين ، ومن أنكرها أو تمرد عنها كان عندي من الكافرين ، يا محمد لو إن عبدا من عبادي عبدني حتى تقوس ظهره وابيض حاجبه ولم يعترف بولايتكم لا ينفعه كل ذلك عندي ، ولن يذوق رحمتي حتى يقر بها ، يا محمد أتريد أن أريك الأئمة من نسل الحسين ؟ قلت نعم يا ربي ، فقال الله تعالى التفت إلى يمين العرش ، فالتفت فإذا بعلي وفاطمة والحسن والحسين وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن والحجة ( ع ) في ضحضاح من نور ، وهم مشغولون بعبادة الله تعالى ، والحجة ( ع ) عجل الله فرجه في وسطهم كالبدر الساطع فجاءني النداء من العلي الأعلى : يا محمد هؤلاء حججي على خلقي آخرهم مهديهم يطلب بوترك ويأخذ الثأر ويبيد الكفار ، فأقسم بعزتي وجلالي إنه هو الباقي عونا لعبادي المؤمنين المنتقم من أعدائي الكافرين ) ، ومن هذا القبيل من الأحاديث التي ترويها الفريقان ، وتعتمدها الطائفتان فوق حد الإحصاء ، وكلها تدل على مذهب الأمامية .

سؤال : أي عزة للإسلام بوجود الأئمة ( ع ) ، والحال إنهم ما بين قتيل وأسير ومسجون لا ينفذ لهم أمر في الدين ، وترى أكثرهم يتقون ، ومن الخوف يسكتون ، ولهذه الجهة صرف الفاضل الروزبهاني ظواهر الأخبار الماضية في إمامة الاثني عشر إلى أئمة الجور وسلاطين الإسلام .

وأجاب بعض علماءنا كالقاضي ( رحمه الله ) وغيره لا يدفع هذا السؤال فإن ملخص جوابهم حلا إن وجود الخليفة لا يستلزم وجوب تصرفه وسلطنته في جميع الأمور . ونقضا بخلافة الأول قبل استقرار خلافته ،

‹ صفحه 113 ›


وبخلافة الأمير ( ع ) قبل تمام التمكين ومن البين إن ذلك لا يدفع مقالة الروزبهاني إذ مضامين أخبار نصر الإسلام ورونقه لسبب وجود الخلفاء الاثني عشر في الأمر حيث لا يمكن انطباقه على الأئمة الاثني عشر فلا جرم أن تصرف تلك الأخبار إلى الخلفاء المتصرفين بالحق أو بالباطل قصورا أو تقصيرا ، أو يقال إن الأحاديث المذكورة من المتشابهات وعلى التقديرين لا تصلح أن تكون دليلا على مذهب الشيعة .

فالتحقيق في الجواب : إن عزة الدين ورونقه يحصل بالمحافظة على أصول الدين وإتقان العقائد وصونها عن تطرق الشبهات ، وأما محافظته من الزيادة والنقصان والتغيير والتبديل في مسائل الفروع بواسطة انسداد باب العلم فلا مدخلية لذلك في العزة والذلة بالبداهة ، بل حقيقة عزة الدين هو حفظ الناس عن أن يحصل لهم الشبهة في حقية النبي ( ص ) وفي حقية الشريعة فأن المحافظة على ذلك فيه تمام العزة للدين ، وقد تواترت الأحاديث وملئت الطوامير ، وأفصحت الكتب المعتبرة في فضائل الأئمة ( ع ) . في إن أئمتنا ( ع ) كم دفعوا شبه الملحدين ، وقطعوا شأفة الضالين من الزنادقة وغيرهم من أهل الكتاب وسائر الفرق بحيث إن غيرهم من سائر الخلق لا يطيق دفع بعض البعض من ذلك ، وهذا من أعظم معاجزهم الذي لا يقبل الإنكار إذ هو كالشمس في رابعة النهار ، وناهيك في ذلك حديث اليهودي الذي ذكره علماءنا المتبحرين في باب النبوة ، ونحن ذكرناه أيضا في بابه ، ومن الأحاديث المعتبرة حديث الجاثليق الذي رواه المفيد رحمه الله عن الصدوق ، وهو رواه بإسناده عن سلمان الفارسي ) ، ونقل أيضا من البحار ، وهو حديث طويل وأكثر فقراته لا تفهم فلنذكر من فقراته ما له ربط في المقام ، ومن أراد الاطلاع على تمام الحديث فليطلبه من مضانه ، ورواه صاحب منهج السلامة من غير واحد

‹ صفحه 114 ›


من أصحابنا ، ولكن فيه نوع اختلاف باللفظ لا يضر بالمعنى ، قال سلمان الفارسي ( رحمه الله ) : لما ابتلت قريش بعد رحلة النبي ( ص ) بالداهية العظمى والبلية الكبرى ، وانكشف غطاء جسدهم وحقدهم لآل الرسول ( ص ) وبلغ ملك الروم قوة النبي ونزاع أصحابه بعده في الخلافة والإمرة ، وادعائهم إن النبي ( ص ) لم يعهد إلى أحد لا من أهل بيته ولا من الأجانب بل أحال الأمر إلى الأمة وقرنه باختيارها ، وإن الأمة بعده تركوا تأمير عترته وذريته وصرفوا الأمر إلى غيرهم فدعى علماء مملكته وذوي البصيرة منهم ، وذكر لهم اختلاف قريش بعد نبيهم ، وأن النبي ( ص ) ارتحل من الدار الفانية فلما سمعوا ذلك منه ووعوه طلبوا منه أن يرسل إلى يثرب جماعة من أهل العلم والمعرفة من أتباعه ليتحققوا الحال ويصلوا إلى حقيقة الأمر ، وليتعرفوا السبب الذي أوجب تقديم الأجانب على الأقارب على خلاف عادة الأنبياء السالفين ، فطلب الملك الجاثليق وكان أكبر علماء أهل مملكته ، وأمره بأن يختار من أصحابه الكاملين مائة نفر ويسير بهم إلى طيبة المنورة ، ويأتيه بحقيقة الحال ، وأمره أن يخاصم أصحاب محمد ( ص ) وأن يفلجهم لما يعلم من مهارته في الفنون جميعها فأمتثل الجاثليق الأمر وسار مع من أنتخبه وأختاره حتى أناخ على المدينة عند شروق الشمس فلما عقل راحلته واستقر به وبأصحابه المكان نهض بمن معه حتى وافى المسجد والصحابة فيه مجتمعون فحياهم بتحيته وسألهم عن وصي نبيهم وخليفته بعده ، فأرشدوه إلى أبي بكر وكان في المسجد جمعا من الصحابة كعمر وأبي عبيدة وخالد بن الوليد وعثمان وغيرهم من المهاجرين والأنصار ، فشخصت إليهم الأبصار ورمقتهم العيون لما رأوهم بهيئة حسنة وأخلاق مأنوسة للطبع مستحسنة ،

‹ صفحه 115 ›


فوقف الجاثليق مقابل القوم وحياهم بتحيته فأجابوه ، ثم قال بنهاية التأدب نحن قوم نفرنا من الروم إليكم ، ونحن على دين المسيح بن مريم ، ولما بلغنا خبر نبيكم أردنا الوفود إليه لنتعرف دينه فلم يساعد التوفيق والآن بلغنا خبر وفاته فسرنا من مكاننا إليكم لتدلونا على وصيه بعده لنسأله في أمر الدين فإن قطعنا بقوله دخلنا في دينكم ، وإن قطعناه وأفلجناه بقينا على ديننا ، وسمعنا اختلافكم أيضا فجئنا نطلب الحق ونقف على حقيقة الأمر فأيكم صاحب الأمر بعد النبي ( ص ) .

قال سلمان : وكنت إذ ذاك حاضرا في المسجد فضاق بي الفضا ، وقلت ذهب الدين ، فقال عمر : هذا صاحب رسول الله ( ص ) وخليفته وأشار إلى أبي بكر ، فالتفت الجاثليق إليه وقال : أنت خليفة رسول الله ووصيه في أمته وعندك ما تحتاج الأمة إليه بعد نبيها ، فقال أبو بكر : لست بوصيه يا هذا ، فقال الجاثليق فمن تكون أنت ؟ فقال عمر : هذا خليفة رسول الله ، فقال النصراني : النبي استخلفك على الأمة ؟ فقال الأول : لا لم يستخلفني النبي ، فقال الجاثليق فإذا ما معنى كونك خليفة ؟ ومن سماك بهذا الاسم ؟ فإنا وجدنا في كتبنا إن الخلافة من المناصب الإلهية المختصة بالأنبياء ، وليس لغيرهم أن يجعل في الأرض خليفة ، والله سبحانه استخلف آدم وداود في الخلق ، وأنت إذا لم يكن عندك منصب الخلافة من الله تعالى فكيف وسمت بهذا الاسم وجلست هذا المجلس ؟ ومن سماك به ؟ فقال الأول : يا هذا إن الناس قد اجتمعت علي ورضيت بي أن أكون عليهم واليا وإماما لهم فلذلك سميت بهذا الاسم ، فقال الجاثليق : فإذا أنت مستخلف من الناس لا من الله ورسوله ، وأنت خليفة القوم ، وعلى هذا فنبيكم على خلاف طريقة الأنبياء السالفين ، لأن الذي وصل إلينا ووجدناه مرسوما في كتبنا إن الله لا يبعث نبيا لخلقه إلا

‹ صفحه 116 ›


ويجعل له وصيا ترجع الناس إليه فيما تحتاج من أمر الدين والدنيا ، وكلها محتاجة إليه وهو مستغن عن جميعهم ، وأنت تقول إن نبيك لم يعين للناس خليفة وإماما يرجعون إليه فباعترافك إن نبيك لم يكن نبيا مرسلا من الله تعالى لأن من لوازم النبوة التي لا تنفك أن يكون للنبي ( ص ) وصيا ، وأنت نفيت ذلك عن نبيك فعلم إنه غير نبي ، ثم التفت الجاثليق إلى أصحابه وقال لهم : إن هذه الجماعة تقول إن نبيها لم يكن نبيا وإنما تسلطه على الناس كان بالقهر والغلبة إذ لو كان نبيا لعين له وصيا ترجع الناس إليه ، ولاحتذي حذو من سبقه من الأنبياء ، ثم التفت إلى أبي بكر وقال : يا شيخ أما أنت فقد أقررت بأن نبيك لم يوصي ولم يعهد إلى أحد ، وأقررت بأنك لست بخليفة منصوب من قبله ، وإنما الناس اجتمعت عليك فأمرتك عليهم واستخلفتك وجعلتك بمقام نبيهم ، ومتى جاز على الله أن يوكل ذلك إلى اختيار الخلق ويمضي اختيارهم ويرضى به فأي داع بعد إلى بعث الرسل ولم لا يوكل ذلك أيضا إلى اختيار الأمة ؟ وكذا أي موجب لإنزال الكتب وأمر الأنبياء بنشر أحكامه لتعرف الناس الحلال من الحرام ، والواجب من غيره ، فإن تمام الحجة على الخلق لا يتوقف بزعمك على بعث الرسل وإنزال الكتب ، لأن إقرارك هذا ينتهي إلى إن الخلق تستغني بعقلهم عن الأنبياء ، وإن الله يقرهم على ذلك ، وإن الرسل لا تحتاج إلى نصب من يكون علما للأمة ، بل يكفي نصبهم له ، وعلى خلاف ذلك العقل والنقل بل هو افتراء على الله تعالى ، ثم إنك لم تكتف بهذا حتى سميت نفسك بالخليفة ، وجلست على دست النبوة وذلك لا يحل إلا للنبي أو لوصيه بعده ، ولا يثبت دينك إلا إذا كانت حجته على طبق حجج الأنبياء السابقين وطريقتهم ،

‹ صفحه 117 ›


ومن المعلوم إن الله تعالى إذ بعث للناس نبيا هو خاتم الأنبياء بزعمك ولم يعين له وصيا يقوم مقامه فقد أمر بما هو خارج عن طريقة الأنبياء فينحصر الأمر في شيئين أما أن يكون نبيك غير نبي ، وأما أن يكون له وصي فإذا تخلف الثاني بإقرارك تحقق الأول قضاء للملازمة بينهما ، وعلى هذا فلا يجب علينا ولا يلزمنا أن نتحاجج معكم في إثبات دينكم لأنه متوقف على إثبات نبيكم وقد أنكرتموه ، وصار اللازم علينا أن نرجع إلى أهالينا ونبقى على ديننا الذي أنتم تعترفون فيه بواسطة اعترافكم بنبينا ، ولا يلزمنا الفحص عن أعمالكم السابقة إنها صواب أو خطأ .

ثم قال الجاثليق : أجبني أيها الشيخ ، قال سلمان ( رحمه الله ) فألتمع لون أبي بكر ثم نظر إلى أبي عبيدة ، وكان إلى جنبه فقال : أجبه ، فلم يجب أبو عبيدة الجواب ، فالتفت الجاثليق إلى أصحابه وقال لهم : إن بناء القوم على أساس غير ثابت وليس له دليل محكم ولا حجة واضحة ، فأجابه أصحابه بأنا قد علمنا ذلك وفهمناه ثم التفت إلى أبي بكر وقال له أيها أسألك عن شئ أجبني فيه ، فقال له : سل ، فقال أخبرني عن نفسي وعنك ، وأي شئ تعتقد فيهما عند ربك ؟ فقال : إني أعتقد إني مؤمن عند نفسي ولا أعلم حالي عند الله تعالى أني كذلك أم لا ، وأعتقد إنك كافر ولا أعلم حالك عند الله تعالى ، فقال الجاثليق أما أنت فقد نسبت نفسك للكفر وأقررت بأنك جاهل بحالك في الإيمان ، ولم تدر أمحق أنت أم مبطل ، وأما أنا فقد أثبت لي الإيمان بعد الكفر عند الله تعالى فما أحسن حالي وما أسوء حالك عند نفسك لعدم يقينك بحالي وحالك .

أقول : جواب أبي بكر وإن لم يكن صريحا بما قاله الجاثليق من الأمرين لكن ذلك من لوازم كلامه ، والجاثليق حكم عليه بذلك اللازم ضرورة إنه بعد مشاهدة الآيات الإلهية والإمارات القطعية في حقيقة

‹ صفحه 118 ›


الإيمان والكفر وعلائمها لا ينبغي حينئذ أن يحصل له الشك في نفسه ، فإن الشاك بعد ذلك كافر محض ، وهو قد اعترف بجهله في إيمانه الواقعي واعترف في حق الجاثليق بأني لا أدري ، وكل شخص لا يعلم بحال الآخر لا يمكنه نفي الإيمان عنه ، فإذا ادعى الآخر إني مؤمن لا ينكر عليه ولا ينفى عنه فادعاء الجاثليق إنه مؤمن عند الله تعالى ظاهر من مقالة أبي بكر ومعترف به ضمنا كما لا يخفى . ولنرجع إلى ما كنا فيه .

ثم قال الجاثليق : أيها الشيخ أين محلك الآن في الجنة إن كنت مؤمنا ؟ وأين مقامي من النار في هذه الساعة إن كنت كافرا كما تزعم ؟ فالتفت أبو بكر إلى أبي عبيدة ثانيا وإلى عمر كيما يجيبانه فلم يتكلما أبدا ، فقال أبو بكر لا أعلم ولا أدري بحالي عند الله وهذا غيب ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى فعندها قال جاثليق النصارى له : إنك قد تأمرت وجلست بمكان لا يحل لك الجلوس فيه ، وادعيت الخلافة من غير صلاحية لأنك محتاج إلى غيرك في العلم ، ووصي النبي وخليفته لا يحتاج غيره في أمة نبيك ، من هو أعلم منك ؟ فدلني عليه وأرشدني إليه لكي أحاججه وأطلع على أمره ؟ وإن لم يكن فيهم من هو أعلم منك فقد ظلمت نفسك بتقحمك في أمر لم يجعله الله لك ، وظلموك قومك بل وظلموا أنفسهم في رضائهم بك وجعلك أميرا عليهم .

قال سلمان ( رحمه الله ) : فلما رأيت القوم وقد بهتوا ونكسوا رؤوسهم إلى الأرض خجلا وبان فيهم العجز والانكسار وبانت الذلة في الدين فلم أملك نفسي أن قمت مسرعا وأنا لا أبصر موضع قدمي من الدهشة والحزن حتى أتيت باب علي ( ع ) فطرقتها ، فخرج إلي فلما بصرني على تلك الحالة قال ما شأنك يا سلمان ؟ أي شئ عرض لك ؟ فقلت : يا

‹ صفحه 119 ›


سيدي هلك دين محمد واضمحل وغلبت الكفار علينا بالحجة والبرهان فتلاف جعلت فداك دين ابن عمك فليس في القوم من يحاجج الكفار ويغلبهم وأنت اليوم سراج الأمة ، وأبو الأئمة وحلال المشاكل وكاشف المعضلات ومفرج الهم والغم ومؤيد الدين القويم فقال ( ع ) : ما الخبر ؟ وأي حادثة وقعت ؟ فحكيت له القصة من أولها فلما انتهيت إلى عجز القوم عن الجواب أحمر وجهه ، وقال : أخبرني بذلك حبيبي محمد ( ص ) ثم قال : عند الصباح يحمد القوم السرى ، ثم مشى أمامي وأنا خلفه والحسن والحسين بين يديه حتى دخل المسجد ، وقام له نور حتى خيل لأهل المسجد إن الشمس وقعت من السماء فيه ، فإذا القوم على حالتهم من الحيرة فوسعوا له المجلس وسلم عليهم وجلس مجلسه ، ثم التفت إلى الجاثليق وقال له أقصدني بمسألتك وأدلي إلي بحجتك فإن عندي ما تحتاجه الناس في العمل ، وأنا العالم بأحكامها ، أما والذي فلق الحبة وبرء النسمة لو خاصمني جميع أهل الأديان لأفلجتهم بكتبهم وألزمتهم الحجة فهات ما عندك ؟ وما توفيقي إلا بالله ، فقام النصراني وجلس بين يديه ، ثم قال يا فتى إنا وجدنا في كتبنا إن الله تبارك وتعالى لم يبعث نبيا إلا وقد جعل له وصيا يقوم مقامه بعد رحلته كي لا تبقى الناس في وحدة الحيرة وكي ترجع إليه فيما تحتاج من أمر الدين ، وقد بلغنا اختلاف أمة نبيكم بعده فقريش والأنصار كل يروم الخلافة أن تكون فيهم ، وكل يريدها له ، وإن ملك الروم اختارنا من بين قومه وأرسلنا لنفتش عن دين محمد ونعرف حقيقته من بطلانه ، ونقف على تمام أمره ، ونرى إن سنن الأنبياء السالفين موجودة فيه أم لا ؟ ثم نرى إن من أدعى الخلافة بعده ادعاها بحق أم بباطل ؟ لأن الأمم السالفة وجد فيها من افترى على نبيه بعده ، ومن منع وصية من حقه كقوم موسى عكفوا على أصنام لهم

‹ صفحه 120 ›


وتركوا هارون لما استخلفه موسى عليهم ، فلما دخلنا بلادكم أرشدونا إلى هذا الشيخ الجالس ، وقالوا : هذا ولي المؤمنين وهو بمقام النبي وسألناه إن النبي أوصاك ونص عليك فقال : لا ثم سألناه عن أشياء أخر فلم يجبنا ، ونحن جئنا نطلب الحق فإن وجدنا من يدلنا عليه ، ورأينا وصي نبي فيه شمائل أوصياء الأنبياء السابقين ، دخلنا في دينكم ، وإن لم نجد أحدا كذلك عذرنا عند ربنا ، وعلمنا إن محمد الموعود ببعثه لم يبعث ، فنبقى على ديننا ننتظر بعثه . فقال الإمام ( ع ) وما تلك الشمائل التي تذكرون ؟ فقالوا : يلزم أن يكون عنده علم كلما تحتاج الأمة إليه ، ويقطع بالجواب شبهات المنكرين ، وعنده علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب ومعرفة الأنساب وأحكام ليلة القدر وما ينزل فيها وغير ذلك فلما استخبرنا بالمكالمة حال هذا الشيخ لم نجد عنده شيئا من تلك الشمائل بل لازم مقالاته إن محمدا لم يكن نبيا بل هو من الجبابرة لأنه لم يثبت فيه من آثار الأنبياء السابقين شيئا فإن أهمها الوصية والاستخلاف ، وقد اعترف بنفي ذلك فكيف يكون محمدا نبيا ؟ وهو بهذا الحال الذي يذكره الشيخ إنه ترك أمته بلا راع ولا أقام أحدا مقامه ، ولم يعلم إن ذلك مع إنه ليس من صفات الأنبياء ، ومن طريقتهم يلزم فيه الاختلاف وبغي بعضهم على بعض ، وعدم استقرار الدين كما بلغنا إن ذلك واقع فيكم وجل الله تعالى أن يهمل عباده ويدعهم بلا راع يهديهم إلى الخصب ويردعهم عن المحل والجدب ، فهل عندك ما يشفي الغليل ويزيل الشكوك والشبهات ويهدي إلى الحق وإلى سواء السبيل .

فقال الأمير ( ع ) : نعم عندي ما يشفي الصدور ، وعندي شرح المشكلات ، وعندي بيان ما يرفع الشكوك والشبهات ، وسأوضح لكم كل

‹ صفحه 121 ›


ما أبهم عليكم وأنا الحجة البالغة والمحجة الواضحة فأعيروني أسماعكم وتوجهوا إلي بقلوبكم : اعلم أيها الجاثليق أنت وقومك إن الله وله الحمد بمنه وطوله وفضله ، وفى لنا بوعده ، وأعز دينه بنبيه محمد ( ص ) على فترة من الرسل ، وحباه بالنصر وشتت شمل أحزاب العرب ، واختاره وانتجبه وبعثه للخلق جميعا إنسهم وجنهم ، وأوجب طاعته عليهم ، ومنحه بالرأفة والرحمة ، وفضله على جميع الأنبياء والمرسلين ، وألزم باتباعه عامة المخلوقين من أهل السماوات والأرضين ، وجعله خاتم الأنبياء ووارث علومهم ، وقربه من قاب قوسين أو أدنى وجعل عن يمين عرشه مقامه لم يصله نبي مرسل ولا ملك مقرب ، وأوحى إليه ما أوحى ، وما كذب الفؤاد ما رأى ، وأخذ على الأنبياء العهد والميثاق بأن يأمنوا به وينصروه ، بعد أن شاهدوا مقامه من الله ، ورفيع منزلته عنده ، وأوحى إلى الرسل بعد أن أخذ الميثاق عليهم أقررتم وأخذتم على ذلك إصري ؟ قالوا : أقررنا فأشهدوا إنا معكم من الشاهدين ، وقال سبحانه تعالى ( يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والأنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ) ، واعلموا إنه لم يفارق رسول الله هذه الدنيا إلا بعد رفع الله مقامه ، وأعلى على العالمين درجته وأتم به الحجة على الخلق ، وقرن اسمه باسمه ، فلا يذكر الله تعالى في موضع إلا واسمه به مقرون ووصل طاعته بطاعته ، فقال ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ( وقال ( ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ( فبلغ الرسالة ودل الأمة على سبيل النجاة والهداية والحكمة ، وصدع بما أمر به ، وبه بشرت الأنبياء السابقون والمسيح عيسى بن مريم بشر به وبوجوده في السفر السابع من الإنجيل قال ( الأحمد المحمود العربي الأمي صاحب الجمل الأحمر ، والقضيب ، خاتم الرسل ووصيه موضع السر وصندوق العلم وتالي الكتاب حق تلاوته وباب حطة وهو خاتم الأوصياء ) ، وأنا ذلك الوصي يا أخا النصارى ، وأنا الذي قال النبي ( ص ) في حقي وحق عترتي ( أني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، وكل من الثقلين عظيمين لكن الكتاب هو الثقل الأعظم لأنه الحبل المتين الممدود من الأرض إلى السماء بيد الجبار طرفه والآخر بيدك يا محمد ) ، وعندي يا أخا النصارى تأويل القرآن ، وأنا العارف العالم بالحلال والحرام والمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ ، وعندي علم ما تحتاجه الأمة بعد النبي ( ص ) وعلم كل قائم وملتوي ، وعلم المنايا والبلايا وفصل الخطاب وأنا صاحب الكرات والكرامات فاسألني عن ما تريد وعن ما كان أو يكون إلى القيامة ، وعن كل ما حدث في عهد نبيك عيسى ، وعن كل وصي لنبي ، وعن كل فرقة ، وعن سائقها وقائدها وناعقها إلى قيام الساعة ، وسلني عن كل آية نزلت في كتاب الله ليلا نزلت أم نهارا . وسلني عن التوراة والإنجيل والزبور والفرقان العظيم ، وأنا الصادق الذي نزل فيه قوله تعالى ( وكونوا مع الصادقين ) ، وأنا أخو رسول الله وابن عمه ، وشاهده على أمته ، وأنا الوسيلة بين الله قوله تعالى ( وكونوا مع الصادقين ) ، وأنا أخو رسول الله وابن عمه ، وشاهده على أمته ، وأنا الوسيلة بين الله وخلقه ، وأنا وذريتي كسفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلف عنها غرق ، وأنا وذريتي بمنزلة باب حطة في بني إسرائيل من دخله كان آمنا ، وأنا من محمد بمنزلة هارون من موسى ، فمن أحبني

‹ صفحه 123 ›


كان من المؤمنين ، ومن أبغضني يا أخا النصارى فهو من الكافرين ، وأنا الذي ما كذبت قط ولا نسب لي ذلك قط ، فلا يزال ( ع ) يقول أنا فلا يرد عليه أحد قوله إلى أن التفت الجاثليق إلى أصحابه وقال : هذا ما نبغي ولقد ضفرنا إن شاء الله بالمقصود والمطلوب ، ثم أقبل على أمير المؤمنين ( ع ) ، وقال له أخبرني لأي أمر اختار الناس غيرك وأنت بهذه المنزلة عند الله ورسوله ، فقال ( ع ) : لقد حق القول عليهم ولي أسوة بالأوصياء غيري ، ثم سأله الجاثليق عن مسائل جمة فأجابه ( ع ) بما اعترف فيه هو وأصحابه على ما يوافق رأيهم ، فحينئذ التفت إلى أصحابه ، وقال أما تسمعون والله لقد نطق بما في الكتب الإلهية ، فقالوا جميعا : سمعنا وفهمنا ، ثم قال الجاثليق : وإني لسائله عن مسائل فإن أجاب بها فلا حيلة لي إلا الإسلام بمحمد وبه ، فقال له الإمام : أجيبك عنها بما أنت تذعن به ، فإن أجبتك كذلك أتدخل في ديننا ؟ فقال الجاثليق : نعم والله شاهد على ذلك والكفيل ، فقال له الإمام ( ع ) وأصحابك ، فقال : نعم وأصحابي معي ، ثم ابتدأ بالسؤال فقال : أخبرني عن الجنة أهي في الدنيا أو في الآخرة ؟ وأين موضع الدنيا من الآخرة ؟ فأجاب الإمام بما أوضح ذلك أي إيضاح ، وعرفه الجاثليق هو وأصحابه ، ثم سأله عن معنى قوله تعالى ( كل شئ هالك إلا وجهه ( وما معنى الوجه في الآية وهل يكون للإله وجه وقفا ؟ فقال علي ( ع ) يا غلام علي بحطب ونار ، فلما سمع النصراني ذلك قال صدقت يا وصي الهادي ، ثم تقدم وجلس بين يديه وشهد الشهادتين ، وأعترف بالوصية والإمامة لعلي ( ع ) وأولاده وتبرى من أعدائهم ، ثم التفت إلى أصحابه وقال قوموا

‹ صفحه 124 ›


وأسلموا على يد هذا والله هذا هو المنعوت في التوراة والإنجيل والزبور ، هذا قسيم الجنة والنار ، هذا نعمة الله على الأبرار ونقمته على الكفار ، وأخذ يقول هذا هذا حتى شرف وقت الفريضة فقام أصحابه وآمنوا وأسلموا واعترفوا بالإمامة لعلي ( ع ) ، وبعدها خطب الأمير ( ع ) القوم وقال :

الحمد لله الذي أوضح برهان محمد وأظهره على الدين كله ولو كره المشركون إلى آخر الخطبة ، فاستبشر القوم برفع شبههم ووصولهم إلى الحق وهدايتهم بسبب الأمير ( ع ) ودعوا له ، وقالوا : أحسن الله تعالى جزاءك يا أبا الحسن في مقامك بحق نبيك ، قال سلمان ( رحمه الله ) ثم تفرق القوم وكأن الحاضرين لم يسمعوا شيئا مما فهمه القوم وقد نسوا ما ذكروا به .

أقول لعل مراد سلمان ( رحمه الله ) من عدم سماع الحاضرين أنهم ما فهموا بعض تلك المكالمات وما فهموه منها نسوه ، أو إنهم لم يفهموها جميعا أو إنهم ما فهموا ما ذكروا به من المواعظ والحكم وبراهين الإمامة التي أقامها ( ع ) على ولايته وأعرضوا عنها فكأنهم نسوها ولم يتدبروها .

قال سلمان : فلما تفرق القوم وخرجوا من المسجد وأراد أهل الروم الرجوع إلى أهاليهم جاءوا إلى المسجد فوجدوا عليا ( ع ) فيه وسائر الصحابة فالتفتوا إلى الصحابة وقالوا لهم : هلكتم من حيث لا تشعرون تركتم التمسك بالعروة الوثقى والحبل المتين فتبا لكم وسحقا ثم استأذنوا الإمام بالرجوع إلى أهاليهم فأذن لهم ، ثم قالوا له : مرنا بأمرك فنحن

‹ صفحه 125 ›


سامعون مطيعون إن شئت أن نقيم معك أقمنا ، وإن نرجع إلى أهالينا رجعنا ، وإن شئت أن نسير إلى أي نواحي الأرض سرنا ولا يهولنك ولا يحزنك عصيان الأمة لك فإن شأن الأوصياء الصبر على البلاء والتحمل لمضاضة الأعداء ، ثم لا لتفتوا إلى الجماعة ووعظوهم بمواعظ بينة ، وكان ختام وعظهم وحججهم إنكم أيها القوم خالفتم الله ورسوله فتبؤا مقعدكم من جهنم ولبئس المثوى وبئس المصير ، ثم عطفوا على مرقد الرسول ( ص ) فقالوا بعد السلام عليه : اشهد علينا يا رسول الله ( ص ) أنا قد أقررنا بنبوتك واعترفنا بوصيك وبما جئت به من عند الله وتبرأنا من أعدائك وأعداء وصيك ونشكوا إليك ما لقى وصيك من أمتك بعدك ، ثم طلبوا من الأمير ( ع ) أن يخبرهم بجميع ما جرى عليه بعد رحلة النبي ( ص ) فأخبرهم بجميع ذلك فضجوا بالبكاء والنحيب ، وأخبرهم بأن النبي أخبره بذلك كله ، فقالوا أخبرك بذلك ؟ قال نعم كيف لا يخبرني وأنا منه بمنزلة هارون من موسى وشمعون من عيسى ألم تعلمون بما وقع بين شمعون وابن خاله حتى افترقت أمة عيسى أربع فرق والأربع افترقت سبعين فرقة ، وكل هذه الفرق هلكت إلا فرقة واحدة ، وكذا أمة موسى افترقوا على اثنين وسبعين فرقة ثلاثة عشر منها تدعي محبتنا أهل البيت ، وكل هذه الفرق في النار إلا فرقة واحدة وهي الناجية . ثم ذكر لهم الوقائع المستقبلة وتلا لهم الآيات التي نزلت في مذمة المخالفين له وأعلمهم بمدة غصب الخلافة منه ، وبما يقع في أيام خلافته من وقعة الجمل وصفين وقتاله الخوارج على الإجمال ، وأخبرهم بالأئمة بعده وما يقع عليهم من الظلم من جهة فساد الأمة إلى أن يعجل الله بالفرج على يد المهدي من ذريته ( اللهم عجل فرجه دعاء

‹ صفحه 126 ›


إخلاص متى ذكرته قال الحفيظان معي آمينا ) ثم غلبه وغلبهم البكاء وعندها استأذنوا منه في المسير بعد أن اعترفوا وأذعنوا بولايته وذكروا له أن وجدنا في كتبنا صورة محمد ( ص ) وسيدة النساء وصورتك وصورة الحسنين وهي موجودة عندنا ، وسيرد علينا بعد هذا الرجل جماعة من قريش ويريهم ملكنا تلك الصورة مع صور الأنبياء التي هي عندنا ، فأمرهم الأمير ( ع ) بالرجوع وكتمان أمرهم ، وألزمهم بالتقية إلى زمان خلافته ، وقال : إن من مات منكم قبل حضور وقت جهادي لأعداء الله مات شهيدا ، فحينئذ قبل القوم يديه ورجليه ورجعوا إلى أهاليهم .

وهذا ما انتهى إلينا من هذا الخبر الشريف المشتمل على فوائد جمة كل فائدة منها تكفي في إثبات دين الإمامية وفساد ما يزعمونه أهل السنة ، وكل فقرة من فقراته قرينة قطعية على صحته وصدوره من سلمان عليه الرضوان ، وأكثر الأدلة العقلية واعتقادات الإمامية في هذا الحديث الشريف موجود ، والظاهر إن علماء أهل السنة مثل الروزبهاني وسعد الدين التفتزاني وغيرهم إذا اطلعوا على هذا الحديث وأمثاله يعلنون بأنه من مفتريات الشيعة ، أو يزعمون بأنه خبر واحد لا يثبت به العلمية فلا يكون دليلا وكل ذلك ينشأ من هوى النفس وعدم التدبر والإنصاف في هذه الأحاديث ، فإن المتنظر إذا نظر إلى طول هذا الخبر وتفاصيله بحيث إن كل فقرة منه مطابقة لآية من القرآن مع إن أهل الكتاب يصدقون ويعترفون بما نقل فيه من كتب الأنبياء والسابقين ، فكيف يظن فيه الجعل والافتراء ؟ فما ذلك إلا من عيون عمياء وقلوب ما أنكشف عنها الغطاء ، مضافا إلى إن نقلة هذا الحديث وإن لم يكونوا بدرجة

‹ صفحه 127 ›


العصمة لكنهم في التحرز وعدم الافتراء هم كالمعصومين حاشاهم من ذلك ، ولعل الخصم يقول إن بائك تجر وبائي لا تجر إذ على هذا لا معنى لدعوى الشيعة الافتراء والجعل في بعض ما يرويه أهل السنة في حق خلافائهم إذ المنصف يعرف الفرق البين فإن ظهور مثالب بعض الصحابة وفضيحتهم مع عدواة السلاطين وحكام الجور لآل الرسول ( ص ) لا يمكن أن ينكر وكل واحد بنفسه مقتضي للجعل ، فكيف إذا تعاضدا ، بخلاف الشيعة لأن كل عاقل متدين بدين لا يمكن أن يفتعل أو يحلل شيئا على خلاف مذهبه ، والحال إن أهل السنة يقولون إن الناس بعد النبي ( ص ) لم يختلفوا والكل راضون بخلافة الخلفاء ، وإذا كان كذلك فأي داع لأعقابهم أن يفتروا ويكذبوا ويضعوا أخبار مجعولة على خلاف مذهب آبائهم وأسلافهم ، وإن قالوا إن الجاعل هو أهل الصدر الأول فمع إنه خلاف ما يقولوه من الإجماع وعدم الاختلاف أيضا أي داع لأهل الصدر الأول مع عدم الشحناء بينهم أن يجعلوا ، وأي سبب اقتضى ذلك .

وممن نقل هذا الحديث المفيد في الأمالي بطريق ينتهي إلى زازان عن سلمان ، لكن على سبيل الإيجاز والاختصار ، ولهذه الجهة بعض المحدثين ذهبوا إلى إنهما حديث واحد لكن بعد التأمل فيهما يكاد يظن إنهما حديثين لأن في أخر الحديث على الطريق الثاني زيادات ليست في الطريق الأول ، مع إن في فقراتها الاختلاف الكلي ، ومع تعدد السند والمضامين ، الحكم بالاتحاد لا يخلو عن سقم ، بل بعد تنافي بعض فقراتهما بالتنافي بالنفي والإثبات ، لا يصلح الحكم بالاتحاد جزما ، في آخر هذا الطريق مذكور إن القوم لما أسلموا قال عمر : الحمد لله تعالى

‹ صفحه 128 ›


الذي هداك أيها الرجل إلى الحق وهدى من معك غير إنه يجب أن تعلم إن علم النبوة في أهل بيت صاحبها ، والأمر بعده لما خاطبت أولا برضاء الأمة ، وإصلاحها عليه ، وتخبر صاحبك بذلك وتدعوه إلى طاعة الخليفة ، فقال الجاثليق : عرفت ما قلت أيها الرجل وأنا على يقين من أمري فيما أسررت وأعلنت ، وانصرف الناس ، وتقدم عمر أن لا يذكر هذا المجلس بعد ، وتوعد على من ذكره بالعقاب ، وقال : أما والله لولا إني أخاف أن تقول الناس قتل مسلما لقتلت هذا الشيخ ومن معه ، فإني أظن إنهم شياطين أرادوا الإفساد على هذه الأمة ، وإيقاع الفرقة بينها ، فقال الأمير ( ع ) : يا سلمان أما ترى كيف يظهر الله الحجة لأوليائه وما يزيد ذلك قومنا إلا نفورا .

وكذلك كل واحد من الأئمة له مباحثات في عهده مع أهل الأديان الباطلة ، ويظهره الله عليهم فيفلجهم ويدفع شبهاتهم فيسلم لذلك بعضهم ، ومن نظر بالعيون وتفكر في مباحثات ثامن الأئمة ( ع ) في أصول الدين ، وفي الإمامة لرأى مالا عين رأت مثله ولا أذن سمعت شكله ، والمأمون في عهد سلطنته جمع العلماء من المسلمين وغيرهم للمناظرة مع الرضا ( ع ) بألسنة مختلفة وكلهم قطعهم الرضا ( ع ) وكأنه هو الذي صار سبب حسد المأمون له إلى أن دس له السم ، ولولا وجود الأئمة ( ع ) لاختل أمر الدين من كثرة شبه المعاندين الذين يدخلون في الأذن بغير أذن ، ويستغوون ضعفاء العقول من العوام . وذكر جماعة من الخاصة وغيرهم إن الناس في أيام الهادي ( ع ) أجدبوا وحصل القحط لقلة الغيث ، فخرج

‹ صفحه 129 ›


المسلمون يستسقون فما أمطروا ، وخرج من بعدهم أهل الكتاب واستسقوا فبعث الله المطر وخجل المسلمون لذلك وطالت ألسنة أهل الذمة عليهم ، وصار توهين في الدين فخشى الخليفة من الخلل على خلافته ، واستشار من يثق به في كيفية الاستظهار على أهل الكتاب ، فأرشد إلى الهادي ( ع ) فاستغاث به بعد أن بعث له وبأن الدين قد حصلت فيه ذلة ووهن ، فقال الإمام الهادي ( ع ) له : مر أهل الكتاب أن يخرجوا ثانيا ويستسقوا ، فإذا خرجوا ورفعوا أيديهم إلى الدعاء فعين رجلا أن يكون بالقرب من راهبهم فإذا رفع يده فليأخذ الشيء الذي ، فإذا أخذه فاليأمره بالدعاء ، ففعل الخليفة ذلك ، فلما رفع الراهب يده أخذ الرجل الموظف من بين أصابعه عظما ثم قال له : أدعو فكلما دعا تقشع الغيم وانقطع المطر فعاد كأنه يدعو الله بعدم المطر ، فسأل الإمام ( ع ) فقال هذا عظم نبي وكلما كشف إلى السماء هطلت وبعد أن دفن ذلك العظم خرج الإمام الهادي ( ع ) بنفسه إلى الصحراء ، فلما أصحر بالمسلمين دعى الله فانهملت السماء بالمطر حتى
جاءته الناس أفواجا يسألونه أن يدعو الله تعالى أن ينقطع المطر .

فظهر إن المراد من تعزيز الدين في وجود اثني عشر خليفة من هذه الأخبار تقوية معاجز حضرة الرسالة وتأكدها ودفع شبهات الكفار لا تقويت السلطنة الموجودة في زمن خلفاء الجور .

لا يقال : سلمنا إن المراد من العزة العزة المعنوية لكن النقض بزمن الغيبة وعدم وجود من يدفع الشبهات باق بنفسه لا يدفع بما قلتم ، والحال إن الأخبار مصرحة بأن الدين عزيز بوجود الخلفاء الاثني عشر ،

‹ صفحه 130 ›


فلا جرم أن يكون المراد من الأخبار أما ما نطقت به أهل السنة في تفسيرها أو إنها من المتشابهات التي لا يفهم المراد منها .

لأنا نقول إن أمر الدين بسبب حضور الأئمة وبياناتهم الكافية الشافية كان محكما لا ينوشه ضيم ولا رضنه ، وإنهم ( ( ) فتحوا لنا باب قطع جميع الفرق ، ورد تشكيكاتهم ودفع شبهاتهم فلا يتم النقض بزمان الغيبة الكبرى ، لأن وضوح أمر الدين سد باب المناظرة والمباحثة ، وعلى فرض عدم السد ، فقد فتحوا الباب للعلماء وأرشدوهم إلى سبيل قطع الشبهات بالعقل والنقل ، فلا يستظهر المخالف لهم عليهم أبدا ، فيدفعوا منكر الربوبية ببراهينها ، ومنكر النبوة بالمعجزات ، ويقطع منكرها بما أجاب الإمام الصادق ( ع ) لحبر من أحبار اليهود ، فإنه نقض عليه بإنكار معجزات موسى ، فقال الحبر : إن ثقات الرواة أخبروا بها ، فقال الإمام ( ع ) وكذلك معجزات نبينا ، فإن الثقاة أيضا أخبروا بها ورووها .

والحاصل بعد الاطلاع على ما ورد من الأئمة ( ع ) لا يكاد يتوقف العالم الماهر في دفع شبهة من شبه أهل الضلال ، وروى جماعة إن سعد بن عبد الله القمي دخل على الحسن العسكري ( ع ) ، وسأله عن أربعين مسألة من مشكلات المسائل العلمية ومن جملتها إن إيمان بعض الصحابة كان كرها أو طوعا ، والإمام أمره أن يأخذ جواب جميع ذلك من الصاحب ( عجل الله فرجه ) وكان ابن سنتين ، فأجابه الإمام عن جميعها .

‹ صفحه 131 ›


وعن هشام بن الحكم إنه قال سألت الإمام الصادق ( ع ) عن خمسمائة مسألة من مشكلات المسائل الكلامية ، فأجاب عنها جميعا فقلت جعلت فداك يجب في الإمام العلم بالفرائض والأحكام ، فأخبرني هل يجب عليه الإحاطة بغيرها من سائر العلوم عقلية أو نقلية ، فقال الإمام ( ع ) : أتظن يا هشام بأن الله تعالى يعين للناس إماما وحجة وهو لا يعلم جميع ما تحتاج الخلق إليه من العلوم التي من جملتها الإحاطة بجميع علوم الأنبياء والكتب المنزلة وجميع ما في القرآن وجميع التفاسير والتأويلات .

وفي العيون إن أخبار اليهود والزنادقة وجميع فرق الأديان الباطلة تأتي الإمام الرضا ( ع ) في شبهاتهم يسألونه أفواجا أفواجا ويمتحنونه ، وهو ( ع ) يفلجهم ، وكل ذلك كان بتحريك المأمون ، وكذا في عصر سائر الأئمة خصوصا الصادقين ( ع ) ، ولولا وجود الأئمة ( ع ) لم يبق للدين أثر ، وقد تضمن حديث الجاثليق إن إفحام ذوي الأديان الباطلة من المناظرين والملل الفاسدة يتوقف على الإخبار عن الأمور الغيبية وآثار السماوات والأرضين التي لم تعلم للبشر والكتب السماوية المنزلة بلغاتها المختلفة ، ولابد أن يعلم ذلك الإمام ، فإذا أي عزة فوق هذه العزة ، وهذا المعنى كان مستداما إلى زمان الغيبة الكبرى ، وبعد ما استغنى عن دفع الشبه في العقائد والمسائل الكلامية غاب الإمام ( ع ) عن نظر الناس ، ولكن نفعه العام وفيوضاته على الأنام آنا فآنا تتزايد وتعم الناس من حيث لا يشعرون ، ولم يرد على الدين مشكل أخر

‹ صفحه 132 ›


يحتاج فيه إلى ظهوره ( عجل الله فرجه ) لأن المشاكل كلها انحلت إما بالفعل أو بالقوة .

والثاني باعتبار وجود العلماء المقتبسين من مشكاة الإمامة ، فلو إن مبدعا أو مجادلا ظهر في أصل المذهب تدفعه العلماء التي ارتشفت من بحر هاتيك العلوم ، فمن أدلة العقائد الصحيحة تقدر على دفع الشبهة فيها ، ولو فرض وجود شبهة والعياذ بالله لم تقدر على حلها علماء المسلمين في أصل الدين يلزم عقلا على الإمام دفعها إما بالمباشرة أو بالتسبب ، وهكذا لو بدت سائر فرق المسلمين على الإمامية شبهة قوية لا تقدر الإمامية على حلها ، فلا بد أن يحلها الإمام ( ع ) ، ومن الأمور المشاهدة إن الاستغاثة بالإمام الثاني عشر ( عجل الله فرجه ) له الأثر التام في دفع المشكلات نوعية وشخصية كلية وجزئية ، وما وقع له ( عجل الله فرجه ) من المعجزات المرئية يضيق عنها نطاق القلم ، وإن صريح الأخبار المذكورة إن الإمام يرفع كل زيادة ونقيصة من المفسدين والكذابين ويتدارك إصلاح أمر الدين لو ناشه ما يقتضي إفساده من المعاندين فما المراد بالزيادة والنقيصة في الأخبار ؟ وهذا المعنى هل ينافي الغيبة أم لا ؟ .

فالجواب عن ذلك إن الظاهر من الزيادة والنقيصة أن تكون في العقائد لا مطلقا ، وبناء على ذلك محافظة الإمام ( ع ) للدين من الزيادة والنقصان بالمعنى المتقدم لازم وهو حاصل ، ويحتمل أن يراد بهما الاطلاق فتشمل فروع الدين والأحكام العملية من الواجبات والمحرمات ، وعلى هذا فيراد بالمحافظة المحافظة في الجملة ، أي ولو كانت في البعض دون البعض ، ومن هنا إن بعض علماء الإمامية لما فسروا

‹ صفحه 133 ›


أحاديث الزيادة والنقصان التي لا بد أن يتداركها الإمام ( ع ) بالأعم من العقائد ذهبوا إلى إن حجية الإجماع من باب اللطف ، وقالوا إن الأمة لو اجتمعت على الخطأ أو أوقعوا في الضلالة يجب على الإمام ( عجل الله فرجه ) إرشادهم إما بظهوره لهم أو بطرق أخرى يحصل بها الإرشاد عند الزيغ وإلا تبطل فائدة وجود الإمام ، وهذا الطريق وإن لم يكن مرض أكثر علمائنا المحققين لكن بواسطة تلك الأخبار لا يمكن رد هذا الاحتمال ، وتفصيله في الأصول .

ويحتمل ثالثا إن المراد من المحافظة المحافظة الشأنية ولو لم تصل إلى الفعلية كما فسر أخبار عزة الشرع بذلك ، القاضي وغيره من علمائنا ، وملخص ذلك إنه لا بد أن يكون في الأمة إمام من جانب الله تعالى يمكنه حفظ الدين من الزيادة والنقيصة وإن عاقه عن ذلك ظلم الظالمين له ، أو عاقه بعض المصالح التي ترفع هذه المفسدة مثل غيبته أو عدم بسط يده ، والمعنى الأول أقرب والله العالم .

الحديث الثالث : - ( حديث المنزلة )

وهو متواتر عند الشيعة ، ومروي عند أهل السنة بل متواتر أيضا كما ستعرف ، وممن رواه أحمد بن حنبل ، قال إن رسول الله ( ص ) لما خرج إلى تبوك في الغزو استخلف على المدينة المنورة عليا ( ع ) ، فقال له : ما كنت أحب أن تخرج في وجهة إلا وأنا معك ، فقال أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ) ورواه أيضا غيره من المحدثين وشيوخ أهل السنة .

ودلالة هذا الحديث على خلافة حضرة الأمير ( ع ) صريحة جدا ، لكن من علماء أهل السنة من ناقش في دلالته بوجوه كلها موهونة منها

‹ صفحه 134 ›


إنه خبر واحد لم يبلغ درجة التواتر فلا يصلح الاستناد إليه في مثل المفروض .

ورده بأن نقلة هذا الحديث هم نقلة الغدير السابق ، وقد ثبت تواتره فهذا مثله ، ونقل من صاحب نهج الأيمان إنه بعد أن صرح بتواتره قال : هذا حديث بين ظاهر لا يحتاج إلى الإثبات ، ذكره البخاري وأبو داود والترمذي في صحاحها ، وذكر في الجمع بين الصحيحين ، والجامع بين الصحاح الست ، وذكره أيضا ابن عقدة وأبو نصر الحربي والخطيب والعسكري وابن المغازلي في العقد والتحقيق والتاريخ والفضائل والمناقب من كتبهم .

وبعضهم رواه بطرق متعددة كالأول فإنه رواه بعشر طرق ، وأما ما انتهت إليهم رواية هذا الحديث عن النبي ( ص ) فهم جماعة منهم عبد الله بن مسعود وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عباس وجابر الأنصاري وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وجابر بن سمرة وبراء بن عازب وزيد بن أرقم ، وأبو رافع مولى رسول الله ( ص ) وعبد الله بن وافى وأنس بن مالك وأبو برده الأسلمي ، وأبو أيوب الأنصاري وعقيل بن أبي طالب ومعاوية وأم سلمه وأسماء بنت عميس وسعيد بن المسيب ومحمد بن علي بن الحسين فإن كل هؤلاء النفر رووا هذا الحديث عن رسول الله ( ص ) قال بعض المتبحرين إن كل واحد من هؤلاء الجماعة كألف .

أقول قد ذكرنا سابقا إن المناط في صحة الاستدلال على قطعية الحديث لا ينحصر بالتواتر ، فلو سلمنا عدم تواتره فالقرائن القطعية من

‹ صفحه 135 ›


جهة التعاضد ، ورواية أهل السنة له تفيد القطع بالصدور ، وفي خبر الجاثليق الذي صححناه إن الأمير ( ع ) قال : أنا من النبي ( ص ) بمنزلة هارون من موسى وشمعون من عيسى ، ولو فرض عدم قطعية هذا الحديث أيضا يلزم أهل السنة قبوله ، لأن مسألة الإمامة بناء على مذهبهم هي من فروع الدين ، والخبر الواحد حجة في الفروع بالإجماع فلا ينفع منع التواتر .

ومنها ما عن سعد الدين من منع عموم المنزلة نظرا إلى انقطاع الاستثناء والمنقطع منه لا يقضي بعموم المستثنى منه .

وأجيب بعدم كونه منقطعا بل هو بمنزلة إلا النبوة فيكون منفصلا ، ولا يقضي بعموم المستثنى منه .

يقول المؤلف إنه لا فرق بين إلا إنه لا نبي بعدي أو إلا النبوة من جهة اتصال الاستثناء أو انقطاعه بل إلا النبوة أنسب بكونه منقطعا كما لا يخفى .

والجواب الصحيح عن هذه المناقشة إن دلالة منقطع الاستثناء على العموم أقوى من متصلة ، لأن مطلق الاستثناء من علائم العموم ، ولم يفرق بين الاستثنائين أحد ، بل هو في المنقطع أأكد ، لأن قولنا جاء القوم إلا حمارا ، بحسب متعارف العرف نص في عموم القوم ، وعدم تخلف أحد منهم في المجيء ، والحال إن الاستثناء بالنسبة إلى حمارهم لا أنفسهم ، ومثله ( لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ) ، بخلاف ما جاءني القوم إلا زيد ، فإن دلالته على عموم عدم المجيء لغير المستثنى لا يكون إلا بملاحظة عموم لفظ القوم ، وأيضا لو سلمنا الانقطاع في الاستثناء ، وسلمنا مماشاة للخصم بعدم دلالته على العموم لكنه قطعا لا يقضي بعدم العموم . غاية

‹ صفحه 136 ›


ما في الباب أن يكون الحديث نظير التراب بمنزلة الماء وغيرها ، ومن الموارد المذكور فيها المنزلة بلا تعقب الاستثناء ، ومن المحقق في الأصول ثبوت عموم المنزلة إن لم يكن اللفظ منصرفا إلى بعض الأفراد لظهوره أو لقرائن أخرى لفظية أو غيرها بحيث تمنع العموم الحكمي بالنسبة إلى الفرد غير ظاهر ، ومن المعلوم إن التصرف في أمور الأمة إما أن يكون مسلوبا لباقي شؤون هارون ، أو إنه أظهر أفراد شؤونه وخواصه فالتصرف المذكور لا بد وأن يكون مرادا على فرض العموم وعدمه . سلمنا عدم عموم المنزلة والقول بإجمال تنزيل شئ مقام شئ في العموم والخصوص لكن الآية ( واجعل لي وزيرا من أهلي ، هارون أخي ، أشدد به أزري ، وأشركه في أمري ( عن لسان كليم الله ظاهرة في إرادة الاشتراك في النبوة وتبليغ الرسالة ، والتصرف في أمور الأمة ، وغير هذه المناصب لم يكن مذكورا في الآية الشريفة مما هو من شؤون هارون وأوصافه كي يكون في تنزيل على منزلته ناظرا إلى تلك الصفة وحينئذ لا يراد من التنزيل في الحديث إلا المشاركة في أمر النبوة .

ومنها إن الفخر الرازي نقل في أربعينه إن التنزيل منزلة هارون لا يقضي الزيادة على هارون إذ غاية ما يدل عليه إن الأمير ( ع ) كهارون ، ومعلوم إن الثابت لهارون هو الشركة في النبوة والخلافة في حياة موسى ( ع ) لأنه مات قبله ومن أين يعلم إن هارون لو لم يمت وبقى خلف موسى كان وصيه وخليفته بعده ، فعسى أن يكون له الاستقلال في النبوة ، ولربما نسخ شريعة موسى ولا نقص على هارون إذا لم يتصرف في أمور الأمة بعد أخيه من جهة الاستخلاف ، بل إذا كان

‹ صفحه 137 ›


تصرفه بالاستقلال كان أرفع لشأنه لأن النبي أشرف من الإمام ، بل لو لم يتصرف أبدا لا نقص في ذلك عليه ويكون حاله حال أوصياء عيسى لما عزلوا في نبوة نبينا ( ص ) .

وأجاب عن ذلك بعض علماءنا المتبحرين إن مناط الآية ثبوت منصب التصرف في الأمة لهارون وهو أعم من أن يكون بالاستقلال أو لجهة الاستخلاف ، وثبوت هذا المنصب يستلزم خلافته ورياسته على الأمة لو بقي بعد أخيه وحينئذ هذا المنصب على عمومه بعد موت موسى ( ع ) لأخيه هارون ثابت ولو كان على جهة الاستقلال ، وهو عين مفاد الآية ومقتضى حديث المنزلة بثبوت مثل هذا المنصب لعلي ( ع ) ، لكن حيث إن النبي خاتم الأنبياء بالبديهة فلا بد من تحقق المنصب المذكور في ضمن الخلافة وإلا لا تكون منزلة علي مثل منزلة هارون ، والحال إن الحديث صريح بالمماثلة .

أقول هذا الجواب غير مرضي عندي في رد الفخر الرازي ، لأن مفاد الآية بملاحظة موت هارون قبل موسى ( ع ) هو الشركة في النبوة لا الاستقلال في التصرف ، والمشاركة المزبورة ثبتت لعلي من حيث استخلافه على المدينة في الغزوة المرقومة فمن أين ثبت له الاستقلال ؟ والحال إنه لم يثبت لهارون .

فلتحقيق في الجواب : - إن وجه الشبه هو الشركة في النبوة والتصرف في أمر الأمة لا كيفية الشركة ، ومن البين إنه لا يلزم في الشركة اجتماع حقوق المشاركين في زمان واحد ، بل يختلف الزمان باختلاف موارد الشركة وأسبابها ، فقد تجتمع في زمان واحد ولازم ذلك في الأملاك الإشاعة مثل اجتماع حقوق الوارث في التركة ، وفي التصرفات نفوذ

‹ صفحه 138 ›


تصرف كل واحد من الشريكين إما بالاستقلال مثل الأب والجد أو بانضمام الآخر إليه فيما عداهما وقد تكون في زمانين على الترتيب وهو في الأملاك نظير الوقف الترتيبي ، وفي التصرفات نظير سلطنة الوصي بالنسبة إلى سلطنة الموصي ، وفي كل هذه الموارد الشركة ثابتة ، ولما كان صريح الكتاب المجيد مشاركة هارون لموسى ( ع ) في النبوة والتصرف في أمر الأمة فلا جرم أن يكون عليا شريك للنبي ( ص ) في تبليغ الشرع ورجوع الأمة إليه فيما يحتاجون ، ويثبت ذلك بحديث المنزلة ، ولا يضر اختلاف الكيفية فإن اختلاف الخصوصيات لا يرفع أصل الشركة ، لكن يبقى في المقام إن ذلك كله لا يرفع إيراد الروزبهاني على الدليل المذكور ويحتاج دفعه إلى جواب أخر وملخص المناقشة ، إن الحديث مهمل مجمل بالنسبة إلى الشركتين ، كما إنه غير صريح بالشركة في زمان واحد ، كذلك لا صراحة فيه ولا نصوصية على الشركة الترتيبية المفيدة في المقام ، فيمكن أن تكون الشركة مثل هارون وموسى ويمكن أن تكون مثل الوصي والموصي ، وبعد حمل الحديث على بيان أصل الشركة تبقى الكيفية مسكوتا عنها فيه ، فإرادة خصوص الشركة الترتيبية تحتاج إلى قرينة مفقودة فيه إن لم تكن القرينة فيه ظاهرة على غيرها ، فقد ادعى إن قرينة المسافرة والمماثلة من حيث أن خلفه موسى ( ع ) في قومه لما مضى إلى الطور تقتضي بأن مشاركة علي ( ع ) للنبي ( ص ) في خصوص زمان غيبته إلى تبوك لا مطلقا حتى بعد فقده ، وإن اختلفا في إن استخلاف هارون في زمان محدود بخلاف استخلاف علي ( ع ) فإن هذا الاختلاف لا يقتضي بترتيبه الاستخلاف .

‹ صفحه 139 ›


ودفع هذه الشبهة بأن هذا الحديث لم يختص بغزوة تبوك فقط كما ذكره أحمد بن حنبل ، بل قال ذلك في مقامات عديدة وموارد متكثرة .

. . . إلى هنا جف قلم شيخنا الأجل الشيخ عباس كاشف الغطاء ( رحمه الله ) . والله الهادي إلى الصواب .

 

والحمد لله أولا وأخرا والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبد الله وآله الطاهرين ...

تم الانتهاء من طبعها يوم ميلاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ع ) الثالث عشر من شهر رجب لعام 1420 للهجرة