مصدر ثبات الإمامة

بعد أن ناقشنا المبنى الفلسفي في عد داعية الانحراف الإمامة من المتحولات، وأوضحنا أن هذا المبنى لا يستند لأي معيار فكري إسلامي، نأتي هنا لنبين إن الإمامة ـ كفكرة ـ لم تكن من الأمور التي اختلف المسلمون بشأنها، بل هي ثابتة من ثوابت الإسلام باعتراف الجميع، وسنتابع هنا أولا مصادر ثبات الإمامة على المستوى الفلسفي والتشريعي، ثم نعقّب ولو بإيجاز لنرى ثباتها عند المسلمين جميعاً لنفنّد مزاعم الانحراف بشأن عدم ثباته لدى المسلمين.

وتعترضنا في البداية ملاحظة مهمة أثناء محاولة الخوض في تفاصيل ثبات الإمامة، وهي ملاحظة منهجية لمن أراد اعتماد منهج هذا الرجل، وهي ما نلحظه في إن فضل الله قد أطلق الحديث عن عدم ثبات الإمامة، من دون أن يقيده بشيء، مما يعني أن مسالة الإمامة بمعناها العام هي مورد عدم الثبات في التفكير الإسلامي، لا معناها الخاص لدى الإمامية فحسب، وهذا ما يجعلنا نثير التساؤل حول ما إذا كان هذا الرجل يعتبر القرآن في الأساس مصدرا من مصادر الثبات التشريعي والعقيدي أم لا؟.

حيث نلحظ أن الإمامة كمفهوم عام قد تم طرحها في القرآن بشكل واضح لا يتناقض فيه اثنان، كما نلحظ ذلك في قوله تعال: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين)[84].

وكذا قوله تعالى: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين)[85] .

وكذا قوله تعالى: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين)[86].

وأيضا قوله تبارك اسمه: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون)[87].

ففي مجموع هذه الآيات نلحظ أن القرآن الكريم لم يكتف بالإشارة إلى المصطلح فحسب، وإنما قام باستعراض بعض مواصفات الإمامة فهي جعل من الله، وهي معصومة، ومن صفات الأئمة المعلنة الصبر واليقين والعبادة المحضة ولم يكتف بهذه فحسب، بل وحدد جملة من المهام للأئمة، فهم يقومون بعملية الهداية الربانية، وهم ممن يوحى إليه فعل الخير وإقام الصلاة، وحينما يقومون بذلك فبتكليف خاص من الله نتيجة لصبرهم يختلف عن بقية التكاليف الموجهة لبقية البشر، وهذه بمجموعها حقائق غير قابلة للجدل والنقاش بين جميع فرق المسلمين، وكانت من الواجب على فضل الله ضمن مبناه الذي تحدث به في مقالة (الأصالة والتجديد) أن يضع الإمامة في خانة الثوابت لا أن يضعها في خانة المتحولات!.

أما إذا قصد بوضعها ضمن المتحولات اختلاف المسلمين حول تفاصيلها، فمن باب أولى أن يأتي بجميع ما وضع في الثوابت ليضعه في المتحولات كالتوحيد النبوة والمعاد وغير ذلك من مسائل التشريع، فليس من واحدة من هذه الأمور بثابتة في جميع تفاصيلها لدى المسلمين بل حتى في اتباع المذهب الواحد! وما من مهرب بعد ذلك أمام فضل الله إلا الإذعان إلى ما وقع فيه من خلل منهجي!.

وأيا كان الوضع فنحن نعتقد إن الإمامة هي من الحقائق الثابتة في الفكر الإسلامي، سواء أخذت بمعناها العام، أم تناولناها بمعناها الخاص.

فإذا ما كنا نعتقد أن القرآن الكريم معجزة البلاغة وانه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لقوله تعالى: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد)[88] وأنه لا يحوي على أي تناقض كما أوضح الله سبحانه بقوله: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)[89] فمن اللازم أن نعتقد أن تعميمات القرآن تفضي إلى خصوصياته، والعكس صحيح أيضا حيث تؤدي خصوصياته إلى عمومياته، وهذه من لوازم عملية الهدى التي أنزل القرآن الكريم كي يكون إطارها الروحي والفكري، وما دام إن القرآن قد طرح شيئا من هذا وشيئا من ذلك، فلا بد وأن نخوض في عبابه كي نستدل على حقيقة الأمر منه.

وبعد ذلك فلا يمكننا أن نمر على الآيات القرآنية التي تحدثت عن الإمامة مرور الكرام، وهنا ستستوقفنا الآية الكريمة: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين)[90] لتطرح عدة من مشخصات خط الإمامة، حيث نلحظ هنا أن مقامها الرباني ارفع من النبوة،[91] فالجعل الإلهي الذي تتحدث عنه الآية لم يتم إلا بعد أن أكمل إبراهيم النبوة المشار إليها بالكلمات في الآية الكريمة.

ويمكننا تلمس الفارق الكامن بين الدورين، من خلال ملاحظة الفارق بين قوله تعالى: (بكلمات) وبين قوله: (عهدي) فالكلمات هي إبلاغ من الله لأنبيائه ورسله بأوامر محددة وتوجيهات مباشرة منه، أما العهد فهو التكليف بعمل والتوصية به، ومعلوم أن الذي يكلف بعمل ما، لا بد من أن يحرز أن المكلَّف قادر على درء التكليف ولا معنى لتكليف من لا قدرة له على إدارة مناط التكليف، مما يعني أنه يمنح من القدرات والصلاحيات ما تجعله مؤهلا لإدارة مهام التكليف وحيث أن عمله منحصر في الدوائر الثلاث: الوجود الكوني و الوجود المرتبط بعالم التكليف (الإنس والجن) والتشريع بعنوانه المنظم للعلاقة ما بين الدائرتين، وبينهما وبين الله، فلا بد من أن تكون له الولاية والقدرة الكافية في هذه الدوائر كي تمكّنه من إدارة أوامر الهداية الإلهية بحذافيرها، وهذا الفهم للعهد تؤكده الآيات الكريمة: (ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل)[92] وكذا قوله: (وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون)[93] فهذه الآيات في حديثها توجه النظر إلى ما عهد عند موسى (عليه السلام) بحيث أنه يتمتع بالقدرة الإعجازية على رفع العذاب عنهم.

وكيفما يكن من أمر، فلازم الآية الكريمة العديد من الأمور أهمها:

أولا: أن يكون الإمام مشخصا من قبل الله جل وعلا، فهو مصدر الجعل في هذا الشأن، ولم يترك ذلك للناس لسبب بسيط أن الإمامة المنظورة هنا هي أكبر من طاقات وقدرات الناس بل حتى الأنبياء والأولياء منهم كما يتضح من قوله تعالى: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما)[94]وهذا ما يلجؤنا إلى القول بأن لا إمامة من دون نص إلهي مسبق.

ثانياًَ: إن هذا الإمام ينبغي أن يكون معصوما، وهذا ما يدل عليه تحريم الله هذا المقام والعهد للظالمين (قال لا ينال عهدي الظالمين)، وقد قرّب أحد الأعلام الاستدلال على العصمة من خلال هذه الآية بالقول على ما ينقله العلامة الطباطبائي (قدس سره) عنه: إن الناس بحسب القسمة العقلية على أربعة أقسام: من كان ظالماً في جميع عمره، ومن لم يكن ظالماً في جميع عمره، ومن هو ظالم في أول عمره دون آخر، ومن هو بالعكس، وهذا وإبراهيم (عليه السلام) أجلّ شأنا، من أن يسال الإمامة للقسم الأول والرابع من ذريته، فبقي قسمان وقد نفى الله أحدهما، وهو الذي يكون ظالماً في أول عمره دون آخر، فبقي الآخر، وهو الذي يكون غير ظالم في جميع عمره.[95]

ثالثاً: إن دور الإمامة يبقى إلى أمد الدهر، إذ ترينا جملة: (لا ينال عهدي الظالمين) أن هذا العهد يبقى أمد الدهر، لما يلحظ من تقدم فعل المضارعة هنا (ينال) عليه، والذي يفيد الحال والاستئناف المستقبلي.

رابعاً: أن يكون الإمام في كل الأحقاب الزمنية مشخصا فلا معنى للنص على إمامة من دون إمام، ولا دور للإمام من دون أن يلزم الشارع المقدس بالتبعية له، ولا تبعية من دون تشخيص الإمام.

ولقد أشرنا فيما سبق أن صورة العهد الإلهي تقتضي أن يكون المعهود إليه بالهداية متمتعا بقدرات استثنائية تتيح له التعامل مع دوائر عمله الثلاث، وهي كما قلنا: الوجود الكوني، والوجود المرتبط بعالم التكليف بشقي عالم التكليف وأعني الإنس والجن، والتشريع باعتباره المنظم للعلاقة بين الوجودين وبينهما مع الله، ولو حللنا حالة هذه العوالم بدقة فسنجد أنها بحاجة إلى خمسة مقامات من الهداية، ومع هذه المقامات يمكننا تلمس وجود ستة أنماط من الإمامة وهذه الأنماط هي:

أولا: إمامة التشريع، إذ لا يعقل أن يعهد الله للإمام بعهد هداية الناس وهو لا يمثل المحور الأول في جهة معرفة التشريع من جهتيه، أي من جهة التعرف على حكم الله الواقعي في جميع الأمور، مما يستدعي أن يكون له علما استثنائيا في كل ما يتصل بعملية الهداية، فالإمام الذي يمارس عملية الهداية بالصورة التي حددها القرآن لا بد وأن يكون له علم بقدرها أو بأكثر منها.

ومن جهة الموضوعات الخارجية التي يمكن أن يكون لها مساس بأي مفردة من مفردات الهداية، وهاتان الجهتان هما مورد وجود ما نصطلح عليه بـ (علم الإمام).

ثانيا: إمامة السياسة، وهي وإن كانت تابعة لما سبقها، إلا إن طبيعتها الخاصة، وتعقيدها الشديد ألجأنا لإفرادها بشكل مستقل.

ثالثاً: إمامة الوجدان، فقضايا الحب والبغض والولاء والتبرؤ وأمثالها، بسبب اتصالها الشديد بأهواء النفس ولمقدرتها الشديدة على التفاعل مع البواعث الإرادية، فلا بد لعملية الهداية الإلهية أن تنصب إماما من شأنه أن يكون هو محور إمامة الوجدان والهداية له بحيث يكون هو معيار الحب والبغض والتولي والتبرؤ.

رابعاً: الإمامة الشاهدة فطبيعة الحجة الإلهية البالغة تتطلب أن يكون هناك شاهد على العباد من أنفسهم، يشهد لهم فيما عملوه، ويشهد عليهم فيما اقترفوه واجترحوه من أعمال، ويكون هو الشاهد على الخلق بإمكانية تطبيق الشرعة الإلهية، من خلال التزاماته الجادة بكل مقتضيات التكامل والكمال.[96]

خامساً: إمامة الوجود، فهذا الوجود الذي سخره الله لعباده بقوله تعالى: (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة)[97].

وكذا قوله تعالى: (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)[98] وعملية التسخير هذه تحتاج ـ كما في طبيعة الحجة القرآنية ـ إلى شاهد عليها من البشر حتى يتعرف على حجمها وما فيها من أسرار، وكما حصل الأمر مع إبراهيم: (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين) والرؤية وحدها لا تكفي، بل لا بد من أن يكون مؤتمنا عليها وفق ما تصوره آية الأمانة: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا)[99] وهذا ما يستلزم لازمين:

أولهما: احتياج الوجود الكوني إلى من يتحمل مسؤوليته أمام الله.

وثانيهما: أن يكون هذا المؤتمن معصوما مبتعداً عن الظلم والجهل.

وعليه فإن هذا لوجود برمته يتطلب وجود حجة وإمام عليه، مما يجعل وجود الإمام بمثابة العلة لوجوده، والمسبب له، وهذا مفاد الحديث الشريف المتواتر في معناه ولفظه كما في الصحيحة التي يرويها الثمالي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): تبقى الأرض بغير إمام؟ قال: لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت.[100]

ومن الطبيعي أن وجودا كهذا سيكون وجودا ذا قدرة وتحكم في مجمل المجال الكوني.[101]

سادساً: إمامة الآخرة وهذا النمط مترتب على بقية الأنماط، فحيث رأينا وجود إمامة التشريع والسياسة والحكم وإمامة الوجدان حيث أحكام الحلال والحرام والتي بموجبها يكون الموقف من الجنة والنار وحيث إمامة الوجود والشهادة وما تستدعيه من أداء الأمانة بعد ختم سجلات الدنيا وطي صحفها، كان لا بد من وجود نمط سادس من أنماط الإمامة وهو إمامة الآخرة حيث يكون جزاؤها (عقابا أو حسابا) مرتبطا بطبيعة الموقف من تلك الأنماط.

ومن خلال متابعة وملاحقة آيات القرآن الكريم نجد أن هذه الأنماط قد تم التحدث عنها بشكل مسهب في القرآن الكريم وهو ما سنطلع عليه فيما يأتي من حديث إن شاء الله تعال، ولو شئنا الاختصار في ذلك قلنا: إن ما من فعل تام ذكر في القرآن قد تمّ التحدث عن أفعل التفضيل له بصورة ظاهرة أو مضمرة، وحيث أن أفعل التفضيل هذا له حدان سالب وموجب، بمعنى أن ما من صفة إلا ولزم افتراض وجود صورتها الجمالية الكاملة التي لا شوب فيها، والعكس صحيح أيضا، فالتقوى ـ مثلاً ـ التي تحدث عنها القرآن لأفعل تفضيلها إما أن نراه مضمراً موجبا بعنوان الأتقى، أو ظاهرا سالبا بعنوان الأخسرين كما تحدث عنهم القرآن: (قل هل ننبأكم بالأخسرين أعمالا . الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا)[102] ومثلما افترض وجود أئمة للكفر (فقاتلوا أئمة الكفر)[103] فإنه تحدث عن أئمة الإيمان (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين)[104] ولربما نجد أن هذا السبب هو الذي جعل الصحابي الجليل عبد الله بن عباس يجزم في الحديث المتواتر عنه بأن الله لم ينزل آية: (يا أيها الذين آمنوا) إلا وعلي رأسها وقائدها وشريفها وأميرها.[105]

وكيفما يكن فإن هذا كله يدلنا بوضوح على أن ثمة مقامات تعرض القرآن الكريم للحديث عنها، لا يمكن أن تفي النبوة والرسالة وحدها بمستلزماته، فعلى أقل التقادير لا يمكن مع وجود النبوة الخاتمة أن نجد من يحتل هذه المقامات بعد وفاة أو قتل الرسول (صلى الله عليه وآله) لا أقل في جملة من مهمات الرسالة وتوابعها، فقوله تعالى: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيرا)[106] مثلا حينما يطرح النبي الشاهد لا بد من أن نتساءل عن سبب الشهادة، وهل هي خاصة بعهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) دون غيره، هنا سوف لا نجد القرآن يقف مكتوف اليد تجاه مسألة كهذه، بل سنراه يوضح بقوله تعالى: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا)[107] أنها مطلوبة في كل الأزمان،[108] فإن كانت الشهادة ضرورة رسالية في زمن الرسول الأعظم، فما من شك أن هذه الضرورة لا تنتفي بمجرد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله)، وحيث أن الشهادة عملية عيان وجودي، الأمر الذي يعني إن الحاجة إلى ضرورة وجود امتداد لهذا الأمر تبقى ملحة بنفس إلحاح وجود النبي الشاهد.

ولو قلنا بضرورة الشاهد بعد النبي (صلى الله عليه وآله) والذي تعبر عنه الآية الكريمة: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد)، فسيحتاج حتما إلى أمور عدة لا غنى عنها فسيحتاج إلى علم خاص يمكنه من الشهادة على كل شيء يتعلق بمهمته الرسالية، وطبيعة الشهادة الرسالية وخصوصية ذلك العلم يعطيه ملكة القدرة على ما يشهد عليه، أضف إلى ذلك أن شهادة كهذه وعلم كهذا يفرض أن يكون صاحبه معصوماً، وهذه الأمور الثلاثة تتطلب ممن يهب العصمة والعلم والشهادة أن ينص على من وهب له هذا الأمر، فتأمل!.

ولو أخذنا الآية الشريفة: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد)[109] فهي الأخرى تدلنا على ما نحن بصدده، فالامتداد هنا واضح، ولكن طبيعة الهداية التي تنسجم مع أن تكون حجة الله بالغة بصورة لا تجعل لعباده أي مجال للتذرع، تفترض أن يكون الهادي مشخصا من قبل نفس جهة الهداية ربا كان أو رسولا، بمعنى أن يكون هناك نص عليه، وأن يكون هاديا يقضي بأن يكون مطاعا، من قبل نفس الجهة التي أمرت بطاعة الرسول لإنذاره، وحيث إن الأمر بالطاعة يستلزم أن يكون المطاع مستحقا لها، فلا بد عندئذ من أن يكون معصوما، [110] وهذا ما يجرّنا إلى ما نحن بصدده، وهي استلزام الامتداد في جهة الهداية لما بعد الرسول.

وتطرح سورة القدر الأمر بوضوح من بعد آخر، ففي قوله جل وعلا: (تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر)[111] وما نرى من دور لفعل المضارعة في الآية المناظرة لها: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين . فيها يفرق كل أمر حكيم)[112] وكذا قوله: (تنزل) يدل على أن هذا التنزل من قبل الملائكة والروح يكون في كل عام، من دون أن يتخصص بزمن الرسول (صلى الله عليه وآله) دون غيره من الأزمان.

ولو جارينا العامة ومعهم فضل الله[113] في القول بأن الملائكة تتنزل بالأرزاق والآجال، فما بال الروح قد نزل معهم؟ فالروح إن كان جبرائيل (عليه السلام) حسب روايات العامة ومعهم فضل الله بالطبع، أو كان الروح ذلك المخلوق الذي تصفه روايات أهل البيت (عليهم السلام) بأنه أعظم خلقا من الملائكة،[114] وهو ما عليه جمهور مفسري الشيعة ومحدثيهم وتؤيده الآية الكريمة: (ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن انذروا)[115] أيا كان ذلك فهو أمر متعلق الوحي الإلهي.[116]

ولو قدّر أن الأمر الذي جاءت به الملائكة متعلق بالأرزاق والآجال، فعلى ما ذا جاء هذا الروح معهم واختصاصه هو الوحي؟ وماذا يفعل في ساحة انقطع عنها الوحي الإلهي ـ حسب منطوق فكر أهل العامة ـ؟.

وما من تفسير يمكن وصفه بالدقة لهذا التنزل السنوي للروح إلا من خلال الإذعان لنظرية وجود امتداد رسالي للنبوة هو الإمامة، ودون إثبات نفيه خرط القتاد!! فلا تغفل.

من كل ذلك يمكننا أن نستخلص أن مفهوم الإمامة ضمن الخطوط العامة له والتي لا دخل لها في الصراع الفكري بين مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وما سواهم، هو مفهوم قرآني بحت، وله من الثبات ما للنبوة والتوحيد من الثبات، ولا يوجد أي وجه لوصفه بالمتحول، فنصه القرآني له حضوره الشاخص، والمفهوم الذي يدل عليه هو الآخر له حضوره المتميز مثله مثل أي أمر أولاه القرآن أهمية خاصة.

وهذا الأمر ـ ثبات الإمامة ـ لا ينفرد فيه الشيعة فقط، بل هو من مسلمات الفكر العقائدي السني أيضا على ما يتضح لنا من خلال شهادات أرباب مذاهبهم فقد قال ابن حزم الأندلسي الظاهري ما يلي: اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع المعتزلة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وإن الأمة فرض واجب عليها الانقياد لإمام عادل يقيم فيهم أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله (صلى الله عليه وآله( حاشا النجدات[117] من الخوارج فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة، وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم، ـ إلى أن قال: ـ وقول هذه الفرقة ساقط يكفي من الرد عليه وإبطاله إجماع كل من ذكرنا على بطلانه، والقرآن والسنة قد وردا بإيجاب الإمام، ومن ذلك قول الله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) مع أحاديث كثيرة صحاح في طاعة الأمة وإيجاب الإمامة.. إلى آخر أقواله في هذا المجال.[118]

وقال عبد القاهر البغدادي: إنه لا بد للمسلمين من إمام ينفذ أحكامهم، ويقيم حدودهم ويغزي جيوشهم، ويزوج الأيامى، ويقسم الفيء بينهم.. إلى أن يقول: وقد وردت الشريعة بأحكام لا يتولاها إلا إمام، أو حاكم من قبله.[119]

وقال أبو حامد الغزالي في معرض استدلاله على وجوب الإمام: البرهان عليه أن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا، ونظام الدنيا لا يحصل إلا بإمام مطاع.. إلى أن يقول: فبان أن السلطان ضروري في نظام الدنيا، ونظام الدنيا ضروري في نظام الدين، ونظام الدين ضروري في الفوز بسعادة الآخرة، وهو مقصود الأنبياء قطعا، فكان وجوب نصوب الإمام من ضروريات الشرع الذي لا سبيل إلى تركه فاعلم ذلك.[120]

وقال الرازي: اتفقت الأمة إلا شذاذا منهم على وجوب الإمامة والقائلون بوجوبها منهم من أوجبها عقلا، ومنهم من أوجبها سمعا، أما الموجبون عقلا فمنهم من أوجبها على الله تعالى، ومنهم من أوجبها على الخلق.. إلى آخر ما قال.[121]

وقال التفتازاني مستدلا على وجوب الإمامة: لنا على الوجوب وجه: الأول:وهو العمدة إجماع الصحابة. الثاني: إن الشارع أمر بإقامة الحدود، وسد الثغور، وتجهيز الجيوش للجهاد، وكثير من الأمور المتعلقة بحفظ النظام، وحماية بيضة الإسلام، ولا يتم إلا بإمام، وما لا يتم الواجب مطلقا إلا به وكان مقدورا فهو واجب. الثالث: إن في نصب الإمام منافع لا تحصى، واستدفاع مضار لا يخفى، وكل ما كان كذلك فهو واجب، أما الصغرى فيكاد يلحق بالضروريات، بل المشاهدات، ويعد في العيان الذي لا يحتاج إلى البيان، ولذا اشتهر أن ما يزع في السلطان أكثر مما يزع في القرآن، وما يلتئم باللسان لا ينتظم بالبرهان.. إلى آخر كلامه في هذا المجال.[122]

وقد تحدث الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية والولاية الدينية عن وجوب الإمامة وتحدث بشكل مفصل عن وظائفها ضمن منظوره على أصعدة الدين والسياسية والمجتمع.[123]

وفي موضع آخر قال: فليس دين زال سلطانه إلا بدّلت أحكامه، وطمست أعلامه، وكان لكل زعيم بدعة، وكل عصر فيه وهية أثر، وكما أن السلطان إن لم يكن على دين تجتمع به القلوب حتى يرى أهله الطاعة فيه فرضا، والتناصر عليه حتما لم يكن للسلطان فيه لبث، ولا لأيامه صفو، وكان سلطان قصر أو مفسد دهر.

ومن هذين الوجهين وجب إقامة إمام يكون سلطان الوقت وزعيم الأمة، فيكون الدين محروسا بسلطانه، والسلطان جارياً على سنن الدين وأحكامه.[124]

ويقول ابن تيمية الحنبلي: يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لحراسة الدين من رأس.[125]

وعلى نفس المنوال تحدث القاضي الباقلاني في كتابه التمهيد في الرد على الملحدة والمعطلة والرافضة والخوارج والمعتزلة.[126]

وكذا الموقف كان موقف الفضل بن روزبهان حيث يعقد على وجود الإمام جملة من المهام كحفظ الحوزة، والعلم بالرياسة وطرق التعيش مع الرعية وحماية للذمار وهي مما لا يمكن أن تقوم الحياة من دونه.[127]

وحذا باتجاهه بنفس الطريقة ابن خلدون في مقدمته المعروفة وقال عن الإمامة: وإذ قد بينا حقيقة هذا النص وأنه نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين وسياسة الدنيا به تسمى خلافة وإمامة والقائم به خليفة وإماما… إلى أن قال: ثم إن نصب الإمام واجب قد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين.[128]

وقال الإيجي عضد الدين في المواقف مع شارحه الشريف الجرجاني: إنا نعلم علماً يقارب الضرورة أن مقصود الشارع فيما شرع في المعاملات والمناكحات والجهاد والحدود والمقاصات وإظهار شعار الشرع في الأعياد والجمعات إنما هو مصالح عائدة إلى الخلق معاشا ومعادا وذلك المقصود لا يتم إلا بإمام يكون من قبل الشارع يرجعون إليه فيما يعنّ لهم.. الخ.[129]

وبعد ذلك فليس أدل على ذلك من إن كل الكتب الحديثية كالصحاح والمسانيد والفقهية الخاصة بأهل العامة قد حوت أحاديث عن الإمامة ومتعلقاتها، وضمن كتبها الرئيسية الحديثية والفقهية تجد كتاب الإمارة الذي يبحث في شأن الإمامة على صعد السياسة والدين والمجتمع وقد رأيت أن من عرضنا له من المتكلمين هم علية القوم من علماء والفرق، وفهم من له ناصبية واضحة ومعلنة ضد مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) كعبد القاهر البغدادي وابن حزم وابن تيمية وابن روزبهان وغيرهم.

نعم الفرق بين المبحثين وتفاصيل الإمامة بين الفريقين مما لا يخفى، وهذا بطبيعة الحال لا يخص الإمامة فحسب، بل هو يشمل التوحيد والنبوة والمعاد وكذا كل ما ذكره فضل الله بعنوانه من الثوابت، ولكن هذا الفرق وإن كان بينا جدا، غير أنه لا يقدح في التسالم ما بين الطرفين على كون الإمامة ضرورة دينية، وحتى لو بحثها البعض من وجهة نظر دنيوية، فتبقى في نفس إطار الضرورة الدينية، لما في الارتباط الوثيق واللصيق بين الدين والدنيا في مجالات الإمامة.

ولا أعتقد أن لفضل الله القدرة من الناحية المنهجية ـ ولو من وجهة نظر منهاجه ـ على الجواب عن السبب الذي أدى به إلى أن يجعل الإمامة من جملة المتحولات وعزلها عن الثوابت رغم ما قد علمت من ثبات شأنها في النصوص القطعية التي لا مجال للشك فيها، فيما وضع التوحيد والنبوة والمعاد في جملة الثوابت وفيها من النقاش والتفاصيل المختلف بشأنها مثلها مثل الإمامة!.

ومن الحق أن نتساءل عن السبب في هذا التفريق رغم اتحاد المشكلة بين الاثنين أي بين من سمّاه بالثوابت وبين من سماه بالمتحول، فهما مما اتفق الجميع على ضرورتهما الدينية رغم اختلاف الجميع في اغلب التفاصيل؟.

ولربما نجد السبب يكمن في نفس الأمر الذي جعله يعتبر ذكر الشهادة الثالثة في الأذان ـ وهي المستحبة والخارجة عن الصلاة ـ تسبب بمفاسد كثيرة،[130] لأنه لا يجد أي مصلحة شرعية في إدخال أي عنصر جديد في الصلاة في مقدماتها وأفعالها.[131] فيما لا يجد مثل هذه المفسدة في حالات التكتف[132]، وهي البدعة التي أوجدها عمر، ولا في قول آمنين وهي الأخرى في داخل الصلاة وضمن ركن من أركانها وهي أيضا بدعة من مبتدعات عمر، فالأولى وإن تحدث عن إبطالها للصلاة إن قصد بها الجزئية، غير انه عاد ليقول: وإن كان الأقوى عدم البطلان بذلك في فرض عدم قصد الجزئية وانتفاء التشريع، خصوصا إذا قصد به الخضوع والخشوع لله[133]، ولا ريب عدم البطلان لو فعل ذلك سهواً أو تقية.

أما قول آمين بعد قراءة الحمد فهو مبطل للصلاة على الأحوط، لكنه كالعادة عاد ليقول: وإن كان للصحة وجه وجيه،[134] لا سيما إذا قصد بها الدعاء.[135] ثم ليذكر في مكان آخر بأنه لا يبطل الصلاة.[136]

مع العلم أنها داخلة ضمن ركن من أركان الصلاة، وقول آمين يجعل قول: (اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)[137] بمثابة الدعاء بما يبطل القراءة، في الوقت الذي نعلم فيه أن المطلوب هنا هو قراءة الفاتحة بعنوانها قرآنا، وليس بمعناها دعاءاً، وعلى ذلك فقس، وإن عشت أراك الدهر عجباً!.

يبقى علينا أن نقول إننا تعمدنا ترك الحديث عن الجانب العقلي في ثبات الإمامة، حتى لا يقال أن هذا تفكير بشري لا يحمل عنصر ثبات النص!!.

 

ضرورة الإمامة

نحاول في هذا المبحث أن نتلمس الأدلة القرآنية على اعتبار الإمامة ضرورة من ضرورات الرسالة الاسلامية، بمعزل عن الاسقاطات الطائفية في هذه المجال، وسنعالج ذلك من خلال العثور على المباني القرآنية لما تحدثنا عنه من قبل وقلنا بأن ثمة ستة مقامات للإمامة قد افترضنا وجودها في القرآن، وأعني بذلك الإمامة الشاهدة، وإمامة التشريع، وإمامة الوجدان، وإمامة السياسة والحكم، وإمامة الوجود، وإمامة الآخرة، ونحاول تطبيق هذه المقامات على تلك المواصفات التي دلّتنا عليها الاية الكريمة : (قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) وأعني بها ضرورة النص وعصمة المنصوص عليه، وامتداد الإمامة وعدم توقفها عند محطة الخاتمية النبوية، وتشخيص جهة المنصوص عليه.

فإن تطابقت هذه مع تلك بمجموعها فمن الواجب الرضوخ لمتطلباتها، خاصة وان افتراض تطابق كل واحدة من هذه المقامات الستة، مع كل واحدة من المواصفات الأربع، لن تكون بأي شكل من الأشكال نتاج حالة اعتباطية أو لمجرد الاحتمال، فهذا التوافق والتطابق لا بد وأن يحكي تكاملا في المنظومة التي تضمهم جميعاً، والقول ببعضها دون البعض الآخر يمثل صدعا فيها وتشويها لها.[138]

وقبل أن نلج في عباب الموضوع، لا بد وأن أعرض لواحدة من أساسيات المنهج الذي نعتمده في هذا الكتاب، وهو أننا هنا لسنا في صدد الحديث عن إمامة أهل البيت (صلوات الله عليهم أجمعين) وهو ما نعتقد أنه حق الدين والإيمان، وخلافه خروج عن دائرة الإيمان، ولكن ما يهمنا هنا هو محاولة تسليط الضوء على المفهوم القرآني للإمامة، بمعزل عن هوية الإمام الشخصية، وإن كنا تعمدنا التوقف عند هويته المفهومية، وقد تركنا كل ذلك لكتابنا: (الإمامة بحث في الضرورة والمهام).

وسبب ذلك يعود إلى أننا نرغب في قطع القارئ الكريم عن المسبقات والمسلمات الطائفية، ونحاول إبعاده عن اسقاطات واقع التأريخ السياسي والديني والمذهبي وتداعياتها، حيث نعتقد أن هذه الاسقاطات تلك التداعيات هي التي حجرت على قطاع كبير من المسلمين أن يقفوا من مسالة الإمامة موقفهم اللامبالي، وهو الذي أودى بالنتيجة إلى ما ألفناه في الواقع السياسي من سيطرة الأطر غير الإسلامية على هذا الواقع بحجة خلو النظام الإسلامي من الترابط الواقعي بين مسألتي الشرعية والسلطة واللتان يعتبرن من ركائز أي واقع سياسي يعتمد أسس الثبات الشرعي وتنظيم العلاقة الطبيعية بين الحاكم والمحكوم وبين الإمام والمأموم.

إن ما نريد فعله هنا هو تحرير العقلية من المسبقات التي يمكن لها أن تكبّلها فتمنعها من رؤية الحقيقية المجردة بمعزل عن ما خلّفته التراكمات التاريخية وسبل تبرير الواقع السياسي والديني الذي هيمن على التأريخ الإسلامي، وقد كان لهذه التراكمات أكبر الأثر في إيجاد حشد هائل من النصوص والنصوص المضادة حيث لعبت المصالح السياسية والمذهبية لتستخدم السذاجة الشعبية والممتزجة بالبراءة في الكثير من الأحيان، والجهل المقنّع برداء الحرص على التراث في إبعاد العقل الإسلامي عن أن يشقّ طريقه بتجرد سعياً وراء الحقيقة.

وقد ساهمت ردة الفعل الشيعية، وأوضاع الصراعات المذهبية، وواقع العنت السياسي والطائفي والثقافي المسلّط على التشيع من الأطر السياسية والفكرية التي حكمت أوضاع التأريخ السياسي والفكري في أن تبتعد بعض منتديات علم الكلام الإمامي عن تسليط الضوء على مفهوم القرآن عن الإمامة إلى الانهماك في بحث الفاضل والمفضول، وموقع الواحد من الثلاثة، على الرغم من اعتراف هذا الجمع بأن الإمام لا يمكن أن يقاس به أي واحد من أفراد البشر، وبالتالي فأين مقايسة أمير المؤمنين (عليه السلام) من أي أحد من أفراد البشر فيما خلا الرسول وأهل بيته الأطهار (صلوات الله على أنوارهم الزاكيات)؟.

ولكن بطبيعة الحال ليس هذه الأبحاث مما يخلو من فائدة، بل على العكس فإنها أسهمت بشكل جدي في تنمية وعي معين بالنسبة للإمامة، ولكن هذا لا يمكن مقايسته بما لو تم العمل على كشف المفهوم القرآني عن الإمامة، ومن ثم ليجعل المسلم قبالة أحكام القرآن القطعية التي من شأنها أن تعرّي حقيقة كل واقع التاريخ السياسي والفكري الإسلامي، بصورة تجعل أي مقايسة للإمام بغيره من أبطال ذلك الواقع وصنعته بمثابة إهانة كبرى تلحق بالإسلام ورجاله الأمناء على أسراره والحفظة على كتاب (صلوات الله عليهم أجمعين).

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[84] - البقرة: 124.

[85] - الانبياء: 73.

[86] - القصص: 5.

[87] - السجدة: 24.

[88] - فصلت: 42.

[89] - النساء: 82.

[90] - البقرة: 124.

[91] - لا بد من توقف هنا عند ما يعتقده فضل الله وتحدث عنه في مواضع متعددة من كتبه من أن كل نبي إماما* وعلى الرغم من وضوح المفارقة بين هذا المعتقد، وبين ما يعتقده أهل البيت (صلوات الله عليهم)، إلا أننا نماشي الرجل في تفكيره كي نلحظ معاً مستوى الاسفاف في فكره ومعتقده، فمن الواضح هنا أن الجعل الالهي المشار إليه في الآية الكريمة كان قد تحقق بعد أن وصل إبراهيم بنبوته الدرجات العليا الكاملة وهي التي تعبر عنها الآية الكريمة بقوله تعالى: (فأتمهن) فلقد جعلت الإمامة لإبراهيم بعد أن مر بمرحلة اتمام الكلمات الالهية التي ابتلاه بها ربه، وهذه المرحلة إنما كانت في أواخر عمره الشريف بدليل قوله: (ومن ذريتي) فطلبه الإمامة لذريته، إنما كان بعد أن رزق هذه الذرية، وواضح أن إبراهيم كان قد رزق الذرية في مشيخته بعد تحقق نبوته، وهذا ما يظهره بوضوح في الآية الكريمة: (وأمراته قائمة فضحكت فبشرناها باسحق ومن وراء اسحاق يعقوب . قالت يا بوليتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب)[هود: 71ـ72]، وهذا الامر قد تحقق إبان مجيئ ضيف إبراهيم من الملائكة حال مرورهم لتدمير قرى قوم لوط، ولا أحسب إن فضل الله سيقول أن النبي آنذاك لم يكن مبعوثاً، فهو يعتبر إبراهيم المسؤول التنظيمي (في حزب السماء!) للوط** وعندئذ فإن هذا الجعل إنما تم بعد النبوة، ولو كانت النبوة أي نبوة مدعاة للإمامة كما يرى فضل الله، فمن اللازم أن يكون إبراهيم هنا إماماً قبل ذلك وعندئذ فمن الحق التساؤل عن معنى الجعل إذن!! ولو عكسنا الأمر فالشأن سيّان، لأنه لو كانت الإمامة متساوية مع النبوة فيا ترى ماذا كان إبراهيم قبل أن يجعل إماما؟ ولو غدا إماما فمتى أصبح نبيا!!.

على أن من الواضح أن تاريخ الانبياء قد حفل بوجود أكثر من نبي في نفس الموضع والتأريخ والرسالة، وما نجد في وجود ابراهيم مع اسحاق، وإبراهيم مع اسماعيل،و إبراهيم مع لوط، واسحاق مع يعقوب، ويعقوب مع يوسف، وهارون مع موسى، وسليمان مع داود، وغيرهم الكثير[ على نبينا وآله وعليهم أفضل الصلاة والسلام]، فماذ سيكون حكم التعدد هنا؟ فإن قال: لم يكونوا أنبياء، فإنه يكذّب القرآن والسنة الصحيحة والصريحة، وهنا لن ينفع التشبيه بإمامة الحسن والحسين (صلوات الله عليهما) لأن ذلك يقتضي التعاقب الزمني أي إن إمامة احدهما تكون تابعة للآخر، ولا تتفعّل إلا بعد الرحيل الوجودي لا المكاني للأول منهما، في الوقت الذي نجد أن هذا الامر لا يصح مع وجود ابرهيم مع ثلاثة انبياء على الاقل هم اسحاق ولوط واسماعيل، ومع وجود هارون وموسى، خصوصاً وأن قصة هارون وموسى فيها من الدلالة على زيف هذه الفكرة وما يكفي لفضحها، ولذلك لأن هارون توفي في زمن موسى، والقصة بنفسها تفضح ما لو ادعى بأن اولئك الانبياء كانوا في أماكن متعددة، مما يقتضي تعدد الانبياء ـ الائمة، ورغم الوهن الواضح في ذلك، إلا أننا نجد أن هارون لم يفارق موسى في المكان (اللهم إلا إبان ذهابه إلى الطور) الامر الذي يجعلنا نتساءل عن المصداقية المتوخاة من امامة هارون طالما وأن امامته لن تفعّل مطلقا، ولم يجد لها هارون متنفسا يفعّلها على الصعيد الرسالي.

ولا قيمة لما حاول التخلص منه في طبعته الجديدة من تفسيره فقال إن الإمامة تعتبر الصفة المتحركة للنبي في حياته، فكانت النبوة والرسالة تنطلقان في اتجاه المهمة التي كلفه الله بها، بينما كانت الإمامة تتحرك في اتجاه إعتباره قدوة وقاعدة لمن أراد الاقتداء به والانطلاق من القاعدة الايمانية المتجسدة، وبذلك يظهر كيف تتأخر الإمامة عن النبوة.***

ولو أفرغنا ما في هذا الكلام من حشو كلامي فإنه في هذا الكلام يناقض نفسه من جهة، ويناقض الفكر الإسلامي من جهة ثانية، فالتأخر ـ أي تأخر ـ بين الإمامة والنبوة يلزم بوجود تفاوت بين الدورين، مما يوقعه في تناقض، بل وفي دور فلسفي، أما ما اعطاه الرجل من دور للإمام وهو بمعنى الاقتداء فهو نفسه الممنوح اسلاميا للنبي والرسول، فمن قال أن النبي ليس له دور القدوة والقرآن لا يتحدث بصراحة عن ذلك فحسب، بل إنه يعطي هذا الدور حتى للمؤمنين وذلك كما يظهر من قوله تعالى: (قد كانت لكم اسوة حسنة في إبراهيم والذين معه)[الممتحنة: 4] ولا يمكن بأي حال تصور إمكانية أن يقال ان النبوة لا تستدعي الاقتداء، فهذا ما يجرنا إلى القول بعدم عصمة الانبياء!! فما المائز إذن بين الدورين حتى يمكننا القول بإمكانية التأخر للإمامة عن النبوة؟.

* انظر كتاب حوارات في الفكر والسياسية والاجتماع: 502 ـ 503، وكتاب للإنسان والحياة: 312، ومجلة المعارج العدد 28ـ31 ص 680ـ681، وجريدة فكر وثقافة العدد: 66 ومن وحي القرآن 3: 16 من الطبعة الجديدة.

** من شريط مسجل بصوته.

*** من وحي القرآن 3: 19.

[92] - الاعراف : 134.

[93] - الزخرف: 49.

[94] - طه: 115.

[95] - الميزان في تفسير القرآن 1: 270.

[96] - فصلنا الكلام عن ذلك في كتابنا من عنده علم الكتاب، فراجع إن شئت المزيد.

[97] - لقمان: 20.

[98] - الجاثية: 13.

[99] - الأحزاب: 72.

[100] - بصائر الدرجات: 508 ج10 ب12 ح2.

[101] - انظر كتابنا الولاية التكوينية: 163 فما بعد.

[102] - الكهف: 103 ـ 104.

[103] - التوب: 9.

[104] - الانبياء: 73.

[105] - انظر مناقب الخوارزمي: 266 ـ267 ح 249 وذكره أبو نعيم في الحلية 1: 64، والطبراني في المعجم الكبير 11: 211، والهيتمي في مجمع الزوائد 9: 112، والمتقي الهندي في كنز العمال 13: 108، وفي المختصر للكنز المطبوع في هامش مسند أحمد 5: 38 وابن كثير الدمشقي في تفسيره 2: 4، وابن عساكر في تاريخ دمشق 42: 363، والزرندي في نظم درر السمطين: 89، والقندوزي الحنفي في ينابيع المودة 2: 406، والحاكم الحسكاني في روايات عدة في شواهد التنزيل 1: 48، 54 وغير ذلك كثير.

[106] - الاحزاب: 45.

[107] - النساء: 41.

[108] - لفهم الشهادة دورا وهدفا ومصداقا ننصح بالرجوع لكتابنا: من عنده علم الكتاب؟.

[109] - الرعد: 7.

[110] - وهذا يظهر مدى التهافت الذي وقع فيه فضل الله حينما حاول جعل الآية عامة لا تخص أهل البيت (عليهم السلام) وحدهم، كما أشار إلى ذلك في كتابه من وحي القرآن 1: 16، و13: 23.الطبعة الجديدة. فالهادي الرباني ضمن هذه المواصفات يحتاج إلى علم خاص من قبل الله بكل ما يتعلق بعملية الهداية، وحينما يكون له مثل هذا العلم، لا بد من أن يكون معصوما، لأن هذا العلم ليس كغيره من العلوم الكسبية التي يمكن أن تكون عالماً بها من دون أن تعمل بها (يا ايها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون) [الصف: 2] وقوله تعالى: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً) [النمل: 14] بل هو العلم الذي لا ينفك عن الاثار المترتبة عليه، ولا يمكن في الضرورة العقلية ان ينصب الله هاديا من دون أن يكون معصوماً، وذلك لاستلزام طاعة الهادي، فإن كان مصيبا في عمله فقد أدركت الهدى من جهتيه، من جهة طاعة الهادي ومن جهة اصابة الحكم الواقعي، ولكن ماذا لو كان الهادي مخطئا أو عاصيا عندئذ إن أطعته خالفت الحكم الواقعي وأمر الله بعدم العصيان، وإن تخلفت عنه خالفت أمر الله بطاعة الهادي، وهذا ما لا يمكن لله أن يوقع عباده فيه، وهو الذي كتب على نفسه الرحمة.!!.

[111] - القدر: 4.

[112] - الدخان: 3ـ4.

[113] - من وحي القرآن 24: 350ـ351.

[114] - الكافي 1: 386 ح1.

[115] - النحل: 2.

[116] - ينبغي التنبيه الى حقيقة أن الوحي الالهي لا يختص بالانبياء والرسل فقط بل لدينا في قصص الخضر ولقمان وأم موسى ومريم (عليهم صلوات الله تعالى اجمعين) ما يؤكد أن الوحي الالهي له حضور أكبر من ساحة الانبياء والرسل.

[117] - من فرق الخوارج أتباع نجدة بن عامر الحروري.

[118] - انظر الفصل بين الملل والنحل 3 : 3ـ4 دار الكتب العلمية، بيروت.

[119] - أصول الدين: 271.

[120] - الاقتصاد في الاعتقاد: 148.

[121] - المحصل: 406.

[122] - شرح المقاصد 5: 237.

[123] - الأحكام السلطانية والولايات الدينية: 16ـ 18.

[124] - أدب الدنيا والدين: 111.

[125] - السياسة الشرعية: 165.

[126] - التمهيد في الرد على الملحدة والمعطلة والرافضة والخوارج والمعتزلة: 182ـ185.

[127] - انظر دلائل الصدق 2: 27

[128] - مقدمة ابن خلدون: 237.

[129] - شرح المواقف في علم الكلام 8: 3467.

[130] - العجيب والمضحك المبكي في آن واحد أنه في الوقت الذي رأى في ادخال الشهادة الثالثة ما يمكنه ان يؤدي إلى مفاسد كثيرة للإسلام، لم يمنع من ذكرهما في أذان مسجده وجمعته، كما يصرح هو في أجوبته المؤرخة في 16 جمادي الأول 1417 هـ. ومن الحق أن نتساءل بعدئذ عن طبيعة الشرع الذي يعمل به هذا الرجل؟ فإذا كان ثمة مفاسد كثيرة تحصل بسبب ذلك، فما باله وهو الذي تدعى له بطولة صدم الواقع، ويسمونه بمرجع التغيير أبقى هذه المفسدة على حالها، وليس هناك في البين إلا حالة أنه يتقي من الواقع الشعبي، ليس مراعاة له لأنه سبق له وأن أهان هذا الواقع باهانات تصدع القلوب كما في إهاناته المتكررة للمعصومين (صلوات الله عليهم) وفي نكرانه لفضائلهم ومقاماتهم ونكرانه لمظلومية الزهراء (عليها السلام)، وفي التوهين الضخم لغالبية متبنيات المعتقد الشريف، والا لما سمي بصادم الواقع! ولكن لربما لابقاء ما تبقى من هذا الواقع مستمراً في وقوعه تحت طائلة الخديعة الكبرى المبنية على اساس شيعية وإمامية فضل الله، فضلا عن مرجعيته وإمامته لهؤلاء!!.

[131] - المسائل الفقهية 2: 123 ط 1417 ـ1996.

[132] - التكتف وضع اليدين على البطن أثناء القراءة في الصلاة.

[133] - يلحظ هنا أن هذا العذر هو نفس عذر عمر حينما أمر بإدخالها في الصلاة.

[134] - هل إن هذه الصحة متأتية من كون عمر هو صاحب هذه البدعة! فنحن نعلم أن فقه أهل البيت (عليهم السلام) برئ كل البراءة من مجرد احتمال أن تدخل هذه ضمن الصلاة، فمن أين جاء هذا الوجه؟ ففي وقت ترى فيه ان الشهادة الثالثة جملة في خارج الصلاة، ورغم أن القائلين بها يقولون بها على نحو الاستحباب، ولكونها شعارا من شعارات المذهب، ورغم أنها تدعم بما تواتر ذكره عن الرسول (صلى الله عليه وآله) بعدم ذكره بمعزل عن ذكر علي (عليه السلام) اعتبر أنها تنطوي على مفاسد كثيرة للاسلام بظن أن الاقامة جزء من الصلاة، وهو ظن لا يقوى لدرجة الفتيا، نراه يدخل بدعة صريحة ضمن أركان الصلاة التي إن اختلت بشيء فلبربما تبطل جميع الصلاة.

[135] - المسائل الفقهية: 1: 92. ط6.

[136] - شريط مسجل بصوته.

[137] - الفاتحة: 6ـ7.

[138] - هذا البحث هو مختصر الابحاث التي عالجناها في كتابنا: الامامة. بحث في الضرورة والمهام.