ملحق

جواب سماحة المرجع الديني الكبير آية الله العظمى الشيخ جواد التبريزي حول مقال الأصالة والتجديد

(1)

وقد وجدت أن من المفيد ضم ما استفتينا به سماحة العلم المفدى المرجع الديني الكبير آية الله العظمى الشيخ جواد التبريزي (مد ظله الوارف) حول مقال محمد حسين فضل الله في مجلة المنهاج حال صدوره وأرسلناه إليه مرفقا مع السؤال فقال بما نصه:

ظاهر ما أرسل إلينا أن القائل يتصور إن تعدد حكم الواقعة الواحدة بحسب اختلاف المجتهدين في الأعصار فيها أمر ممكن وواقع، وهذا مخالف لمذهب العدلية الملتزمين ببطلان التصويب في الوقائع التي وردت فيها الخطابات أو استفيد حكمها من مدارك أخرى، فإن مقتضى الإطلاقات ثبوت الحكم واستمراره بحسب الأزمنة في ظروف فعلية الموضوع في أي ظرف كان ولو كان استقبالا، ويدل على ذلك الروايات أيضا كصحيحة زرارة المروية في الكافي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحلال والحرام، فقال: حلال محمد أبدا إلى يوم القيامة، وحرامه حرام أبدا إلى يوم القيامة، لا يكون غيره ولا يجئ غيره، وقال: قال علي (عليه السلام): ما أحد ابتدع بدعة إلا وترك بها سنة.[288]

وإما فتاوى المجتهدين في موارد الخلاف، فلا تصيب من فتاواهم واقعة واحدة، إلا فتوى واحدة من ذلك.

نعم فتوى كل واحد من المجتهدين مع اجتماع شرائط التقليد فيه عذر بالنسبة للعامي في موارد الخطأ.

ثم أن الحكم المجعول في الشريعة له مقامان: مقام الجعل والثاني مقام الفعلية، وعلى ذلك فيمكن أن ينطبق عنوان الموضوع في شيء في زمان فيكون فعليا، ولا ينطبق على ذلك الشيء في زمان آخر فلا يكون ذلك فعليا، وهذا من ارتفاع فعلية الحكم، لا من تغير المجعول في الشريعة كما إذا كان شيء آلة القمار في زمان، وسقط عن آلية القمار في زمان آخر بعد ذلك الزمان، فاللعب به بلا رهان باعتبار عدم انطباق عنوان آلة القمار عليه في زمان اللعب لا يكون محرما وهذا ليس من تغير حكم حرمة آلة القمار كما هو واضح، وكوجوب الجهاد الابتدائي فانه بناء على اشتراط الجهاد الابتدائي بحضور الإمام (عليه السلام) فلا يكون في زمان الغيبة وجوب الجهاد فعليا لعدم حضوره (عليه السلام)، لا لأن مع عدم حضوره تغير حكم الجهاد في الشريعة وأمثال ذلك كثير.

نعم في الشريعة يمكن أن تكون لشخص أو أشخاص أحكام مختصة لهم، وهذه الأحكام تنتهي بانتهائهم كالأحكام المختصة بالنبي (ص)، وهذه قضايا خارجية لا ربط لها بالأحكام العامة الشرعية التي يعبر عنها بالقضايا الحقيقة .. والله العالم.

وأما مسألة حلق اللحية فالحكم فيها على تقدير الحرمة ثابت من الأول ويبقى إلى الأبد، وان كان حلالا ـ كما هو رأي بعض العلماء لمناقشتهم في دليل الحرمة ـ فالحلية أيضا كانت من الأول إلى الأبد، ولا يختلف ذلك باختلاف الأعصار والله العالم..[289]

جواد التبريزي

ختمه الشريف

 

(2)

وقد سئل سماحة المرجع الكبير من قبل أحد المؤمنين من دبي حول مقولات التحول والثبات التي ذكرها فضل الله في بداية مقال الأصالة والتجديد، وبعد أن استعرض جانبا من أقواله قال: والسؤال هو: هل صحيح ما ورد في هذا المقال من أن الإمامة من القضايا المتحولة التي لم تثبت بدليل قطعي؟! وهل العصمة كذلك؟.

وما هو نظر الشرع في من ذهب إلى هذه المقالة، هل يعد عندنا من الإمامية الإثني عشرية أم يعد من المخالفين؟أفتونا مأجورين.

وباعتبار أن جواب سماحة المرجع المفدى كان هذه المرة غيره في المرة السابقة حيث أجاب في المرة الأولى من وجهة النظر الأصولية والفقهية البحتة، فيما سنرى أن الجواب هنا سيكون من وجهة النظر العقائدية ولهذا أدرجنا جوابه الشريف حيث قال:

بسمه تعالى: مسألة الإمامة وعصمة الأئمة (عليهم السلام) من الضروريات والمسلمات عند الشيعة،ولا يضر في كونها ضرورية استدلال علماء الإمامية على ثبوتها في مقابل المخالفين المنكرين أو المشككين في ذلك، كما لا يضر استدلال العلماء على النبوة الخاصة والمعاد الجسماني في مقابل الفرق المنكرة لها من أهل الكتاب في كونهما من ضروريات الدين، وقد أوضحنا كل ذلك في جواب مفصل ألصق بالاستفتاء والله العالم.

وقد جاء في هذا الجواب ما يلي:

الضروريات الدينية على قسمين قسم منها ضروري عند عامة المسلمين أو جلّهم كوجوب الصلاة وصوم شهر رمضان المبارك، وقسم منها من ضروريات المذهب كجواز الجمع بين الظهرين والعشاءين من غير ضرورة ومثل عدم طهارة الميتة بالدبغ. وهذه الأمور تحسب من ضروريات المذهب ومسلماته والمنكر لذلك مع علمه بكونها ضرورية من المذهب خارج عن المذهب، كما أن في الأول المنكر مع عدم الشبهة يخرج عن الإسلام. هذا بالنسبة للأحكام الضرورية وأما بالنسبة للاعتقادات التي تجب معرفتها على كل مكلف عينا والاعتقاد بها اعتقادا جزميا بعضها من أصول الدين كالتوحيد والنبوة الخاصة والمعاد الجسماني والقسم ا لآخر من الاعتقادات من أصول المذهب كالاعتقاد بالإمامة للائمة (عليهم السلام) بعد النبي (ص) والاعتقاد بالعدل فإنه يجب على كل مكلف الاعتقاد بها إلا إن عدم الاعتقاد والمعرفة بالأول يخرج الشخص عن الإسلام، وفي الثاني لا يخرجه عن الإسلام وإنما يخرج عن المذهب.

والاعتقاد بكلا القسمين، كما ذكر العلماء ليس أمرا تقليديا بل يجل على كل مكلف تحصيل المعرفة والاعتقاد بهما ولو بدليل إجمالي يقنع نفسه به، وكون هذه الأمور أصوليا لا يمنع البحث ورد الشبهات الواردة عند طائفة من المتبحرين والمطلعين على الشبهات.

ولذا إن علماء الكلام كما بحثوا في مسألة النبوة الخاصة بل في مسألة المعاد بحثوا في مسالة الإمامة أيضا، وكما أن بعض الفرق تناقش في مسألة المعاد الجسماني بل في مسألة النبوة الخاصة كذلك ناقشت فرقة من المسلمين في مسألة الإمامة، ولكن هذه البحوث سواء أكانت من الدين أو المذهب لا تخرجها عن الضروريات عند المستدلين عليها بالأدلة القاطعة، ولو لم تقبل هذه الأدلة بعض الفرق كما ذكرنا، فإن استدلال العلماء على مثل هذه الأمور بالأدلة إنما هو لدفع الشبهات من الفرق الأخرى لا إنها مسائل اجتهادية لم يثبت شئ منها بالنص الصريح أو الدليل القاطع.

وبالجملة ضروريات المذهب ـ أي مسألة الإمامة والعدل ـ ثابتة عند الشيعة بأدلة قاطعة وواضحة بنحو حرم العلماء التقليد فيها بل قالوا بوجوب تحصيل العلم والمعرفة على كل مكلف لسهولة الوصول إلى معرفتها، كما انهم أوجبوا العلم بأصول الدين ولم يجوزوا التقليد فيها لأن طريق تحصيل العلم بها سهل يتيسر لكل مكلف، والمتحصّل أن الإعتقاديات سواء أ كانت من أصول الدين أو أصول المذهب أمر قطعي ضروري عند المسلمين أو عند المؤمنين. وإنما يكون اختلاف آراء المجتهدين في غير الضروريات والمسلمات من الدين أو المذهب ويفحص في غيرهما من فروع الدين عن الدليل عليه، وبما أن العامي لا يتمكن من الفحص في مدارك الأحكام تكون وظيفته التقليد فيها فالاجتهاد والتقليد إنما يكونان في غير الضروريات والمسلمات، وأما الضروريات فالاستدلال فيها لغرض الرد على الفرق التي لا تؤمن ولا تعتقد بهذه الضروريات لا يخرج ذلك عن كونه ضروريا عند أهله ومسالة الإمامة عند الشيعة داخلة في ذلك كما بيناه. والله العالم.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[288] - الكافي 1: 58 ح9.

[289] - استشهاد سماحة الشيخ باحكام القمار والجهاد الابتدائي وحلق اللحية نظرا لأن فضل الله استشهد بهم في مقالته.

وبطبيعة الحال فإن هذا الاستفتاء صدر قبل حكم العلمين العظيمين الشيخ التبريزي والشيخ الوحيد الخراساني (حفظهما الله تعالى) مع بقية من المراجع العظام على فضل الله بالضلال والاضلال وكونه خارجا من المذهب.