النجف كما وصفها
بعض المستشرقين الفرنسيين
تأليف
الدكتور قيس جواد العزاوي
رئيس تحرير مجلة دراسات شرقية ـ باريس
إعداد
مكتبة الروضة الحيدرية
النجف الأشرف
مقدمة:
كان عنوان البحث في البداية هو "النجف في كتابة الرحالة والمفكرين الغربيين" ولكنني وبعد أن اطلعتُ على ما كتب بالعربية حول هذا الموضوع وبخاصة ما أورده الأستاذ جعفر الخياط في الجزء المخصص للنجف من "موسوعة العتبات المقدسة" وجدتُ أنّ الكتابات الفرنسية نادرة جداً ومقتضبة، وقد استعنتُ ببعض نماذجها في هذه الورقة.. وأدركت أن تخصيص بحث عن بعض المساهمات الفرنسية غير المعروفة لدى قرّاء العربية سيضيف جديداً بالقطع لهذا النوع من المعرفة.. وبناء عليه فقد انصبّ اهتمامي على ترجمة بعض الكتابات ومنها:
ـ الكتابات الاستشراقية مثل ما أوردته الموسوعة الإسلامية الصادرة بالفرنسية عن النجف وما كتبه فكتور بيرار وبارون كارا دي فو.
ـ كتابات الرحالة مثل جان باتيست تافرنييه وف. فونتانييه وادريان دوبريه وجان ديولافوي.
ـ كتابات المستعربين المحبين للشيعة مثل جاك بيرك الذي يعشق النجف وأهلها وتقاليدهم وفكرهم وبيير جان لويزارد الذي يعيش مع فكر المجتهدين في النجف ويتبنى قضية النجف وكأنه وُلد فيها.
ومن نافلة القول فانّ الاهتمام الفرنسي بديار الإسلام ينصب بالدرجة الاُولى على المناطق التي ساد فيها الاستعمار الفرنسي بشكل خاص، وانّ الكتابة عن العراق بعد الفتح الإسلامي وعن العتبات المقدسة ضئيلة ونادرة للغاية، ذلك لأن
|
|
جل الاهتمام الفرنسي انصب على بلدان المغرب العربي، حتى بات في ذهن العامة الفرنسيين أن العرب والمسلمين هم المغاربة فحسب.
لقد تناولنا في ورقتنا هذه كبداية لابد منها بعض ما ذكرته الموسوعة الإسلامية الصادرة بالفرنسية عن النجف، ومن ثمّ أدرجنا ما كتبه بعض الرحالة والمستشرقين بشكل مقتضب جداً، على أننا توسعنا قليلا بما كتبه جاك بيرك وبيير ـ جان لويزارد فقط، وكنا نود أن نخصص مساحة اضافية لما كتبه لويس ماسينيون والجيوبوليتيكي الفرنسي فرانسوا تيال في كتابه "جيوبوليتك التشيع" على أن الاختيار في هذه الورقة بقي انتقائياً وليس شمولياً نظراً لما تتطلبه الشمولية من توسع وتمحيص وزمن ومساحة مما لا تتيحه هذه الورقة المتواضعة.
الموسوعة الإسلامية الصادرة بالفرنسية عن ميزونف لاروز 1979م
Ecyclopédie de l'Islam, Ed. Maisonneuve & Larose; 1979
النجف: وتسمى مشهد [الإمام] علي، مدينة عراقية ومزار مقدس للحجّ [المقصود الزيارة] في الوقت نفسه. تقع على بعد عشرة كيلو مترات غرب الكوفة وهي على حافة الصحراء في مرتفع على شكل هضبة جرداء ولهذا سمّيت بالنجف. واستناداً إلى الروايات التاريخية فإنّ جثمان [الإمام] علي بن أبي طالب دُفن على مقربة من الكوفة، ليس بعيداً عن السد الذي يحمي المدينة من فيضان نهر الفرات، في هذا المكان الذي ستقوم عليه مدينة النجف فيما بعد.. وتستعين الموسوعة بآراء المؤرخين المسلمين كالمسعودي والاسطخري حول تحديد المكان الذي دُفن فيه جثمان الإمام علي... وآراء ابن بطوطة وابن الأثير وابن حوقل عن الحمدانيين والبويهيين، وعن ضريح الإمام وتزيينه وبناء قبته وكيف حرق عامة بغداد المشهد عام 443هـ / 1052م. وكيف قام الخليفة البويهي الشيعي عضد الدولة بإعادة اعمار وترميم الصحنين الشريفين (مشهد الإمام علي
|
|
في النجف ومشهد الإمام الحسين في كربلاء) وكيف زار السلطان السلجوقي مالك شاه ووزيره نظام الملك ضريح الإمام علي... وكيف حرف الحاكم المغولي لبغداد قناة الفرات في النجف التي ما لبثت أن غطتها الرمال سريعاً... وكيف اعيد حفرها وتنظيمها بأمر من الشاه إسماعيل وكانت القناة تسمى باسمه " نهر الشاه " ثمّ تغطيها الرمال من جديد ويعاد تنظيفها مرة اُخرى إلى أن قرّر السلطان عبد الحميد الثاني أن يمد أنابيب حديدية لجلب الماء من الفرات إلى النجف عام 1912م.
وتشير الموسوعة إلى الزيارة التي قام بها الشاه إسماعيل الصفوي، ومن ثمّ زيارة السلطان سليمان القانوني العثماني للنجف الأشرف، هذه المدينة التي حافظت على شيء من الاستقلالية والادارة الذاتية التي وفرها المجتهدون إبان العهد العثماني رغم الضغط الذي مارسه الباب العالي والقمع الذي قوبلت به الانتفاضات الشيعية في الأعوام 1842 و 1852 و 1854م. كما سبّبت محاولات التجنيد الاجباري الذي استخدثه العثمانيون انتفاضات عدة عامي 1915 و 1916م... كما أن النجف تحولت إلى موقع مركزي للمعارضة المناهضة لبريطانيا والملك فيصل وبخاصة إبان الثورة العراقية عام 1920م.
احتفظت النجف على مدى كل هذه القرون بمكانتها كأرض مقدسة يزورها الشيعة من كل مكان في العالم ويدفنون فيها موتاهم... وفي الستينات من هذا القرن تحولت النجف إلى مركز للمعارضة الإيرانية ضد شاه إيران، فلجأ إليها آية اللّه الخميني عام 1965م وبقي فيها حتى عام 1978م. وهي اليوم جزء من محافظة كربلاء. كان عدد سكانها عام 1970م قرابة 180 ألف نسمة، وربع هذا العدد من الإيرانيين قبل أن يقوم العراق بتهجيرهم إلى إيران إبان الحرب العراقية الإيرانية... وتستند الموسوعة إلى قول لويس ماسينيون ان الحيرة كانت قائمة في مكان النجف حالياً.
|
|
جان باتيست تافرنييه، العراق في القرن السابع عشر، گورگيس عواد وبشير فرنسيس. وهو ترجمة ما يخص العراق من رحلة تافيرنييه. (ورد في بحث جعفر الخياط في موسوعة العتبات المقدسة)
مرّ الرحالة الفرنسي تافرنييه وهو في طريقه إلى البصرة بالنجف الأشرف وتحدث عن الضريح المطهر وحوله أربعة شمعدانات مضاءة وقناديل مدلاة من السقف كانت تضاء في الليل والنهار وهناك قارئان يتلوان القرآن الكريم على الدوام.. ورأى أنّ ماء الشرب غير عذب يستقيه الناس من آبار أربع موجودة فيها، وأن الطعام كان شحيحاً في البلدة، وأنه لم يجد فيها غير شيء قليل من التمر والعنب واللوز مما كان يباع بأسعار عالية... وعندما يكثر عدد الزوار في موسم الزيارات كان الشيخ يوزع عليهم عند الحاجة الرز المطبوخ بالماء والملح والمضاف إليه شيء قليل من السمن..
ويتفق تافيرنييه كغيره من الرحالة الأجانب حول موضوع منع الزوار الايرانيين من زيارة النجف وغيرها من العتبات المقدسة الذي أصدره الشاه عباس الصفوي، وذلك لأن الزوار كان لابدّ أن يمروا ببغداد قبل وصولهم إلى النجف، وهناك كان يترتب على كل منهم دفع رسم قدره ثمانية قروش وهذا الرسم في نظر الشاه تحدياً واهانة لرعيته وحكومته، ولذلك عمد إلى تعمير ضريح الرضا (عليه السلام) في مشهد خراسان ليكتفي الايرانيون بزيارته وينصرفوا عن زيارة العتبات الأخرى، وقد اقتدى به ملوك إيران الذين جاؤوا من بعده أيضاً.
فيكتور بيرار، السلطان، الإسلام والقوى: القسطنطينية، مكّة، بغداد
Victor Berard, Le sultan, l'Islam et Les Puissances, Paris, Armand colin 1907
في كل عام يأتي من الهند وبلاد فارس ومن كل أنحاء العراق آلاف من الزوار والجنائز إلى النجف حيث الجامع الذي يضم مرقد الإمام علي (...) وقد
|
|
كتب القنصل البريطاني في كرمنشاه عام 1904م يصف نقل الجنائز والرسول التي يفرضها العثمانيون بقوله "يدفع عن الجنائز التي تصل من الخارج رسول قدرها 50 بيزة، أما الجنائز العثمانية فلا يدفع عنها إلى المكتب الصحي سوى 20 بيزة، كما أن السلطات المحلية في كربلاء والنجف والكاظمية تتقاضى من ناحيتها حق الدفن الذي تتراوح قيمته حسب درجة قدسية المكان الذي يتم اختياره: خمسة آلاف بيزة للجثة التي تُدفن في الحرم المقدس في كربلاء والنجف...".
يجلب الزوار عشور جماعاتهم، وثلث ثروات المتوفين التي يخصصها الشيعة في كل مكان بعد وفاتهم للعتبات المقدسة (...) إنّ ثروات القائمين على الحضرة النجفية والسادة كبيرة جداً (...) وتقدّر الثروات المتجمعة في المراقد في كربلاء والنجف دون احتساب الزخارف الداخلية والخارجية بـ 30 مليون ليرة تركية أي 690 ميلون فرنك فرنسي.
إنّ "الخليفة" السني في اسطنبول وهو بمثابة "البابا" للسنة يتجرأ في بعض الأحيان على التصرف بثروات الطائفة الشيعية... وفي عام 1873 م فُتحت خزائن الأئمة وفتحت السراديب بأمر من السلطان عبدالعزيز، وأخرج منها 77 طناً من المجوهرات والنفائس التي حولت إلى نقود وارسلت إلى اسطنبول... وقديماً كانت هذه المراقد الشيعية تمتلك من بين ما تمتلك أراضي واسعة كانت بتصرف علماء وفقهاء الطائفة، وضع الخليفة هذه الأملاك تحت تصرّف الادارة الامبراطورية (الأوقاف) ... ولكي لا تتكرر هذه العملية طالبت انگلترا وفارس بأن يكون لقنصلياتهم حق المراقبة على توويع دخول الهبات الجديدة. لقد أظهرت انگلترا استعدادها لحماية الشيعة وقد رجع الفرس إلى القناصل البريطانيين مثلما حدث عام 1906م عندما تجاوزت السرقات التركية كل الحدود... ومن المعروف انّ القنصليات البريطانية كانت توزع مبلغاً يعادل 60 ألف فرنك فرنسي شهرياً على فقراء المدن المقدسة الأربع: كربلاء والنجف والكاظمية وسامراء.
|
|
ف. فونتانييه، رحلة في الهند وفي الخليج الفارسي... (أورده جعفر الخياط)
V. Fontanier, Voyage dans L'lnde et le Golfe Persique
وفي سنة 1824 م زار نائب القنصل الفرنسي يومذاك في البصرة السيد فونتانييه مدينة النجف، وقد كتب بوصفها "إن بغداد التي مررتُ بها في 1824م لم تكن بغداد الموصوفة في ألف ليلة وليلة وإنما لها طابعها الشرقي، فإنها أصبحت مجمعاً للمسلمين نظراً لوجود ضريح الإمام علي في مدينة النجف التي تقع على مسافة منها، ولاشكّ أن وجوده يدعو شيعته إلى زيارته والقدوم إليه... ويُقال انّ مائة ألف أجنبي يمرون سنوياً بمدينته للذهاب إلى زيارة ضريح الإمام علي. وهذا الازدحام يجعل من أية نقطة في البر وسطاً تجارياً كبيراً...".
بارون كارا دي فو، مفكرو الإسلام، بول غوتنير، 1926م
Baron Carra DE VAUX, Les penseurs de l'Islam, Paris Paul Geuthner, 1926
بلاد فارس هي البلد الأكثر حباً للزيارات: انّ الفرس من كل الطبقات متحمسون لأداء هذه الزيارة، الفقراء يؤدون الزيارة سيراً على الأقدام، والسادة الأغنياء يزورون بأبهة محاطين بعائلتهم ويقطعون الطريق على مراحل صغيرة، والأضرحة التي يزورها الشيعة هي بشكل عام مراقد [الإمام] علي وأولاده وبعض الأئمة الآخرين من أهل البيت (...) إنّ المرقدين المهمين جداً اللذين يزورهما الفرس هما في النجف وكربلاء.
لا نعلم بالضبط أين دفن [الإمام] علي. ان الروايات التاريخية تقول بأنه قتل أمام الجامع الكبير في الكوفة، وقد نقل جثمانه إلى مسافة ما، إلى الحيرة، التي هي اليوم النجف. وتقع النجف على ناحية الشمال من بحيرة تحمل الاسم نفسه. إن الجامع الذي فيه [الإمام] علي مقدّس جداً. وقد بُني الضريح في مركز
|
|
فناء مستطيل جدرانه مزخرفة ومحلاة بالذهب وببلاط مزين. أمام الباب نافورة من البرونز الصقيل ذات رونق، وترتفع قبة مذهبة أعلى الضريح بين أربع منارات في الزوايا الأربع مذهبة هي الأخرى. ان المنظر الاجمالي عندما ينظر إليه من بعيد يبدو كصرح مذهب أخاذ.
ادريان دوبريه، رحلة في بلاد فارس في السنوات 1807 و1809م عبر الأناضول وبلاد ما بين النهرين، باريس 1819م (أورده جعفر الخياط)
Adrien Dupré, Voyage en perse Fait dans les années 1807-1809, Paris. 1819
مرّ ببغداد عام 1807م ويقول: "انّ عدد الزوّار الذين يمرون ببغداد سنوياً في طريقهم إلى الزيارة في النجف الأشرف يتراوح بين خمسة عشر ألف وعشرين ألف زائر، وكان مرورهم من بغداد بهذا الشكل يؤثر على تجارتها ومصنوعاتها بطبيعة الحال".
جان ديولافوي، الفرس والكلدانيون والخوزسستانيون (أورده جعفر الخياط)
Jane Dieulafoy; La parse La Chaldée et La Susiane, Paris, 1887
زارت الرحالة الفرنسية جان ديولافوا العراق في ولاية تقي الدين باشا الثانية على العراق 1281م مع زوجها عالم الآثار الفرنسي مارسيل ديولافوا، وهي تتحدث عن الجنائز فتقول: "انّ دفن الموتى في النجف وسائر المراقد المقدسة أصبح عادة لفريق من المسلمين منذ أوائل عهد الإسلام... وكان الزوار يتواردون من إيران على بغداد في طريقهم إلى الكاظمية والنجف، وكانوا عند دخولهم إليها من بابها الشرقي يتعرضون إلى الكثير من عبث الأطفال وهرجهم، وإلى الرمي بالحجارة في أغلب الأحيان. ومع جميع الأذى الذي كان يصيبهم من ذلك كانوا لا
|
|
يفكرون في يوم الأيام بتقديم الشكوى إلى السلطات التركية أو إقامة أية دعوى في المحاكم، لأنهم كانوا يعلمون أنهم لا يحصلون على نتيجة ملموسة يتجنبون المصاعب بها، فالمسؤولون الأتراك كانوا يشجعون هذه الأعمال ـ على حد قولها ـ وكانت كل شكوى تقدم من الزوّار تقابل بالهزء والسخرية".
جاك بيرك، من الفرات إلى جبال الأطلسي، باريس، 1978م
Jacques Berque, De l'Euphrate à l'Atlas, Paris, Sindbad, 1978
النجف وكربلاء بالأمس
في أحد الكتب المصورة التي خصصتها الجمهورية العراقية لتبيان تطورها الصناعي اشارة إلى وجود مصانع جديدة في النجف وكربلاء. وهكذا أصبحت المدن المقدسة تخضع إلى أحد قوانين عصرنا ألا وهو التغير الاقتصادي. فإلى عائدات الزيارات والمبيعات التي يشتريها الزوّار تضاف اليوم أرباح مصانع الأحذية والعلب. وتلك علامة على حلول نظام بشري مبرمج محل النظام الديني القديم... انها سمة من سمات التغيير الذي تتعرض لها البلدان القديمة الوفية لثقافتها بإيجابياته وسلبياته. ومع ذلك فمن الطبيعي أن تبقى النجف وكربلاء قطبين مهمين في مجال الطقوس والإيمان (...) حالياً النجف لها غرفتها التجارية، وبعض أعضائها يحمل اسماً، كما هي العادة عند الشيعة، يخلد عنوان قصيدة شعرية أو رائعة من روائع الأسلاف المشهورين في هذه المدينة الحافلة بالذكريات، نكتشف رموزاً في كل خطوة نخطوها.
انّ الأهمية القصوى التي تكتسبها طقوس الحزن والمأساة، والتقليد الذي يعتمد الكتمان، كل هذا يعطي للحياة طابعاً يجعل السياسات الجديدة القائمة تحاربه أو تتحالف معه.
|
|
بعد فترة قصيرة من انقلاب 14 تموز 1958 م الذي تأسست على أثره الجمهورية تصادفت ذكرى مذبحة كربلاء، حينها أدانت الصحافة العراقية المحاولة التي قارن بها البعض بين الشهداء الأولياء الطاهرين وشهداء الثورة الذين لا يخلون من الدنس. وأياً كان الأمر فإننا سنحتفظ بما تفرضه دراستنا الحالية من سهولة التداخل بين الحقب التاريخية، التي يمكن أن نقع فيها نحن أيضاً... ففي هذه المدن المقدسة يوجد عنف زمني مترافق مع حسية حية تعويضية تتجسد في اطار المعالم التاريخية والاحتفالات والمقابر حيث يسود ارتباط متبادل بين الجماعة وطقوسها المحلية... ومما يؤسف له أننا لا نمتلك المعلومات الكافية التي تبين كيف تحل هذه التطورات المعاصرة تلك التضامنية أو تقسمها أو على الأقل تغيرها فقط. ومع ذلك لا يبدوا مستحيلا تصويبها الفترة بعيدة في الزمن بطريقة واضحة. وذلك لأن لدينا شهادات داخلية متعلّقة بهذا الموضوع، انها كتابات المثقفين الذين ينتمون الى الجيل السابق. انّ نظرتهم تنال عناية خاصة وتميز من نظامها نفسه وتساهم في عمل أهمله التاريخ الاجتماعي طويلا كمرجع لا غنى عنه.
النجف في نهاية القرن الماضي
[ينطلق جاك بيرك في وصفه للحالة العلمية والاجتماعية في النجف
من خلال ما كتبه محسن الأمين من ذكريات في كتاب أعيان
الشيعة الذي نشره ابنه عام 1957م]
كان محسن الأمين في عام 1890م طالباً في جبل عامل (جنوب لبنان) قد وصل إلى النجف وأقام بصورة متواضعة في حي الحويش قرب أستاذه الذي استمد منه المثال والعلم والعقيدة. ولم يفعل بذلك سوى تقليد الكثيرين من أمثاله الباحثين عن العلم. برز من بينهم الكثير من التقاة العبّاد، وغيرهم من الغواة المنصرفين عن العبادة، ذلك لأن "الحكمة كماء المطر: إذا سقط على فاكهة مرّة
|
|
فسوف يزيدها مرارة، أما إذا سقط على فاكهة حلوة فتزداد حلاوة وعذوبة". عندما كان محسن الأمين يدرس على يد أساتذة وعلماء كان هناك طلاب آخرون يدرسون على يديه ويتعلمون منه. كان أساتذته آنذاك من الفرس والأتراك والعرب يمكن أن نذكر من بينهم محمود طه النجفي، السيد محمّد الطباطبائي، بحر العلوم، وعدد من الشيوخ من عائلة دينية مرموقة آل كاشف الغطاء، وغيرهم من عائلة القزويني. إنّ كثيراً من تلك الأسماء تحمل دلالات ومرجعيات مقدسة مثل "بحر العلوم" و"كاشف الغطاء".
تتضمن الدراسة الدينية في الحوزة النجفية حلقتين دراسيتين: الاُولى تُدعى (السطوح) وهي عبارة عن مبادئ أولية ومختصرات لكل علم من العلوم الدينية واللغوية، في البداية قواعد اللغة العربية والنحو والصرف والبلاغة والمنطق ومن ثمّ الأصول والفقه وعلم الإلهيات والطبيعيات. الحلقة الثانية وتُدعى (البحث الخارج) فالأساتذة يتبرمون ويهجرون المواد (1) والكتب المقررة ويقوم الاستاذ بطرح وتعليم مواضيعه الخاصة وعرض الأسئلة الجوهرية المتعلّقة بالدين بعد اغنائها بالاستشهادات والاستنتاجات والتعليقات والشروحات والردود والمخالفات حيث يشارك فيها الطلاب المتلقون كما يحلو لهم كل حسب طاقته وقدرته.
إنّ صفة أو درجة العالم المجتهد تنتج عن تلك الممارسات الطويلة حيث يبقى عدد قليل من بين النادرين الذين تتمخض عنهم دروس الخارج. وغالباً ما تكون طرق التدريس الروتينية وعدم كفاءة هذا الأستاذ أو ذاك، والصيغة الطوعية المطلقة السائدة على مجمل النظام التعليمي الديني العالي، هي التي تحتفظ بالطالب في المستويات الدنيا للتعليم وتُضلّ نفسه بصورة نهائية. هناك صعوبات
____________
1- هذا الوصف غريب، وإنما يقوم الاستاذ في هذه المرحلة بطرح الآراء المختلفة ويناقشها ثمّ يعرض رأيه ويستدل له فتكون المناقشة من الطلبة للوصول إلى الرأي الأصوب، وقد يقتنع الأستاذ برأي الطالب فيعدل عن رأيه. [اللجنة].
|
|
ناجمة عن طبيعة المواد المدروسة ذاتها "وقد حاول سابقونا ومن بين معاصرينا الأقدم منّا توضيح تلك الاختلافات وأمضوا الأشهر والأيام في ذلك إلاّ انّ التعريفات كانت تبدو لهم من هذا الطرف أو من ذاك مبالغ بها وقابلة للنقد. وأوّل مَن تعرّض للنقد وعارض هذه الاشكاليات هو أستاذنا الشيخ الملا كاظم الخراساني" وهو أكثر علماء عصره الأفذاذ انتقاداً لهذا التعقيد الذي يهيمن على التعليم بين علم الأديان والقانون. انّ طول مواد الأصول المملة، والتهاون في الحديث ونقد سلاسل النقل والروايات والأحاديث أمر مشرتك في جميع العالم الإسلامي مما يجعل من هذا الجيل الاصلاح التربوي ومقدماته.
وبالرغم من انشغاله الكبير بالعلم إلاّ أن الشيخ محسن الأمين شارك في حياة المدينة "النجف" لذلك فإنّ وصفه يحتوي على معطيات ثمينة عن فترة زمنية قريبة لكنها غير معروفة جداً. "العملة النقدية نادرة في المدينة، فالتاجر أو ربّ العمل يقترح مبلغ 6 روپيات تركية كتعويض أو مرتب لمؤذنه الخاص للسنة كلّها. إنّ ثمّ الخاجية، وهي نوع من العباءة الخفيفة تساوي قرش (فرنك قديم) . أحد الزبائن يقدم فلساً ايرانياً لبائع باذنجان فيرد هذا الخبر: أنت تريد أن تشتريني؟ وفي الأزمات أو الندرة ترتفع الأسعار وغالباً ما يحلّ الجوع محل الوفرة، وهو ما يعني خراب الباعة والتجار والمستهلكين على السواء في اقتصاد مهزوز وغير مستقر والذي يدفع ثمنه هم الفقراء، وهم يعرفون ذلك ويتضامنون فيما بينهم ويتساعدون. داخل الصحن المبارك يعمل خباز يأتي الزبائن إلى سفطه الحاوي للأرغفة ويلجأ إلى الطلاب وهو يصنع نوعاً من الخبز يُدعى "المهدى" ويبيعه بالتقسيط ويكتفي بوضع خط أمام اسم الطالب الزبون على قطعة من خشب وعندما أضاع أو فقد الشيخ محسن الأمين يوماً خشبته التي عليها دينه للخباز لم يضطرب لأن الخباز يثق به ويضع بدلا منه خشبة جديدة حسبما يعترف له الطالب الزبون بما عليه من دين ويستمر البيع بالدين.
|
|
هناك كثيرون مَن يخشون اللّه في هذه المدينة التي استمدت مكانتها وبركاتها من القبر المقدس الذي يشرفها وهو قبر الإمام علي.
الاشادة بفضل النجف يشكل معلماً مشتركاً لدى جميع الكتاب وكاتبنا لم يشذ عن هذا القاعدة فهو يحتفي ويشيد بمزايا وصفات سكان النجف وما يتميزون به من حيوية وكرم وصبر وأناة واقتصاد. بعضها متناقضة وبعضها الآخر غير مهمة. ويتمتع الناس بهالة احترام كبرى. وللمفارقة لا يلفظون أبداً اسم امرأة. فحشمتهم تصل بهم إلى حد تفادي لفظ كلمة " نسيب " من الأرحام أو القريب عن طريق النساء في العائلة، فكلمة نسيب توحي بالضروة المثيرة بالاضطراب. فالحشمة تمنع الناس من الحديث حتى عن التحدث عن الأكل فبدلا من قول كلمات أو جمل من قبيل (وجبة طعام) يقال: " الكرم " أو " نعمة اللّه " لأن كل شيء يأتي من اللّه. هناك سمات اُخرى للنبل أو العادات الجميلة التي تعني أن الزوج يكون دائماً قرابياً أو عائلياً حيث يتزوج الشاب دائماً بابنة العم ومن ذوق الأهل عدم التدخل في الخصومات والمشاحنات الزوجية أبداً، ممّا يعني كما يقول الشيخ محسن الأمين "انه لن تحدث حالات طلاق أبداً". إلى جانب ذلك تكون المهور المدفوعة متواضعة لأن الصلات العائلية هي القانون المفروض.
نخطئ إذا أخذنا بهذه الرؤية المتحيزة للأمور لأن هذا المجتمع هو في نفس الوقت قاس وعنيف. فالنجف تنقسم كما رأينا إلى أربعة أحياء أصلية متناحرة تضم أو تشكل رابطتين وتعود المنازعات والصدمات بينها إلى فترة الاضطرابات التي أثارها الوهابيون منذ زمن بعيد. ولمقاومة غزواتهم وخلق جبهة لمواجهة دعايتهم، تشكل تجمع من حول شيخ أو عائلة كاشف الغطاء وسمّيت هذه المجموعة (الزكرت) واختاروا زعيماً ميدانياً وهو المدعو عباس الحداد. وأما التجمع المناوئ فقد التفّ من حول محمود الرخباوي وكان عند هذا الشخص شقيقتان كان يمنع زواجهما بسبب صيانة الشرف الذكوري حتّى انّ هذا الشخص
|
|
منع تواجد زوجين من الحيوانات في بيته. اشتكت الفتاتان المحكومتان بالعزوبية القسرية الظالمة ضد طغيان وتعسف شقيقهما أمام شيخ إلاّ أن الشقيق رفض الامتثال أمامه ولم يلب دعواته. ولكن عندما قتل محمود عام 1813م واصلت شقيقته أم السعد، التي بات بإمكانها الزواج الآن، رفضت الزواج وصممت على الأخذ بثار شقيقها ومواصلة المطالبة بالثأر. وتبنى الملا محمود طاهر مهمة الانتقام لدم محمود وقتل بدوره رجلا من الخصوم وبرز ثأر جديد والذي أثار ضد الزكارتة المجموعة التي تسمى نفسها (الشمرت) وعمت نزاعات مؤلمة وعنيفة بالمدينة المقدسة وغذت مشاعر الأحقاد وأغنت المقابلات والوقائع والشعر، والمذكرات. وآخر حدث يعود تاريخه إلى عام 1925م. ومنذ ذلك الحين قلّت الخلافات بين الفريقين ففقدت اسمها القديم وانطلقت من جديد تحت أسماء وعناوين اُخرى أكثر سياسية. ومن هنا نشط الانگليز والهاشميون والمنافسات القبلية التي استغلت تلك الأوضاع. ومهما يكن الأمر. ففي الفترة التي كان فيها الراوي الشيخ محسن الأمين يدرس في النجف لم تكن المواجهات تحدث تحت شعارات القومية والماركسية فالرابطتان أو الجماعتان ما زالتا حينئذاك تهيمنان على المدينة.
في أحد الأيام دفن الشمارتة أحد أمواتهم في مقبرة دار السلام الشاسعة جداً. عارض الزكارتة ذلك، ووقعت معركة، كان شيخنا يتأمل على أحد السطوح فهبط باحتراز إلى باحة منزله وكان الرصاص المتراشق ينهمر في كل مكان فأرسل القائمقام التركي المرعوب برقية إلى رؤوسائه. وبعد يومين أو ثلاثة وصلت كتيبة عسكرية يقودها أميرلاي على درجة كبيرة من الحلية التي اشتهر بها الولاة العثمانيون، تظاهر أنه يعطي الحق لأحد الطرفين وينحاز إليه فقاد زعيم الزكارتة الذي كان يُدعى باسم غريب هو "طيّار الهوى" إلى خارج المتاريس وقال له "حشّد رجالك فسوف نباغت بيوت المعسكر المناوئ ونطردهم خارج المدينة"
|
|
فجمع طيار الهوى أتباع وعندما كانوا على مقربة من النجف طوقتهم الكتيبة التركية وسجنتهم، فتوجه الكولونيل التركي منتشياً بانتصاره إلى بغداد وبصحبته زعيم رابطة الزكارتة مكبلا مخفوراً. ولكن من مفارقات ذلك الزمان أن طيار الهوى لم يغادر السجن بعد فترة قصيرة فحسب بل انه عاد قاضياً لأحد المناطق المجاورة. وهنا توقفت مغامراته، حيث ان من عبثية الزمن أن تدبير الزعماء كانت المنطقة التي يديرها طيار الهوى مصابة بوباء الحمى التيفوئيدية فاُصيب بها هو أيضاً مبكراً ومات.
إن هذا النوع من المغامرات التي تلتقي وتتداخل فيها الدعابة والعنف والعبثية كان مزدهراً في ذلك الزمان، لكن هناك أيضاً الجوانب الجيدة لتلك الفترة. ففي لحظة الاحتلال التي قامت بها الكتيبة التركية لجأ شيوخ خائفون إلى العتبات المقدسة القريبة، فانشقّ أحد العساكر من الصفوف التركية وأسرّ لهم قائلا "سمعتكم تتكلمون بالعربية وأنا عربي أيضاً اُريد أن أتقن الفقه والعلوم والعالية" فهرب من الجيش التركي وأصبح من أتقى الأتباع. هنا يبدو لنا وكأنّنا نقرأ نصاً لغوبينو Gobineau.
أما خليفة طيار وهو عطية أبو كلل فكان يمارس التهريب بطريقة معيبة. كانت هناك تلال مطلة توجد على مسيرة ست ساعات إلى غرب النجف الأشرف وكانت السلطات الحاكمة عاجزة أو متواطئة، وكان يمنع المارّة بواسطة الحواجز قبل وصولهم المدينة، وفي يومن الأيام وضع الجلاوزة يدهم على أحد رفاق عطيّة، فما كان من هذا الأخير إلاّ أن امتطى فرسه وجمع رجاله وهاجم الثكنة التركية في السراي دون أن يتمكن العثمانيون من عمل شيء. ولم يبدوا ردة فعل عنيفة، كانوا يستوعبون مدى حلم الزعماء البدو، لذلك كانوا يتغافلون عن أعمالهم ولا يرون إلاّ ما يريدون رؤيته. إن حرية المدينة كانت تعتمد على هذا الخمول التقليدي للحكومة المركزية.
|
|
السجالات العقائدية والشعر
النزاع لا يقتصر على الجانب الدنيوي في هذا المجتمع العنيف والعلامة الممتازة على ذلك تظهر في مجال العقيدة. فقد كان سائداً بين العلماء جميع أنواع النزاعات الشخصية أو العقائدية. بعضهم ينساق باندفاع وحماسة للتجديد الفقهي والاجتهاد ليصل إلى حد صدم المشاعر العامة. ومثال ذلك الشيخ هادي الطهراني الذي أثار آنذاك حفيظة الكثير من النفوس الثائرة ضد أفكاره، وهو فقيه وعالم مجتهد قدير لكنه انتقد القدماء والأسلاف من العلماء، وتجرأ على الابتعاد عن الاجماع فوصم بالزندقة والهرطقة وهُدّد بالقتل ولم يبق إلى جانبه سوى بضعة مخلصين من أتباعه كلّهم من الفرس. لم تكن مثل تلك الحوادث نادرة والكاتب نفسه عاش مثل هذه التجربة بنفسه.
لكن النجف لا تفخر فقط بكبرياء عوائلها وبالزهد والتقوى أو السجالات العقائدية، إذ ينحدر منها سيل متدفق من الشعر. أحد علمائها المحليين علي الخاقاني، جمع في مؤلّف مكوّن من 20 مجلّداً "شعراء الغري" وكانت مناسبة ليعيد التذكير باسم النجف الأصلي "الغري" وكان لكل واحد من الأماكن المقدسة عدة تسميات يستخدمها وجهاء من الخاصة والعامة. فالنجف كانت تسمى "الغري"، "الطور"، "الجدي"، "المشهد" و"وادي السلام".
وتعود كلمة الغري إلى جذر لغوي يعني "الغراء" أو الطلاء وتحمل معنى الجاذبية والاغراء والرغبة. وهناك اسطورة تؤخذ بالحسبان بطريقتها الخاصة تقول "كان هناك ملك جاهلي اسمه المنذر بن امرئ القيس بن ماء السماء" دخل في مناقشة حامية مع صديقيه وهو مخمور فدفنهما وهما حيّان، وعندما عاد إلى رشده ندم أشدّ الندم وشعر بمرارة وحزن كبيرين لدرجة جعلته يقيم على قبريهما هضبتين مرتفعتين وفتح بينهما طريقاً، وقسّم الأيام إلى بهيجة ومشؤومة، ففي بعض الأيام المشؤومة يقتل الملك كل مَن يعبر هذا الطريق ليسقي من دمائهم
|
|
القبرين ومن هنا جاء اسم الغري. وهكذا يُقال أنّ المكان مُعدّ للقتل. إنّ الحس المأساوي للشيعة يأتينا من تلك الفترة التاريخية البعيدة.
وليس مصادفة بأنّ اسماً يقيم الصلة بين هذه الاسطورة العراقية والشعر المعاصر. الحقيقة هي انّ النجف كانت مليئة بالشعراء وغالبيتهم من أوساط القضاة ورجال الدين، وهو أمر تشترك فيه مع مراكز دينية مرموقة اُخرى كالأزهر والقيروان والزيتونة على سبيل المثال لا الحصر. وهي مواقع للتأهيل الاجتماعي ظلّت لزمن طويل مراكز للشعر التقليدي بقدر كونها مراكز للثقافة العقيدية الدينية. هناك أسباب لغوية تفسر ذلك فكل فقيه مجتهد خلال دراسته النحوية يتعلم آلاف الشواهد (البلاغية النحوية واللغوية) ويكتسب تلك المعارف بصورة غير مبرمجة لكنها عميقة تتسم بنوع من ادراك وحدة الجوهر للغة. والحال انّ اللغة العربية تمتلك نغمها أو لحنها المقفى، كما كانت في السابق اللغة اليونانية واللاتينية تنحو نحو أبيات الشعر.
وإلى هذا الإيقاق العفوي للكلمات يضاف إيقاع الحياة الاجتماعية. وكما رأينا بشأن هذه الأخيرة فانّها تتضمن فترات تأزم وتوتر وفترات انفراج، وفي الثانية يتجمع الادباء. انّ الايقاع المضغوط لاسبوع الدراسة يفرز أوقاتاً للفراغ. ففي يومي الخميس والجمعة يتجول الطلبة والأساتذة من الحمام إلى الجلسات المسماة "الحلبة" حيث يتم بين المهتمين تبادل الآراء الودي والأخوي وذكر الخلفية السياسية، والارتجال الأدبي ومع هذه المنافسة بين الأحياء تستوحى الهامات الأموات من الفحول الذين تقرأ قصائدهم الجميلة المحفوظة بأمانة، ويدخل الشعر في مجمل التأثيرات الصرفية، لقد كان هذا الأمر طبيعياً لهذه المجموعات كما هو التنفس بالنسبة للفرد.
ووصل من بينهم بعض الفقهاء مثل جواد الشبيبي وعبد الحسين الحويزي إلى المجد والتألق في هذا المجال. وهو فن بارد في نظر المعاصرين وتقليدي
|
|
يتقلص أحياناً ليقتصر على مجرد نظم شعري ظرفي، ويقتصر على الاهداء للمآثر، وعلى النظم التقني بالرغم من أن التاريخ الأدبي للنجف استند إلى ذلك عندما كانت النجف تنافس الحلة وكربلاء وفاقتهما في هذا المجال. وكانت النجف في الطليعة والمقدمة منذ بداية القرن التاسع عشر وأعلنت انّها "حارسة الشعر في منطقة الفرات" وهو عنوان يحلم به الجميع.
كل ذلك بدأ يتغير بالطبع بعد مرور محسن الأمين هناك بقليل، فقد فرضت احتياجات جديدة نفسها على التقاة والزهاد الذين بات عليهم شاؤوا أم أبوا أن يعيروا انتباهاً أكبر إلى واقع الحياة. فحلقات الأدباء التي كانت تتضاعف لم تدم زمناً طويلا. إلى جانب نشاط حركة النشر، وهذا يتضمن تبادلاً أكثر سرعة وكثافة مع المدن المجاورة. وكانت هناك مثلا مجلة "العلم" للعلاّمة هبة الدين الشهرستاني. وهي أقدم المجلات لكن تجديداتها الخجولة لم تؤثر إلاّ قليلا على التيار الفاعل. فاحتاج الأمر لحربين عالميتين وما لحقهما من ثورات، لزعزعة هذا الوضع.
كان محسن الأمين آنذاك يواصل بحثه عن العلم وكثير من القصائد ما زالت تتردّد في المذكرات. يمتلك الاحياء الاستمرارية التي لم تقطعها بعد التحولات التي جرت على الشكل أو المحتوى والتي أصبحت محسوسة في مصر وسورية قبل القرن التاسع عشر. العراق اقليم أدبي حيث يشكل رامبو و ت س اليوت ومايكوفسكي مصدراً للالهامات المحلية التي تتجاوز عصر النهضة. يستحق الكثير من هؤلاء الشعراء التقليديين أبناء الماضي المتجذر، تخصيص دراسات خاصة بهم. ومن مصادفات القراءة هذه دراسة تهمنا باستيحائها المدني، يهدي الشاعر قصيدة طويلة لزعيم المدينة ويقول المعلق الناقد للقصيدة "يراكم الشاعر بالمخيلة الفارسية، والديباجة العربية والتزويق العربي ومراقبة المدن والانماط". وهناك شخص آخر اسمه أسد حيدر ينتمي لعائلة عريقة من العلماء وهذا واجب
|
|
اضافي يثقل عليه فكيف يمكن أن ينقسم ويتوزع بين حياته وفنه بين الجديد والقديم؟ لذا فهو يعاني من هذا التهجين الذي لم يفلح أبداً بالتخلص منه. غيره طغت عليه نفس الاشكالات من نفس النوع، وهو ضحية عائلية فكلّ حياته يعاني لفقدانه والدته في طفولته واخراج والده له من المدرسة تنفيذاً لنصيحة شيخ ظلامي متخلّف ولم يكن أمام الولد المطيع سوى الانصياع "آمل أن يربّي الاخوة أبناءهم حسب احتياجات الزمن" لم يعتقد انه قال الصواب واليوم ابن الشيخ نفسه الذي نصح والده باخراجه من المدرسة طبيب معروف. شاعر آخر من اولئك الشعراء الأخر من اولئك الشعراء الأكثر كلاسيكية هو أحد أفضل من تهرّب من ذلك الظرف القهري وهو يقول:
|
قنعت من الدنيا بدنيا هواجس |
وعشت بفضل الفهم في عالمي الشعري |
وعندما نصل إلى مرحلة ما بين الحربين تغيّرت الاُمور كثيراً وجاء الانگليز وأوجدوا آلية فعّالة من الامكانيات: قاعدة الحبانية البحرية، والمخابرات جمالية ت ي لورنس، مَن يدفع؟ القبائل بالطبع التي ذبحت سراً بلا ضجيج ومن وقت لآخر أحد عملاء الامبراطورية السذج يقسط هنا كذلك الضابط الشاب من أصل انگليزي ـ نورماندي الذي جمعت عائلته رسائله الممزقة والذي كان قد أحب النجف كثيراً.
تسارعت التحولات، وككل المجتمعات المستعمرة واصل المجتمع النجفي ثورته ضد الآخر وضد نفسه. انتمى محسن الأمين للاصلاحيين وأثار عاصفة مدوية بكتابه "رسالة التنزيه" فقد انتقد الطائفة برمتها بمبالغتها العاطفية التي طبعتها من خلال ممارسة الشعائر واظهار الآلام وجلد النفس. اكتشف وانتقد ما تُبنى عليه الحياة الاجتماعية والروحية، أي الشعائر التقليدية التي قدمت له مادة طيعة لاطروحته فهاجم الخطباء ووعاظ المنابر الذين ينزلقون إلى تشويهات
|
|
مقلقة للتراث الديني، وانتقد مبالغات الاحتفال بعاشوراء عندما يصل الاتباع إلى ذروة الحزن يضربون أنفسهم بالسلاسل ويضربون رؤوسهم الحليقة بالسيوف.
وينقد الطائفة الشيعية على حبّها للألم ولإيذاء نفسها وقال انّ الوقت لم يعد وقت تحمل المهانة ولا حبّها. فالاثارة والعروش المازوخية يجب ان تترك مكانها للمشاريع الايجابية. وهذه لغة تجديدية في نظر الكثيرين تعني العودة إلى الأصول وفي نظر البعض الآخر خرق العرف وارتكاب خطيئة لا تغتفر.
كان نقاشاً عسيراً لم يكن بالنسبة للشيعي مقتصراً على مشاكل المراقبة، فحساسية النقاشات تجاوزت عتبة هي عتبة التاريخ. وطالت مفاهيم ومواقف قديمة كالقدرية والصبر والرضا التي توقفت عن أن تكون فاعلة في مجتمع لم يعد يتمحور باتجاه الأعلى الإلهي، بل باتجاه حضور في العالم. بينما يرى البعض الآخر فيا عكس ذلك ولأسباب لا تقل صلاحية، فما زالت تشارك النظام القديم بخطوط وسمات الاخلاص للأصيل مثلما الثورة، وتفقد العنف المقدس ويخلف الغضب الثوري الجنون في اللّه.
وانّ هذا التفرع يقوم كما شهدنا على الأخلاق والاخلاص والعلماء. والمدينة بمجملها تنقسم إلى شطرين أو معسكرين، وهذا يخلق رابطتين جديدتين، تُسمى احداهما "العلويين" والأخرى "الأمويين" فعدم الاعلان عن الانتماء والولاء لعلي في النجف يعني احتقار الشعور الشعبي وشن الخطباء ووعاظ المنابر حملة شعواء على المجدّدين ويجيء شهر محرم فتتضاعف الأحزان والبكاء وشجّ الرؤوس بالسيوف، والظهور بالسلاسل وضرب الطبول والتنهدات الباكية، فالناس حسب هؤلاء الفقهاء المجددين يعبرون عن ردة فعلهم بهذه الطريقة على دعوات التجديد. أقلية قليلة أيّدت ودعمت الفقهاء الشجعان المتجرئين، إلاّ أنهم وجدوا بعض الدعم ونوع من التأييد لدى المرجع الأعلى المجتهد الكبير آنذاك عبد الكريم الجزائري واتخذ صحيفة " الفجر الصادق "
|
|
موقع الدفاع عنه أي عن محسن الأمين، وضمنت له صلات القرابة العائلية دعم زعيم الرابطة عطيّة أبو گلل الذي سبقت الاشارة إليه. فالشكلية القديمة تداخلت كما كانت متوقعاً مع الحسن النقدي الجديد.
إلاّ أن ذلك تجاوز الآفاق البالية للمدينة. وتحت لافتة "الأمة" بدأ التصادم بين الشرق والغرب وظهور تضامن واسع ضد الامبريالية. فمحسن الأمين يعرف إلى جانب دمشق والقاهرة، وشعر في تلك الأماكن بإيحاءات مختلفة لأنها تهتم بالإنسان بدلا من الظروف، وكل شيء ينحو نحو الوحدة وعندما عاد إلى النجف خفّت حدّة الصراع، علماً بأنه لم يتم تحقيق انتصار على الشعائر التقليدية حيث حصل غريمه العقيدي حقّ الكلام، وصاروا يقبلون يديه. بعض الفقهاء المتميزين من الشخصيات الصارمة مثل الزنجاني، واصلت نفس النقد الاجتماعي واتجهت ناحية المصالحة العامة للأمة الإسلامية. وبعد وفاة محسن الأمين كتب عالم اجتماع معروف في بغداد هو الدكتور علي الوردي ان الرجلين الذين أحبهما أكثر من غيرهما هما المصري محمّد عبده والشيخ محسن الأمين وبذلك حصل التحول من اصلاح الأنفس إلى اصلاح المجتمعات.
جان بيير لويزارد، تشكيل العراق المعاصر والدور السياسي للعلماء الشيعة في نهاية السيطرة العثمانية وفي لحظة تأسيس الدولة العراقية. باريس 1991م
Pierre-Jean Luizard, La formation de l'Irak contemporain, Paris; CNRS, 1991
النجف الأشرف مدينة أمير المؤمنين
تحت هذا العنوان كتب بيير جان لويزارد على الصفحة 143 فذكر: "تحتل النجف الموقع الرابع في ترتيب المدن الإسلامية المقدسة وتأتي بعد مكّة والمدينة والقدس. انّها مركز كلاسيكي للثقافة الإسلامية والتعليم الديني بالنسبة
|
|
للعالم الإسلامي بأسره، فهي بمنزلة جامع الأزهر في القاهرة أو الزيتونة في تونس أو القيروان في فاس. تقع النجف على بعد عشرة كيلومترات من غرب الكوفة و80 كيلومتراً من جنوب كربلاء. انّ أصل كلمة النجف عربي وتعني المرتفع الذي يستخدم كسد منيع للماء. انّ هذا الارتفاع على شكل هضبة هو الذي أعطى اسم النجف، وتسمى النجف أيضاً مشهد علي، أي المكان الذي دُفن فيه الإمام الأوّل.
انّ الموقع الذي فيه ضريح الإمام علي يسمى الغري ومنه ننظر إلى "بحر النجف" وهو مستنقع مالح وجاف في غرب المدينة يمتلئ عند فيضان نهر الكوفة، وهو أحد فروع هندية الفرات. قامت النجف على حافة الصحراء، لقد كان فقدان المياه عبر كل السنين إحدى المشاكل الكبرى للمدينة. انّ العديد من أعمال الحفر ونقل المياه من فرع الهندية قد سمح بسقي عدد من الحدائق.
وفي 1902 تم حفر القناة وربطت جنوب المسيب بالنجف. وبالنظر إلى عقم الأرض التي تحيط بالنجف، فإن الأخيرة تعتمد على استيراد حاجاتها من المدن العراقية الأخرى وبخاصة وادي الفرات. ولكن موقع النجف على الطريق التجاري القديم باتجاه دمشق والحجاز والذهاب إلى البصرة وكذلك إلى الحجّ إلى مكّة هو الذي يعوض بشكل كبير عدم انتاجية الأرض وفقدان المياه... كانت النجف مركزاً تجارياً مهماً لقبائل بدو الصحراء التي تأتي تقليدياً لاستبدال البضائع القادمة من الأقاليم السورية بالحبوب والتمور المنتجة في الفرات. انّ تجار النجف من عرب وايرانيين كانوا زبائن هذه المقايضات. وهناك مصدر دخل آخر للمدينة هو قدوم آلاف الزوار من أنحاء العراق الأخرى ومن بلاد فارس والهند وكذلك من بلدان إسلامية اخرى، هذا القدوم يساهم بشكل كبير في رخاء المدينة. انّ التاريخ الديني للنجف يعود إلى اليوم الذي اكتشف فيه لأول مرة قبر الإمام علي في عام 792م، بعد قتل الإمام عام 661م، وحسب الروايات الشيعية
|
|
فإنّ رفاته قد نقل سرّاً من قبل ولديه الحسن والحسين إلى النجف حيث دفن في المكان الذي اقيم فيما بعد عليه ضريحه (1) .
وحسب الروايات التاريخية أيضاً فإن الإمام علياً الذي كان يشعر أن الموت يقترب منه وهو في جامع الكوفة أمر مقربيه بوضع جثمانه على ظهر جمل ودفنه في المكان الذي يتوقف فيه الجمل. إن القبر الذي تحيط به الصحراء بقي سراً طيلة العهد الأموي... وفي كل الأحوال فإنّ روايات اُخرى تحدد مكان الضريح في الكوفة أو في المدينة أيضاً (...) . ولكن مكان الغري هو المعتمد طالما انّ الإمام السادس جعفر بن محمّد الصادق تعرّف عليه باعتباره المكان الذي دفن فيه الإمام علي... وفي عهد هارون الرشيد (786 ـ 809م) أصبح الضريح مكاناً للزيارة. وقد أمر الخليفة العباسي المشهور ببناء المرقد عام 786م حول قبر الإمام... ولكن الشعور المعادي للشيعة الذي يكنه الخليفة المتوكل (847 ـ 861م) جعله يأمر بتهديم العديد من المراقد التي بُنيت على عهد هارون الرشيد (...) وفي العهد البويهي يعاد بناء المرقد عام 978م... ثمّ يعاد هدمه... ويعاد بناؤه...
أصبحت النجف ابتداءً من القرن الثامن عشر احدى الأقطاب التي تجذب إليها طلبة العلوم الدينية والزوار من كل أنحاء العالم الإسلامي. وفي الوقت نفسه باتت المدينة مكاناً لكبار المراجع والمجتهدين. وأيضاً هي ممر اجباري لكل رجال الدين الشيعة في العالم الإسلامي الذي يطمحون إلى الترقي في الهيكلية الدينية الشيعية. ومنذ ذلك الوقت بدأ كبار العلماء يتخرجون من المدارس والمعاهد الدينية للنجف. أما مركزا التعليم الديني اللذين اقيما ببلاد فارس في اصفهان في العهد الصفوي، ثمّ في مدينة قم في عهد القاجاريين فلم يستطيعا منافسة النجف بشكل مباشر، ولكن كان ينظر للنجف منذ القرن التاسع عشر وهي المدينة المقدسة في العراق كمرجع لهما.
____________
1- لم يرد هذا في روايات الشيعة وإنما الوارد أنّ الحسن والحسينعليهما السلام قاما بدفن الإمام (عليه السلام) سرّاً لا أنهم نقلوا رفاته. [اللجنة].
|
|
لم يتوقف الدور السياسي للنجف عن تأكيد نفسه خلال القرن التاسع عشر بأكمله وبداية القرن العشرين. حتى أصبحت المدينة مركزاً للانتفاضات السياسية وبات يسمع لكل الحركات التي تربك الامبراطوريتين الإسلاميتين العثمانية والفارسية صدى في هذه المدينة (...) .
انّ المشاكل التي واجهها العالم الإسلامي والتيارات الفكرية الكبرى التي مرت به كانت موضوعاً للمناظرات الحية في النجف حتّى أصبحت الأنظار موجهة لها والكل ينتظر أن يتخذ المرجع الأعلى موقفه من أي حدث باعتباره الموقف القبلي الذي لابدّ منه والذي يلتزم به الجميع. انّ كلمة واحدة تأتي من النجف كفيلة بتغيير اتجاه الأحداث في الامبراطوريات الإسلامية. انّ وجود المرجع الأعلى في المدينة يؤكد سموها على باقي المدن المقدسة في أنظار شيعة العالم في داخل الامبراطورية العثمانية كما في خارجها. وتتدخل النجف أيضاً في شؤون عدد من البلدان الإسلامية (...) .
في بداية القرن العشرين كانت النجف قضاءً تابعاً لكربلاء وبدورها تتبع كربلاء ولاية بغداد. وفي عام 1890م كان عدد سكان النجف من 20 إلى 30 ألف نسمة وفيها جامع وحسينية وسكان المدينة بعد الاحتلال البريطاني عام 1918م كانوا حوالي 45 ألف نسمة (...) .
وفي ورقته التي قدمها لهذا المؤتمر يحدد بيير جان لويزارد مستقبل مدينة النجف فيرى: انّ النجف المحرومة من مداخيلها التقليدية والمهددة بوجودها كمركز تعليم ديني، والخاضعة لقمع دموي نال كل مراجعها العلمية، تبدو اليوم وقد تهمشت وبات مستقبلها موضع تساؤل. تواجه مدينة الإمام علي اليوم ولادة مدن منافسة لها استفادت من ضعفها الحالي مثل قم في إيران والسيدة زينب في سوريا.
|
|
ويتساءل لويزارد: هل تجد النجف مستقبلا يليق بمكانتها؟ فالنجف تحتل مكانة أساسية في قرار "القضية العراقية". بالنسبة للشيعة سواء أكانوا دينيين أو علمانيين فالمرجع أو المجتهد يرمز إلى هويتهم. ومكانة النجف مرتبطة بشرعية المرجعية. انّ جعل النجف "فاتيكان" عراقية يمكن أن يمثل حلاً قد يضمن الهوية الشيعية من جهة ويسمح من ناحية ثانية بقيام حياة سياسية دنيوية في البلاد. ويشير إلى اتفاقية لاتران 1929م التي نظمت العلاقة الدولية الدينية الفاتيكانية مع الدولة الإيطالية، ويعتبرها نموذجاً لتنظيم علاقة مشابهة مع الدولة العراقية التي ينبغي أن تعترف باستقلالية معينة للمدينة المقدسة كمقدمة لاعتراف رسمي بالأهمية العددية للطائفة الشيعية في العراق.
ويقترح لويزارد أن تكون ادارة المدينة من قبل مكتب اداري مكون من مرجعيات ومجتهدين ووجهاء المدينة سيوفر لها الأمن من تدخلات الحكومة العراقية وتدخلات الدول الخارجية، وبالتالي فإنّ جعل المرجعية "فاتيكانية" سيحل عدة مشاكل حسب لويزار: ادارتها المؤسساتية استناداً إلى المشروع الخاص بالمرجعية الرشيدة لمحمد باقر الصدر، وعلاقتها مع الدولة...
انّ جعل النجف "فاتيكان" عراقية ستكون الحل الناجح للمدينة المقدسة، وبطبيعة الحال لن يكون هذا أمراً ممكناً إلاّ في حالة قيام نظام ديمقراطي تعددي يضمن الحريات للجميع.
خاتمة
ممّا سبق يتضح لنا التفاوت في وجهات النظر بين التيارات الثلاثة التي استعنا بها في وصف هذه المدينة المقدسة. فالاستشراق يدرسها كأثر ديني مقدس ويصف تاريخها باتخاذ مسافة ما، ربما تقتضيها أصول البحث العلمي وان تم تجاوزها مراراً وصدرت بعض الأحكام المسبقة. لقد فشل الاستشراق التقليدي عموماً من التحرّر من هذه الأحكام، ولهذا نجد الكثير من المستعربين
|
|
والدارسين للفكر الإسلامي من الفرنسيين خاصة يعانون من ثقل الأرث الاستشراقي على أعمالهم. وهم يحاولون بشكل دائم التحرر منه.
وبامكاننا أن نسجل الملاحظات التالية:
ـ انّ المدينة المقدسة في نظر المستشرق فيكتور بيرار ليست سوى ضريح وجنائز ورسوم وخزائن من الذهب، فالاهتمام منصب أساساً على مدى أهمية المدينة مادياً سواء بالنسبة للسكان أو بالنسبة للسلطات العثمانية. وهكذا يفعل بارون كارا دي فو الذي يشير إلى الزيارات وكذلك الضريح وتذهيب القبة والمنارات.
ـ ويحصي أغلب الرحالة عدد الزوّار وتتضارب الأرقام ما بين فونتانييه الذي يذكر مائة ألف سنوياً ودوبريه الذي يذكر من 15 إلى 20 ألف. وإلى جانب ذلك يشار إلى عمليات نقل الجثث ودفن الموتى... ولا تخلو كتابات الرحالة من الوصف الاجتماعي لحالة المدينة فتافرنيه يصف العسر المادي والغذائي للمدينة...
ـ ويتفق المستشرقون والرحالة على ذكر المضايقات التي يتعرض لها زوّار المدينة المقدسة من الأتراك، وتجاوزات بعض السلاطين على خزائن المراقد وهو ما فعله تافرنيه وبيرار وديو لافوي.
ـ ويذهب المستعربون مثل جاك بيرك مذهباً آخر تماماً، فنراه مأخوذاً بعلم اجتماع المدينة واقتصادياتها وروابط الثقة بين الأفراد والجماعات والمنازعات والمفارقات. ولا يغفل كرم أهلها وعاداتهم وسحر مناظراتهم... ويصب كلّ اهتمامه على الشعر والتعليم والفكر بشكل عام فيعطي للتعليم الديني النجفي مكانة راقية ومهمة، ويتحدث عن الشيعة بكثير من الاعجاب. ويحاول أن يقيس مدى تأثير التاريخ على حاضرهم، وكيف تجسدت ملحمة كربلاء على سلوكهم وحزنهم، فأصبحت الطقوس مشاعر إلهامية تستوحي التاريخ وتصب حكمته في
|
|
الشعر الراقي والأدب الرفيع والمناظرات الاجتهادية... ويلاحظ أن النجف التي تعيش ارث هذا التاريخ الدامي لم تتوقف عن التواصل مع العالم الخارجي.. فهي تقرأ لأعلام الأدب والفن الغربيين والشرقيين على حد سواء، وتؤثر أعمال هؤلاء على ابداعاتهم، ويذكر بيرك باحترام شديد قصص المدينة المقدسة ويأتي على أعلامها فيعجب بالفكر كما يعجب بمعاني الأسماء، ويذكر المناهج التعليمية ويتبنى نقدها وعدم برمجة المعارف التي تدرس في مدارسها، ولكنه يعترف بعمق هذه الدراسة لأنها تتسم بنوع من ادراك وحدة الجوهر للغة العربية التي يتغزل بنغمها ولحنها المقفى ويأسف انّ اليونانية واللاتينية قد خسرت صفاتها الشعرية القديمة.
ـ أما بير جان لويزارد فإن معالجاته لقضية الشيعة في العراق عامة وقضية النجف خاصة تصور للمطلع عليها وكأنه جزء من القضيتين. فهو يتعامل مع النجف الأشرف باعتبارها مدينة أمير المؤمنين، ويشير إلى دورها التاريخي والديني والعلمي، وبشكل خاص السياسي... وفي المجال السياسي تبرز نشاطات لويزار الفكرية والعملية في وقت واحد، فهو بوصفه استاذاً جامعياً وخبيراً اوروپياً في الشؤون العراقية يحاضر ويتدخل سياسياً هنا وهناك، ويبدي آراءه الشجاعة التي غالباً ما تعرضه لمضايقات عدة. ولا يكتفي لويزار باستنكار ما يمارسه النظام السياسي في العراق، ولكنه يقترح صيغة من أجل استقلالية النجف كمدينة مقدسة يمكنها أن تلعب دوراً دينياً واجتماعياً وعلمياً مهماً للغاية، وبالتالي لابد أن تتحول النجف إلى مكان اشعاع فقهي ومنبر توحيدي للشيعة في كل مكان.
تلك هي بعض انطباعات القراءة لنصوص بعض الفرنسيين المهتمين والزائرين للنجف الأشرف..