الإمامة الشاهدة

الملاحظ في شأن الإمامتين الخاصة بالتشريع والسياسة أنهما تشملان مهمة الإنذار والتبشير التي جعلت من ضمن المهام الجوهرية لعملية الهداية الربانية، ومن يلاحظ حديث القرآن عن ذلك يجد أنه قرن مع هاتين المهمتين مهمة ثالثة حينما عبّر بقوله تعالى: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا)[184]. وكذا قوله: (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا)[185]وحيث رأينا توافق إمامتي التشريع والسياسة مع مهمتي الإنذار والتبشير فهل سنعثر على شاهد قرآني يكمل عملية التوافق هذه ويمدّها إلى الإمامة الشاهدة؟.

وإن عثرنا على ذلك فهل ستكون هذه الإمامة بنفس المواصفات التي استعرضناها فيما سبق؟.

وإذا ما تطابقت هذه الأوصاف فهل ستتفق في نفس الشخص؟.

ضمن ما افترضناه سابقا فلا بد من العثور على ذلك بأجمعه، لا سيما وأن شأن الشهادة لا يمكن القول بأنه قد استوفى أغراضه أثناء حياة الرسول (ص)، ولا حاجة له فيما بعد ذلك، فلو: رجعنا للغايات الإلهية التي تقف وراء الشهادة والتي تشير إليها الآية القرآنية الكريمة: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيمة إنا كنا عن هذا غافلين)[186] لوجدنا أن طبيعة إلقاء الحجة الربانية كاملة على بني آدم لا تتوقف عند قوم دون آخرين، وإنما يجب سريانها على جميع الأقوام والأمم، وذلك لأن هذه الغاية رافقت البنية التكوينية لبني آدم، ولذا فإن من الطبيعي بمكان أن يتلازم بقاء الجنس البشري مع بقاء هذه الحجة، وإن انتفاء أحدهما يستلزم انتفاء الثاني لاستحالة أن يقال أن الإرادة الربانية إرادة عابثة في مخلوقاتها.

ولا اعتقد أن ثمة عسر في الوصول إلى تلازم آخر، وهو تلازم الشهادة مع وجود المعاينة، فليس من معنى للشهادة بمعزل عن أن يكون الشاهد معاينا لم سيشهد به، ومع هذا الحال يتبدى للوهلة الأولى أن ثمة تناقض بين هذا المفهوم، وبين مفاد الآيات التي أشارت إلى شاهدية الرسول، وقد أشير إلى هذه الشاهدية بمعنى مطلق، الأمر الذي يعني أن شهادة الرسول لا تتوقف عند زمانه فحسب، بل هي تمتد إلى ما بعد زمانه الشريف بالمصاف مع إنذاره وبشارته (ص).

ولا يمكن حل هذا التناقض ألا بالقول بأن الشهادة دور ومهمة، وهذه المهمة يمكن أن توكَلَ إلى وكيل هو كالأصيل في إتمام هذا الدور، نتيجة لتحقق خصائص ومواصفات الشهادة في شخصيته، وهذا ما يلتقي أيضا مع جملة من الآيات القرآنية التي أشارت إلى وجود شهادات سابقة لحياة الرسول (ص) كما في الآية الكريمة: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا)[187] وكذا في قوله تعالى: (ويوم نبعث في كل أمة شهيداً عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء)[188] وهما يشيران وبوضوح إلى وجود شهادة لأنبياء ورسل وأوصيا الأمم، واعتبار الرسول (ص) الشاهد على هؤلاء جميعا، وحيث أن الرسول لم يكن حاضرا في حياة تلك الأمم، ولهذا لا يمكن فهم هذه الآيات إلا من خلال اعتبار شهادات الأنبياء (عليهم السلام) في طول شهادته (ص) أي هي شهادات وكلاء تتجمع لدى الوكيل الأصيل، وهذه الأخيرة ـ أي شهادته على الأمم السابقة ـ والتي تلتقي مع مفهوم كونه سيد الأنبياء والمرسلين، تستلزم أن يستمر دور الشهادة إلى الأمم اللاحقة لحياة الرسول (ص) فهو شاهد على جميع الأمم، وهذا ما يلتقي مع مفهوم نظرية النص الإلهي التي تعتمدها الإمامية[189]، والتي تعني استمرار دور شاهدية الرسول (ص) من خلال شهادة الأئمة (عليهم السلام) على مجتمعاتهم، ومن دون ذلك فإن الحديث عن استمرارية دور الرسول في الشهادة يغدو فارغا من محتواه، وذلك لاستلزامها لمواصفات لا يمكن أن توجد عند أحد غيرهم.[190]

ولو أردنا أن ندقق في شأن الشهادة وما تكتنف عليه طبيعتها لوجدنا أن الشهادة تحتاج إلى مواصفات أساسية : فالشاهد ينبغي أن يكون أعلم الموجودين بشأن ما يشهد به، وإذا كان مفاد الشهادة هو الرسالة، فلا بد إذن من أن يكون هو الأعلم بهذه الرسالة، سيما وأن بعض الآيات تتحدث عن تمكن الشاهد من الشهادة على بينات الله كما في قوله تعالى: (أفمن كان على بينة من أمره ويتلوه شاهد منه)[191] وهذا أمر لا يمكن حصوله إلا من خلال علم استثنائي، فالرسالة إن كانت تعبر عن العلم الإلهي في بعض صوره، فالشاهد على تبليغه يفترض أن يكون علمه في مصافه، وأن يكون كذلك فالواجب أن يكون تلقيه لهذا العلم من معدنه، أي أن يكون علمه الهي، ومن قبل الله، مما يعني أن تعلمه لن يكون من خلال الطرق التقليدية للتعليم، وهذا ما يجعل الشاهد استثنائيا في علمه أيضا، ولن يكون هذا الشخص بهذا المستوى إلا من خلال كونه شخصا قد اصطفاه الله لذلك، وخصه بذلك.

والشاهد لا بد وأن يكون عادلا في الإدلاء بشهادته بحيث أنه لا يكتمها مهما كانت الظروف، فلا بد وأن يكون معصوما، إذ لا معنى لتعلق مفهوم الحجية على حضور الشاهد في الوقت الذي لا تكون فيه عملية الإدلاء بالشهادة محسومة بشكل قطعي، ولا قطع في هذا المجال من دون العصمة.

ويتأكد كل ذلك من خلال التأمل الدقيق في مرامي الآية الكريمة التي تتحدث عن مواصفات الشاهد حيث قال جل وعلا: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون . وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير)[192].

فما أشار إليه سبحانه وتعالى هنا إنما هو الصورة الفضلى لهذه الأعمال، فليس الركوع هنا أي ركوع، وليس السجود هنا أي سجود، وليست العبادة هنا آية عبادة، وإنما هي الصورة في بعدها المطلق، ومما لا شك فيه أن هذه الصورة لا يمكن تحققها، إلا من خلال العصمة.

على إن ملكة العدالة والعلم في هذا المجال لا تكفي وحدها، وإنما لا بد من أن يكون لدى الشاهد قابلية الشهادة من حيث الاستعداد لحمل عبئها من جهة، والإحاطة بساحات الشهادة وأدائها (أماكن وأزمان) من جهة أخرى، فهذا القرآن يحدثنا عن إن زمن الشهادة العامة لا يسمح لكل أحد بالقيام بها كما في قوله تعالى: (يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا)[193] وقول الصواب المطلق كما ترى يستلزم من الشخص أن يكون بمؤهلات عالية عند الله، بحيث يدعه يتكلم في يوم وصف بأوصاف رهيبة من جملتها ما وصفته الآية الكريمة: ( يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم . يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد)[194]، وهذه المواصفات أقلّها أن من لم يكن مطمئنا على نجاته يومئذ، فهو في شغل عن الشهادة على نفسه ولها، فضلا عن الشهادة على غيره وله، وهذا الأمر هو الآخر يدلنا مرة أخرى على ضرورة أن يكون الشاهد من أهل العصمة على الأقل،[195] بحيث أنه يقدر ـ نتيجة لاطمئنانه ـ أن يشهد حينما يدعى للشهادة.

على إن هذه الأهلية إن لم تلتزم بوجوب تمتّع الشاهد بمواصفات استثنائية خاصة، تصطدم بإمكانية الشهادة على الجوارح، وتصطدم أيضا بالشهادة على عوالم الجن، وهؤلاء يدخلون في مقتضياتها، لتحقق الطلب الإلهي منهم بالعبادة، مما يستلزم الثواب والعقاب، ومعهما يصبح وجود الشاهد عليهم واجبا، ولكونهم أمم أمثالنا، وكذا الشهادة على عالم الملائكة بما فيهم ملائكة الوحي، فضلا عن الملائكة الكاتبين، لأن الملائكة أمة من الأمم، وهذه تدخل في مفاد قوله تعالى: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا).[196]

ومن خلال كل ذلك نكون قد تحققنا من ضرورية امتداد دور الشهادة من النبوة إلى الإمامة، ورأينا في إبلاء دور الشهادة إلى الإمام أحد الشواهد على عصمته، وما نحتاجه بعد ذلك وجود النص الذي يشخّص الدور ويشخّص الشاهد.

والآية الكريمة: (ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب)[197] كما نعتقد أنها قد قدمت جميع الأجوبة المطلوبة في هذا المجال، فهي تشخص أولا ديمومة وجود الشاهد لرسول الله (ص) لكونها قد أطلقت الحديث عبر فعل المضارعة (ويقول)، ومعلوم انه لا يتوقف عند زمان القول بل يمتد إلى آخر الزمن بعد أن أطلق بهذه الصورة دونما أي تقييد، ثم تمنحه العصمة بعد كل هذه الثقة به والتي يمكن تلمسها من خلال كل هذا الجزم في عدم تخلفه عن الشهادة والمعبر عنه بكلمة: (قل كفى) حيث تم قرن شهادته مع شهادة الله سبحانه وتعالى، ومن ثم دللت على المستوى العلمي الكامل الذي بلغه هذا الشاهد والذي عبرت عنه الآية بالقول: (ومن عنده علم الكتاب) ليكون أولا دليلا على العصمة، وثانياً دليلاً على قدرته على الشهادة، وثالثاً دليلا على عدالته لثقة السماء بعدم تخلفه عن أداء الشهادة، ومن ثم ليتلاقى الجميع مع ما رأيناه من المواصفات التي أوليت لإمامة التشريع وإمامة السياسة والحكم.

ولا يبقى بعض كل هذا التشخيص للمواصفات إلا الإفصاح عن هوية هذا الذي عنده علم الكتاب.

وقد أبانت آية: (الذي عنده علم من الكتاب)[198] الإمكانية الفلسفية والعقلية على أن ينال الإنسان كل علم الكتاب، ولكن بعد التكامل المعنوي والروحي، ولهذا نعرف: إن من السخف بمكان أن يولى هذا الوصف المؤطر: بالذي (عنده علم الكتاب) إلى من لم تتكامل عنده جوانب الشخصية بالصورة التي توصله إلى دائرة العصمة المطلقة، ويسير في مقام التفاضل المعنوي بحيث يصل إلى موقعية أعلى بكثير من آصف بن برخيا كي يبلغ درجة التكامل بالصورة التي عنتها الآية الكريمة، ومع ذلك نعرف مدى التخبط الذي وقع فيه مفسرو أهل العامة ومعهم محمد حسين فضل الله[199] حينما خصّوا بها علماء أهل الكتاب من أمثال عبد الله بن سلام وتميم الداري وعبد الله بن صوريا وأمثالهما، في الوقت الذي نعرف أن لا أحد يدعي أنه وصل إلى درجة معتدة من الكمال فضلا عن تمامه.

وهذا وقد أجمعت رواية أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم) على اختصاص الآية الكريمة بهم كما في الصحيحة التي يرويها سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن محمد بن عمرو، عن عبد الله بن الوليد السمان قال: قال الباقر (عليه السلام): يا عبد الله ما تقول في علي وموسى وعيسى؟ قلت: ما عسى أن أقول فيهم؟ قال: هو والله أعلم منهما، ثم قال: ألستم تقولون: إن لعلي ما لرسول الله من العلم؟ قلت: نعم، والناس ينكرون. قال: فخاصمهم فيه بقوله تعالى لموسى: (وكتبنا له في الألواح من كل شيء) فعلمنا أنه لم يكتب له الشيء كله! وقال لعيسى: (ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه) فعلمنا أنه لم يبين الأمر كله.

وقال لمحمد (ص) (وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء)[200]. قال: فسئل عن قوله: (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) قال: والله إيانا عنى، وعلي أولنا وأفضلنا وخيرنا بعد رسول الله (ص).[201]

وكذا في صحيحة علي بن إبراهيم، قال: حدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الذي عنده علم الكتاب هو أمير المؤمنين (عليه السلام) وسئل عن الذي عنده علم من الكتاب أعلم؛ أم الذي عنده علم الكتاب؟ فقال: ما كان علم الذي عنده علم من الكتاب عند الذي عنده علم الكتاب إلا بقدر ما تأخذ البعوضة بجناحها من ماء البحر.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : ألا إن العلم الذي هبط به آدم من السماء إلى الأرض وجميع ما فضل به النبيون إلى خاتم النبيين في عترة خاتم النبيين.[202]

ولا نطيل الحديث في ذلك لكوننا تحدثنا في كل ما أحيط بهذا الموضوع من تشكيك أو تحريف ضمن مناقشة مفصلة في كتابنا من عنده علم الكتاب.

ولكن يبقى أن نشير إلى أننا لا نستغرب حينما نجد إن نفس مشخصات الإمامة على مستوى الدور وعلى مستوى المصداق قد اتفقت في المواضع الآنفة (التشريع، والسياسة، والشهادة).

 

إمامة الوجدان

يلعب الحب والبغض، والود والحقد، والقناعة والحسد وكافة صور العاطفة والوجدان دورا محوريا هاما في بلورة وصياغة شكل ومحتوى الحركة الإرادية للمخلوقات التي وضعت في دائرة التكليف، ولربما نجد في العديد من الأحيان أنها صاحبة الشان الأعلى في رسم اتجاهات هذه الإرادة، حيث تجدها تحتل موقعا أساسيا في تحديد اتجاهات الأنا، ومن ثم لتكون صاحبة الشأن المعلى في تحديد بواعث الإرادة واحباطاتها، وتكمن في مواقع أهواء النفس لتعطي للكثير من هذه الأهواء هويتها ومحتواها الحقيقي، وهي صاحبة النغمة الأخطر في سعي الشيطان الدؤوب لحرف مسارات هذه الإرادة عن الاتجاه الرباني، ولهذا فليس من المستغرب أن نجد القرآن يضع اللوم الأساسي على هذا الجانب من مكونات العباد، وهو يصور ثلاثا من حركات الانحراف الكبرى التي ابتليت بها حركة الهداية الربانية، حيث نلمس دور هذا العامل الجوهري في انحراف إبليس (لع) بعد أن كان يرتع في العبادة مع الملائكة حيث لعبت الأنا دورها الرئيسي في نفسية إبليس، ومن ثم لتعكس صورة عصيانه وتكبره (لع)، كما أشار الله (تباركت أسماؤه) في قوله تعالى: ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين . قال ما منعك إلا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين)[203].

وكذا في قوله تعالى: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون . إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين . قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي استكبرت أم كنت من العالين . قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين)[204]

ونرى نفس العامل يفضي محتواه في أول حركة عصيان وإجرام شهدتها الأرض من البشر والتي أشار إليها قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين . لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين . إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين . فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين)[205]

حيث نجد هنا عنصر الحسد يحرك بواعث الغضب ومن ثم ليحولها إلى حقد أعمى نراه يعبر عن نفسه في قصة قتل هابيل (عليه السلام) من قبل أخيه قابيل (لع).

ونفس العامل نجده يعبر عن نفسه في صورة أخرى تتمثل في تغلب العقد النفسية والأهواء على إيمان بلعم بن باعوراء الذي كان قد وصل به المقام إلى انه كان من المحظيين برحمة الله عليه حين أصبح يتمتع بآيات الله، وذلك بالصورة التي تصورها الآية الكريمة: (واتل عليهم تنبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين . ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون).[206]

ونفس ما نراه في الانحراف نراه في الإيمان من احتلال هذا العامل للدور الرئيسي في الدفع باتجاه الكمال المعنوي والروحي كما تصوره الآية الكريمة: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم)[207]، حيث نرى الصفات الصالحة قد ابتنيت على حب الله وجاذبية هذا الحب للعاشقين ليجسد نفسه في الصور التي عرضت لها الآية الكريمة.

وحين يكون للجانب الوجداني والعاطفي كل هذا الدور، فلا بد من أن تحسب عملية الهداية الربانية له حسابها الخاص المتناسب مع موقعه وتأثيراته على دور المكلفين تجاه مهام التكليف، بحيث تجعل جملة من الشواخص الاجتماعية لتلعب دور المحور القيادي الذي تستدل به العاطفة على درب الهدى ويشخص بدوره مسارات الضلال بانحيازها عن هذا المحور.

ولا يمكن القبول بوضع جملة من المعايير الخلقية والمناقبية وحدها لتلعب هذا الدور، وذلك لأسباب كثيرة منها أن المكلف من جن أو انس في مواطن الاستقطاب العاطفي والتحفز الوجداني قد لا يهتدي لمسارات العقل والحكمة فيعمد بفعله إلى مجانبة عقله، ولهذا يغدو وجود المحور الاجتماعي الذي لا يغيب عنه الكمال مهما علت حالة هذا الاستقطاب عنصرا أساسيا ضمن مجموعة العناصر التي ترجع بالإنسان إلى هداه، وتعيد إليه توازنه.

ومن ثم ليلعب هذا المحور الدور الذي من شأنه أن يعطي لتلك المسارات صورتها التجسيدية في الواقع الاجتماعي، من دون أن يفسح المجال لكي يتم التعتيم على تلك المسارات والسبل بدعوى مثاليتها وخياليتها وعدم واقعيتها.

وضمن هذا المجال نلحظ أن القرآن الكريم رسم اتجاهين يكمل أحدهما الآخر، كان أحدهما قد تولّى تحديد الإطار لإمامة الوجدان، فيما عمل الآخر على إثارة وجدان المكلف ودفعه للتمسك بهذا الإطار.

وفي الاتجاه الأول سار القرآن في البداية على مركزة الولاء لرسول الله (ص) فهو المطاع (قل اطبعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين)[208] وهو صاحب الولاية (إنما وليكم الله ورسوله) وهو مركز الشفاعة، وهو صاحب الوسيلة (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة)[209] وهو معدن الرحمة (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)[210] وهو الشاهد، والبشير، والنذير، وسبب دفع العذاب (وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم)[211] وغير ذلك من الصفات والمناقب التي بطبيعتها تنشأ علقة عاطفية غير طبيعية حتى تبلغ بها المستوى الأعلى بحيث لا تكون معها أي عاطفة لأقرب المقربين إن ما حاد عن رسول الله (ص) كما نلحظ ذلك في تعبير الآية الكريمة: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيّدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله إلا إن حزب الله هم المفلحون)[212]

ولو دققنا في المحور الأخير من الآية (أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون) نجد أنها تسعى لبلورة هذه العاطفة ضمن إطار لا يتوقف عند الرسول (ص) فحسب، وإنما يمتد لكل ما من شأنه أن يتصل بالرسول، ليكون هذا المتصل من أركان حزب الله وفقا لطبيعة موقف رسول الله (ص) منه، ولهذا ليس من المستغرب أن نجد بعد هذا الطرح توسعة في تحديد الأطر القيادية لحزب الله حيث تعبر الآية الكريمة عن ذلك بالقول: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون . ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون).[213]

ومن هذه الآية تتبلور صورة الاتجاه الثاني، حيث نجد خطاً قرآنيا جديداً في المحورية الوجدانية وهذا المحور الذي يسميه القرآن هنا بجهة الذين آمنوا، سيصفه القرآن في موضع آخر بجهة القربى حيث يجعل مودتهم الصورة الأخرى لكمال الالتزام بالرسالة المحمدية، فبعد أن حدد الرسول (ص) خط هذا الالتزام في الآية القرآنية: (قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا)[214] نراه يعمل على وضع التجسيد الاجتماعي والمصداقي لهذا الخط بالصورة التي وصفتها الآية الكريمة: (ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور)[215]، أو بالصورة التي تعبير عنها آية المباهلة في وضع نفس الرسول (ص) وأمير المؤمنين (عليه السلام) في مصاف واحد (فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم)[216].

ولا يكتفي بذلك فحسب بل يعمل على تحشيد عدد كبير جدا من الآيات القرآنية لوصف مناقب جهة القربى كلا أو جزءا والتمجيد بها،[217] في مهمة تستهدف إعادة مركزة الوجدان من بعد رسول الله (ص) بهذه الجهة ولهذا طولبنا بالاقتداء بها (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا)[218] وما كانت لتسمى بالحسنة لولا أسباب منها الرغبة في الحث على التمسك بهذا المناقب والفضائل.[219]

ومن يراجع كتب أهل العامة المنصفة نسبيا, أو تلك المناصبة في عدائها لأهل البيت (عليهم السلام)، ومهما بلغت تبريراتها في التعسف والتمحل، فلن يجد غير حقيقة ناصعة واحدة، وهي أن أهل البيت (عليهم السلام) هم أصحاب القدح المعلى في تعداد الآيات النازلة بحقهم مدحا وتمجيدا وثناء.

أما لو اكتفيت بما ذكر في الكتب التي أنصفت الحق فلن تجد ثناء نزل على أحد بعد رسول الله (ص) كما نزل عليهم (صلوات الله عليهم أجمعين)، حتى لقد قال ابن عباس: ما في القرآن آية إلا وعلي رأسها وقائدها وشريفها وأميرها، ولقد عاتب الله أصحابه محمد (ص) في القرآن، وما ذكر علياً إلا بخير.[220]

ولو أضفنا إلى كل ذلك ما جاء على لسان القوم من حديث رسول الله (ص) بحق أمير المؤمنين (عليه السلام) فإن الحصيلة تكون من الضخامة ما لا يمكن لمن يحترم عقله أن يدع إمامة أهل البيت (عليهم السلام) ليلوذ بغيرها.

وهنا ينبغي أن نلفت الانتباه إلى حقيقة أن القرآن الكريم لا يمكن أن يتحدث عن تلك المناقب والفضائل بشكل مجرد أو بصورة اعتباطية لا هدف لها فهو الكتاب الذي (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد)[221]، ولهذا لا بد من القول بأن أحد صور هذه الهدفية هي غاية جمع الناس حول أصحاب هذه الآيات وشد انتباههم إليهم، ولعمري إن وجد القوم في آية الغار : (ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا)[222] على ما فيها من إشعار بضعف موقف رفيق الغار، ما يشكّل منقبة له ليتغنوا بها ويجعلوها أحد مبررات أفضليته، فكيف لا يمكن أخذ هذه الأفضلية من حشد عظيم من هذه الآيات التي تتحدث عن المناقبية الفذة للعترة الطاهرة!! قاتل الله الطائفية كيف تعمي وتصم!!.

يبقى علينا أن نستدل على توافر مواصفات الإمامة التي أشرنا إليها فيما سبق من حديث ضمن نص واضح يشير إلى مصداق هذه الإمامة في الواقع الاجتماعي، ولئن رأينا دلالة في جملة المناقب لاسيما آية الولاية، وآية البلاغ، وآية مودة القربى، وآيات الشهادة وغيرها كثير، فإننا نجد في آية التطهير: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)[223] تشخيصا تاماً ودقيقا لعصمة هذه الإمامة على مستوى المصداق والدور، حيث نلحظ أن العصمة في إمامة الوجدان ضرورة كضرورة عصمة إمامة التشريع وإمامة السياسة والحكم وإمامة الشهادة.

من هذا كله يتبين لنا مرة أخرى التوافق التام ما بين المواصفات الفكرية والمعنوية والمصداقية لهذه الإمامة مع مواصفات الإمامات الثلاثة التي مرت علينا.

 

إمامة الوجود

كنا قد ذكرنا فيما سبق شيئا عن إمامة الوجود ونعود الآن لنتحدث بشيء من التفصيل عن جانب من مفردات ذلك تاركين التفصيل لكتابنا (الإمامة: بحث في الضرورة والمهام).

الناظر للآيات التي تحدثت عن الوجود الكوني يمكنه أن يقسمها إلى أقسام ثلاثة حيث سنجد القسم الأول وهو يتحدث عن بدايات النشأة وعلة الوجود كما في قوله تعالى: (وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا)[224].

فيما سنلحظ القسم الثاني وهو يتحدث عن الدور الذي سيضطلع به هذا الوجود كما في الآية الكريمة: (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير)[225].

أو قوله تعالى: (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)[226].

فيما سنلحظ أن القسم الثالث تحدث عن كيفية الترابط ما بين دور الوجود، وما بين الهدف المتوخى منه كما نرى في قوله تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا)[227].

أو قوله تعالى : (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون).[228]

ونظراً لحقيقة أن الوجود الكوني يمثل إحدى الحلقات الأساسية في تحقيق عملية الهداية الربانية، إذ لا يمكن تصور هداية من دون هذا الوجود، فلا بد من أن نضع هذه الأقسام ضمن النسق الذي تحدده عملية الهداية الربانية، مما يقتضي التفتيش عن إمامة لهذا الوجود ومواصفاتها، ومن ثم البحث عن مصداقها الاجتماعي، فهي لا تتحرك في الفراغ.

وفي عملية البحث هذه لا بد وأن ننطلق من أصل الخلقة التي أكد القرآن أنها لم تنطلق في الفراغ، ولم تحصل نتيجة عبث (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين)[229] وكذا قوله تعالى: (أ فحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون)[230]، وإذا ما كانت كذلك فثمة هدف يناقض العبث تماما، وهذا الهدف في صورته العامة عبرت عنه الآية الكريمة: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، وفي صورته النهاية: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)[231].

إذن فإن الموجود المكلف خلق من أجل هدف العبادة، ولذا فإن سائر ما خلق في هذه الكون مسخر لتحقيق هذا الهدف وهذه الغاية.

وعليه فمن الجهل بمكان أن نتصور أن ما أودع في هذا الكون من نعم وما سخر الله للإنسان مما في السماوات والأرض بالصورة المطلقة التي عبرت عنها الآيات الكريمة: (الله الذي خلق السنوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار . وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل النهار . وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار)[232] لمجرد لهبة والعطاء والإنعام المجرد من الغاية، بل تظهر خاتمة الآية الكريمة: (إن الإنسان لظلوم كفار) تداخل هذه المنح والإيتاء مع مسؤولية المكلف في هذا الكون، فلا معنى لوجود كلمة الظلوم إلا في مصاف الحديث عن دور هذا المكلّف في هذا الوجود.

وهذا النعم التي لا تحصى مما يحسّ في الحياة، ومما لا يحسّ تقضي بوجود ثلاث حالات انسجاما مع ما يعكسه مبدأ (الحجة البالغة لله) وهما:

الحالة الأولى: تقضي بوجود العالم المطلع على هذه النعم بكل تفاصيلها، وقابليتها للتسخير حتى يكون شاهدا لله جلت آلاؤه.

الحالة الثانية: والحاجة إلى وجود هذا العالم الشاهد تقتضي أن يكون شاهدا موجودا منذ الوهلة الأولى لخلق هذه النعم وعالم المسخرات.

الحالة الثالثة: بوجود المسخّر الإنساني الشامل الذي يكون مصداقا إنسانيا لبقية الخلق بإمكانية التسخير من جهة، وحجة على عالم التكليف بواقعية النعمة الربانية الشاملة التي لا تحصى من جهة ثانية.

ولكن هذا الأمر هل يمكن له أن يتم بعبثية خالية من الهدفية؟ وهل يمكن إتمامه من دون الخضوع لمواصفات تأهيلية؟.

من الطبيعي أن يتم ذلك وفق مواصفات تأهيلية، لأن هذا الإنسان في صورته التكوينية الأولى سبق وأن وصف وصفا دقيقا وفقا لمقتضياته التكوينية من قبل الملائكة: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء).[233]وحالة كهذه لا يمكنها أن تجعله مؤهلا لنيل الأمانة لكنه حينما حملها، فبسبب أنه تخلى عن الظلم والعبثية، ولهذا أصبح قابلا لنيل هذه الأمانة.

ولهذا فليس من العبث أن نجد ترابطا ما بين خاتمة هذه الآية (إن الإنسان لظلوم كفار) وبين طريقة تحقيق الهدف الرباني المعبر عنها في الآية الكريمة: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنا وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا) حيث نجد أن هذه الطريقة التي عبر عنها بحمل الأمانة تعتبر الضد للظلم المشار إليه في خاتمة الآية : (إنه كان ظلوماً جهولا) لتلتقي من بعد ذلك مع آية الإيتاء المارة، مما يعني أن كل هذه النعم التي آتاها الله سبحانه وتعالى خاضعة لمسار هذا الإنسان نحو تحمل الأمانة الكونية، مما يعني أن من تحمل هذه الأمانة وضع تحت تصرفه جميع ذرات الكون، وهو المعنى المرادف لعملية التسخير الربانية الشاملة الذي تحدثت عنه الآية الكريمة: (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه) أو ما نعبر عنه بالولاية التكوينية.

وعندئذ فمن البديهي بمكان أن نلاحق الإمامة الكونية من خلال الجهة التي حملت هذه الأمانة، لنكتشف معها حقيقة ارتباط وجود الكون مع وجود هذه الإمامة، وان انتفاءها من الوجود مدعاة لنفي الوجود برمته.

ويقدّم القرآن الكريم لنا في هذا الصدد آيتين للتعرف على ذلك، أما الأولى فهي: (وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملاً)[234] ففي هذه الآية نجد تعليل عملية الخلق مقترنة بوجود جهة (أحسن العاملين)، فقوله: (ليبلوكم) جعل بمقام الشرط للخلق، وذلك لوجود لام التعليل السابقة للفعل (يبلوكم)، وحيث تم الخلق، فمن البديهي أن نلمس أن جهة أحس العاملين كانت موجودة قبل خلق الخلق،[235] إذ لا يعقل تخلّف العلة عن المعلول، وها ما تؤكده الآية الثانية التي تحدثت في نفس الاتجاه، ففي آية الإمامة المارة نلحظ أن أمانة الوجود الكوني قد عرضت على سائر الموجودات الكونية فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، ولكن حملها ذلك الإنسان الذي لا يتصف بالظلم والجهل ولم يقاربهما بحيث وصل به الكمال إلى درجته القصوى، وهو نفس المعنى الذي يؤدي إليه مصطلح (أحسن العاملين)،[236] ومن ثم ليكون هذا الإنسان هو المعادل الوحيد لوجود الأمانة، إذ لولاه لما حملت الأمانة، ولولا حمل الأمانة لما خلق الكون وما فيه.

إذن فإن من البداهة بمكان أن ترضخ عملية التسخير بكاملها لهذا الإنسان ويكون وجودها مرتبط بوجوده.

وهذا ما يدلنا بطبيعته على جملة من المواصفات التي تركزت في هذا الإنسان، فمن حمله للأمانة وابتعاده عن الظلم والجهل نستدل على عصمته المطلقة، ومن خضوع عملية التسخير له نستدل على الطبيعة العلمية الشاملة والكاملة التي يتمتع بها، ومن هذه الطبيعة نستدل على أن هذا العلم كان مختصا به من قبل الله (عظمت آلاؤه)، وحيث نجد ذلك فلا بد من القول بوجود النص عليه.

وثمة شيء آخر، فحيث إن العطاء الرباني لم يبلغ ـ في المضمار الواقعي ـ إلى عالم التكليف من مداه إلا المقدار البسيط منه، فيما نجد إن الحديث الإلهي عظيم عنه، فلا بد من وجود الشاهد الذي يستطيع أن يرى هذا العطاء العظيم المخصص لهذا العالم، ليكون شاهدا على وجوده من جهة، وشاهدا على الإمكانات المتاحة فيه الصالحة للسخرة من جهة ثانية، وشاهدا على طبيعية التسخير الجارية في عالم التكليف، ومن ثم حكما عليها من جهة ثالثة.

الأمر الذي يحتّم أن يكون لهذا الوجود إمامة خاصة به وتلتقي مع سائر الصفحات المكونة لعملية الهداية الربانية وعليه فإن من الواجب أن يكون هذا الشخص هو نفسه في الإمامات السابقة.

وما من شك في اتفاق أهل الإسلام جميعا على إن هذا الإنسان هو رسول الله (ص)، وحيث أن آية المباهلة[237] قد دلتنا على التطابق الكلي بين نفس الرسول (ص) مع نفس الإمام أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)، ودلتنا آية الولاية[238] على تطابق ولايتهما الشمولية، ودلتنا آية التطهير[239]على تطابق عصمتهما، ودلتنا آية الراسخون في العلم[240]على تطابق علومهما، ودلّتنا آية من عنده علم الكتاب[241] على تطابق شهادتهما، ودلتنا آية أولي الأمر[242] على تطابق وجوب الطاعة لهما، وغيرهما كثير.

فعندئذ لا نجد أي عائق في الرضوخ لشأن امتداد هذه الإمامة من بعد رسول الله (ص)، إلى من تطابقت مواصفات الرسول (ص) مع مواصفاته، بل تلجؤنا الضرورة العقلية والموضوعية إلى القول بأن غياب رسول الله (ص) الزمني والمكاني، لا يلغي الحاجة إلى وجوده الشريف في إمامة هذا الكون وحفظ وجوده، فهذا الوجود يتوقف عليه عدم وقوعهم في العذاب كما دلت عليه الآية الكريمة: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم)[243] وعدم زوال الرحمة الإلهية للعالمين التي أشير إليها في قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) الأمر الذي يجعل امتداد إمامته إلى من بعده ضرورة لا مندوحة عنها.

وهذا ما هو عليه اتجاه أهل البيت (عليهم السلام) المتمثل بمذهب الإمامية (أعلى الله شأنهم)، ولا يمكن لأي اتجاه آخر أن يحقق التوافق الموضوعي بين ما أشرنا إليه من استلزام امتداد إمامة التشريع وإمامة الولاية والحكم وإمامة الشهادة وإمامة الوجدان وإمامة الوجود التي أوليت لرسول الله (ص) باعتباره الإمام الأكبر وضمن مواصفات النص والعلم، لما بعده، وذلك بسبب عدم تمكن العمر الزماني والمكاني لرسول الله (ص) من أن يحقق الأغراض المرتبطة بها، إلا من طريق القبول بإمامة الأئمة الاثنى عشر (صلوات الله عليهم) وبقبول التفاصيل الإمامية في خصوص حياة الإمام المهدي (عجل ا لله تعالى فرجه الشريف)، ومن غير ذلك فخرط القتاد أهون من نيل المستحيل!! أو التعسف في تفسير الآيات القرآنية الشريفة وتحمليها ما لا يحتمل وفي ذلك من الخيانة لله ولرسوله الكريم (ص)، وليس أمامي بعد ذلك كله غير النصيحة الصادقة عبر قوله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون. واعملوا إنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم . يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم). [الأنفال: 27ـ29].

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[184] - الأحزاب: 45.

[185] - الفتح: 8.

[186] - الأعراف: 172.

[187] - النساء: 41.

[188] - النحل: 89.

[189] - نظرية النص الالهي: هي المقولة التي تقول بأن الرسول (ص) لم يترك أمته هملاً دون راع، وإنما نص على إمامة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بتكليف من قبل الله جل وعلا، وذلك ضمن تفصيل استعرضنا بعض جوانبه في كتابنا: (القائد.. القيادة.والانقياد في سيرة الإمام أمير المؤمنين(ع).

[190] - من عنده علم الكتاب؟: 46ـ 48.

[191] - هود: 17.

[192] - الحج: 77ـ 78.

[193] - النبأ: 38.

[194] - الحج: 1ـ2.

[195] - نقول: على الاقل؛ لأننا نلاحظ أن الله لم يستدع الانبياء كشهداء منفردين وجميعهم من أهل العصمة، وإنما استدعى الرسول (ص) ليكون شاهدا على هؤلاء، مما يشير الى إن المطلوب من الشاهد كلما تقدمت منزلته ومرتبته أمر أكثر من العصمة، ولكن ما تحدثنا عنه هو في الحدود الدنيا لهذا الأمر.

[196] - يشير العلامة الطباطبائي (رضوان الله تعالى عليه) الى اتساع دائرة الشهادة بحيث إنها تشمل كل ما له تعلق ما بالعمل فيدخل علاوة على ما أشرنا اليه عالم الزمان والمكان والدين والكتاب. انظر الميزان في تفسير القرآن 1: 319؛ مؤسسة الاعلمي ـ بيروت ؛ طبعة 1991.

والحق ما قاله العلامة، فطبيعة الحجية الالهية الكاملة تتطلب من جميع الشهود الادلاء بشهاداتهم، وواضح أن الزمان والمكان من الشهود الاساسيين على كل حدث، الامر الذي يدخلهم في دائرة المعنيين بالشهادة، ومن هنا كان الشاهد، شاهداً على الزمان والمكان.

[197] - الرعد: 43.

[198] - النمل: 40.

[199] - انظر التفاصيل في كتابنا: من عنده علم الكتاب؟.

[200] - النحل: 89.

[201] - الخرائج والجرائح: 798 ـ 799 ب16 ح8.

[202] - تفسير القمي 1: 368.

[203] - الأعراف: 11: 13.

[204] - ص: 73ـ 76.

[205] - المائدة: 27ـ30.

[206] - الاعراف: 175ـ 176.

[207] - المائدة: 54.

[208] - آل عمران: 32.

[209] - المائدة: 35.

[210] - الانبياء: 107.

[211] - الانفال: 33.

[212] - المجادلة: 22.

[213] - المائدة: 55ـ 56.

[214] - الفرقان: 57.

[215] - الشورى: 23.

[216] - آل عمران: 61.

[217] - تراجع في بذلك كتب المناقب المختصة سيما كتب العامة لملاحظة حجم الآيات التي نزلت بحق القربى.

[218] - الأحزاب: 21.

[219] - ولربما هذا السبب هو الذي يجعلنا نرى تيار الانحراف المعاصر يجهد نفس لصد النفس عن النظر الى المناقب والفضائل من خلال جعلها غير ذات موضوع، ولا تتداخل مع الرسالة فمع ثبوتها تبقى خاصة بصاحبها ولا انعكاس لها على الواقع الايماني، وهي على أي حال من جملة ما دأب هؤلاء يطلقون عليه: العلم الذي لا ينفع من علمه ولا يضر من جهله. حيث يقول محمد حسين فضل الله في هذا الصدد: لا بد لنا من أن نلتفت الى الجهود الكلامية المضنية التي يبذلها علماء الكلام وغيرهم في اقامة البراهين على إن هذا النبي ـ لا سيما نبينا محمد (ص) ـ أفضل من هذا النبي أو ذاك أو من كل الانبياء، كما لو كانت القضية من القضايا الاساسية التي تتعلق بالجانب الحيوي للعقيدة، وقد يتصاعد الخلاف ويتجه اتجاهات غير دقيقة، ثم يتحول الى أن يكون صفة لازمة للشخصية بحيث يفرض على الفكر أن يلاحق كل الشخصيات الدينية أو السياسية أو الاجتماعية في نطاق عمليات التفضيل الذي يراد به ارضاء الزهو الذاتي الذي يرتاح اليه الانسان تحت تأثير الشعور بأفضلية الشخص الذي ينتمي اليه، وقد يتطور الامر فينتقل الى البحث عن النقائص والعيوب المتمثلة في شخصية الشخص الآخر، وقبول ما ينقل اليه منها وان لم يكن ثابتاً بطريقة شرعية، وقد لا يكون لهذا كله أي أثر عملي في جانب العقيدة وفي جانب العمل كما هي القضية في فكرة تفضيل نبي على آخر، أو تفضيل إمام على نبي كما قد يثار ذلك لدى بعض الفرقاء أو في ما يثار من تفضيل فاطمة الزهراء (ع) على مريم أو العكس… فإن هذا حديث لا يجني منه الخائض فيه أية فائدة على مستوى الدين أو الدنيا، سوى إتعاب الفكر أو إرضا الزهو الذاتي. . فإن الانبياء السابقين قد مضوا الى ربهم بعد أن أدوا رسالتهم كاملة غير منقوصة؛ ونحن نؤمن بهم، كما أمرنا الله بذلك من دون أن يكون لنا أي تكليف خاص متعلق بشريعتهم، كما أننا ملزمون بالسير على شريعة الاسلام التي جاء بها نبينا محمد (ص) من دون أن يكون لمنزلته بالنسبة الى بقية الانبياء أي دخل في ذلك وإن كنا نؤمن بالمنزلة العظمى التي جعلها الله له من خلال ملكاته وجهاده وامتداد رسالته. [من وحي القرآن(ط.ج) 5: 21ـ22 و(ط.ق) 5: 14ـ5].

ويقول في موضع آخر عن التفضيل: كما قلنا هذه من الامور التي لا تمثل أي نوع من أنواع مسؤوليتنا.. الى أن يقول: فهذه من الامور التي هي ليست جزءا من العقيدة، وليست جزءاً من الخط. [مجلة الموسم العدد: 22ـ23 س1103 ص303].

[220] - ذكره أبو نعيم في حلية الاولياء 1: 64، والمتقي الهندي في كنز العمال 6: 391، وفي منتخب الكنز المطبوع في هامش مسند أحمد 5: 38، والخوارزمي في المناقب: 266 ح 249، وابن حجر في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 9: 112، وفي الصواعق المحرقة: 76، والطبراني في المعجم الكبير 11: 210ـ211 ح 11687، والقندوزي الحنفي في ينابيع المودة 1: 376ـ377، والشبلنجي في نور الابصار: 81، والكنجي الشافعي في كفاية الطالب: 139، والحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل 1: 49ـ53، والطبري في ذخائر العقبى: 89.

[221] - فصلت: 42.

[222] - التوبةِ: 40.

[223] - الاحزاب: 33.

[224] - هود: 11.

[225] - لقمان: 20.

[226] - الجاثية: 13.

[227] - الاحزاب: 72.

[228] - الذاريات: 56.

[229] - الدخان: 38.

[230] - المؤمنون: 115.

[231] - الحجر: 99.

[232] - ابراهيم: 32ـ34.

[233] - البقرة: 30.

[234] - هود: 11.

[235] - وهذا ما يتفق مع منظومة الاحاديث المتواترة المتعلقة بالخلق النوري لرسول الله (ص) وعترته الاطهار (عليهم السلام) قبل أن تخلق السموات والارض. وسيأتي حديث مفصّل عن ذلك إن شاء الله تعالى في كتابينا القادمين: فاطمة الزهراء (ع) فريدة الدهر، وكتاب الميثاق الإلهي دراسة في النص المعصوم.

[236] - وهو نفس السر الذي جعل الملائكة بعد حالة الاعتراض الاولى التي نلمسها في قوله تعالى على لسانهما: (قالوا أتجعل فيها من يفسر فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) أن يستسلموا مباشرة بعد أن عرفوا أن ثمة وجود غير الوجود التكوني المتمثلة في صورة آدم (عليه السلام)، وهو المتمثل بما بعد إخبار آدم الأسماء، فإذ قال لهم الله: (إني أعلم ما لا تعلمون) شرع في إزاحة المجهول الذي لم تعلمه حتى الملائكة (وعلم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبؤوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ) وبمجرد رؤيتهم لما عرض عليهم من اسماء استسلموا فورا وعبروا عن هذا الاستسلام بقولهم: (قالوا سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك أنت العليم الحكيم).

ولهذا حينما تحملوا رؤية ما عرض عليهم كشف لهم ما خفي عليهم ( قال يا آدم انبئهم باسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال الم أقل لكم إني اعلم غيب السموات والارض واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون). [البقرة: 30 ـ33].

وهذا ما يقودنا ضمن هذه العجالة الى استخلاص جملة من الحقائق:

الأول: تفاهة وجهل من قال أن هذه الاسماء هي بعض ما خلق الله في هذا العالم كالجبال والانهار أو انها كانت اسماء النباتات وبعض المأكولات، أو غير ذلك، فما كان لعلم الملائكة أن يغيب عن ذلك فهم الواسطة في ادارة الخلق لهذه الامور، بينما نلحظ أن هذه الاسماء كانت مخلوقة قبل خلق نفس الملائكة، مما يعني أنها مخلوقة قبل خلق الخلق أجمعين.

الثاني: إن هذه الاسماء أسمى من الملائكة منزلة روفعة، ويؤكدها الحديث المتواتر لدى الطرفين من قول جبرئيل (عليه السلام) في حديث المعراج: تقدم يا محمد فلو دنوت انملة لاحترقت.

الثالث: يؤكد حقيقة الخلق النوري قبل خلق السموات والارض لما ورد لدى الطرفين وأجمع عليه حديث اهل البيت (عليهم السلام) بأنهم المعصومين الاربع عشر (صلوات الله عليهم اجمعين). ومن جملته ما رواه علي بن ابراهيم باسناده الى شهاب بن عبد ربه قال سمعت الصادق (عليه السلام) يقول: يا شهاب نحن شجرة النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، ونحن عهد الله وذمته ونحن ودائع الله وحجته، كنا أنوارا صفوفا حول العرش، نسبح فيسبح أهل الارض بتسبيحنا، وانا لنحن الصافون، وانا لنحن المسبحون. (تفسير القمي 2: 201).

وكما في موثقة أبي حمزة الثمالي حيث قال: سمعت علي بن الحسين (عليه السلام) يقول: إن الله تبارك وتعالىخلق محمدا وعليا والائمة الأحد عشر من نور عظمته أرواحا في ضياء نوره يعبدونه قبل خلق الخق، يسبحون الله عز وجل ويقدسونه، وهم الائمة الهادية من آل محمد (عليهم السلام). (كمال الدين وتمام النعمة: 318 ـ 319 ب31 ح1).

وللتفصيل انظر على سبيل المثال : الزيارة الجامعة الكبيرة، مصباح المتهجد وسلاح المتعبد: 753، وتأويل الايات الظاهرة: 280، 485، 487، 597، إعلام الورى بأعلام الهدى: 408، واقبال الاعمال: 462، وعلل الشرائع: 461 ب 130 ح1، وكذا في 174 ب139 ح1 والعدد القوية : 71 وغيرها كثير.

وبطبيعة الحال فحيث ما تفتقد تيار الضلال فمن المعتاد أن تجده عند مواضع انكار مقامات أهل البيت (عليهم السلام) فقد قام هذا التيار بانكار ان تكون القضية متعلقة بهم (صلوات الله عليهم) حيث قال رأسهم: فليس من الضروري أن تكون المسميات موجودات أحياء عقلاء محجوبين تحت حجاب الغيب. (من وحي القرآن 1: 221 ط.ج).

[237] - آل عمران: 61.

[238] - المائدة: 55.

[239] - الاحزاب: 33.

[240] - آل عمران: 7.

[241] - الرعد: 43.

[242] - النساء: 59.

[243] - الانفال: 33.