تمهيد

(أنا مدينة العلم وعليّ بابها)

(الحديث الشريف)


تشرفت النجف بمرقد مثال العلم والمعرفة الإمام أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) الانسان الذي قال فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الحديث الشريف "أنا مدينة العلم، وعليّ بابها".

وكان الحري بهذه المدينة المقدسة أن تصبح بعد زمان محطاً لأنظار العالم الإسلامي يهاجر إليها المئات من طلاب الفضيلة للتفقه، والاشتغال العلمي، وتتوجه اليها نفوس الملايين من المسلمين في أقطار العالم الإسلامي كافة، ينظرون إليها بعين ملؤها التعظيم، والاجلال، والتقديس، وتكون يوماً ما مقراً للافتاء، والتقليد، ومركزاً للمرجعية الكبرى التي تدير شؤون الشيعة في العالم الإسلامي.

وبرزت النجف الأشرف على مسرح التأريخ كجامعة علمية دينية لها جذورها القديمة، ولها تراثها الأصيل الخاص، والذي يمثل الفقه والاُصول، وإن لم تعدم جوانب المعرفة الاُخرى، والثقافة العامة، وخاصة الأدب

 


الصفحة 10


 

العربي فلقد اسهمت فيه هذه المدينة اسهاماً كبيراً يتجلى ذلك في الكتب الكثيرة التي أصدرتها في ميدان النثر والشعر.

وحتى أصبحت النجف الأشرف بثروتها الأدبية مصدراً ثراً في دنيا الأدب يفرض نفسه على التراث الأدبي الأصيل بكل فخر واعتزاز.

ومن أجل أن نصل إلى تحديد تاريخي للبنة الاُولى لحياة هذه الجامعة العلمية، لابد أن نستعرض تأريخ هذه المدينة المقدسة العلمي، لننتهي إلى ما نصبو إليه.

 


الصفحة 11


 

النجف قبل الشيخ الطوسي


يدور سؤال على الشفاه: ماذا كانت النجف الأشرف قبل هجرة الشيخ الطوسي إليها من الناحية العلمية؟.

ويبدو هنا اتجاهان:

أحدهما ـ يذهب إلى وجود حركة علمية في هذه المدينة المقدسة.

وثانيهما ـ إن النجف كانت قاحلة علمياً، وعند هجرة الشيخ الطوسي إليها أوجد فيها حركة علمية.

وعند استعراضنا لمثبتات الذاهبين إلى القول بوجود حركة علمية قبل الشيخ الطوسي نراها تتلخص بما يلي:

1 ـ أورد السيد ابن طاووس(1) ـ وهو من المختصين بتأريخ النجف ـ

____________

1- غياث الدين عبدالكريم بن أحمد، المعروف بابن طاووس، والمنتهي نسبه إلى الحسن المثنى ابن الامام الحسن (عليه السلام) ، ولد في كربلا سنة 648هـ، ونشأ في الحلة، وكان تحصيله في بغداد، وتوفي بمشهد الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) (الكاظمية) سنة 693 هـ، وحمل نعشه إلى جده الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فكان عمره الشريف 45 سنة.

(فرحة الغري ـ عبدالكريم بن طاووس: المقدمة ـ طبع النجف مطبعة الحيدرية 1368)


الصفحة 12


 

بان عضد الدولة(1) زار المشهد العلوي الطاهر عام 371هـ، وتصدق، وأعطى الناس على اختلاف طبقاتهم، وكان نصيب الفقراء والفقهاء ثلاثة آلاف درهم(2).

2 ـ صدور إجازات علمية من النجف الأشرف قبل ورود الشيخ الطوسي إليها.

منها: ما نقلته المصادر بأن من مشائخ الشيخ الصدوق(3)، محمّد بن عليّ بن الفضل الكوفي(4)، سمع منه سنة 354 هـ، عند وروده إلى الكوفة وهو في طريقه إلى الحج، وكان سماعه بمشهد أمير المؤمنين"(5).

____________

1- أبو شجاع قنا خسرو بن ركن الدولة أبي عليّ الحسن بن أبي شجاع بويه بن قناخسرو ابن تمام، والذي ينتهي نسبه إلى بهرام جودا الملك ابن يزدجر. وصفت المصادر بأن عضد الدولة ـ من وزراء الدولة العباسية ـ كان محباً لآل البيت(عليهم السلام)، ومكبراً للعلماء، ولد باصبهان عام 324هـ، وتوفي عام 372 هـ ببغداد، ونقل إلى مشهد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بوصية منه، ومن آثاره تجديد عمارة القبة المطهرة للحرم العلوي.

(الكنى والألقاب ـ للشيخ عباس القمي: 433 ـ 2 طبع النجف)

2- فرحة الغري: 113 ـ 114، وربما يستشف من ابن الأثير في تاريخه: 234 ـ 8 هذا المعنى.

3- محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، رئيس المحدثين، أبو جعفر، المعروف بالصدوق، قال العلاّمة: "نزيل الري شيخنا وفقيهنا، ورد بغداد سنة 355 هـ وسمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السن، كان جليلا حافظاً الأحاديث بصيراً بالرجال ناقداً للأخبار لم ير في القميين مثله في حفظه وكثرة علمه، له نحو 300 مصنف، توفي(رضي الله عنه) في الري (قرب عبدالعظيم بطهران) سنة 381هـ.

(رجال العلاّمة الحلي: 147 طبع النجف)

4- محمّد بن عليّ بن الفضل بن تمام الدهقان، أبو الحسين الكوفي، عده الشيخ الطوسي في رجاله ممن لم يرو عن الأئمة(عليهم السلام): كثير الرواية، كان ثقة عيناً، صحيح الاعتقاد، جيد التصنيف له مؤلفات كثيرة، روى عن عدد كبير من رجال القرن الرابع الهجري.

(رجال المامقاني: 158 ـ 3 طبعة النجف)

5- من لا يحضره الفقيه. المقدمة ص 19 طبع النجف.


الصفحة 13


 

ومنها: ما ذكره النجاشي(1) في ترجمة الحسين بن أحمد بن المغيرة أبي عبدالله البوشنجي ما نصه:

"كان عراقياً مضطرب المذهب، وكان ثقة فيما يرويه، له كتاب (عمل السلطان) أجازنا بروايته أبو عبدالله (الحسين بن جعفر بن محمّد المخزومي الخزاز المعروف) بابن الخمري الشيخ الصالح بمشهد مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) سنة أربعمائة"(2).

3 ـ ورد ذكر لبعض البيوت العلمية التي لمعت في النجف في القرن الرابع والخامس كآل شهريار(3)، وآل الطحال(4)، وغيرهما. وقد جمعت هذه البيوت بين الفضيلة وخدمة الروضة الحيدرية.

4 ـ النقابة في النجف: وهذا المركز أقرب إلى الروحي من غيره، ولقد ذكرت الكتب المختصة ان عدداً من الأعلام تولوا نقابة المشهد

____________

1- الشيخ أحمد بن عليّ بن أحمد بن العباس النجاشي، أبو العباس، صاحب الرجال المعروف اتكل عليه كافة علماء الإمامية في رجالهم، ولد سنة 372 هـ، وتوفي عام 450 بمطير أباد من نواحي سر من رأى.

(الكنى والألقاب: 207 ـ 2)

2- رجال النجاشي: 54 طبع طهران.

3- آل شهريار: من الاُسر العلمية، البعيدة الذكر، القديمة العهد، خدمت العلم والدين والمرقد العلوي. عرفت بالنجف في القرن الرابع، واشتهرت بالقرن الخامس وامتد بقاؤها إلى أواخر القرن السادس الهجري.

(ماضي النجف وحاضرها ـ الشيخ جعفر محبوبة 402 ـ 2 طبع النجف)

4- آل الطحال: اسرة علمية قديمة عرفت بالقرن الرابع في النجف، وبقيت حتى أواخر السادس الهجري، من خدم الحضرة العلوية، تنسب إلى المقداد بن الأسود الكندي.

(ماضي النجف وحاضرها: 423 ـ 2)


الصفحة 14


 

منهم السيد شريف الدين محمّد المعروف بابن السدرة(1)، أقام في النجف عام 308هـ، حتى توفي فيه، وكذلك ناصر الدين مطهر بن رضي الدين محمّد بن الحسين(2): وقد تولى نقابة المشهدين العلوي والحسيني)، بالاضافة إلى الكوفة أشهراً.

5 ـ علماء نسبوا إلى النجف قبل عهد الشيخ الطوسي، منهم:

آ ـ أحمد بن عبدالله الغروي، يروي عن أبان بن عثمان من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) (3).

ب ـ شرف الدين بن عليّ النجفي، وصفه الشيخ الطوسي بقوله: "كان صالحاً فاضلا"(4).

جـ ـ عبدالله بن أحمد بن شهريار، أبو طاهر: كان معاصراً للشيخ المفيد، يروي عنه أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري، والنجاشي في كتاب الإمامة(5).

د ـ أحمد بن شهريار، أبو نصر الخازن للحضرة الغروية، كان من رجال العلم

____________

1- قال البراقي في (تاريخ الكوفة: 218 طبع النجف) "السيد شريف الدين محمّد المعروف بابن السدرة، نازع أبا الحسين زيداً الأسود بن الحسين بن كتيلة فضيق عليه وغلبه، وصار هو النقيب، وسافر إلى المشهد الغري في النجف، وأقام فيه سنة 308 حتى توفي".

2- انهى البراقي في (تاريخ الكوفة: 217) نسبه إلى عرب شاه حمزة بن أحمد بن السيد عبدالعظيم الحسني.

3- رجال المامقاني: 65 ـ 1.

4- نفس المصدر: 83 ـ 2.

5- ماضي النجف وحاضرها:404 ـ 405 ـ 2 عن علماءالمائة الخامسة للشيخ آغابزرك الطهراني.


الصفحة 15


وحملة الحديث، معاصراً للشيخ الطوسي(1).

وغير هؤلاء كثيرون لو حاولنا تتبع تراجمهم.

6 ـ وذهب البعض بأن الشاعر الحسين بن أحمد المعروف بابن الحجاج(2)أراد بهذا البيت:


وقل سلام من الله السلام على

أهل السلام; وأهل العلم والشرف


الإشارة لأهل العلم الساكنين في النجف الأشرف، والمجاورين لقبر الإمام عليّ (عليه السلام) (3) وذلك عند زيارته للنجف في أواخر القرن الرابع الهجري، وأنشد قصيدته المشهورة:


يا صاحب القبة البيضا على النجف

من زار قبرك واستشفى لديك شفي


هذه هي أهم مقومات الذاهبين إلى القول بأنّ الهيئة العلمية في النجف كانت قبل هجرة الشيخ الطوسي.

ومن هذه المقومات انسابت الأفكار في التحديد التاريخي لتأسيس الجامعة النجفية، وتكاد تنحصر في اتجاهين:

____________

1- ماضي النجف وحاضرها: 403 ـ 2.

2- الحسين بن أحمد بن الحجاج النيلي البغدادي، أبو عبدالله، شاعر فحل، من كتاب العصر البويهي، من شعراء أهل البيت(عليهم السلام) شاعر العصر جمع بين الجد والهزل، كان معاصراً للشريفين المرتضى والرضي، له ديوان شعر يقع في عدة مجلدات، توفي عام 391 هـ ودفن في الكاظمية.

(يتيمة الدهر للثعالبي: 31 104 ـ 3، الأعلام للزركلي: 249 ـ 2 الكنى والألقاب: 251 ـ 253 ـ 2)

3- حديث الجامعة النجفية ـ المرحوم الشيخ محمّد رضا شمس الدين: 11 طبع النجف.


الصفحة 16


 

الأول ـ انها تأسست على يد الشيخ المفيد(1) ـ استاذ الشيخ الطوسي ـ وذلك عندما انتقل اليها من بغداد، أو (عند نفيه منها على حد تعبير بعض المترجمين) من قبل السلطة المسؤولة، وذلك بسبب ما حصل هناك من الاختلافات والثورات الطائفية، فاختار الشيخ النجف الأشرف.

ويرى البعض ان انتقال الشيخ المفيد إلى النجف كان برغبة من البويهيين الذين يؤيدون المذهب الشيعي، ولقد حدثتنا المصادر: بأن في أيام عضد الدولة نشطت الحركة العلمية في بغداد وغيرها، وكان نصيب النجف الأشرف كبيراً، فقد كان يرغب في تأسيس حركة مناهضة للحركة العلمية في بغداد، بدافع العقيدة، ولذا أخذ يبذل الأموال الطائلة في تشييد مرقد الإمام عليّ (عليه السلام) ، والاهتمام بالعلماء الذين فيها(2).

ونقلت المصادر: بأن عضد الدولة كان يحترم الشيخ المفيد إلى حد كان يحمله على زيارته في داره(3). ولعل هذا الاحترام للشيخ، والاتصال الأكيد به من قبل الوزير عضد الدولة هو الذي دفع بأصحاب هذا الاحتمال إلى نسبة تأسيس الجامعة النجفية إلى الشيخ المفيد(4).

وهذا الرأي، وهو نسبة تأسيس الجامعة النجفية إلى الشيخ المفيد، يبقى

____________

1- محمّد بن محمّد بن النعمان بن عبدالسلام، أبو عبدالله، المعروف بالمفيد، قال النجاشي في (رجاله: 311) "شيخنا واستاذنا(رضي الله عنه)، فضله أشهر من أن يوصف في الفقه والكلام، والرواية، والثقة والعلم" شيخ مشائخ الإمامية، وقال ابن النديم: انتهت اليه رئاسة متكلمي الشيعة ولد عام 336 هـ، وتوفي ببغداد عام 413 هـ ودفن في الحرم الطاهر بالكاظمية، عد له النجاشي: مائة وأربعة وسبعين كتاباً ورسالة ومسألة وجواباً.

(رجال النجاشي: 311 ـ 316 ورجال الطوسي 514 طبع النجف والكنى والألقاب: 171 ـ 3)

2- مقدمة خصال الصدوق: 57 طبع طهران فارسي.

3- رجال الطوسي: المقدمة بقلم السيد محمّد صادق بحر العلوم: ص 7 طبع النجف.

4- حديث الجامعة النجفية: 23 ـ 24.


الصفحة 17


 

مفتقراً إلى الدعم التاريخي، فالذي نقرأه في ثنايا التاريخ لم يشعرنا من قريب أو بعيد بأن الشيخ المفيد انتقل إلى النجف كمهاجر اليها سواء بمحض اختياره، أو بطلب من عضد الدولة، أو بنفي من قبل الدولة.

والقول الأخير خاصة ـ وهو موضوع النفي ـ بعيد كل البعد، لأن الشيخ المفيد عاش في عهد البويهيين، محترماً كل الاحترام، ومقدراً كل التقدير. ولقد نقلت لنا الروايات بأن "يوم وفاته كان مشهوراً، وشيعه ثمانون ألفاً من الرافضة والشيعة"(1).

أما في حياته فقد كانت ملوك الأطراف تعتقد به لكثرة الميل إلى الشيعة في ذلك الزمان، وكان يحضر مجلسه خلق عظيم من العلماء من جميع الطوائف والملل"(2).

وقال اليافعي: "وكان يناظر أهل كل عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية"(3).

وإذا كان الأمر بهذه المثابة من الاحترام والتقدير فكيف نحتمل أن الشيخ المفيد نفي من بغداد؟ بالاضافة إلى اننا لم نعثر على مصدر تأريخي يدعم هذا القول، ولهذا فليس بالامكان أخذه بنظر الاعتبار.

الثاني ـ ان تأسيس الجامعة ينتهي إلى أبعد من هذا. فهناك من يعتقد ان النجف في واقعها امتداد إلى معهد الكوفة العلمي، والذي شيد أركانه الإمام عليّ (عليه السلام) ، وبلغ أوجه في عهد الإمام الصادق (عليه السلام) .

____________

1- رجال الطوسي، المقدمة: 7.

2- البداية والنهاية ـ لابن كثير: 15 ـ 12.

3- مرآة الجنان: حوادث سنة 413 هـ.


الصفحة 18


 

فلقد اعتبرت مدرسته من أبرز المدارس العلمية في الكوفة، وكان رواة أبي عبدالله (عليه السلام) أربعة آلاف أو يزيدون(1).

يقول الحسن الوشاء(2): "إني أدركت في هذا المسجد ـ ويعني مسجد الكوفة ـ تسعمائة شيخ كل يقول: حدثني جعفر بن محمّد (عليه السلام) "(3).

وكان في طليعة اولئك الذين أخذوا عنه العلم: أبو حنيفة النعمان بن ثابت(4)، ومالك بن أنس(5)، وسفيان الثوري(6)، وأيوب السجستاني(7)، ومحمّد بن اسحاق

____________

1- الإمام الصادق ـ للمرحوم الشيخ محمّد حسين المظفر: 130 ـ 179 ـ 2 طبع النجف.

2- الحسن بن عليّ بن زياد الوشاء البجلي الكوفي من أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام) كان من وجوه الشيعة، وكان عيناً من عيون هذه الطائفة.

(الكنى والألقاب: 246 ـ 2)

3- تاريخ الكوفة: 408.

4- أبو حنيفة، النعمان بن ثابت بن زوطي بن ماه، مولى تيم الله بن ثعلبة الكوفي، قال ابن خلكان: كان جده من أهل كابل، أحد الأئمة الأربعة، توفي عام 150 هـ.

(الكنى والألقاب: 51 ـ 54 ـ 1)

5- مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري، أبو عبدالله: أحد الأئمة الأربعة، مولده عام 93 بالمدينة، وتوفي بها عام 179 هـ، ضربه جعفر عم المنصور العباسي سياطاً حتى انخلعت لها كتفه.

(أعلام الزركلي: 128 ـ 6)

6- أبو عبدالله سفيان بن سعيد بن مسروق الكوفي، من الأئمة المعروفين، وقال ابن حجر: ربما دلس وقيل: ان سفيان كان في شرطة هشام بن عبدالملك، وهو ممن شهد قتل زيد بن عليّ بن الحسين(عليهما السلام)، توفي 161 هـ وقبره في البصرة.

(الكنى والألقاب: 121 ـ 122 ـ 2)

7- أيوب بن أبي تيمية السجستاني، وقيل: السختياني، مولى عمار بن ياسر، عدوه من كبار الفقهاء التابعين، مات بالطاعون بالبصرة، عام 131 هـ عن عمر بلغ الخامسة والستين.

(الصادق ـ للمظفر: 135 ـ 2)


الصفحة 19


 

بن يسار(1)، ـ صاحب المغازي والسير ـ، وأبان بن تغلب(2)، وزرارة بن أعين(3)، والمفضل بن عمر(4)، وهشام بن الحكم(5)، وجابر الجعفي(6)، وجابر بن حيان(7)، وغيرهم(8).

____________

1- محمّد بن إسحاق بن يسار، مدني سكن مكة، اثنى عليه ابن خلكان، وكان بينه وبين مالك عداء، قدم الحيرة على المنصور العباسي، فكتب له كتاب المغازي، قدم بغداد، ومات بها عام 151 هـ.

(الصادق ـ للمظفر: 135 ـ 2)

2- أبان بن تغلب البكري الجريري، أبو سعيد، روى عن الأئمة: السجاد، والباقر، والصادق(عليهم السلام)، مات أيام الصادق (عليه السلام) عام 141 هـ أو 140 هـ، قال الإمام الصادق (عليه السلام) عندما بلغه نعي أبان: أما والله لقد أوجع قلبي موت أبان، روى عن الصادق ثلاثين ألف حديث وثقه الجميع.

(الصادق ـ للمظفر: 136 ـ 137 ـ 2)

3- زرارة بن أعين الشيباني، مولاهم: روى عن الباقر، والصادق(عليهما السلام)، ومات عام 150 هـ فأدرك من أيام الكاظم (عليه السلام) سنتين. قال ابن النديم: هو أكبر رجال الشيعة فقهاً، وحديثاً ومعرفة بالكلام.

(الصادق ـ للمظفر: 150 ـ 2)

4- أبو عبدالله، المفضل بن عمر الجعفي الكوفي، روى عن الصادق والكاظم(عليهما السلام) من فقهاء الرواة وأعيان الثقات، وقد جمع الوكالة عن الإمامين(عليهما السلام) إلى أن وافه القدر، له كتاب أمالي الإمام الصادق.

(الصادق ـ للمظفر: 175 ـ 176 ـ 2)

5- هشام بن الحكم مولى كنده، أبو محمّد: روى عن الإمامين الصادق والكاظم(عليهما السلام) قال الصادق (عليه السلام) عنه: هذا ناصرنا بقلبه ولسانه، ويده. هرب من الرشيد إلى الكوفة، ومات عام 179 هـ.

(الصادق ـ للمظفر: 177 ـ 178 ـ 2)

6- جابر بن يزيد الجعفي الكوفي: روى عن الباقر والصادق(عليهما السلام)، وصفه الذهبي: أنه من أكبر علماء الشيعة، توفي عام 138 هـ، وقيل: 132.

(الصادق ـ للمظفر: 141 ـ 142 ـ 2)

7- أبو عبدالله، جابر بن حيان بن عبدالله الكوفي المعروف بالصوفي، قيل: ان أصله من خراسان اشتهر بالكيمياء، وهو أول من عرف به ونسب، أخذه وتعلمه لذلك عن الإمام الصادق (عليه السلام) وقد اختلفت الآراء فيه.

(الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ـ الشيخ أسد حيدر: 128 ـ 132 ـ 2 طبع النجف)

8- راجع عن تلامذة الإمام الصادق كتاب (الصادق ـ للمظفر: 130 ـ 185 ـ 2 والإمام الصادق لأسد حيدر: 67 ـ 81 ـ 1).


الصفحة 20


 

ولما كانت الكوفة مركزاً كبيراً لتلامذة أهل البيت(عليهم السلام)، فلابد لهم أن يتخذوا من مرقد الإمام، وهو العتبة المقدسة مقراً لهم، خاصة عندما تبدلت ظروف الكوفة. فلقد تفرق على أثرها علماء الكوفة، وانتقل بعضهم إلى بغداد، وانتقل البعض الآخر إلى النجف الأشرف متخذاً من جوار هذا المرقد الطاهر مركزاً له للعبادة، والتحصيل العلمي.

وهذا الرأي الذاهب إلى القول بأن الجامعة النجفية امتداد إلى مدرسة الكوفة مستبعد لأمرين:

الأول ـ ان مرقد الإمام عليّ (عليه السلام) لم ينكشف أمره إلاّ في عهد هارون الرشيد ـ الخليفة العباسي ـ في حدود سنة 170 هـ، وجاء في بعض المصادر; وبعد سنة 180هـ جاوره الناس(1). وهناك رواية تقول: ان داود بن عليّ العباسي(2) المتوفى عام 133 هـ اكتشف قبر الإمام، وعمل له صندوقاً، وعندما وقف العباسيون ضد العلويين هجر القبر الشريف، وعفي أثر ذلك الصندوق، وانطمس رسمه، حتى جاء عصر الرشيد فأظهره.

____________

1- نزهة القلوب ـ للمستوفي: 134.

2- داود بن عليّ بن عبدالله بن العباس، أبو سليمان، عم السفاح، تولى امارة الكوفة من قبل عمه، ثم عزله عنها، وولاه المدينة، ومكة، واليمن، واليمامة، والطائف. كان خطيباً فصحياً، من كبار القائمين بالثورة على الأمويين. وكان بالحميمة (من أرض الشراة بالأردن) ولد عام 81هـ وتوفي عام 133 هـ.

(الأعلام: 8 ـ 3)


الصفحة 21


 

وفي هذه الحال، لم يظهر لنا من ثنايا التاريخ بأن النجف قد سكنت من قبل أحد، اللّهمّ إلاّ أن ندعي بأن النجف والكوفة واحدة، وهذا ما يكذبه الوجدان، فليس ـ على ما نعتقد ـ من يوحد بين هذين البلدين.

الثاني ـ ان هذا الافتراض بأن النجف ضمت بعض الأعلام بعد انتقالهم من الكوفة يبقى محتاجاً إلى دليل يدعمه، ولا دليل لدينا لذلك.

 

*  *  *

بعد هذا كله: فإنا لا نستطيع أن نخفي كل هذا، كما لا نقبل كل ذاك، وانما المرجح أن نذهب إلى حد وسط، وهو ان النجف قبل هجرة الشيخ الطوسي في عام 449 هـ كانت فيها جذور علمية، وتضم بعض رجالات الفضل والعلم، اتخذوا من النجف الأشرف بعد ظهور القبر فيه مقراً لهم.

ويدعم رأينا هذا شيخنا اغا بزرك الطهراني اذ يقول: انني أذهب إلى القول بأن النجف كانت مأوى للعلماء، ونادياً للمعارف، قبل هجرة الشيخ إليها وإن هذا الموضع المقدس أصبح ملجأ للشيعة منذ انشئت فيه العمارة الاُولى على مرقد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ، لكن حيث لم تأمن الشيعة على نفوسها من تحكمات الأمويين والعباسيين، ولم يستطيعوا بث علومهم، ورواياتهم كان الفقهاء والمحدثون لا يتجاهرون بشيء مما عندهم، وكانوا متبددين حتى عصر الشيخ الطوسي، وإلى أيامه، وبعد هجرته، انتظم الوضع الدراسي، وتشكلت الحلقات، كما لا يخفى على من راجع (أمالي الشيخ الطوسي) الذي كان يمليه على تلامذته"(1).

____________

1- تفسير التبيان ـ للشيخ الطوسي. المقدمة ـ للشيخ اغا بزرك: ز ـ 1 طبع النجف.


الصفحة 22


 

وكذلك يرى الدكتور مصطفى جواد: بأن في النجف أعلاماً بثوا العلم قبل الشيخ الطوسي، ويصعب التصديق، بأن الشيخ أول من جعل النجف مركز علمياً"(1).

وكيفما كان فوجود بعض الأعلام لم ينهض دليلا على حركة علمية في النجف قبل هجرة الشيخ الطوسي.

____________

1- نظرات في الذريعة ـ الدكتور مصطفى جواد، مجلة البيان: س 1 عدد 6 ص 133.


الصفحة 23


 

من هو الطوسي؟

 

هو الشيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن بن عليّ بن الحسن الطوسي. نسبة إلى طوس من مدن خراسان ـ المعروف بشيخ الطائفة. من رجالات العلم وجهابذته المبرزين.

ولد في طوس في شهر رمضان عام 385 هـ، وهاجر إلى العراق، وحط رحله ببغداد عام 408، وهو في الثالثة والعشرين من عمره.

وكان الاستاذ المبرز، والشيخ المطلق للشيعة يومذاك محمّد بن محمّد ابن النعمان العكبري البغدادي، المعروف بالشيخ المفيد، كما عرف ببعض المصادر (بابن المعلم).

وعند وصول الشيخ الطوسي إلى بغداد لازم الشيخ المفيد، وتلمذ عليه، وبقي معه حتى سنة 413، حيث لبّى علم الطائفة الشيخ المفيد نداء ربه،

 


الصفحة 24


 

فانتقلت الزعامة المطلقة إلى أجل تلامذته علم الهدى الشريف المرتضى عليّ بن الحسين الموسوي(1)، وبطبيعة الاستمرارية لازم الشيخ الطوسي استاذه علم الهدى السيد المرتضى، واستفاد من علمه وملازمته. وكان موضع عناية واهتمام كبير لدى استاذه الشريف بحيث تميز عن سائر تلامذته، وبقي ملازماً له طيلة ثلاث وعشرين سنة.

قال السيد عليّ خان(2): "وكان (السيد المرتضى) يدرس في علوم كثيرة ويجري على تلامذته رزقاً، فكان للشيخ أبي جعفر الطوسي أيام

____________

1- أبو القاسم عليّ بن الحسين بن موسى بن محمّد بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) الملقب (بالشريف المرتضى). قال ابن خلكان: كان نقيب الطالبيين، اماماً في علم الكلام والأدب، والشعر، وقال ابن بسام: كان المرتضى امام أئمة العراق، اليه فزع علماؤها، ومنه أخذ عظماؤها، صاحب مدارسها، وجامع شاردها وأُنسها. ذكر القاضي التنوخي: انه خلف ثمانين ألف مجلد من مفرداته ومصنفاته، ومحفوظاته، ولد عام 355 هـ، وتوفي 436، ودفن بداره في الكاظمية. ويرى السيد عليخان في الدرجات الرفيعة: انه نقل بعد الدفن إلى مشهد الإمام الحسين (عليه السلام) بكربلاء، ودفن هناك قريباً من قبر الحسين (عليه السلام) .

وذكر الثعالبي في (تتمة اليتيمة: 53 ـ 1 طبع طهران:) انتهت الرياسة اليوم ببغداد إلى المرتضى في المجد والشرف والعلم والأدب والفضل، والكرم، وله شعر في نهاية الحسن.

وذكر الباخرزي في (دمية القصر: 75) ان كتبه قومت بثلاثين ألف دينار بعد أن أخذ منها الوزراء والرؤساء شطراً عظيماً".

(راجع الكنى والألقاب: 445 ـ 448 ـ 3)

2- صدرالدين السيد عليّ خان المدني الشيرازي ابن نظام الدين أحمد بن محمّد بن معصوم المنتهى نسبه إلى زيد الشهير ابن الإمام عليّ بن الحسين (عليه السلام) . ولد بالمدينة المنورة عام 1052 هـ اشتغل بالعلم فيها، وهاجر إلى حيدراباد الهند، ثم حج وزار مشهد الإمام الرضا (عليه السلام) وزار اصفهان ثم انتقل إلى شيراز، وحط بها عصا المسير زعيماً ومدرساً مفيداً، عد له 18 مصدراً علمياً وأدبياً من بينها ديوان شعر، وتوفي بشيراز عام 1120 هـ ودفن فيها.

(الدرجات الرفيعة ـ المقدمة ـ للسيد محمّد صادق بحر العلوم: 3 ـ 16 طبع النجف)


الصفحة 25


 

قراءته عليه كل شهر اثنا عشر ديناراً، وللقاضي ابن البراج(1) كل شهر ثمانية دنانير"(2).

وفي عام 436 هـ استجاب السيد المعظم إلى دعوة ربه، وعند ذاك كان المرشح الوحيد لمركز الزعامة الدينية الشيخ الطوسي، فأصبح علماً للشيعة، وكانت داره في كرخ بغداد مأوى الاُمة، يقصدونها للاستفادة من هذا الزعيم العلمي الكبير. والتف حوله عدد كبير من أهل الفضل والعلم للتلمذة عليه، والانتهال من نمير فضله، حتى حددت المصادر بأن عدد تلاميذه بلغ ثلاثمائة مجتهد من أعلام الشيعة، ومن أهل السنّة ما لا يحصى كثرة(3).

وباتساع اُفق هذه الشخصية العلمية، وما بلغ به من العظمة والمنزلة جعل له القائم بأمر الله العباسي(4)، كرسياً للكلام، والافادة.

وهذا التقدير من الخليفة العباسي يومذاك كان له كبير الأهمية، إذ لم يسمح به إلاّ لمن بلغ في العلم مرتبة سامية يتميز بها على أقرانه، ولم يكن في بغداد في عهده

____________

1- الشيخ عبدالعزيز بن تحرير بن عبدالعزيز بن البراج، أبو القاسم، لقب بالقاضي لكونه قاضياً في طرابلس مدة عشرين، أو ثلاثين سنة. قال المحقق الكركي في بعض اجازاته في حق ابن البراج الشيخ السعيد خليفة الإمام أبي جعفر الطوسي بالبلاد الشامية. توفي سنة 481 هـ.

(الكنى والألقاب: 219 ـ 1)

2- الدرجات الرفيعة: 460.

3- تفسير التبيان ـ المقدمة: ج ـ د ـ 1. ورجال الطوسي ـ المقدمة: 11 ـ 12.

4- القائم بأمر الله، عبد الله بن القادر، أبو جعفر; ولد عام 391 هـ، وامه أرمنية اسمها قطر الندى، ولي الخلافة بعد أبيه عام 422 هـ، ومات سنة 467 هـ، وقد لاقى في حياته مشاكل وأهوالا كثيرة.

(تاريخ الخلفاء ـ للسيوطي: 417 ـ 423 طبع القاهرة).


الصفحة 26


 

من يفوقه قدراً، ويعلوه مكانة، ويفضل عليه علماً.

لذا كان هو المتعين لهذا الشرف(1).

ولعلنا في سبيل الاستشهاد على عظمة الشيخ نذكر نصين يعكسان لنا مدى ما يتمتع به من المكانة والمنزلة عند الاُمة.

1 ـ قال ابن تغري بردى(2): "أبو جعفر الطوسي، فقيه الإمامية الرافضة وعالمهم، وهو صاحب التفسير الكبير، وهو عشرون مجلداً، وله تصانيف اُخر. مات بمشهد عليّ... كان رافضياً، قوي التشيع"(3).

2 ـ وقال الدكتور محمود محمّد الخضيري: "... رجل واحد يقال له (الشيخ الطوسي) مع ان مدينة (طوس) التي ينتسب اليها لا تعتمد في شهرتها ومجدها على غيره ـ على كثرة من أنجبت على طول تأريخها المديد ـ من ينتسب اليها قبل الشيخ وبعده من الشيوخ والعلماء ذلك لأنه ـ في الحقيقة ـ رجل فذ بين علماء الإسلام، رفعته مؤلفاته الكثيرة العدد وجهوده العلمية المثمرة إلى مرتبة عالية ممتازة، لا ينافسه فيها أحد، فاستحق بذلك أن يمنحه مواطنوه هذا اللقب تشريفاً له بين جميع من ينتسبون إلى مدينتهم ـ ذات المجد التليد ـ واستحق الشيخ عند

____________

1- مقدمات تفسير التبيان: د ـ 1 ورجال الطوسي: 12 ـ 13 وتلخيص الشافي. بقلم السيد حسين بحر العلوم: 10 ـ 1.

2- الأمير جمال الدين، أبو المحاسن يوسف بن تغري بردى الظاهري القاهري الحنفي، ولد بالقاهرة سنة 803 هـ ورباه زوج اُخته ابن النديم الحنفي، وتلمذ على تقي الدين المقريزي مؤرخ الديار المصرية، وكان والده مملوكاً تركياً اشتراه الملك الظاهر برقوق. توفي سنة 874 هـ أهم مؤلفاته النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة.

(الكنى والألقاب: 231 ـ 1)

3- النجوم الزاهرة: 82 ـ 5.