الصفحة 46


وقال ابن العماد الحنبلي في حوادث سنة: 540 "... وفيها توفي أبو الحسن محمد بن الحسن أبي عليّ جعفر الطوسي، شيخ الشيعة، وعالمهم، وابن شيخهم وعالمهم رحلت إليه طوائف الشيعة من كل جانب إلى العراق، وحملوا إليه، وكان ورعاً عالماً كثير الزهد، وأثنى عليه السمعاني، وقال العماد الطبري: لو جازت على غير الأنبياء صلاة صليت عليه"(1).

ثم في هذه الفترة قام الأعلام من اُسرة آل الخازن في دعم الجامعة النجفية، حتى انتهى الدور إلى الموفق الخازن، عليّ بن حمزة بن محمّد بن أحمد بن شهريار، ووصفته المصادر بأنه "اشهر خزنة الحرم العلوي، ضم إلى سدانة الحرم السبق في العلوم الدينية وكانت الرحلة إليه سنة 572 حين كثر أهل العلم، ورواد الحديث، وكان المعوّل عليه في إدارة رحى العلم بعد شيخ الطائفة الشيخ الطوسي(قدس سره) وهو العاقد لحلقات الحديث والمتكفّل بالقائه، وكان عالماً فاضلا وكان من رجال القرن السادس"(2).

واستمرت الجامعة النجفية في حركتها العلمية من بعد الشيخ الرائد شيخ الطائفة حتى اطل عهد ابن إدريس، وقد موّج الحركة العلمية في الحلة ونشطت إلى حدّ كبير.

وكان عهد هذا المجدد ايذاناً بانتقال الحركة العلمية إلى الحلة، وقد تكاملت عناصر هذا الانتقال في أوائل القرن السابع الهجري.

____________

1- شذرات الذهب في أخبار من ذهب: 126 ـ 127 ـ 4 طبع مصر.

2- ماضي النجف وحاضرها: 405 ـ 2.


الصفحة 47


 

بين الطوسي وابن إدريس

 

ومحمّد بن أحمد بن إدريس الحلي، من مشائخ الفقهاء في الحلة، وسبط الشيخ الطوسي، توفي سنة 598 هـ.

وصفه ابن داود(1): "بأنه شيخ الفقهاء بالحلة متقناً في العلوم"(2). كما وصفه الحر العاملي(3): "وقد أثنى عليه علماؤنا المتأخرون، واعتمدوا على كتابه، وعلى ما رواه في آخره من كتب المتقدمين واُصولهم"(4).

وقالت بعض المصادر: "... وكان فقهياً اُصولياً بحتاً، ومجتهداً صرفاً، وهو أول من فتح باب الطعن على الشيخ (الطوسي)، وإلاّ فكل من كان في عصر الشيخ أو من بعده، إنما كان يحذو حذوه غالباً إلى أن انتهت النوبة

____________

1- تقي الدين الحسن بن عليّ بن داود الحلي: وصفته المصادر بالشيخ العالم الفاضل الجليل الفقيه المتبحر صاحب كتاب الرجال المعروف، تلمذ على السيد أحمد بن طاووس، والمحقق الحلي، ولد 647 هـ.

(الكنى والألقاب: 277 ـ 1)

2- رجال ابن داود: 498 طبع ايران.

3- محمّد بن الحسن بن عليّ المشغري: شيخ المحدثين، وأفضل المتبحرين العالم الفقيه النبيه المحدّث المتبحر الورع الثقة الجليل، صاحب المصنفات المفيدة، ولد عام 1023 هـ، وتوفي 1104 ودفن في خراسان.

(الكنى والألقاب: 160 ـ 2).

4- أمل الآمل: 60 طبع ايران.


الصفحة 48


 

إليه"(1).

وهذه الفقرة تلقي لنا ضوءاً على ما قام به هذا الشيخ المجدد بالنسبة لآراء الشيخ الطوسي وأفكاره، التي كادت تسيطر على الجامعة العلمية في النجف طيلة مائة عام أو أكثر، وتعيقها عن التجديد، والتفاعل الفكري.

فاننا نجد بعض المصادر ترى ان المائة عام التي عاشتها الحوزة العلمية بعد الشيخ المؤسس، وإلى حد ما كان عامل التقليد فيها واضحاً جلياً ومن جراء ذلك تحملت الجامعة اعباء الوراثة العلمية، وفي خلالها كانت هالة من التقديس والاحترام تحوط آراء وأفكار الشيخ الطوسي الرائد. بحيث كان من الصعب على أحد أن ينالها بالاعتراض والنقاش، أو يخضعها للتمحيص والتدقيق. وحتى ان أكثر الفقهاء الذين نشاؤا بعد الشيخ كانوا يتبعونه في الفتوى تقليداً له لكثرة اعتقادهم فيه، وحسن ظنهم به(2).

وقد وضح الحمصي(3) ـ وهو ممن عاصر تلك الفترة ـ هذه الحقيقة بقوله: "ولم يبق للإمامية مفت على التحقيق، بل كلهم حاك"(4).

والحقيقة اننا على رغم ما نجده في بعض المصادر بأن الفترة التي تلت وفاة الشيخ اپلطوسي من أنشط العهود بالنسبة للحركة العلمية في الجامعة النجفية، وإن الوضع الدراسي قد بلغ أوجه وشدة عنفوانه في عصر أبي

____________

1- روضات الجنات ـ الخونساري: 598 طبع ايران.

2- المعالم الجديدة: 66.

3- سديد الدين محمود بن عليّ بن الحسن الحمصي الرازي، من أكابر علماء الإمامية، وصف بأنه علاّمة زمانه في الاُصوليين من القرن السادس الهجري.

(الكنى والألقاب: 175 ـ 2).

4- المعالم الجديدة: 66 ـ 67.


الصفحة 49


 

عليّ الطوسي، وولده أبي نصر، وابن شهريار.

ولكن في الوقت نفسه لم تتمكن المصادر من اعطائنا صورة واضحة من ملامح هذه الفترة بما يتعلق بازدهار الحركة الفكرية في الجامعة النجفية، وتكاد تكون مظلمة، والركود العلمي فيها أقرب إلى الواقع من غيره.

بالاضافة إلى ان المصادر تحجم عن ذكر وضعية الحركة العلمية في النجف بعد ابن شهريار الخازن، وفي نفس الوقت نرى نجم ابن إدريس قد لمع في الحلة وبرز بعنف على مسرح النقد لآراء الشيخ الرائد، وكان هذا البروز الدفعي الجريء قد حول الأنظار إلى الحركة العلمية التي تدور رحاها في الحلة، وحتى تكاملت عناصر الانتقال في عهد المحقق الحلي(1)، وذلك في أوائل القرن السابع.

"وهذه الحقيقة بالرغم من تأكيد جملة من علمائنا لها تدعو إلى التساؤل والاستغراب، لأن الحركة الثورية التي قام بها الشيخ في دنيا الفقه والاُصول، والمنجزات العظيمة التي حققها في هذه المجالات كان من المفروض والمترقب أن تكون قوة دافعة للعلم، وأن تفتح لمن يخلف الشيخ من العلماء آفاقاً رحيبة للابداع والتجديد ومواصلة السير في الطريق الذي بدأه الشيخ. فكيف ولم تأخذ أفكاره وتجديداته مفعولها الطبيعي في الدفع والاغراء بمواصلة

____________

1- أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الحلي: وصفه ابن داود فقال: المحقق المدقق واحد عصره، كان ألسن أهل زمانه، وأقومهم بالحجة، وأسرعهم استحضاراً ولد سنة 602، وتوفي عام 676 هـ ودفن بالنجف.

(رجال ابن داود: 83 والكنى والألقاب: 133 ـ 135 ـ 3).


الصفحة 50


 

السير!"(1).

وتشير بعض المصادر الاُصولية إلى عدة أسباب من المحتمل أن تفسر الموقف، نلخصها بمايلي:

1 ـ ان الشيخ الطوسي بهجرته إلى النجف انفصل عن حوزته الأساسية وأنشأ حوزة جديدة حوله في النجف، وتفرغ في مهجره للبحث وتنمية العلم، وكان من الطبيعي أن لا ترقى الحوزة العلمية إلى مستوى التفاعل المبدع مع التطور الذي أنجزه الشيخ الطوسي في الفكر العلمي لحداثتها، ولهذا لم يتسرب الابداع الفقهي العلمي من الشيخ إلى تلك الحوزة التي كان ينتج ويبدع بعيداً عنها، ولكي يتحقق ذلك التفاعل الفكري الخلاّق كان لابد أن يشتد ساعد الحوزة الفتية حتى تصل إلى المستوى من التفاعل من الناحية العلمية فسادت فترة ركود ظاهري بانتظار بلوغ الحوزة الفتية إلى ذلك المستوى.

2 ـ أسند جماعة من العلماء ذلك الركود إلى ما حظي به الشيخ من تقدير عظيم في نفوس تلامذته رفعه في أنظارهم عن مستوى النقد، وجعل من آرائه ونظرياته شيئاً مقدساً لا يمكن أن ينال باعتراض، أو يخضع لتمحيص.

وقد بلغ من استفحال تلك النزعة التقديسية في نفوس الأصحاب أ نّا نجد فيهم من يتحدث عن رؤيا لأمير المؤمنين (عليه السلام) شهد فيها الإمام بصحّة كل ما ذكره الشيخ الطوسي في كتابه الفقهي "النهاية"!! وهو يشهد عن مدى تغلغل النفوذ الفكري الروحي للشيخ في أعماق نفوسهم.

____________

1- المعالم الجديدة: 62 ـ 63.


الصفحة 51


 

3 ـ والسبب الأخير يمكن أن يستنتج من حقيقتين تاريخيتين:

إحداهما: ان نمو الفكر العلمي والاُصولي لدى الشيعة لم يكن منفصلا عن العوامل الخارجية التي كانت تساعد على تنمية الفكر والبحث العلمي، ومن تلك العوامل عامل الفكر السنّي، لأن البحث الاُصولي في النطاق السنّي، ونمو هذا البحث وفقاً لاُصول المذهب السنّي كان حافزاً باستمرار للمفكرين من فقهاء الإمامية لدراسة تلك البحوث في الاطار الإمامي، ووضع النظريات التي تتفق معه في كل ما يثيره البحث السنّي من مسائل ومشاكل، والاعتراض على الحلول المقترحة لها من قبل الآخرين.

ثانيتهما: ان التفكير الاُصولي السنّي كمان قد بدأ ينضب في القرن الخامس والسادس ويستفد قدرته على التجديد، ويتجه إلى التقليد والاجترار حتى أدى ذلك إلى سد باب الاجتهاد رسمياً.

وإذا جمعنا بين هاتين الحقيقتين، وعرفنا ان التفكير الاُصولي السنّي الذي يشكل عامل اثارة للتفكير الاُصولي الشيعي، كان قد أخذ بالانكماش، ومني بالعقم، استطعنا أن نستنتج بأن التفكير العلمي لدى فقهائنا الإمامية قد فقد أحد المثيرات المحركة له. الأمر الذي يمكن أن نعتبره عاملا مساعداً في توقف النمو العلمي"(1).

وكيفما كان فإنّ ابن إدريس فتح باب النقاش على مصراعيه، وحمل بكلّ ما اُوتي من مقدرة علمية على آراء جدّه لاُمّه الشيخ الطوسي وبكل عنف. وكان ذلك سبباً لحملة شديدة عليه من قبل بعض الأعلام أمثال العلاّمة

____________

1- المعالم الجديدة: 62 ـ 69 بتصرف.


الصفحة 52


 

الحلي(1) الذي وصمه بأنه شاب مترف عفى الله عنه. ونقده غيره نقداً لاذعاً، كما رمي بقلة الأدب.

ومع هذا فإنّ الحملات القاسية التي شنها ابن إدريس على آراء الشيخ الرائد "كانت بداية خروج الفكر العلمي عن دور التوقف النسبي على يد هذا الفقيه المبدع، إذ بث في الفكر العلمي روحاً جديدة، وكان كتابه الفقهي "السرائر"(2)إيذاناً ببلوغ الفكر العلمي في مدرسة الشيخ إلى مستوى التفاعل مع أفكار الشيخ ونقدها وتمحيصها".

من النجف إلى الحلة

ولكن بوادر النشاط العلمي، أو التفتح الذهني للتفاعل مع آراء الشيخ بدت تبرز بأجلى مظاهرها في أوائل القرن السابع الهجري، وخاصة على مسرح التفكير الحلي، والذي عبر عن اتساع كبير في الذهنية العلمية التي يتمتع بها الحليون في تلك الفترة، ويمكن أن تكون طليعتها متجلية في الشيخ ابن إدريس، ثم المحقق الحلي، ثم العلاّمة الحلي، وأمثالهم الكثيرين ممن حملوا راية العلم في الحلة، وأسسوا لها مجداً شامخاً.

____________

1- جمال الدين أبو منصور الحسن بن سديد الدين يوسف بن عليّ بن المطهر الحلي، انتهت إليه رئاسة الإمامية في المعقول والمنقول والفروع والاُصول، صنف في كل علم كتباً، فكان أعظم العلماء شأناً ولد سنة 648، قرأ على المحقق الحلي، كما قرأ على المحقق الطوسي، وصار سبباً لتشيع السلطان محمّد المقلب بشاه خدابنده، توفي 726 ودفن في النجف.

(الكنى والألقاب: 442 ـ 444 ـ 3)

2- طبع هذا الكتاب في ايران.


الصفحة 53


 

وإذا كان عهد ابن إدريس إيذاناً بانتقال الحركة العلمية إلى الحلة، ففي عهد المحقق الحلي انتقل المركز العلمي إلى الحلة تماماً، وأصبح مجلس المحقق ـ كما تحدده بعض المصادر ـ يضم قرابة أربعمائة مجتهد(1).

واستمر التأجج العلمي ينير آفاق مدينة ابن إدريس طوال قرون ثلاثة، ودام حتى أواخر القرن العاشر الهجري، فقد عادت المركزية العلمية إلى النجف، وبقيت في الحلة حركة علمية بسيطة مفتقرة إلى شيء من الدفع والتوسع.

وفي خلال هذه المدة ضمت الحلة بيوتات كبيرة علمية، وأعلاماً فذة عرفوا بالفضيلة والاجتهاد، أمثال: آل إدريس، وآل شيخ ورَام، وآل فهد، وآل طاووس وآل نما، وبني سعيد، وبني المطير، وبني معية وغيرهم من البيوتات العلمية(2).

ويعترضنا هنا سؤال وهو:

ـ عند انتقال المركز العلمي من النجف إلى الحلة، ففي خلال هذه الفترة هل بقيت النجف خالية من حركة علمية، وقاحلة من أعلام فضلاء؟

والجواب: ان ثمة حركة علمية بقيت فيها. ودليلنا على ذلك:

1 ـ ان الفاضل الرضي الاسترابادي(3) ألف كتابه شرح الكافية في

____________

1- رجال الطوسي ـ المقدمة: 19.

2- مقدمات: تفسير التبيان، ورجال الطوسي، وتلخيص الشافي.

3- محمّد بن الحسن الرضي، الفاضل الاسترابادي، نجم الأئمة، وصفته المصادر بالعالم الفاضل المحقق المدقق، من أعلام النحو، سكن النجف، وتوفي فيها عام 686 هـ. له كتاب شرح الكافية لابن الحاجب.

(بغية الوعاة: 567 ـ 1 وروضات الجنات: 286)


الصفحة 54


 

هذه الفترة في النجف حينما أشار هو في كتابه المذكور بأنه من بركات الحضرة العلوية المقدسة وذلك عام 683 هـ (1).

2 ـ تحدث ابن بطوطة(2) ـ ضمن زيارته للنجف خلال عام 727 هـ ـ عن مدرسة عظيمة يسكنها الطلبة والصوفية من الشيعة ـ على حد تعبيره ـ (3).

3 ـ في هذه الفترة بنيت مدارس ثلاث لطلاب العلم والمهاجرين في النجف.

الاُولى: بناها السلطان محمّد خدابنده، أو ابنه أبو سعيد(4). في القرن الثامن.

الثانية: بناها المقداد السيوري(5) في القرن التاسع.

____________

1- شرح الكافية.

2- أبو عبدالله محمّد بن محمّد بن عبدالله الطنجي، كان سياحاً كثير الأسفار، وكان معاصراً لفخر المحققين ابن العلاّمة الحلي، توفي بمراكش سنة 769 هـ.

(الكنى والألقاب: 222 ـ 1).

3- رحلة ابن بطوطة: 109 ـ 1.

4- السلطان محمّد خدابنده بن ارغوان ملك العراق وخراسان، وعراق العجم، وأذربيجان جاوز الثلاثين من العمر، قالت المصادر: بأنه كان سنّياً ثم لعبت بعقله الإمامية فترفض وكان حسن الإسلام، وابنه أبوسعيد علاءالدين بهادرخان ممن ملك العراق أيضاً راجع ترجمتهما في

(تاريخ العراق بين الاحتلالين: عباس العزاوي: 442 ـ 447 و516 ـ 1).

5- الشيخ شرف الدين أبو عبدالله، مقداد بن عبدالله بن محمّد بن الحسين بن محمّد السيوري الحلّي الأسدي، من تلاميذ الشيخ الشهيد محمّد بن مكي، توفي عام 826 هـ ودفن بمقابر المشهد المقدس الغروي، له مؤلفات عديدة.

(مقدمة كنز العرفان: للشيخ اغا بزرك الطهراني: طبع النجف).


الصفحة 55


 

الثالثة: بناها الشيخ ملا عبدالله(1) في القرن العاشر.

ولو كانت النجف خالية من حركة علمية في هذه الفترة، لما شيدت فيها هذه المدارس العلمية.

كما ان المصادر الرجالية: تؤكد على وجود طبقة من الأعلام في النجف ضمن فترة الانتقال. نعرض عن ذكرهم لضيق المقام.

وان هؤلاء تعهدوا الجامعة النجفية في خلال هذه الفترة في ادارة دفتها وإن كانت الزعامة العلمية كانت قد انتقلت إلى الحلة.

وفي صدد تحديد الأسباب التي دعت إلى انتقال الحركة العلمية وزعامتها إلى الحلة، ذكرت بعض المصادر مايلي:

1 ـ لما أصاب طلاب العلم وعلماءها من الأذى لقلة المياه في النجف.

2 ـ هجوم الأعراب المتكرر على النجف، حيث ذاق النجفيون آنذاك الأمرين من هؤلاء الأعراب.

3 ـ غلاء النجف.

4 ـ انتقال زعيم الحركة العلمية العلاّمة الشيخ ابن إدريس صاحب السرائر

____________

1- المولى عبدالله بن شهاب الدين حسين اليزدي الشاه ابادي الفاضل العالم الفقيه المنطقي الجامع الكامل، وصفته المصادر بأنه علاّمة زمانه لم يدانه أحد في العلم والورع، توفي في أواخر دولة السلطان شاه طهماسب الصفوي في سنة 981 هـ.

(روضات الجنات: 358).


الصفحة 56


 

إلى الحلة، لأنه كان حلياً"(1).

إنّ هذه الأسباب قد تكون وجيهة من جهة، ولكنها من جهة اُخرى قد يعوزها الدليل فمثلا لم يتأكد لدينا ان ابن إدريس كان من طلاب الجامعة النجفية، ثم انتقل إلى الحلة بعدها، والظاهر ان ثقافته العلمية حلية صرفة. نعم ذكرت المصادر انه روى عن أبي عليّ الطوسي، أو ولده أبي نصر، وإنّ جده لاُمه الشيخ الطوسي، لكن المصادر لم تذكر لنا انه تلمذ في المدرسة النجفية.

ولم نقتنع بأن الأسباب التي دعت إلى انتقال الحوزة العلمية هي هذه النقاط التي تقدمت، إنما الذي يصلح للاعتقاد هو ان الحلة نبغ فيها ابن إدريس وأضرابه، وكانت من قبله تدار فيها حركة علمية، وعند ظهور ابن إدريس موج الحركة ووجه الأنظار إليه بحملاته القاسية على شيخ الطائفة الطوسي، والمشتغلون يتبعون المبرزَ في عصره وقد حقق ابن إدريس هذه التبعية بنبوغه ولهذا أثر على حركة الجامعة النجفية وإن لم يشلها تماماً.

____________

1- الدراسة في النجف ـ أحمد مجيد عيسى ـ مجلة البيان: السنة الثانية ص 732.


الصفحة 57


 

الدور الثاني للجامعة النجفية

 

ويمكن أن يكون النصف الأخير من القرن العاشر الهجري هو العهد الذي استعادت فيه النجف مركزها العلمي، بعد أن فازت الحلة بزعامة المركز العلمي مدة ثلاثة قرون.

ولقد حددت بعض المصادر زمن عودة الحياة العلمية بعهد المقدس الأردبيلي(1)، يقول السيد حسن الصدر في هذا الصدد: "ثم عادت الرحلة إلى النجف في زمن المقدس الأردبيلي، فقوي ذلك، واشتد الناس اليه من أطراف البلاد، وصارت من أعظم مراكز العلم"(2).

ونقلت بعض المصادر: ان السبب في عودة الهيئة العلمية إلى النجف "ان سحبت المياه اليها، واهتم بايصالها كثير من السلاطين والعلماء

____________

1- المولى أحمد بن محمّد الأردبيلي: قال السيد نعمة الله الجزائري: كان له من العلم رتبة قاصية، ومن الزهد والتقوى والورع درجة قصوى، وكان من سكان حرم مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) . مؤلف كبير، ومحقق عظيم، توفي عام 993 ودفن بالنجف.

(مستدرك الوسائل ـ الشيخ ميرزا حسين النوري: 392 ـ 3 طبع ايران).

2- مجموعة السلاسل الذهبية ـ للسيد محمّد صادق بحر العلوم. بحث (مراكز العلم للشيعة ـ للسيد حسن الصدر في آخر تكملة أمل الآمل). ص 585.


الصفحة 58


 

وغيرهم. فقد قام الصاحب عطاء الملك بن محمّد الجويني سنة 676 هـ(1) بحفر نهر التاجية(2) ثم جاء بعده الشاه إسماعيل الأول(3) إلى النجف فأمر بحفر نهر الشاه سنة 914 هـ، وتلاه الشاه طهماسب الصفوي(4)، فأمر بحفر الطهماسية(5) نسبة اليه

____________

1- الصاحب عطاء الملك: علاء الدين بن بهاء الدين محمّد، تقلد الوزارة في أيام هلاكو خان وأيام الملك العادل أبي اقاخان بن هلاكو خان، كان له السطوة والطول في الدولة، وكان فاضلا مدحه الشاعر محمّد بن عليّ العريضي فقال:

 

ولأنت وابن أبيك قد شيدتما

وبنوكما بيتاً فويق الفرقد

يبقى على مر الزمان وما دهى

بيت يقل ذراه ستة أعمد


كان مولده سنة 623 هـ وتوفي عام 683 هـ.

(تحفة العالم ـ للمرحوم السيد جعفر بحر العلوم: 291 ـ 1 طبع النجف. وتاريخ الكوفة: 192 هامش (1).

2- نهر التاجية: مأخوذ من الفرات ويصل إلى مسجد الكوفة، ثم ينتهي إلى النجف بذل الصاحب عطاء الملك ما يزيد على مائة ألف دينار ذهب، وأوصل الماء إلى النجف عام 676 هـ، وإنما سمي بالتاجية لأن تاج الدين عليّ بن أميرالدين من فضلاء عصر علاء الدين كان المباشر له، فاشتهر باسمه.

راجع (تاريخ الكوفة: 191 ـ 195 وتحفة العالم: 191: 193 ـ 1 وماضي النجف: 186 ـ 191 ـ 1 ـ).

3- هو أول ملوك الصفوية وموطد دولتها، وله في رجب سنة 892 هـ. وقد تسنم الملك عام 906 هـ، وفي عام 914 دخل بغداد بعد أن فر واليها حينذاك باريك بيك إلى الشام، وملك العراق، وكان يكرم علماء الشيعة ويخدم الروضات والعتبات المقدسة، توفي بتبريز سنة 930 وقيل سنة 931. ومدة ملكه 24 سنة.

(راجع تحفة العالم: 277 ـ 278 ـ 1 وماضي النجف: 191 ـ 1).

4- الشاه طهماسب الاول ابن الشاه اسماعيل الأول. ولد يوم الأربعاء عام 919 هـ، في قرية شهاب اباد من أعمال اصفهان وملك تسع عشرة سنة، وكان جلوسه على سرير الملك سنة 930 هـ، وتوفي سنة 984 هـ.

(تاريخ الكوفة: 195 هـ 2).

5- قال البراقي: عندما جاء الشاه طهماسب الصفوي إلى النجف في حدود عام 980 هـ أمر

=>


الصفحة 59


 

سنة 980 هـ، ثم حفر الشاه عباس عند وفوده إلى النجف نهر المكرية(1) سنة 1032 هـ. هذا بالاضافة إلى الاحتياطات التي عملت "كبناء الأسوار" لتقليل أثر الأعراب التخريبي، وإلى ما قامت به الحكومة من الأعمال لغرض تقليل ذلك، أو ابادته، وكان هذا الانتقال في بحر القرن التاسع بعد أن لبثت في الحلة ما يقارب ثلاثة قرون"(2).

وليس من البعيد أن يكون عامل توفير المياه والأمن في النجف سبباً لعودة الحياة العلمية في الجامعة النجفية بعد أن رحلت عنها ثلاثة قرون.

ولكن الذي يخال لنا هو ان الدوافع الرئيسية لبعث الحياة الفكرية أو تنشيطها في هذه الجامعة يعود إلى عامل سياسي وطائفي دفع إلى بعث الحركة العلمية في النجف.

ذلك ان السلطة الجلائرية، والايلخانية ـ والتي حكمتا بغداد زماناً ليس بالقصير ـ كانتا على قصد في احياء الحركة العلمية في الجامعة النجفية وجعلها قوة

____________

<=

بحفر نهر من الفرات إلى النجف غير انه لم يوفق إلى ذلك فقد وصل إلى مكان معروف (بالنمرود) ووقف العمل فيه فنسب إلى طهماسب وصحف بعد ذلك فسمي (طهمازية).

(راجع تاريخ الكوفة: 195 ـ 196 وماضي النجف وحاضرها: 192 ـ 1).

(3) نهر المكرية: وقد سماه البراقي بـ (نهر الشاه). عند زيارة الشاه عباس الأول بن الشاه محمّد خدابنده المولود في عام 979 والمتوفى عام 1037 هـ، إلى النجف لزيارة الإمام أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) سنة 1032 أمر بتنظيف النهر الذي حفره الشاه إسماعيل الأول من الفرات سنة زيارته مرقد جده عليّ (عليه السلام) عام 914، حيث طم في زمن محاصرة الروم أرض النجف أيام السلطان سليم، فحفر وعمر حتى جرى الماء فيه ودخل مسجد الكوفة.

(تاريخ الكوفة: 195 ـ 196، ماضي النجف: 193 ـ 1).

2- الدراسة في النجف ـ مجلة البيان س 2 ص 732.


الصفحة 60


 

دفاعية للشيعة، ومركزاً مهما يقابل بغداد.

ففي بغداد حركة علمية سنّية تدار من قبل السلطة الحاكمة حينذاك في العهد العباسي، ذات عروق وإصالة، والسلطتان المتقدمتا الذكر هما القوة المقابلة للخلافة، كما كان الأمر في عهد البويهيين.

ولهذا كان لهاتين السلطتين أثر في دعم جامعة النجف، واهتمامهم بها كمصدر للأشعاع العلمي المعبر عن علم أهل البيت(عليهم السلام).

وذهبت بعض المصادر إلى ان المدة التي عاشتها الجامعة النجفية في دورها الثاني هو من عام 750 ـ 1150 هـ. غير ان الدلائل تشير إلى ان العهد بدأ في عهد (المقدس الأردبيلي) الذي هو في القرن العاشر. وحتى نهاية القرن الثاني عشر حيث انتقلت إلى كربلا ـ كما سيمر علينا ـ.

المظاهر العلمية لهذا العهد

 

أما المظاهر العلمية لهذا العهد فتتلخص بما يلي:

أولا ـ استمرار النمو العلمي في مجالاته: الفقهي والاُصولي:

ففي البحث الفقهي تمثل بكتاب "مدارك الأحكام"(1) للسيد محمّد بن عليّ الموسوي(2) وقد جاء هذا الكتاب في شرح شرايع الإسلام في ثلاث مجلدات

____________

1- طبع الكتاب في ايران.

2- السيد محمّد بن عليّ بن الحسين بن أبي الحسن الموسوي الجبعي صاحب المدارك: "كان فاضلا متبحراً ماهراً محققاً زاهداً عابداً ورعاً فقيهاً محدثاً كاملا جامعاً للفنون والعلوم جليل القدر، عظيم المنزلة، له مؤلفات عديدة من رجال القرن العاشر الهجري. توفي 1009 هـ.

(الكنى والألقاب: 357 ـ 358 ـ 2).


الصفحة 61


 

فرغ منه سنة 998 هـ، وهو من أحسن الكتب الاستدلالية.

 


الصفحة 62


 

وفي البحث الاُصولي تمثل بكتاب "المعالم" الذي وضعه جمال الدين الحسن بن زين الدين الشهيد الثاني(1)، وقد وصفته الكتب المختصة: بانه "مثل المستوى العالي لعلم الاُصول في عصره بتعبير سهل، وتنظيم جديد، الأمر الذي جعل لهذا الكتاب شأناً كبيراً في عالم البحوث الاُصولية، وحتى أصبح كتاباً دراسياً في هذا العلم تناوله المعلقون بالتعليق والتوضيح والنقد"(2). وقد طبع هذا الكتاب عدة طبعات في ايران.

وأهم تلك التعاليق على المعالم هو كتاب "هدايةُ المسترشدين" للشيخ محمّد تقي الاصفهاني الذي بحث كتاب المعالم في مؤلف يعادله بأكثر من عشر مرات.

وأصبح هذان الكتابان من الكتب الدراسية في الجامعة النجفية، ولم تكن حصيلة هذا الدور هذين الكتابين في مجال البحث الفقهي والاُصولي فحسب. فهناك عدد كبير من الكتب التي وضعت في هذين المجالين لا يتسع المقام لذكرها.

ثانياً ـ وفي هذا الدور برز نشاط فكري عميق، ونتاج علمي قيم نذكر منه:

في المنطق ـ ألف الملا عبدالله النجفي كتاباً اسمه "الحاشية" وأصبح من الكتب الدراسية في الجامعة في علم المنطق. وقد طبع الكتاب عدة

____________

1- الشيخ جمال الدين، أبو منصور الحسن بن زيد الدين الشهيد الثاني، أمره في العلم والفقه والتبحر والتحقيق أشهر من أن يذكر، ولد 959 بجبع ـ لبنان، تلمذ على يد جماعة من أهل الفضل والعلم، وقصد النجف، وتلمذ على المقدس الأردبيلي، ثم عاد إلى جبع وتوفي فيها عام 1011 هـ.

(الكنى والألقاب: 354 ـ 358 ـ 2).

2- المعالم الجديدة: 76.


الصفحة 63


 

طبعات.

في فقه القرآن والحديث ـ ألف الشيخ فخرالدين الطريحي(1) كتاباً اسمه "مجمع البحرين" وقد طبع عدة طبعات في ايران.

في آيات الأحكام ـ ألف الشيخ أحمد بن إسماعيل الجزائري(2) كتاباً اسمه "آيات الأحكام" طبع في ايران.

في التفسير ـ ألف الشيخ أبو الحسن الفتوني العاملي النجفي(3) كتاباً اسمه "مرآة الأنوار" طبع في ايران.

وفي العقائد والإمامة ـ ألف الشيخ المتقدم الذكر كتاباً اسماه (ضياء العالمين) يقع في ثلاثة أجزاء ضخام لم يكتب أوسع منه في هذا البحث. توجد نسخة بخطه الكريم في مكتبة آل الجواهري، لا زال مخطوطاً.

____________

1- الشيخ فخرالدين بن محمّد عليّ بن؟؟؟ بن عليّ بن أحمد بن طريح النجفي الرماحي. وصفه الشيخ القمي بـ "العالم الفاضل المحدث الورع الزاهد العابد الفقيه الشاعر الجليل، قالوا: كان أعبد أهل زمانه وأروعهم، توفي بالرماحية سنة 1085 وله عدة مصنفات.

(الكنى والألقاب: 413 ـ 2).

2- الشيخ أحمد بن إسماعيل بن الشيخ عبدالنبيّ بن الشيخ سعد الجزائري الغروي من مشاهير العلماء، حاز شهرة واسعة في التحقيق والتدقيق، له آثار علمية عديدة في الفقه توفي سنة 1151 هـ.

(ماضي النجف وحاضرها: 81 ـ 84 ـ 2).

3- الشيخ أبو الحسن بن الشيخ محمّد طاهر بن الشيخ عبدالحميد. المنتهي نسبه إلى عبدالحميد الفتوني النباطي العاملي النجفي، ولد باصفهان وعاش بها، ثم هاجر إلى النجف، وصفه الميرزا النوري بـ "أفقه المحدثين وأكمل الربانيين الشريف العدل أفضل أهل عصره، وأطولهم باعاً. له آثار عديدة منها بالاضافة إلى ما تقدم كتاب (الفوائد الغروية) في اُصول الدين واُصول الفقه، وكتاب (الأنساب، ويعرف بلب الألباب) وغيرها توفي عام 1138 هـ.

(ماضي النجف وحاضرها 43 ـ 49 ـ 3).


الصفحة 64


 

في علم الرجال ـ ألف الشيخ حسن بن العباس بن الشيخ محمّد عليّ البلاغي(1) كتاباً اسمه "تنقيح المقال في علم الرجال"(2).

بالاضافة إلى كثير من الكتب الأدبية. وهذه الثروة الفكرية المتنوعة كان لها أكبر الأثر في بلورة الذهنية في الجامعة النجفية في هذا الدور.

الحركة الإخبارية ومظاهرها

 

ثالثاً ـ الحركة الإخبارية:

ظهرت في أوائل القرن الحادي عشر على يد المرحوم الميرزا محمّد أمين الاسترابادي(3)، واستفحل أمر هذه الحركة بعده، وبخاصة في أواخر القرن الحادي عشر، وخلال القرن الثاني عشر الهجري.

وكان أثر هذه الحركة "ان صدمت علم الاُصول، وعارضت نموه،

____________

1- الشيخ حسن بن الشيخ عباس بن الشيخ محمّد عليّ بن ؟؟؟ البلاغي. كان من أكابر العلماء ومن مشاهير أهل الفضل مجتهداً محققاً رجالياً له اطلاع في أكثر العلوم الدينية، طويل الباع في الحديث واسع الخبرة بالفقه والاُصول. من أهل التقوى والورع. له مؤلفات عدة. ومن رجال القرن الحادي عشر الهجري.

(ماضي النجف وحاضرها: 67 ـ 69 ـ 2).

2- ذكر الشيخ جعفر محبوبة في (ماضي النجف وحاضرها: 68 ـ 2 هامش 2) مايلي: "تنقيح المقال "كتاب في الاُصول، وفي مقدمته ترجم جماعة لم يذكرهم الاسترابادي في رجاله الكبير. رأيت نسخة منه في قم عند السيد شهاب الدين النجفي النسابة". كما نقل في ص 68 بأن صاحب الروضات نقل عنه، وفيه حواش كثيرة ذات فوائد رجالية".

3- المولى الميرزا محمّد الاسترابادي الإخباري: أجازه كل من الشيخ حسن بن الشهيد الثاني صاحب المعالم، والسيد محمّد صاحب المدارك، حيث استفاد منهما في النجف الأشرف انتقل إلى المدينة ومكة وبقي فيها، وأسس الحركة الإخبارية، وتوفي فيها عام: 1023 هـ وقيل 1026 هـ.

(روضات الجنات: 33 ـ 39).