الصفحة 27


 

الشيعة لقباً آخر يزيد عن اللقب الأول في مغزاه، ويعبر بفصاحة ـ لا مثيل لها ـ عن جميل تقديرهم اياه، ويعيّن منزلته بين جميع الطائفة الاثني عشرية، وذلك اذ يلقبونه (شيخ الطائفة)، وإذا أُطلق أحد هذين اللقبين أو كلاهما على شخص لم ينصرف ذهن العارفين إلى شخص سواه..."(1).

هذان النصان القديم والحديث يمكن أن نعرف منهما المنزلة الرفيعة التي يتمتع بها شيخنا العظيم عند المسلمين.

لقد بلغت منزلة الشيخ في بغداد أوجها بين علماء العصر من جميع الطوائف وبلغ قبول أهل السنّة له أن اعتبره بعض مؤرخيهم من أعلام السنّة على نحو ما فعل السبكي(2)، إذ عده من علماء الشافعية فقال:

".. أبو جعفر الطوسي، فقيه الشيعة، ومصنفهم، كان ينتمي إلى المذهب الشافعي..."(3).

وحذا حذو السبكي الحاج خليفة(4)، فقد نقل في كتابه (كشف

____________

1- مجلة رسالة الإسلام القاهرية: س 147 ص 40 مقال للدكتور محمود محمّد الخضيري بعنوان الشيخ الطوسي ـ مؤسس المركز العلمي بالنجف).

2- عبدالوهاب بن عليّ بن عبد الكافي بن عليّ الخزرجي الأنصاري المصري الشافعي الأشعري السبكي معروف بالفضل، والاطلاع، على كثير من العلوم، قاضي القضاة ولد بالقاهرة سنة 727 هـ، وتوفي عام 771 بدمشق بالطاعون. قال ابن كثير: جرى عليه من المحن والشدائد ما لم يجر على قاض مثله، له عدة مؤلفات.

(الأعلام ـ للزركلي: 335 ـ 4)

3- طبقات الشافعية ـ للسبكي: 51 ـ 3 طبع مصر.

4- مصطفى بن عبدالله كاتب حلبي، المعروف بالحاج خليفة: مؤرخ بحاثة، تركي الأصل مستعرب، مولده، ووفاته في القسطنطينية، تولى أعمالا كتابية في الجيش العثماني ولد عام 1017 هـ وتوفي عام 1067 هـ له مؤلفات كثيرة.

(الأعلام: 138 ـ 139 ـ 8)


الصفحة 28


 

الظنون)(1) عبارة السبكي.

وهذه النسبة إذا أبعدنا السبكي عن الاشتباه والغلط فما نفسرها إلاّ بمدى المكانة التي يتمتع بها الشيخ الطوسي في نفوس الأعلام من المسلمين، حتى ذهب الظن بالبعض انه شافعي، أو معتزلي، أو أي شيء آخر.

والحقيقة التي لا غبار فيها إن الشيخ من أركان المذهب الجعفري. وانه حاز الثقة التامة من طبقات الشيعة جمعاء في رواية الحديث وتحليله(2).

العاصفة الطائفية وتأثيرها على الشيخ:

 

وما كادت السنة 449 هـ تشرف على الانتهاء، حتى هبت عاصفة هوجاء خطيرة المغزى، عميقة الجذور، هددت بغداد بالفناء. تلك هي حوادث الطائفية الرعناء الدامية.

ولم تكن هذه العاصفة وليدة تلك الأيام وإنما بلغت ذروتها في هذا العهد، وخاصة عندما قطعت الخطبة للقائم العباسي ببغداد، وخطب للمستنصر الفاطمي على منابر بغداد والعراق كلّه، فكتب القائم بأمر الله إلى طغرلبك السلجوقي(3) في

____________

1- كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: الجزء الأول ـ باب التاء (تفسير الطوسي) طبع دار السعادة بمطبعة (العالم) 1310 هـ الطبعة الاُولى.

2- رجال الطوسي ـ المقدمة: 31 ـ 33.

3- السلطان محمّد بن ميكائيل بن سلجوق، أبو طالب، الملقب ركن الدين طغرل بك، أول ملوك الدولة السلجوقية، كانوا قبل تملكهم يسكنون وراء النهر، قريباً من بخارى، وهم أتراك ولد عام 385 هـ، وله مع ولاة خراسان وقائع، فردّ ملك بني العباس، بعد أن كان اضمحل وزالت دعوتهم من العراق، وخطب للفاطميين، وعمل على اعادة القائم بأمر الله العباسي

=>


الصفحة 29


 

الباطن يستنهضه إلى المسير إلى العراق، وكان بنواحي خراسان، فدخلها سنة 447 هـ(1). وتقوض حكم البويهيين بدخوله، وتوليه الحكم من قبل القائم العباسي.

فمنذ وروده إلى بغداد أخذ يشن حملة شعواء على الشيعة، ويقسو عليهم وقد عزّ على هذا السفاح الأهوج أن يزدهر المذهب الجعفري، وينتشر فقرر أن يعمل جاداً في بعث التفرقة الطائفية بين المسلمين، أو في الحقيقة يؤجج لهيبها من جديد، فالمصادر التأريخية تؤكد وقوع الحوادث الدامية بين الشيعة والسنّة، وقد استمرت من عام 441 هـ إلى دخول طغرلبك 447 هـ فهي مثلا بين شدة وضعف.

حتى إذا بلغت سنة 448 هـ قال ابن تغري بردى "وفيها اُقيم الأذان" في مشهد موسى بن جعفر. ومساجد الكرخ بـ "الصلاة خير من النوم" على رغم أنف الشيعة واُزيل ما كانوا يقولونه في الأذان من "حي على خير العمل"(2).

واشتد هذا الجو المتأزم بالطائفية على مرور الأيام، وانقلب إلى حوادث

____________

<=

من المدينة إلى بغداد، وارجع الخطبة باسمه. ثم خطب ابنة القائم فزوجها أبوها منه، وكان العقد بتبريز، وزفت اليه ببغداد، فمكثت معه ستة أشر، كان مريضاً فيها، وتوفي عام 455 بالري، ومدة ملكه خمس وعشرون سنة، وقيل: ثلاثون.

وطغرلبك: اسم علم تركي مركب من طغرل وبك.

(النجوم الزاهرة ـ لابن تغري بردى: 73 ـ 5 والأعلام: 342 ـ 343 ـ 7)

1- النجوم الزاهرة: 56 ـ 5.

2- النجوم الزاهرة: 59 ـ 5.


الصفحة 30


 

دامية، فقد ذكر لنا ابن الجوزي(1) صورة من هذه الحوادث في سنة 448 هـ فيقول:

"وفي هذه السنة اُقيم الأذان في المشهد بمقابر قريش، ومشهد العقبة ومساجد الكرخ بـ "الصلاة خير من النوم" واُزيل ما كانوا يستعملونه في الأذان "حي على خير العمل" ودخل إلى الكرخ (وهو معقل الشيعة) منشدو أهل السنّة من باب البصرة فأنشدوا الأشعار في مدح الصحابة، وتقدم رئيس الرؤساء إلى ابن النسوي بقتل أبي عبدالله الجلاب (شيخ البزازين) بباب الطاق لما كان يتظاهر به من الغلو في الرفض فقتل وصلب على باب دكانه"(2).

وإذاً فالفتنة الطائفية بلغت ذروتها، ولم يسلم منها كل شيعي سكن بغداد وكان نصيب الشيخ الطوسي منها كبيراً باعتباره الشخصية الشيعية الاُولى، وعلمهم المبرز، فقد "كبست دار أبي جعفر الطوسي (ويصفه ابن الجوزي بـ (متكلم الشيعة.) بالكرخ. وأخذ ما وجد من دفاتره، وكرسي كان يجلس عليه للكلام، وأخرج إلى الكرخ، واُضيف إليه ثلاث سناجق بيض ـ وهو اللواء ـ، كان الزوار من أهل الكرخ قديماً يحملونها معهم، إذا قصدوا زيارة الكوفة، فأحرق الجميع. وهرب أبو جعفر الطوسي، ونهبت داره..."(3).

____________

1- أبو الفرج عبدالرحمن بن عليّ بن محمّد البكري الحنبلي، المعروف بابن الجوزي: فاضل متتبع، صنف في فنون عديدة، كان رأس الأذكياء، توفي ببغداد عام 597 هـ.

(الكنى والألقاب: 342 ـ 1).

2- المنتظم لابن الجوزي: 172 ـ 8 طبع حيدراباد.

3- المنتظم: 172 و179 ـ 8.


الصفحة 31


 

أما ابن حجر العسقلاني(1): فيوضح السبب الذي دعا إلى هذا الهجوم المعاكس على شيخ الطائفة بعد أن كان معززاً مكرماً، بحيث يبلغ الأمر به أن تحرق كتبه، وتنهب داره، ويحدث ما حدث، ويقول: "قال ابن النجار(2): اُحرقت كتب الطوسي عدة نوب بمحضر من الناس في رحبة جامع النصر، واستتر هو خوفاً على نفسه، بسبب ما يظهر من (انتقاص السلف)..."(3).

ولعلنا وضعنا أصابعنا على الأسباب الرئيسية لهذه الحوادث الدامية من خلال ما عرضناه من نصوص تاريخية توضح لنا معالم المشكلة، والتي ذهب ضحيتها عدد كبير من المسلمين. بفعل تلك الطائفية الرعناء، والتعصب المخزي الأعمى الفظيع.

الشيخ الطوسي يهاجر إلى النجف

 

ومن جراء هذه الحوادث المؤلمة، والخطر المحدق، اختار الشيخ الطوسي(رحمه الله)النجف مقراً له، ومركزاً لحركته العلمية.

____________

1- أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني، أبو الفضل، شيخ الحديث، من كبار المجتهدين على مذهب الشافعي، له مصنفات مشهورة، توفي بالقاهرة سنة 852 هـ.

(الكنى والألقاب: 257 ـ 1).

2- محب الدين محمّد بن محمود بن الحسن البغدادي، تلميذ ابن الجوزي المعروف بابن النجار، صاحب كتاب (الكمال في معرفة الرجال) وتذييل تاريخ بغداد في ثلاثين مجلداً توفي سنة 643 هـ.

(الكنى والألقاب: 430 ـ 3).

3- لسان الميزان ـ لابن حجر: 135 ـ 5 طبع حيدراباد.


الصفحة 32


 

فالنجف الأشرف تمتعت بميزات خاصة فُضلت على بقية المدن العراقية، فهي تضم مرقد إمام العلم والفضيلة، أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وفيها تربة قابلة للنمو العلمي وذلك لوجود بعض الأعلام الذين سبقوا شيخنا الرائد من اتخاذ النجف مركزاً لهم.

بالاضافة إلى أن النجف تتكىء على الكوفة، وهذه المدينة علويّة في ذاتها وهي وإن وقفت في فترة ضد آل البيت(عليهم السلام)، إلاّ أنها عادت إلى رشدها بعد زمان، وأصبحت موئلا للشيعة، ومركزاً للتوابين، ومنطلقاً للثورات العلوية.

وإذا كان هذا الجانب متوفراً في مدينة الإمام عليّ (عليه السلام) ، فلابد أن يكون هو المفضل لدى الشيخ الجليل، الذي اضطرته المشاكل الطائفية، وحوادثها الدامية إلى أن يصمم على ترك بغداد.

وانتقل إلى النجف الأشرف عام 449 هـ، وحط رحله فيها، ومن الطبيعي أن يظهر دور جديد في حياته العلمية. خاصة إذا لاحظنا انه عند هجرته إلى مدينة النجف قد انصرف عن كثير من المشاغل، وانصرافه انصرافاً كاملا إلى البحث الأمر الذي ساعده كل المساعدة على انجاز دوره العلمي العظيم، الذي ارتفع به إلى مستوى المؤسسين(1).

ودبت في النجف حركة علمية نشيطة بفضل شيخنا الرائد، وتوطدت أركانها بمرور الزمن، حتى برزت مظاهر الحياة العلمية المرتبة واضحة للعيان. وأصبحت الجامعة تضم عدداً من طلاب المعرفة لا يستهان بهم، وأخذت تتكاثر يوماً بعد يوم.

____________

1- المعالم الجديدة ـ للسيد محمّد باقر الصدر: 63 طبع النجف.


الصفحة 33


 

بين حوزتين علميتين

 

ولقد ذكرت كتب الرجال ان تلامذة الشيخ الطوسي بلغوا من الشيعة فقط ثلاثمائة، أما من السنّة فلا يحصى(1).

وهذا العدد الذي تكاد المصادر تجمع عليه نراها عند تعداد أسمائهم لا تصل بهم إلى أكثر من ستة وثلاثين اسماً.

ولابد أن نتساءل عن هذا العدد من الطلاب والمحصلين، هل هم من أركان حوزته العلمية في بغداد، وقد انتقلوا معه إلى النجف، أو انهم نشأوا في النجف، ونمت الحوزة بهم على عهده بالتدريج، بحيث برز فيها العنصر المشهدي ـ نسبة إلى المشهد العلوي ـ (2).

ورجحت بعض المصادر الاُصولية: ان الشيخ عند هجرته إلى النجف انفصل عن حوزته التي أسسها ببغداد، وأنشأ في مهجره النجف حوزة جديدة. وتستند في دعواها إلى عدة مبررات. نلخصها بمايلي:

أولا ـ ان مؤرخي هجرة الشيخ الطوسي إلى النجف لم يشيروا إطلاقاً إلى أنّ تلامذة الشيخ في بغداد رافقوه، أو التحقوا به فور هجرته إلى النجف.

ثانياً ـ ان قائمة تلامذة الشيخ التي يذكرها مؤرخوه نجد انهم لم يشيروا إلى مكان التلمذة إلاّ بالنسبة إلى شخصين جاء النص على انهما تلمذا على الشيخ في

____________

1- مقدمة تفسير التبيان، ورجال الطوسي، وتلخيص الشافي.

2- المعالم الجديدة: 64.


الصفحة 34


 

النجف، وهما الحسين بن المظفر بن عليّ الحمداني(1)، والحسن ابن الحسين بن الحسن بن بابويه القمي(2).

ثالثاً ـ ومما يعزز احتمال حداثة الحوزة الدور الذي أداه ابن الشيخ المعروف بأبي عليّ(3)، فقد تزعم الحوزة بعد أبيه. ومن المظنون أنه كان في دور الطفولة أو أوائل الشباب حين هجرة والده، ذلك لانعدام تأريخ ولادته، ووفاته، ولكن الثابت تاريخياً انه كان حياً في سنة 515 هـ، أي انه عاش بعد هجرة الشيخ قرابة سبعين عاماً، ويذكر عن تحصيله انه كان شريكاً في الدرس عند أبيه مع الحسن بن الحسين القمي، الذي اُرجح كونه من الطبقة المتأخرة، كما يقال عنه ان أباه أجازه سنة 455 هـ، أي قبل وفاته بخمسين سنة، وهو يتفق مع حداثة تحصيله.

فإذا عرفنا أنه خلف أباه في التدريس والزعامة العلمية للحوزة في النجف،

____________

1- الحسين بن المظفر بن عليّ الحمداني ـ وفي نسخة الهمداني ـ نزيل قزوين، لقبه الشيخ منتجب الدين بالشيخ الإمام محي الدين، وكناه بأبي عبدالله، وقال: انه ثقة وجه كبير قرأ على الشيخ الكبير الموفق أبي جعفر الطوسي جميع تصانيفه مدة ثلاثين سنة بالغري على ساكنها السلام مصنف مشهور ذكرت له المصادر عدة كتب. (رجال المامقاني: 345 ـ 1).

2- الحسن بن الحسين بن الحسن بن بابويه القمي، نزيل الري المعروف بحسكا. ثقة موجه، قرأ على شيخنا الطوسي بالغري، كما قرأ على الشيخين سلاّر بن عبدالعزيز وابن البرّاج جميع تصانيهما، وله مؤلفات عديدة.

(رجال المامقاني: 273 ـ 2).

3- أبو عليّ الطوسي: الحسن بن محمّد بن الحسن: فقيه، ثقة، قرأ على والده جميع تصانيفه، قال ابن حجر في (لسان الميزان: 250 ـ 2)، وهو في نفسه صدوق، مات في حدود الخمسمائة وكان متديناً كافاً عن السب" لقب بـ "المفيد الثاني" توفي في النجف سنة 515 هـ تقريباً ودفن مع أبيه عند رجليه. قيل: ان كتاب (الأمالي) المنسوب لأبيه المطبوع هو له.

(تلخيص الشافي ـ المقدمة: 45)


الصفحة 35


 

بالرغم من كونه من تلامذته المتأخرين في أغلب الظن استطعنا أن نقدر المستوى العلمي العام لهذه الحوزة. ويتضاعف الاحتمال في كونها حديثة التكون.

والصورة التي تكتمل لدينا على هذا الأساس هي: ان الشيخ الطوسي بهجرته إلى النجف انفصل عن حوزته الأساسية في بغداد، وأنشأ حوزة جديدة حوله في النجف، وتفرغ في مهجره للبحث وتنمية العلم(1).

وإذا عدنا فألقينا نظرة على هذا النص الذي يذكره المؤرخون بأن تلامذة الشيخ من الشيعة بلغوا ثلاثمائة، ومن السنّة ما لا يحصى كثرة، فمن المؤسف جداً إن هذا العدد الكبير من التلاميذ لم يصل لنا من أسمائهم إلاّ ما يربو على الثلاثين وإن الشيخ منتجب الدين بن بابويه القمي(2) والمتوفى بعد عصر الشيخ بقليل، لم يستطع الوقوف على أسمائهم، فلم يذكر منهم في كتابه الفهرست، المطبوع في آخر البحار إلاّ ستة وعشرين اسماً، وزاد عليهم العلاّمة السيد محمّد مهدي بحر العلوم(3) في (الفوائد الرجالية) أربعة. فتمت عدتهم 30، وهؤلاء معروفون ذكرتهم مقدمات كتب الشيخ المطبوعة.

____________

1- المعالم الجديدة: 64 ـ 65 بتلخيص.

2- عليّ بن الشيخ أبي القاسم عبيدالله بن أبي محمّد الحسن الملقب بحسكا الرازي المنتهي نسبه إلى ابن بابويه القمي. قال الحر العاملي: كان فاضلا عالماً ثقة صدوقاً حافظاً راوية علامة، ولد سنة 504، وتوفي سنة 585 هـ.

(الكنى والألقاب: 181 ـ 182 ـ 3).

3- السيد محمّد مهدي بن السيد مرتضى ابن السيد عبدالكريم بن السيد مراد، المنتهي نسبه إلى السيد ابراهيم الملقب بـ "طباطبا" الذي ينتهي إلى الحسن السبط (عليه السلام) ، كان من الشخصيات العلمية المشهورة والمعروفة بالتقوى والعلم والزعامة. ولد بكربلا سنة 1115 هـ، وتوفي 1212 هـ ودفن في مقبرته الخاصة في مسجد الشيخ الطوسي بالنجف الأشرف.

(الكنى والألقاب: 60 ـ 64 ـ 1).


الصفحة 36


 

وأضاف شيخنا اغا بزرك الطهراني لهذا الثبت أسماء ستة، فأصبح العدد ستة وثلاثين، وقال بعد ذلك: "وهؤلاء ستة وثلاثون عالماً من تلاميذ الشيخ الطوسي المعروفين.

وإن كنا لا نستطيع القطع بأن هذه المجموعة من التلاميذ تمثل بحقّ الحوزة النجفية أو البغدادية.

ولا شك ان الحوزة العلمية التي أسسها الشيخ الطوسي في النجف الأشرف كانت فتحاً كبيراً، وفي الوقت نفسه كانت نواة للجامعة العلمية التي عاشت الأجيال.

ولكنها في الوقت نفسه لم تتمكن أن ترقى إلى مستوى التفاعل المبدع مع التطور الذي أنجزه الشيخ الطوسي في الفكر العلمي، وذلك لحداثة هذه الحوزة. وإن كانت هذه الهجرة إلى النجف قد هيأت له الفرصة للقيام بدوره العلمي العظيم لما أتاحت له من تفرغ تام لهذه الناحية المهمة.

وكان لابد لهذه الحوزة الفتية أن يمر عليها زمان حتى تصل إلى مستوى من التفاعل العلمي والنضج الفكري لقبول أفكار الشيخ وآرائه العلمية، وتواكب ابداعه بوعي وتفتح(1).

ومن هذا التاريخ تدخل النجف المرحلة العلمية المنتظمة، وتستمر بين شدة وضعف، فتقطع أشواطاً بعيدة في مسيرتها الجامعية، وهي تسجل لمؤسسها دور القيادة والزعامة بكل تقدير واكبار.

____________

1- المعالم الجديدة: 65 ـ 66.


الصفحة 37




أدوار الجامعة النجفية
خلال مسيرتها العلمية

 

في خلال هذه المسيرة الطويلة ـ والتي
تكاد تدق أبواب الألف عام ـ تمر هذه
الجامعة بأدوار يمكننا أن نحصرها بثلاثة
أدوار مهمة نعرضها بإيجاز.




الصفحة 38


 

الدور الأول لجامعة النجف

 

ويبدأ هذا الدور بانتقال الشيخ الطوسي(رحمه الله) إلى النجف، حيث وجد في هذه التربة الطيبة قابلية تامة للغرس والاستثمار، فأسس هيئة علمية منظمة ذات حلقات، ونظما خاصة من حيث التدريس، وقد ظهر أثر ذلك في كتابه المسمى (أمالي الشيخ الطوسي) الذي كان يمليه على تلامذته(1).

وكان من ألمع ما يذكر في هذا الصدد تنسيقه للدراسة العلمية في أقسامها الثلاثة: الفقه، والحديث، والاُصول. فقد وضع في هذه العلوم مؤلفات كانت موضع اهتمام الأعلام المبرزين من الفقهاء والاُصوليين.

ففي نطاق الفقه كان كتاب (المبسوط)(2) يمثل مدى "التطور العظيم في البحث الفقهي على صعيد التطبيق بالشكل الذي يوازي التطور الاُصولي على صعيد النظريات".

____________

1- نقل شيخنا أغا بزرك في الذريعة: 365 ـ 1: "ان للشيخ الطوسي كتاباً اسمه (اختبار الرجال) أملاه الشيخ على تلاميذه في المشهد الغروي، وكان بدء املائه يوم الثلاثاء 26 صفر سنة 456 هـ ".

2- تم طبع هذا الكتاب في ايران 1271 هـ.


الصفحة 39


 

وكانت "مساهمة الشيخ في الاُصول ـ مثلا ـ مجرد استمرار للخط وإنما كانت تعبر عن تطور جديد كجزء من تطور شامل في التفكير الفقهي العلمي له. اُتيح لهذا الفقيه الرائد أن يحققه. فكان كتاب (العدة)(1) تعبيراً عن الجانب الاُصولي من التطور"(2).

وإلى جانب هذين العملين، قام الشيخ الطوسي بعمل مهم وعلى مستوى واسع النطاق في جميع الأحاديث المنقول عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، وذلك بـ "دمج المجاميع الصغيرة في موسوعات كبيرة، فما انتهى ذلك حتى حصل الفكر العلمي الإمامي على مصادر أربعة موسعة للحديث"(3).

وكان نصيب الشيخ الطوسي من هذه الاُصول أصلين كبيرين هما: كتاب (التهذيب)، وكتاب "الاستبصار) في ثلاثة مجلدات(4).

ولم يكن هذا كل تراث الشيخ الطوسي(رحمه الله) فإلى جانب التراث الاُصولي والفقهي الضخم خلف تراثاً رائعاً في التفسير، فقد وضع (التبيان)(5) في عشرة مجلدات، وكان هذا النتاج الكبير يعرب عن مستوى واسع وعميق كما يدل على احاطة وشمول في آفاق المعرفة. وقد كانت الحاجة ملحة لهذا الجانب لافتقار المكتبة الإمامية اليه، ولذا اعتبر ظهور هذه الموسوعة التفسيرية إلى حيز الإمكان فتحاً كبيراً.

وفي علم الرجال، وتحقيق درجاتهم العلمية، وجمع الشتات عنهم

____________

1- طبع الكتاب في بمبى سنة 1312 هـ ثم في ايران 1314.

2 و 3- المعالم الجديدة: 56.

4- طبع هذان الكتابان عدة طبعات آخرها في النجف.

5- طبع هذا الكتاب في ايران والنجف، وأخيراً على نفقة مكتبة الشيخ أحمد القصيري في النجف الأشرف عشرة أجزاء.


الصفحة 40


 

وتميز طبقاتهم من عهد الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ما بعد عهد الأئمّة(عليهم السلام) وضع كتاب (الرجال)(1). وقد سد هذا الكتاب فراغاً في مجال الجرح والتعديل وتميز طبقات الأعلام والمحدثين، وأصبح مصدراً أولا للمشتغلين في هذا الحقل.

وفي ذكر أصحاب الكتب والاُصول، خلف للمكتبة الإسلامية كتابه (الفهرست)(2) وهو يحتوي على تسعمائة اسم من أسماء المصنفين وهو ـ في الحقيقة ـ من الآثار الثمينة الخالدة، وقد أصبح موضع اعتماد علماء الإمامية وغيرهم في هذا المضمار، لأنه ضبط لتأريخ العلوم عند الشيعة حتى تأريخ تأليفه.

وإلى هذا الصف العلمي أضاف في مجموعة مؤلفاته القيمة ما كتبه في اُصول العقائد، ومعرفة الله تعالى، وصفاته، وتوحيده، وعدله، والنبوة، والإمامة وكل ما يعود الاخلال به بالضرر على ما حصل له من المعرفة. مثل كتاب (الاقتصاد)(3)في اُصول العقائد، وكتاب (تلخيص الشافي)(4) و (المفصح في الإمامة)(5) وكتاب (الغيبة)(6) في إمامة الحجة المهدي محمّد بن الحسن العسكري(عليهما السلام).

____________

1- طبع هذا الكتاب بمطبعة الحيدرية بالنجف عام 1381 هـ، وبتحقيق السيد محمّد صادق آل بحر العلوم.

2- طبع عدة مرات: في ليدن، وكلكته في الهند عام 1271 هـ، وفي المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف ثلاث طبعات.

3- ما زال الكتاب مخطوطاً.

4- طبع الكتاب في ايران وأخيراً في النجف الأشرف مطبعة الآداب بتحقيق السيد حسين بحر العلوم وعناية مكتبة العلمين في النجف الأشرف.

5- ما زال مخطوطاً.

6- طبع في ايران بتبريز عام 1323 ـ 1324 هـ.


الصفحة 41


 

بالاضافة إلى المؤلفات الاُخرى، وفي مواضيع مختلفة، كلها تدل على اطلاع شيخنا الرائد في آفاق المعرفة، ولقد أحصتها بعض المصادر فبلغت 47 مؤلفاً في جوانب متعددة(1).

وإذا اعتبر الشيخ الطوسي(رحمه الله) في مجموع مؤلفاته المتنوعة موسوعياً، فهو من جانب آخر يعتبر مختصاً بالفقه والاُصول. ولم يكن تصنيفه في الفقه المتمثل في كتابه (المبسوط) ثم، في الحديث (التهذيب والاستبصار)، ثم في الفقه المقارن ككتاب (الخلاف)(2) إلى غيرها من مؤلفاته الفقهية، إلاّ مثلا للتطور العظيم الذي نهجه الشيخ في بحثه الفقهي.

ولقد عرض في بحوثه الفقهية منهج الفقهاء من الشيعة القدماء الذين مثلوا المرحلة البدائية من التفكير الفقهي، وهو ما يمكن أن نطلق عليها بمنهج الاخباريين، الذين يجمدون على أخذ الأحكام من الأحاديث، والروايات، واتباع النصوص، وانصرافهم عن التفريع، والتوسع في التطبيق، كما في كتابي (التهذيب والاستبصار).

كما عرض منهج الفقهاء الشيعة الاُصوليين الذي يفكرون بذهنية اُصولية ويمارسون التفريع الفقهي في نطاق واسع، وذلك في كتاب ـ (المبسوط).

والحقيقة ان "الفارق الكيفي بين اتجاهات العلم التي انطلقت من هذا التطور الجديد واتجاهاته قبل ذلك يسمح لنا باعتبار الشيخ الطوسي حداً

____________

1- مقدمات تفسير التبيان: ف ـ أو، رجال الشيخ: 49 ـ 112،تلخيص الشافي: 29 ـ 38.

2- طبع في ايران مرتين.


الصفحة 42


 

فاصلا بين عصرين من عصور العلم، بين العصر العلمي التمهيدي، والعصر العلمي الكامل. فقد وضع هذا الشيخ الرائد حدّاً للعصر التمهيدي، وبدأ به عصر العلم الذي أصبح فيه الفقه والاُصول علماً له دقته، وصناعته، وذهنيته العلمية الخاصة"(1).

وبعد هذا فقد استمر شيخنا الرائد في جهاده العلمي، والعمل الدائب في تنظيم الوضع الدراسي، حتى خطا على عهده الشريف خطوات سريعة بحيث أصبحت الحوزة العلمية الفتية في النجف تربو على المئات من رواد الفضيلة والعلم، والطلبة الناشئين، والمؤلفة ـ على حد رأي بعض المصادر ـ (2) من أولاده، وبعض أصحابه، ومجاوري القبر الشريف، وأبناء البلاد القريبة منها كالحلة ونحوها، ونمت الحوزة على عهده بالتدريج، وبرز فيها العنصر المشهدي ـ نسبة إلى المشهد العلوي ـ والعنصر الحلي، وتسرب التيار العلمي منها إلى الحلة.

بعد الشيخ الطوسي

 

وفي عام 461 هـ لبى الشيخ الطوسي ـ باني مجد الجامعة النجفية ـ نداء ربّه، وقد منيت الجامعة بخسارة كبيرة، ولكن نموها العلمي لم يقف بوفاة الرائد الكبير بل تحدثنا المصادر: بأن ولده الحسن بن محمّد بن الحسن المعروف بأبي عليّ الطوسي قام بدور كبير في ادارة دفة الجامعة، وزعامة حوزتها.

وكان أبو عليّ من أبرز تلامذة والده شيخ الطائفة، وأكثر قابلية من سائر تلامذة الشيخ لتحمل أعباء المسؤولية لإدارة شؤون الجامعة، واستمرار

____________

1 و 2- المعالم الجديدة: 56 ـ 57 و64.


الصفحة 43


 

الحركة العلمية فيها زماناً ليس بالقصير، وهي تؤدي عملها العلمي بصورة امتدادية للشيخ الرائد.

وقد وصفته المصادر بعبارات الاجلال والتكريم، مما تدل على مكانته الكبيرة في الجامعة النجفية، فمثلا يقول ابن حجر: "ثم صار فقيه الشيعة وإمامهم بمشهد عليّ(رضي الله عنه)، وهو في نفسه صدوق، مات في حدود الخمسمائة، وكان متديناً، كافاً عن السب"(1).

وتحدث عنه الشيخ اغا بزرك فقال: "وقد خلف أباه على العلم والعمل وتقدّم على العلماء في النجف، وكانت الرحلة إليه والمعوّل عليه في التدريس والفتيا، والقاء الحديث وغير ذلك، وكان من مشاهير رجال العلم، وكبار رواة الحديث، وثقاتهم، وقد بلغ من علو الشأن، وسمو المكانة أن لقب بـ "المفيد الثاني"(2).

وإلى جانب ما أفاد من والده شيخ الطائفة من الناحية العلمية كذلك عدّ من مشائخه: أبو الحسن محمّد بن الحسين المعروف بابن الصقّال. وحمزة أبو يعلى سلاّر بن عبدالعزيز، وغيرهم.

كما انه كان شريكاً في الدرس مع الشيخ أبي الوفاء عبدالجبّار بن عبدالله بن عليّ الرازي، والشيخ أبي محمّد الحسن بن الحسين بن بابويه القمي، والشيخ أبي عبدالله محمّد بن هبة الله الورّاق الطرابلسي، عند قراءة كتاب "التبيان" على والده الشيخ الطوسي.

____________

1- لسان الميزان: 350 ـ 2.

2- تفسير التبيان: المقدمة ـ أف وار.


الصفحة 44


 

وقد تخرج عليه كثير من حملة العلم والحديث من الفريقين، وحاز المرجعية عند الطائفتين، لذلك كثرت الروايات عنه، وانتهت الطرق إليه، وقد ذكر مترجموه كثيراً من تلامذته، فقد ذكر الشيخ منتجب الدين بن بابويه أربعة عشر رجلا، وأضاف الشيخ اغابزرك الطهراني ستة عشر شخصاً، كما ذكر ابن حجر العسقلاني في (لسان الميزان) ثلاثة أشخاص من العامة، فيكون المجموع أربعة وثلاثين شخصاً(1).

وفي طليعة هذه المجموعة:

1 ـ عليّ بن شهراشوب المازندراني السروي، والد صاحب (المناقب) و (المعالم).

2 ـ الشيخ الفقيه الصالح أبو عبدالله الحسين بن أحمد بن محمّد بن عليّ ابن طحال المقدادي.

3 ـ المؤلف الفقيه الثقة عماد الدين محمّد بن أبي القاسم بن عليّ الطبري الآملي الكحي.

4 ـ الشيخ الفاضل أبو طالب حمزة بن محمّد بن أحمد بن شهريار الخازن.

5 ـ أبو عليّ الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي صاحب تفسير (مجمع البيان).

6 ـ الشيخ محمّد بن منصور الحلي الشهير بابن إدريس، قال في (الرياض): على المشهور من أن ابن إدريس يروي عن أبي عليّ هذا تارة بلا واسطة، وتارة مع الواسطة.

____________

1- نفس المصدر: ـ أر ـ أت.


الصفحة 45


 

7 ـ أبو عليّ محمّد بن الفضل الطبرسي.

والذين ذكرهم ابن حجر العسقلاني هم:

8 ـ أبو الفضل بن عطاف.

9 ـ محمّد بن محمّد النسفي.

10 ـ هبة الله السقطي.

ولم يكن ذكر هؤلاء من بين المجموعة الكبيرة من تلامذة أبي عليّ الطوسي إلاّ لغرض اعطاء نماذج من المستوى الفكري لطلاب هذه الشخصية.

وقد ترك أثراً قيماً علمياً هو (شرح النهاية) وهو شرح لكتاب والده النهاية في الفقه.

وتوفي الشيخ أبو عليّ بعد سنة 515 هـ، فقد كان حياً في هذا التأريخ كما يظهر في مواضع من أسانيد كتاب (بشارة المصطفى).

وما أن انتقل الشيخ أبو عليّ إلى رحمة ربّه، حتى تقدّم ولده أبو نصر محمّد بن أبي عليّ الحسن بن أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي إلى تزعم الجامعة النجفية، وكان أهلا لهذا التزعم. فقد نقل عنه الشيخ اغابزرك الطهراني قائلاً: "كان الشيخ أبو نصر محمّد من أعاظم العلماء، وأكابر الفقهاء، وأفاضل الحجج واثبات الرواة وثقاتهم، فقد قام مقام والده في النجف، وانتقلت إليه الرياسة والمرجعية، وتقاطر عليه طلاب العلم من شتى النواحي"(1).

____________

1- تفسير التبيان ـ المقدمة: أخ.