المبحث الثاني

الأماكن المقدسة والأثرية

في النجف الأشرف

 

 

تشرفت بقعة النجف الأشرف باحتضان العديد من المعالم المقدسة والأماكن التاريخية والأثرية. بيد أن معلمها المقدس الأهم هو الحرم العلوي المطهر، وهو ما دعاني لأن أفرد له مكانة خاصة ومكانا خاصا ومساحة أوسع تتناسب ومكانته وقدسيته وكثرة زوار أميره أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، الذين يتجاوزون الملايين هذه السنوات في بعض الزيارات الخاصة لما للزيارة عند المسلمين وعند الشيعة بالأخص من حضور روحي محبب يقول أبناء النجف وزواره إن " الروحانية الكبرى للمزور ونفسيته الممتازة وصفاته القدسية تفيض على نفسية الزائر، فتكتسب منها لتطمئن بعد اضطراب، ولتسعد بعد شقاء، وترجو بعد قنوط، وتشرق بعد تجهم، وربما يحصل ذلك الإنعاش الروحي بمجرد تصور نفسية المزور واستعراض صفائه الممتازة في طواف حول تلك الشخصية الروحية طوافا ذهنيا بدون خصوصية للمكان، ولكن الشيعة لا يكتفون بذلك، بل لا تعد الزيارة الروحية زيارة إلاّ إذا كانت عند تربة المزور، ويركزون عملهم هذا على ركيزتين:

إحداهما: قوله تعالى: "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً" فهم يعتقدون أن أرواح المؤمنين لها الحياة ولها الخلود لا تموت ولا تتلاشى.

وثانيهما: أن بين الروح والجسد اتصالا وارتباطا فهما متصلان منفصلان، وأن للروح على تربة المدفون انعكاسا مثل الزجاجة والنور، فروح ذلك العظيم متصلة بمشهده، ومن يحظ بذلك المشهد يدركها إدراكا روحيا فيحظى ويتنور ببعض الأضواء ويرجع الى أهله وفي نفسه قبس من النور المقدس. هذه هي الزيارة، وذلك هو الموسم.(1)

 

خط المرقد العلوي الشريف

خط المرقد العلوي الشريف لأمير المؤمنين وإمام المتقين الإمام علي بن أبي طالب (ع) سنة أربعين للهجرة الشريفة، وقد سوى الإمامان الحسن والحسين (ع) قبره مع الأرض وأخفيا معالم القبر بوصية منه اليهما، وهو على ما يقول الجاحظ " أول إمام خفي قبره"، وبقي موضع خط المرقد العلوي سرا مكتوما لا يعرفه إلاّ أهل بيته والخاصة من صحبه والصالحين من أتباعه لأسباب عديدة منها كما يبدو جرأة أعدائه الظلمة على نبش قبره (ع) حتى قيل إن الحجاج بن يوسف الثقفي حاول جهده الاهتداء لموضع القبر الشريف فحفر لذلك ثلاثة آلاف قبر في النجف طلبا له ولم يعثر عليه.

أما الخاصة من أهل بيته والخلص من أتباعه فكانوا يتعاهدونه بالزيارة والسلام بعيدا عن أعين الرقباء " فقد زاره الإمامان الحسن والحسين عليهما السلام، والإمام عليّ بن الحسين زين العابدين مع ولده محمّد الباقر عليهما السلام، وانشأ عنده الزيارة المعروفة بـزيارة (أمين الله)، وزاره الإمام محمّد الباقر عليه السلام مرّة أخرى مع ولده الصادق عليه السلام، وزاره أيضا زيد ين عليّ (رض) مع أبي حمزة الثمالي وأبي قرة من أصحاب زيد الشهيد، وحين استقدم المنصور الإمام الصادق عليه السلام إلى الحيرة زاره (ع) عدّة مرات يصحبه في كلّ مرّة بعض أصحابه، وأعطى في أحدها نقوداً لصفوان الجمّال لإصلاح القبر (…) وممّن زاره مع الإمام الصادق عليه السلام ولده إسماعيل،ومن أصحابه أبان بن تغلب،ومحمّد بن مسلم،وصفوان الجمّال، ومحمّد بن معروف الهلالي، وسليمان بن خالد، وأبو الفرج السندي، والمعلى بن خنيس، وزيد بن طلحة، وعبد الله الرضوي، والمفضل بن عمر، ويونس ين ظبيان، كما زاره من الأئمة الإثني عشر أيضا: الإمام موسى الكاظم سنة 149هـ، والإمام عليّ بن موسى الرضا سنة 199هـ، والإمام محمّد الجواد سنه 221هـ،والإمام عليّ الهادي 234هـ، (عليهم السلام)وانشأ بعضهم زيارات خاصة عنده، أو أنشأوها ليزور بها أصحابهم (ع) إذا قصدوا المرقد، وهي مدونة مسنده اليهم في كتب الزيارات.

وحين علم المنصور أنّ الإمام الصادق عليه السلام وعددا من أصحابه يوالون زيارة القبر، وكان كغيره من عامّة الناس يجهل موضعه، أراد أن يتأكد من ذلك بنفسه، فذهب منفرداً مع بعض خاصته وخَدمه وأمره أن يحفر في المكان المحدد للقبر، وكان يزوره بعد ذلك يناجيه معتذرا إليه مما يفعله بأبنائه".

وذكروا: إنّ داود بن عليّ أيضا فعل ذلك، فشاهد كرامة باهرة أخافته، فأمر ببناء القبر وصنع صندوقاً وضعه عليه.

وفي عهد الرشيد ـ وقد خرج للصيد في هذه المنطقة ـ رأى كرامة حملته على أنّ ينعطف ويخشع ويقيم على القبر قبةً بيضاءً،صنع على رأسها جرة خضراء،وكان ذلك في سنة 155 هجرية كما يقول الديلمي أو في سنة 170هـ كما يقول الشيرواني والمستوفي،(2) وكان الرشيد يزوره ويصلّي عنده ويبكي معتذراً إليه، مما كان يصنع المنصور بولده.  

وممّن زار قبر الإمام عليه السلام في تلك الفترة عيسى بن جعفر. ومن الخلفاء زاره المقتفي والناصر،وأطلق عنده صلاتٍ وأموالاً (...)، وزاره المستنصر وعدد لا يحصى من العلماء والسلاطين والشعراء والأعيان.

 

عمارات الحرم العلوي الشريف

ما أن أشهر الإمام الصادق (ع) موضع المرقد الشريف بعد زوال دولة بني أمية من خلال بناء دكّة عليه كما روى بعضهم،حتى تعاضدت على تشييد عمارته أيدي المسلمين المؤمنين والأخيار الصالحين.

وقد مرت عمارة الحرم العلوي المطهر في النجف الأشرف بمراحل خمس أو أكثر- كما يذهب الى ذلك بعض المؤرخين- آخرها العمارة الماثلة اليوم، أما العمارات الأربع التي سبقتها فهي بإيجاز شديد كما يأتي:

 

العمارة الأولى

يروي بعض المؤرخين أن داود بن علي بن عبد الله بن العباس زار المرقد الشريف بين عامي (136 – 145 هجرية) وجعل عليه صندوقا خشبيا كما تقدم.

أما في عهد هارون (149 – 193 هجرية) فقد بنى الرشيد الضريح الطاهر بحجارة بيضاء، وأنشأ عليه رواقا، وأقام على الرواق قبة من طين أحمر،جعل لها أربعة أبواب، ووضع عليها جرة خضراء، وهي العمارة الأولى للحرم العلوي المطهر. وقد اختلف المؤرخون في سنة بناء هذه العمارة فذكر بعضهم أنها أقيمت عام 155 هجرية، وذكر البعض الآخر أنها أقيمت سنة 170 هجرية.

 

العمارة الثانية

وهي عمارة محمد بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع)، المعروف بالداعي الصغير، ملك طبرستان المقتول في شهر شوال من سنة 287 هجرية، وقد أنشأ عمارته في حدود سنة 273 للهجرة حين زار النجف فبنى على المشهد الشريف حائطا وحصنه بحصن فيه سبعون طاقا. وذكر المؤرخون أن السبب في بناء محمد بن زيد لعمارته هو أن المتوكل العباسي كان قد هدّ عمارة النجف كما هدّ عمارة الإمام الحسين في كربلاء. ثم طور البناء يوم بنى أبو علي عمر بن يحيى القائم بالكوفة قبة بيضاء على القبر الشريف سنة 338 هجرية.

 

العمارة الثالثة

وهي عمارة السلطان عضد الدولة البويهي المتوفى سنة 372 هجرية، فقد بذل عضد الدولة الأموال الطائلة لتشييد عمارة فخمة البنيان للحرم العلوي المطهر،جلب لها من بغداد العصر الذهبي خيرة المهندسين والمصممين والمعماريين والبنائين وذوي الفن والصنعة في دولته، ثم أحضر مواد البناء من صخور وأخشاب وغيرها من أماكنها النائية حيث ما وجدت، وحين أعوزه الطابوق والجصّ لعمارته الفخمة بنى لها قريبا من بئر معروف في بادية النجف مصاهر لما يحتاجه منها، كما حفر قناة للماء من نهر الفرات في الكوفة الى حيث النجف الأشرف، ثم أقام رواقا مرتفعا عقد عليه قبة بيضاء.

كما بنى عضد الدولة البويهي غرفا عديدة ويوانات رائعة، ثم حين تمّ للسلطان ما أراد، عقد عضد الدولة في بهو الحرم المطهر وتحت رواقه البهي مهرجان افتتاح عمارته الفخمة، داعيا اليه الأمراء والعلماء والنقباء والوجهاء والشعراء والأدباء، وفي هذا البهو الزاهي ألقى الشاعر الحسين بن الحجاج قصيدته المعروفة التي مطلعها:

ياصاحب القبة البيضا على النجف

من زار قبرك واستشفى لديك شفي

ومنها

إني أتيتك يا مولاي من بلدي
راجٍ بأنك يا مولاي تشفع لي
لأنّك العروة الوثقى فمن علقت
وأنك الآية الكبرى التي ظهرت
بحب حيـدرة  الكـرار مفخرتي

مستمسكا بحبال الحق بالطرف
وتسقني من رحيق شافي اللهف
بها يداه فلن يشقى ولم يخف
للعارفين بأنواع من الظرف
به شرفت وهذا منتهى شرفي (3)

وهذه العمارة الفخمة هي التي رآها الرحالة ابن بطوطة أثناء تشرفه بزيارة النجف سنة 727 هـ كما تقدم وكتب عنها في رحلته واصفا إياها بكونها:

" معمورة أحسن عمارة، وحيطانها مزينة بالقاشاني، وهو شبه الزليج عندنا لكنّ لونه أشرق، ونقشه أحسن، وإذا ما دخل زائر يأمرونه بتقبيل العتبة، وهي من الفضّة وكذلك العضادتان، ثمّ يدخل بعد ذلك إلى القبة، وهي مفروشة بأنواع البسط من الحرير وسواه، وبها قناديل الذهب والفضة، منها الكبار والصغار، وفي وسط القبة مسطبة مربعة، مكسوّة بالخشب، عليها صفائح الذهب المنقوشة المُحكمة العمل، مسمّرة بمسامير الفضة، قد غلبت على الخشب، لا يظهر منه شيء، وارتفاعها دون القامة، وفوقها ثلاثة من القبور، يزعمون أن أحدها قبر آدم (عليه السلام)، والثاني قبر نوح (عليه السلام)، والثالث قبر الإمام علي (عليه السلام).

وبين القبور طشوت ذهب وفضة، فيها ماء الورد والمسك، وأنواع الطِيِب، يغمس الزائر يده في ذلك، ويدهن بها وجهه تبرّكاً، وللقبة باب آخر، عتبته أيضاً من الفضّة، وعليه ستور الحرير الملوّن، يفضي إلى مسجد مفروش بالبسط الحسان، مستورة حيطانه وسقفه بستور الحرير، وله أربع أبواب عتبتها فضة، وعليها ستور الحرير ".

 

العمارة الرابعة

وهي العمارة التي نفذها أكثر من سلطان من السلاطين،حيث لم تقتصر عمارتها على واحد بعينه منهم كي تسمى باسمه، فقد اجتهد في تشييدها وتحسين القائم المبني منها بعض سلاطين البويهيين ووزرائهم ثم الحمدانيين ثم بعض من متشيعي الخلفاء العباسيين كالمستنصر والعديد من وزرائه.

وقيل إن هذه العمارة أقيمت بعد احتراق عمارة عضد الدولة البويهي المتقدم ذكرها وذلك في سنة 755 هجرية. ذلك أن الحريق الكبير لم يأت عليها بالكلية، فقد احترقت أجزاء كبيرة منها وبخاصة جدرانها التي كانت موشاة ومزخرفة بالخشب الساج المنقوش بأبهى النقوش وأحلاها، وقد تم تجديدها سنة 760 هجرية بعد خمس سنوات من الحريق، واستمر التطوير والتشييد على مراحل وأزمنة مختلفة بعد هذا التاريخ حتى شيدت العمارة الحالية.

 

العمارة الخامسة

وهي العمارة القائمة اليوم، وتدعى بالعمارة الصفوية، وقد شيدت في أوائل القرن الحادي عشر الهجري الموافق لعام (1637) م، يوم زار الشاه عباس الصفوي العتبة الشريفة، فأمر بتجديد القبة المطهرة، وتوسيع بناء الحرم العلوي، وجلب لذلك المهندسين المهرة والمعماريين البارعين والبنائين المتميزين من أهل الخبرة والجودة والفن، واستحضر من ذوي الصنعة ما شاءت له همته أن يحضر، فبذلوا جهدهم في تشييد عمارة الروضة المطهرة حتى أتموها على غاية من الروعة والجمال بعد ثلاث سنوات من العمل المضني الممضّ،وقد كان للعالم الجليل الشيخ البهائي الملم بعلوم عديدة ومنها الهندسة إضافة لتخصصه في علوم الشريعة دور مشهود في هندسة هذه العمارة وتشييد قبتها. وقد ألف رسالة في ذلك،ثم استمر العمل بتحسينها وترميمها طيلة المدة الفاصلة بين تشييدها واليوم.

ومما يجدر ذكره أن العمارة الصفوية حين شيدت كانت خلواً من كل تزيين، "وإذ زار السلطان" نادر شاه مدينة النجف أمر أن تكسى القبة الموقرة بالإبريز (الذهب الخالص) (...) وأمر بأن تكسى المئذنتان والإيوان وأن تطلى الكتابة الممنطقة للقبة من داخلها بالميناء والفسيفساء"(4) وذلك في
سنة 1156 هجرية وقد ثبت تأريخ تذهيب القبة والروضة كتابة بالحروف الذهبية على جبهة الإيوان الزاهي .

 

وصف العمارة الحالية للحرم وهي الخامسة

يعدّ الحرم العلوي المطهر بعمارته البهية أبرز معلم من معالم مدينة النجف الأشرف، ويقع وسط مدينتها القديمة تماما، ويضم الحرم العلوي: الصحن الشريف، والروضة الحيدرية المطهرة بقبتيها الداخلية والخارجية، ومئذنتيها المذهبتين، وخزائنها النادرة، ومكتبتها العامرة، وملحقات أخرى عديدة سآتي على ذكر أهمها باختصار.

 

الصحن العلوي الشريف

ما أن يقبل الوافد على النجف الأشرف حتى يخطف بصره مشهد الحرم العلوي المتلاليء وهو محاط بسور طابوقي خارجي مزخرف ومزين بتقاطعات من الطابوق تتداخل وتتعانق فيما بينها مكونة أشكالا هندسية متقابلة ومتناظرة مطرزة بإطار شذري اللون براق يأسر أنظار المقبلين عليه ويشدّها شداً اليه فلا تكاد تفارقه حتى تجد نفسها وجها لوجه قبالة باب من أبواب الصحن الحيدري الشريف.

 

أبواب الصحن العلوي الشريف

للصحن الحيدري الشريف خمسة أبواب هي:

 

باب القبلة أو الباب الجنوبي

سمي هذا الباب بباب القبلة لمواجهته القبلة الشريفة،ويقع وسط السور الخارجي في الجهة الجنوبية من الحرم المطهر مقابل شارع الرسول (ع)، وقد رصعت جبهة الباب المزدانة بالزخارف سورة الضحى وسورة الإخلاص والآية القرآنية الكريمة من سورة الزمر: " بسم الله الرحمن الرحيم وسيق الذين اتقوا ربهم الى الجنة زمرا حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها آمنين ".

 

الباب الكبير أو الباب الشرقي

يقع هذا الباب وسط الجهة الشرقية للحرم العلوي المطهر، وقد يطلق عليه أيضا اسم باب الساعة لوجودها فوقه. وقد كتبت في الجهة اليمنى من الباب عدة أبيات من قصيدة الشاعر الحسين بن الحجاج الفائية المتقدمة التي مطلعها:

ياصاحب القبة البيضا على النجف
      
 

من زار قبرك واستشفى لديك شفي

 

كما كتب على الجهة الشمالية للباب بيتان للشاعر أبي الحسن التهامي هما:

تَزَاحمُ تيجانُ الملوك ببابه
إذا ما رأته من بعيد ترجَّلت
      
 

ويكثر عند الاستلام ازدحامُهَا
فإن هي لم تفعل ترجَّل هامُهَا

 

باب مسلم بن عقيل

يقع هذا الباب في الجهة الشرقية للحرم المطهر أيضاً، وهو أصغر من الباب الكبير المتقدم ذكره، وقد تم فتح هذا الباب أول مرة سنة 1252هجرية ويلحظ الداخل من هذا الباب على واجهته المزخرفة بزخارف إسلامية رائعة البيتان التاليان:

جلّ باب شاد الإله بناه
صل اليه واعقل رجاك لديه
   

فهو يهدي الى سواء السبيل
إنه باب مسلم بن عقيل
 

باب الفرج أو الباب الغربي

يقع هذا الباب في الجهة الغربية للحرم المطهر وقد يطلق علية النجفيون أيضا اسم باب العمارة نسبة الى محلة العمارة المقابلة له وهي إحدى أهم المحلات الأربع لمدينة النجف الأشرف القديمة، وقد نقش على جبهة هذا الباب المزخرف بأجمل الزخارف الإسلامية وأبهاها البيتان الشعريان التاليان:

يا شاكياً كرب الزمان وحزنه
دع عنك أبواباً تريد سلوكها

 

ياغارقاً في الهم أعيته الحججْ
واقصد عليَّاً سالكاً باب الفرجْ

 

الباب الشمالي أو باب الطوسي

يقع هذا الباب وسط الجهة الشمالية للحرم العلوي المطهر، وسمي هذا الباب بباب الطوسي لأن الخارج منه يواجه شارع الطوسي المنتهي بمقبرة وادي السلام الشهيرة حيث تقع على يسار الذاهب اليها مقبرة الشيخ محمد بن الحسن الطوسي، وقد نقشت على جبهة  باب الطوسي الأمامية سور النصر والإخلاص والكوثر محاطة بزخرفة إسلامية بديعة. ومعلوم أن الشيخ الطوسي المتوفى سنة 460 هجرية كان هاجر من بغداد الى النجف الأشرف ليؤسس أو يطوّر حوزتها الدينية الشهيرة تطورا نوعيا مشهودا.

وما أن يجتاز الزائر عتبة الصحن العلوي الشريف من أحد أبوابه الخمسة المتقدمة حتى تخشع روحه مستذكرة تقوى وعدل وزهد وشجاعة وبأس وحكمة خليفة رسول الله وإمام المتقين علي أمير المؤمنين (ع)، ويعد الباب الشرقي الباب الرئيسي للصحن الحيدري المطهر، وقد شيدت بابه على ساعة أهداها الوزير أمين السلطان سنة 1305هجرية، وتعلو باب الساعة قبة مطلية بالذهب الخالص تتربع على عرشها ساعة مهيبة ذات أربعة أوجه بداخلها جرس ناقوسي ضخم يسمع رنين دقاته أبناء المدينة القديمة قاطبة.

ويتكون الصحن الحيدري الشريف - الذي تقرب مساحته من ثمانية آلاف متر مربع- من طابقين باستثناء أربعة ايوانات جميلة متقابلة ذات طابق واحد شاهق بارتفاع الطابقين كليهما، ينعقد من كل إيوان من الايوانات الأربعة المتقابلة قوس مطوي بما يشبه الإطار،حيث يقع الإيوان الأول منها - وهو المقتطع أصلا من رواق عمران بن شاهين- في الجهة الشمالية، ويقابله الإيوان الثاني الذي يسميه النجفيون إيوان العلماء، بينما يقع الإيوان الثالث في الجهة الجنوبية، ويسميه النجفيون بإيوان الحبوبي بعد أن دفن فيه المرجع المجاهد السيد محمد سعيد الحبوبي، أما الإيوان الرابع الذي يسميه النجفيون إيوان ميزاب الذهب كونه يعلوه ميزاب ذهبي اعتاد المؤمنون أن يسألوا الله تحته فتستجاب دعواتهم.ويقع هذا الإيوان في ظهر الحرم العلوي.

ويمتد الصحن العلوي الشريف الحالي على مسافة (6300) متر مربع تضم (58) إيوانا يرقد في كل إيوان جثمان شخصية إسلامية معروفة. ويتكون الصحن من طابقين مزخرفين بأحلى زخرفة وأبهاها، بني  في الطابق الأول منهما (78) غرفة، وشيد في الطابق الثاني منهما (77) غرفة أعدت كلها لتكون سكناً لطلاب العلوم الدينية الوافدين الى النجف الأشرف للدراسة.

يبلغ ارتفاع الصحن الحيدري المستطيل الشكل (17) م، وطول كل من ضلعيه الشرقي والغربي من الخارج 84 م، ومن الداخل 77م، ويبلغ طول ضلعه الشمالي من الخارج 84 م، ومن الداخل 72م، بينما يبلغ طول ضلعه الجنوبي من الخارج 75 م، ومن الداخل 72م، والصحن بمجموعه مزدان الجدران بالحجر القاشاني الملون المزين بأبدع النقوش والزخارف والرسوم والخطوط حيث كتبت ببهاء وضّاء على حواشي جدرانه العليا الزرقاء الرائعة الجمال بخط النسخ آيات كريمة من الذكر الحكيم بلون ناصع البياض وبأحجام من الحروف فخمة كبيرة.

"وقد بلط الصحن في أول إنشائه ثم جدد تبليطه مرارا، وفي عام 1325 للهجرة شرعت الحكومة العثمانية بترميم وتجديد قاشاني الصحن، وتوجد في الصحن والقبة والأروقة والإيوان الذهبي مجموعة من تواقيع الملوك والوزراء والعلماء والأمراء المنقوش على الآثار والنفائس والتحف حتى أصبحت تلك التوقيعات من أهم آثار النجف التاريخية، فلو أريد نزعها وجمعها لكونت كتابا نفيسا، ومنها المنقوش على الحجارة، ومنها المحاك في البسط والسجاد، ومنها المحفور على الفصوص والأحجار، ومنها ما هو مذيل في أخريات الكتب والمصاحف " (5) عسى أن يولي المسؤولون عن العتبة العلوية المقدسة هذا الجانب أهميته التي يستحقها إن شاء الله.

وقد أحصي مشاهير المدفونين في الصحن العلوي الشريف فقط، فكانوا (445) فقيهاً، و(10) كتاب، و(21) شاعراً و(11) فاضلاً،
و(4) أطباء، و(14) خطيباً، و(3) نسابين، و(2) من الفلاسفة(6).

ثم ان الصحن العلوي الشريف يقود زائره الى بهو يبلغ طوله (33)م، يرتفع عن أرضية الصحن الشريف بمقدار متر واحد، وهو يحتضن بداخله إيوانا مكسواً بالذهب الخالص تعلو جبهته كلمات عربية بأحرف ذهبية أرّخت لتذهيب القبة والمئذنتين والإيوان الفخم كما سيأتي وقد ضم الإيوان العديد من قبور العلماء الأفاضل لعل من أشهرهم العلامة الحلي المدفون في غرفة كائنة على يمين الداخل الى الرواق وكذلك المقدس الأردبيلي المدفون في غرفة كائنة على يساره.

 

المئذنتان الذهبيتان

تقع على جانبي الإيوان الذهبي الرائع مئذنتان مذهبتان يبلغ ارتفاع كلّ منهما (35) م، ومحيط قاعدة كلّ منهما ما يقرب من (8) م، وقطرها (2.5) م مغلفة كل مئذنة منهما ب (4000) طابوقة ذهبية وقد كتب في أعلى المئذنتين آيات من سورة الجمعة الشريفة.

 

الرواق المطهر

حين يدلف الزائر من الإيوان الى داخل الروضة الحيدرية الشريفة- مندهشا عبر باب ذهبي كبير مطعّم بما يبهر الناظر من أزهار وتقاسيم وخطوط وزخارف وتلوينات - يدخل وسط بهو رواق مستطيل الشكل يحيط بالروضة المطهرة يبلغ ارتفاعه (17) م، و طول ضلعه من الشمال الى الجنوب (31مترا ونصف)، ومن الشرق الى الغرب (30) م. والرواق مكسوّ الجدران والسقف بالمرايا المختلفة الأشكال والألوان والأطوال والأحجام متعاضدة ومتشابكة، وهي تكوّن مع قطع الفسيفساء الجميلة المتعانقة والمتآلفة لوحة فنية نادرة المثال.

وهو أول رواق ممرد حيث تم تمريد الروضة كلها عام 1156هجرية وقد أرخ الشعراء هذا التمريد بالتاريخ الأبجدي الحسابي التالي: " صرح ممرد من قوارير"

ويقع في وسط الرواق بابان متقابلان يسلمان الزائر الى عمق الروضة الحيدرية المطهرة.

 

الروضة الحيدرية الشريفة

الروضة المطهرة مربعة الشكل، طول كل ضلع من أضلاعها الأربعة (13) م، وبارتفاع يبلغ (17) م، وهي مزدانة الجدران بالمرايا الملونة المتعاضدة والمتوائمة والمطرزة بالفسيفساء المعشّق بما يبهر الزائر، والروضة مفروشة الأرضية بالرخام الصقيل، محزَّمة الجدران لما فوق قامة إنسان ببريق الرخام الملوّن وصفائه،وما أن يخطو المرء أولى خطواته داخل الروضة الحيدرية حتى يتلقف الداخل وهج المرايا الملونة ذات الأشكال الهندسية المتناظرة التي لا تكاد تفارقك حتى تنفتح على أبواب أربعة، اثنان منهما ذهبيان مطّعمان بالميناء من الجهة الشرقية، واثنان كذلك من الجهة الشمالية.

ويتوسط الروضة الحيدرية المقدسة الضريح العلوي الطاهر، حيث يحيط به شباك رائع الجمال يحتوي على (10) آلاف غرام من الذهب الخالص مركبة على (مليوني) غرام من الفضة الخالصة بأمر من القاجاريين، وقد وضعت في أعلى كل جهة من جهات الضريح المقدس المتقابلة مجموعة من القناديل الذهبية المتلاصقة، وفي كل ركن من أركانه الأربعة رمانة من الذهب المتلأليء، وقد كتبت على الضريح المطهر القصيدة العينية الشهيرة في مدح الإمام علي (ع) من شعر ابن أبي الحديد المعتزلي شارح: كتاب " نهج البلاغة " للإمام علي بن أبي طالب(ع) تتخلل كتابتها أسماء الأئمة الاثني عشر(ع).

يعلو القبر المقدس صندوق خشبي بطول خمسة أمتار، وعرض ثلاثة أمتار، وارتفاع مترين تقريباً. وقد استغرق العمل في إعداده بأمر من القاجاريين أربع سنوات ابتداءاً من عام 1198- 1202هجرية، والصندوق مصنوع بدقة فائقة من الساج المطعم بالعاج والذهب والفضة، وقد كتبت عليه من الجهة الجنوبية بالعاج المطعم أيضا بالذهب والفضة سورة: "هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكوراً"، وسورة "إنا أنزلناه في ليلة القدر"، وسورة: "سبح اسم ربك الأعلى". بينما كتبت على الجهة الشمالية منه سورة: "الملك"، وكتبت على الجهة الشرقية منه سورة: "النبأ" وسورة: "العاديات"، كما كتبت على جهة الرأس الشريف منه: "خطبة النبي (ص) في غدير خم" إضافة لبعض الأحاديث النبوية الشريفة الأخرى التي وردت في حق الإمام علي (ع).

وقد وضع على الصندوق الثمين تاج ذهبي موشى ومرصع بالجواهر الثمينة والأحجار الكريمة النادرة المثال.

ويتدلى من سقف القبة الداخلية فوق الضريح المطهر قنديل معلق بسلسلة من الذهب الخالص مرصع بأثمن الأحجار الثمينة النادرة ومن جملتها ماسة كبيرة لا تقدر بثمن طالما بهرت عيون ناظريها وأسالت لعاب اللصوص وتجار الجواهر الثمينة فحاولوا سرقتها، غير أن الله رد كيدهم الى نحورهم، من ذلك مثلا ما حدث في أوائل القرن العشرين قبل نشوء المملكة العراقية حين أغرى بعض التجار الأوربيين لصاً من لصوص بغداد الأذكياء بمبلغ كبير إن استطاع أن يستل هذه الماسة من موضعها ويأتيهم بها، فرسم اللص خطته وكادت أن تنجح إلاّ أن الله سلّم، فألقي القبض على اللص في سطح الصحن الشريف ومعه الماسة النادرة، وفي التحقيق معه من قبل السلطات التركية ذلك الوقت، اعترف السارق بمحاولته ومن وراءها وذكر أسماء بعض الوسطاء ممن غرروا به لكي يقدم على ارتكاب هذا الفعل الشنيع. ومنذ ذلك الوقت والسلسلة الذهبية هذه مربوطة بعدة سلاسل من وسط القبة تحوطا لما قد يحدث مثلما حدث.

 

القبتان الخارجية والداخلية للحضرة العلوية الشريفة

لقد بنيت فوق القبر الشريف قبتان كبيرتان: قبة خارجية بهية، بيضوية الشكل الى حد ما، ذات أفق رحب يبلغ سمك جدارها (80) سم، بينما يبلغ محيط قاعدتها (50) م، وطول قطرها (16) م، وارتفاعها عن سطح الضريح الطاهر (42) م، وقبة داخلية مستديرة سمك جدارها
(60) سم، وقطرها (12) م، وارتفاعها عن سطح الأرض(35) م، والقبة الداخلية محاطة بشبابيك أنيقة يبلغ تعدادها (12) شباكاً تزخرف كل شباك منها قطع الفسيفساء الرائعة، وتزينها أسماء موشاة للأئمة المعصومين عليهم السلام، مرصعة بجلال من آيات القرآن الكريم على جلالها، ومطوقة بجمال مقطوعات من الشعر العربي في مدح الإمام العادل أمير المؤمنين(عليه السلام)على جمالها، مضفية عليها روعة على روعتها، وأناقة على أناقتها، وقد تقاسمت باطن القبة الشريفة ثلاث سور قرآنية كريمة تصدرتها سورة "الجمعة" مؤرخة كتابتها في سنة (1156)هجرية، وتوسطتها سورة "عمَّ يتساءلون عن النبأ العظيم" وبعض أبيات من عينية ابن أبي الحديد مارة الذكر، بينما كتبت السورة الثالثة بما يعلو ذراعا فوق قامة الرائي فكانت سورة "هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكوراً" وهي مؤرخة في (1121) هجرية، وبذلك فقد كانت كتابة سورة " هل أتى " أقدم كتابة موجودة في الحرم العلوي المطهر.

هذا وقد طليت القبة الخارجية المطهرة بالذهب الخالص على شكل قطع من طابوق متوهج اللمعان مربع الشكل طول كل ضلع من أضلاعه (20) سم، وقد أتقن مهندسه صنعه وأجاد تقسيمه كي يكون صافي عدد طابوق القبة التفصيلي (7777) طابوقة ممنطقة بسورة مباركة هي سورة: "إنا فتحنا لك فتحا مبيناً"، وقد ختم كاتبها كتابة النطاق باسمه وأرخها فكان تاريخ كتابة النطاق في سنة (1156) هجرية. وقد أعيد تذهيب القبة مجدداً من قبل الحاج محمد رشاد مرزة أحد أبناء مدينة النجف الأشرف في عام(1972) م.

وقد بوشر هذه الأيام بمشروع توسعة الصحن المطهر من جهته الغربية الواقعة بين الصحن الشريف والمرقد المعروف بمرقد صافي صفا لتضاف الى الحرم العلوي مساحة تصل الى 1200متراً مربعا وقد تم الحصول على منطقة النفق كاملة وتم تسييجها وضمها كوقف لأمير المؤمنين، مع التأكيد على تثبيت أسماء المقابر التي ستدخل ضمن نطاق التوسعة الجديدة على المرمر الجديد.

كما بوشر أيضا بمشروع المرافق الصحية ذات الطابقين في الجهة الغربية من الصحن العلوي الشريف. كما تم افتتاح مطعم خاص بالروضة الحيدرية.

هذا ومما يلفت النظر حقا أن هندسة الروضة الحيدرية المطهرة قد روعي فيها أمران استطاعت براعة المصممين المعماريين انجازها بشكل دقيق كشف عن مهارة هندسية عالية، وهذان الأمران - إضافة الى ما تقدم من أن عدد الطابوقات الذهبية التي غطت القبة الخارجية للحرم المطهر قد صممت لتكون (7777) طابوقة بالضبط، وأن عدد الطابوقات الذهبية التي غطت كل مئذنة من مآذن الحرم العلوي قد صممت لتكون (4000) طابوقة بالضبط - هما:

أولهما: إن التصميم راعى في شكل البناء أنه كلما وصل الظل إلى نقطة معينة عرف الإنسان أن الشمس قد زالت وإن وقت الظهر قد حان في تلك اللحظة، ولا يختلف ذلك الأمر عما إذا كان الوقت صيفاً أو شتاءً.

ثانيهما: إن الشمس كلما طلعت فإنها تطلع وتشرق على الضريح المقدس مباشرةً سواءً أكان طلوعها في فصل الصيف أو في فصل الشتاء.

وتحكيم هذين الأمرين – كما هو معلوم – صعب عادة يحتاج إلى كثير من الدقة والمعرفة.

 

خزائن المرقد العلوي الشريف

يحتوي المرقد العلوي المطهر على خزائن لا تقدر بثمن،أهديت محتوياتها في فترات مختلفة منذ القدم، وهذه الخزائن لا تفتح إلاّ للخاصة من الناس وفي ظروف خاصة، من ذلك أنها فتحت مرة للسلطان ناصر الدين شاه في أواخر القرن الثالث عشر الهجري بعد أن صدرت الإرادة الملكية بأن تفتح للسلطان الخزانة، لما تقرر حينها من أن الخزانة لا تفتح إلاّ بإرادة ملكية، وكان ناصر الدين شاه قد جلب بمعيته خبيرا مشهوداً له بمعرفة الأحجار الكريمة والنوادر والتحف الأثرية كما أحضر معه السيد علي آل بحر العلوم من علماء النجف الأشرف ومعهم خازن المرقد العلوي الشريف،ومن ذلك أيضا أن الخزانة فتحت مرة أخرى من قبل متصرف لواء كربلاء السيد صالح جبر بحضور ممثل عن علماء النجف الأشرف وخبير متخصص إضافة الى الخازن كما فعل في المرة السابقة، وبعد جرد محتوياتها وضعت الخزانة في صندوق حديدي مع سجل بمحتوياتها الى جانب السجل الذي وقّع عليه السلطان ناصر الدين شاه في ختام زيارته التي تحدثت عنها سابقاً.

وفي الحرم العلوي الشريف أربع خزائن تقاسمت نفائسه، منها خزانة تحت الأرض جنب المنارة الجنوبية، وثانية في الضريح المقدس نفسه، وثالثة في بيت داخل الصحن الشريف خصصت لحفظ الكتب، وخزانة رابعة في جدار الروضة الحيدرية الكائن في الرواق الجنوبي من الحرم العلوي المطهر.

ولعل أهم هذه الخزائن هي الخزانة الموضوعة جنب المنارة الجنوبية "وأكثرها من هدايا نادر شاه منها خمسة قناديل مثبتة بفصوص ثمينة وسادس تلك القناديل معلق بسلسلة ذهبية فوق الضريح المقدس، وفي الخزانة مجمر من ذهب وضع فيه ستة أحجار من الياقوت الأحمر تشع وتلتهب كأنها الجمر، وفيها عقد كبير من الماس كتب عليه "نادر"، وفيها فصوص وأحجار ولآلئ".(7)

وقد فتحت هذه الخزانة مرة للباحثة الدكتورة سعاد ماهر محمد من جمهورية مصر العربية عام (1385)هجرية بتكليف خاص، فكتبت كتاباً عما شاهدته وصورته من هذه التحف والهدايا النادرة، مفردة لكل نوع من التحف فصلا خاصا به، ملحقة به صورة أو تخطيطا توضيحيا لكل صورة من صور محتويات تلك الخزانة الثمينة، مع وصف تفصيلي لها، وتحديد لمناشئها، وقياس لأبعادها وما الى ذلك من خصوصياتها، وقد أسمت الباحثة كتابها باسم " مشهد الإمام علي في النجف وما به من الهدايا والتحف "، وقد تولت طبعه مطابع دار المعارف بمصر سنة (1969) م.

ولقد بلغ تعداد محتويات الخزانة هذه التي فتحت للباحثة المصرية (2020) تحفة فنية رائعة، أغلبها ذات قيمة أثرية يرجع تاريخ بعضها الى القرن الرابع الهجري، حيث أهدى عضد الدولة البويهي سنة (356) هجرية غطاء لقبر الإمام علي (ع) مصنوع من الحرير والدمقس يعد آية من آيات النسج البهي والزخرفة والتطريز والتناسق، إضافة الى (447) تحفة أخرى منسوج كثير منها بخيوط من الذهب ومرصع بالأحجار الكريمة كالياقوت والزمرد والفيروز والماس واللؤلؤ وغيرها، ومن جملة هذه التحف النادرة ستارتان منسوجتان مطرزتان بالكلبدون واللؤلؤ منقوشة حواشيها بأبيات من الشعر الفارسي الجميل، وهي مهداة من السلطان ناصر الدين شاه إيران ووالدته، وفي الخزانة أيضا (420) تحفة معدنية مرصعة بالجواهر المتعددة الألوان والأحجام كالياقوت والزمرد واللؤلؤ والماس والفيروز والدر والعقيق، منها تيجان وقلائد وسيوف مرصعة بالأحجار الكريمة وأشباهها، ومن نفائس هذه المجموعة خمسة قناديل أهداها نادر شاه مثبت فيها أحجار كريمة وفصوص ثمينة وضعت فوق الضريح المبارك بحيث يستطيع زائر الإمام(ع) مشاهدتها من خلال فصوص الشباك الفضي المحيط بصندوق القبر الطاهر.

وفي الخزانة أيضاً (325) سجادة نادرة الوجود معدومة المثيل معظمها مؤرخ بتاريخ صنعها مما يضفي عليها قيمة تاريخية الى جانب قيمتها الفنية، منها على سبيل المثال سجادة نسجت في عهد الشاه عباس الصفوي (1586- 1628)م، وقد سمى نفسه بما أثبته كتابة على هديته من أنه - وهو الملك - "كلب علي بن أبي طالب" اعتزازاً وافتخاراً بأمير المؤمنين(ع)، وهي طريقة للتعظيم متبعة تلك الآونة، وفي الخزانة أيضا (121) تحفة زجاجية بعضها من البلور النادر المثال إضافة الى عقد ماس كبير كتب عليه اسم مهديه وهو الملك ناصر شاه، وفيها أيضا (156) تحفة خشبية مزخرفة وموشاة حفرت على بعضها قصائد شعرية في مدح الإمام العادل علي أمير المؤمنين (ع).

ويصف الشيخ علي الشرقي مشاهداته لبعض ما في الحرم الشريف من نفائس إثر السماح له استثناء بمشاهدة بعضها فيقول: " وقد رأيت كسوة تاريخية للصندوق وهي ثوب من اللؤلؤ المنظوم بأسلاك ذهبية وفضية يقال أنه من عهد البويهين، (...) وقد رأيت من النفائس سجادا بديعا غاية في الابداع قد نسج من الإبريسم ولباب الصوف يقيس في الطول أكثر من مترين تقريبا وأكثر من المتر بقليل في العرض، وقد وضع بشكل محراب للمصلى وله إطار مكتوب نسجاً بآية الكرسي وبأحسن خط وفي أعلاه نسجت صورة أسد يرمز بها الى أمير المؤمنين عليه السلام وعلى الجانبين نسجوا إحدى عشرة صورة يرمزون بها للائمة من أولاده وأحفاده ونسجوا على ذلك السجاد سورتي الحمد والتوحيد والتسبيحات التي ترد في الصلاة والتشهد والتسليم، ورأيت أربع قطع من السجاد النفيس المنسوج من الإبريسم وهو عمل بعض الأميرات الصفويات وقد نسجن تواقيعهن وتواريخ النسج، ورأيت نسخة للقرآن الكريم بخط البرنس إسماعيل الصفوي وبتاريخ 991 للهجرة وعليها غلاف أفرغ من ماء الذهب المذاب وقد نبّت بالأحجار، ورأيت نسخة ثانية على كرسي من العاج المرصع بالحجر الثمين وقد لُفّ بثوب من الإستبرق موشى بأسلاك الذهب في فن خارق وصناعة بارعة وغلاف ملون بالفسيفساء والميناء وهو غاية في جودة الخط بالقلم النسخي وليس فيه مادة للتاريخ، ورأيت ثالثة على كرسي مبرقع وهي بتلك النفاسة التي نوهنا عنها وعلى هذه النسخة تفسير بالفارسية وقد استخدم في كتابتها وتنقيحها كثير من الأصباغ ومحلول الذهب فكانت من أبدع الآثار الخطية ".(8)

وهناك في الخزائن مما لا يوصف لجماله وروعته الكثير الكثير، وهو ما فتح شهية اللصوص الطامعين.

لذلك ولغيره ولأسباب أخرى طائفية مقيتة تعرضت خزائن الروضة الحيدرية الى محاولات عدة للاستيلاء عليها من الإرهابيين التكفيرين أو من الحكام الظلمة أو من المسؤولين- غير المسؤولين- بحجج مختلفة وأعذار شتى، نجح بعضها للأسف وفشل البعض الآخر، من ذلك محاولات قام بها بعض الغزاة الوهابيين كما فعلوا بكربلاء المقدسة يوم قتلوا مئات ممن قتلوا ونهبوا من التحف والجواهر النادرة ما نهبوا كما تقدم.

وحين عرف مراجع النجف الأشرف ما أقدمت عليه عصابات الجريمة المنظمة من الوهابيين من سرقة وقتل وأفعال منكرة بحق الأضرحة المقدسة في كربلاء وما عزمت عليه من التوجه الى النجف الأشرف للقيام بجرائم مثيلة أمرت المرجعية بمعونة الشرطة العثمانية بنقل " هذه النفائس من النجف الى الكاظمية في أوائل القرن الثالث عشر للهجرة خوفا عليها من الوهابيين (...)، وبقيت في الكاظمية أربع سنوات يقوم عليها الحرس وقد حملتها أربع طوابير من الجنود العثمانية، ولعلهم أول جنود للعثمانيين دخلوا النجف ثم أعيدت تلك الذخائر الى محلها ".(9)

ومن محاولات الاستيلاء على خزائن المرقد العلوي المقدس ما أورده المؤرخون من أن والي بغداد العثماني مدحت باشا الذي عين واليا على بغداد في الثلاثين من شهر نيسان من عام 1869م " لم يكن قادرا على تحقيق مشروع كان عزيزا عليه وهو بيع خزائن النجف ".(10)

ويشير بعض المؤرخين أن مدحت باشا كان يضمر لخزائن المرقد العلوي الشريف ما يضمر من نوايا سيئة، غير أن الله رد كيد هذا الوالي الى نحره ولم يمكنه من تنفيذ مشروعه، بيد أن أمر بيع كنوز الروضة الحيدرية وباقي العتبات المقدسة الأخرى لم يقتصر على هذا الوالي العثماني وحده، بل ظل حلما يراود مخيلة العثمانيين من غيره أيضا، فقد ورد في تقرير رسمي " ان الأتراك كانوا قد قرروا مصادرة محتويات " الخزائن الموجودة في العتبة المقدسة للإنفاق على شؤون الجهاد بعد واقعة الشعيبة التي خسر فيها الأتراك المعركة أمام الانكليز بعد احتلالهم للعراق ". ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور.(11)

 

مكتبة الروضة الحيدرية الشريفة

في الروضة الحيدرية المطهرة مكتبة عريقة يرجع تاريخ تأسيسها الى ما قبل القرن الرابع الهجري ومما يؤيد ذلك ما ذكره المؤرخون من أن السلطان الشاعر والمحدِّث عضد الدولة البويهي المتوفى عام 372هجرية اهتم بهذه المكتبة الأثرية كثيرا.

ولا غرو فقد ضم مخزنها " من الكتب الثمينة النادرة الوجود ما لم يوجد في غيره، وأغلبها بخط مصنفيها أوعليها خطوطهم (...) ولم يوجد فيها ما هو مخطوط في القرن العاشر، بل كلها ما قبله، فهي من النفائس التي لا يوجد لها نظير، وفيه مصاحف ثمينة لأشهر الخطاطين محلاة بالذهب، وهي من هدايا سلاطين الشيعة ووزرائهم في مختلف العصور مختلفة الخط، ففيها الكوفي والأندلسي واليماني ".(12)

وقد شب حريق كبير في الروضة العلوية المطهرة في أواسط القرن الثامن الهجري ففي سنة 755 هجرية أتى على أغلب كتب وتحف ونفائس الروضة المقدسة،ومنها مصحف بثلاث مجلدات بخط الإمام أمير المؤمنين علي (ع) مع عدد كبير من مخطوطات الروضة النادرة، فأعاد تأسيسها السيد صدر الدين بن شرف الدين بن محمود بن الحسن بن خليفة المكي المعروف بالآوي مستعينا عليها بفخر المحققين محمد بن الحسن الحلي المتوفى
عام 771 هجرية، فأعاد للمكتبة العلوية ثراءها العلمي حتى بلغت كتبها عشرات الآلاف، وسميت يومها بـ " الخزانة العلوية ".

وقد تعاقب على إدارة هذه المكتبة الغنية عدد من كبار العلماء والمحققين منهم:

يحيى بن عليار، وهو من محدثي القرن السابع الهجري المعروفين، ومحمد بن أحمد بن شهريار المعروف بالخازن لخزانة أمير المؤمنين، من محدثي القرن السابع الهجري أيضا، وعلي بن إبراهيم الغطاوي من علماء القرن العاشر الهجري، وعالم النسب محمد حسين الكتابدار من علماء القرن الحادي عشر، وعبد الرزاق كتابدار الروضة الحيدرية من كتاب القرن الثاني عشر الهجري، وعلي بن الشيخ جعفر خضر الكتابدار من رجال القرن الثالث عشر الهجري وغيرهم.

كما تناوبت على " الخزانة العلوية " فترات مختلفة تفاوتت بين الخصب المعرفي والجفاف، بيد انها بقيت حتى أزمان الجفاف محط اهتمام الباحثين والمحققين، ولقد ذكر بعض المحققين أن النجفيين في حدود عام 1920 يذكرون أنه كان على رفوف المكتبة العلوية عشرات الآلاف من الكتب بضمنها العديد من النسخ الأثرية الثمينة للمصحف الكريم، وبعض كتب الأدعية، كما ذكر الجيل اللاحق لهم- ان تعداد المصاحف الأثرية فيها حتى وقت قريب من زماننا كان بحدود (550) مصحفاً، مزخرف الخط جميله، يرجع تاريخ أقدمها ذي الخط الكوفي الكبير الى القرن الأول الهجري، ويعتقد بعض المعنيين أنه خط الإمام علي(ع) نفسه، ويدعم هذا المعتقد ما حوته صفحته الأخيرة من جملة: " كتبه علي بن أبي طالب "، ويعززه ما ذهب اليه خبراء المخطوطات الذين قصدوا النجف الأشرف للاطلاع على هذا المخطوط الثمين، فانتهوا بعد الدراسة والفحص الى أن الخط يرجع الى عهد الخلفاء الراشدين.

وفي الخزانة أيضا قرآن آخر ناقص الأول والآخر مكتوب بالخط الكوفي القديم على رق منسوب الى الإمام الحسن بن علي (ع).

وقد وضعت النسختان النادرتان المتقدم ذكرهما لنفاستهما داخل المرقد العلوي المطهر

وفي مخزن المكتبة كذلك مصاحف ثمينة لأشهر الخطاطين المسلمين محلاة بالذهب، وفيها ما كتب على ورق رقيق من الخشب يقول من شاهده في السنين المتأخرة انه ناقص الآخر.(13)

وهناك في خزانة المخطوطات بعد كتب منسوبة الى بعض أئمة أهل البيت (ع) إضافة الى العديد من المخطوطات النادرة المكتوبة بخطوط مؤلفيها الذين آثروا إهداءها الى خزانة الإمام (ع).

ويحدثنا الشيخ جعفر محبوبة المتوفى سنة 1377هجرية عمّا شاهده في هذه المكتبة القيمة من نفائس المخطوطات بقوله: " يوجد في المكتبة اليوم بعض الكتب النفيسة في سائر الفنون والذي وقفت عليه: (المسائل الشيرازية) تأليف الشيخ أبي علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي النحوي نقلت على نسخة المصنف وعليها إجازة بخط المصنف صورتها " قرأ عليّ أبو غالب أحمد بن سابور هذا الكتاب "، وكتب: " الحسن بن أحمد الفارسي سنة 363 " هجرية (...)، و(شرح الدريدية) لابن خالويه قرئت عليه، وعليه صورة قراءته نصها: " بلغت قراءة على أبي عبد الله محمد بن عبيد الله العجمي حرسه الله وفرغت منها ليلة السبت لخمس بقين من شعبان سنة 375 وكتب: سلامة بن محمد بن حرب وحسبنا الله وحده " (...)، و(شرح ديوان المتنبي) لابن العتايقي المتوفى في حدود الثمانمائة، وقفت على الجزء الثاني منه وهو بخطه، وفي هذا المخزن من مؤلفات هذا الشيخ المتنوعة في سائر الفنون ما يقرب من ثلاثين مؤلفا، وقد فرغ من بعضها سنة 787هجرية، و(الجزء الثاني من التبيان) كتب في تاسع عشر شعبان سنة 576 هجرية (...)، و(نهاية الإقدام في علم الكلام) لفخر الدين الرازي كتبت في حدود السبعمائة، وهناك كتب لابن كمونة اليهودي البغدادي بخطه، كتبت في حدود الستمائة والسبعين، و(كتاب الملتقط) للزمخشري في اللغة بخط قديم، وهو مختار من كتابه المحكم (كتاب تقريب المقرب) في النحو لابن عصفور، و(التقريب) لأبي حيان، وهو بخطه الأندلسي. وهناك كتب كثيرة في الطب وغيره وبعضها مقطوعة الأول والآخر لم تعرف، و (كتاب المباحثات) للشيخ الرئيس كتبت النسخة سنة 718 هجرية ".(14)

وكان قد أشار الى أهمية هذه المكتبة الخطية القيمة الباحث السيد عبد اللطيف الشوشتري الخبير بالمخطوطات والمطلع على نفائسها في العديد من خزائن الملوك ومكتبات عصره الخطية في البلدان المختلفة، فقد ذكر في كتابه تحفة العالم أنه جاء الى النجف الأشرف في حدود سنة 1200 هجرية، واجتمع بأعلام النجف ومراجعها في عصره:كالسيد مهدي بحر العلوم، والشيخ الكبير صاحب كشف الغطاء،والملا محمود بن الملا صالح الكليدار.

وقال الخبير الرحالة الشوشتري: " أطلعني على كتب الأمير (ع) وفيها من نفائس العلوم المختلفة التي لم توجد في خزائن السلاطين ".

بيد ان ما يؤسف له ان قسما من سدنة الروضة الحيدرية لم يكونوا بالمستوى العلمي المفروض، ففرطوا بالعديد من المخطوطات القيمة بأن قدموها هدايا لبعض شخصيات الوفود الزائرة، وقد نقل الناقلون عن المجتهد المحقق السيد محسن الأمين (قدس) أنه رأى في عدد كبير من المكتبات المختلفة مخطوطات موقوفة على مكتبة الصحن الشريف أُخرجت من هناك بأغراض مختلفة.

ويذكر بعض المحققين أنه وجدت مخطوطات في بيت الأمير عبد الإله بعد ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958م، منها مخطوطة "للصحيفة السجادية" للإمام علي بن الحسين بن علي (ع) زين العابدين مكتوبة على رق الغزال مزدانة خطوطها وسطورها بماء الذهب، وقد كتب عليها ما نصه: "وقف خزانة الروضة الحيدرية". كما قدمت عام 1974م سبحة نادرة من خزانة الروضة الحيدرية الى صدام حسين تتكون من مائة وحدة من الأحجار الكريمة، وقد كتب عليها المصحف الشريف كاملا.

ومما تجدر الإشارة اليه أنه أقدم بعض سدنة الروضة الحيدرية في ظروف خاصة على بيع محتويات خزانة الكتب التي كانت تضم عشرات الآلاف من الكتب أثناء موسم الغلاء الذي عم البلاد فإنا لله وإنا اليه راجعون.

وكان الشيخ محمد السماوي (ت 1950م) قد اهتم بهذه المكتبة الثمينة وعكف على أوراق بعضها المبعثرة فجمع منها كتبا كاملة ثم سعى في نقل ما بقي منها الى حجرة في الصحن الشريف خصصت لذلك.

هذا ويذكر لنا السيد أحمد الحسني الذي نشر فهرستا لهذه الخزانة أنه قد سعى في جرد محتويات هذه الخزانة قبله " اثنان من الباحثين المعاصرين هما:

1 ـ المغفور له الشيخ آغا بزرك الطهراني، فإنّ الخزانة فتحت له في حدود سنة 1350 هـ، ففهرس ما فيها من الكتب ليدرجها في كتابه القيم: " الذريعة الى تصانيف الشيعة ". وهناك بعض الكتب الموجودة في الخزانة ولم توجد في الذريعة، وحدّثني صديق أنه رأى عند الشيخ أوراقاً كان يكتبها داخل الخزانة ليوزعها بعد ذلك في كتابه، ولكن فاته توزيع بعض الأسماء الموجودة في تلك الأوراق في موسوعته. كما أننا نجد كتباً يصرّح الشيخ بأنها توجد في الخزانة وهي غير موجودة الآن، وظننا أنها تلفت بعد اطلاع الشيخ على محتويات الخزانة.

2 ـ الدكتور حسين عليّ محفوظ، فإنه زار الخزانة في سنة 1377هـ ساعات قليلة، وسجل بعض المعلومات عن مخطوطاتها، ثم نشر فهرساً يضم (82) كتاباً في مجلة معهد المخطوطات المجلد الخامس الجزء الأول ص23ـ30 بتاريخ شهر ذي القعدة 1378 هـ، وصرح بأنه استعان بما كتبه الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة.

وكانت فرصة ثمينة أن تشكلت في السنة الماضية هيئة رسمية لجرد الخزانة العلوية وفحص محتوياتها، وبدأت الهيئة في عملها بالمكتبة، ودعتني أن أشاركها لإعطاء بعض المعلومات الفنية عن النسخ، فلبيت طلبها (...) وكان الجرد مستمراً بصورة سريعة، وكان المجال للوقوف على كل التفاصيل حول الكتب والنسخ قليلا لا يسمح بجمع المعلومات الدقيقة التي يجب أن تجمع، ولكن "الوجود الناقص خير من العدم"، فلا بأس أن أكتب ما سنحت لي الفرصة ولو كانت الكتابة مقتضبة لا تعتبر فهرساً وافياً لمحتويات الخزانة. ولقد كنت أكتب ما يمكنني كتابته داخل الخزانة، وبعد انتهاء الوقت ألجأ الى مكتبة الإمام الحكيم العامة ـ حيث مقر عملي ـ فأقارن ما كتبته عن الكتب مع النسخ المطبوعة والمخطوطة والفهارس العامة لكي أتأكد من كتابتي وأجد الأسماء الكاملة للكتب التي بقيت مجهولة عندي ".(15)

وبعد سقوط النظام الصدامي في 9/4/2003م قام مركز الأبحاث العقائدية ـ الذي أسس برعاية المرجع الديني الأعلى آية اللّه العظمى السيد السيستاني دام ظلُّه ـ بتهيئة المقدمات لتأسيس مكتبات عامة في العتبات المقدسة في العراق، وكان باكورة هذا العمل الشروع بإحياء مكتبة الروضة الحيدرية التي خطط لها أن تحتوي كما يورد موقعها على:

1- مكتبة عامة، تحتوي على آلاف الكتب في العلوم المختلفة وبمختلف اللغات الحيّة، لتكون في خدمة روّاد العلم وطلاّب الفضيلة.

2- مكتبة مختصّة بأمير المؤمنين (عليه السلام): وهي مكتبة تجمع في طياتها ما كتب بكافة اللغات العالمية حول أمير المؤمنين (عليه السلام) وحياته وسيرته، وما يتعلّق بنهج البلاغة وشروحه، سواء كانت هذه البحوث مستقلة أو ضمنية.

3- مكتبة الكترونية تحتوي على أحدث أجهزة الحاسوب (الكمبيوتر)، مع مئات الأقراص الليزريّة في مختلف العلوم الدينية والدروس الحوزوية والعديد من المحاضرات وغيرها.

4- موقع لـ " مكتبة الروضة الحيدرية " على الانترنيت: يحتوي على كتب وبحوث حول أمير المؤمنين (عليه السلام)، وحول مدينة النجف الأشرف، والحوزة العلمية، ومكتبة الروضة الحيدرية.

ومن المؤمل تكميل مكتبة الروضة الحيدرية في المستقبل بمحاور أخرى أهمها:

þ قسم للمخطوطات: يحتوي على ما تبقّى في الخزانة الحيدرية من مخطوطات ونفائس،وقد حدثني سدنتها اليوم انها موضوعة في صناديق من المقوى غير كثيرة ومركونة في غرفة مغلقة آمل أن تفتح لترى النور قريبا إن شاء الله.

بيد ان ما يؤسف له أشد الأسف أن قسماً من سدنة الروضة الحيدرية ومتولي شؤونها لم يكونوا مؤهلين بالمستوى المطلوب، ولا على دراية بأهمية الكنوز الخطية التي كانت بأمانتهم وعهدتهم كما أسلفت، وإلاّ لما عاثت بها العثة ما عاثت،ولا تسرب منها ما تسرب نتيجة التسامح، بل عدم الحرص مع قلة المعرفة، فإنا لله وإنا اليه راجعون.

þ قسم للتحقيق والنشر: يتكون من لجان علميّة تقوم بإحياء التراث المختصّ بأمير المؤمنين وذريته الأطهار (عليهم السلام)، وكذلك سائر العلوم الإسلامية، تأليفاً وتحقيقاً وترجمة.

þ قسم للندوات والدروس الدينية: يأخذ على عاتقه إقامة بعض الدروس والندوات العلمية والتثقيف في المناسبات المختلفة، بحسب الحاجة وتشخيص الأولويّات.

þ قسم للمجلات والصحف: يحتوي على أهمّ المجلات والصحف المنشورة في داخل العراق وخارجه.

 

وللمكتبة نشرة تعنى بالكتب والمكتبات والتراث ومدينة النجف الأشرف مع تهيئة قسم خاص للنساء.

 

الأماكن المقدسة الأخرى والمعالم الأثرية والسياحية في النجف الأشرف

بعد أن تشرفت بقعة النجف الأشرف باحتضان مرقد أمير المؤمنين الإمام العادل الشهيد علي بن أبي طالب (ع) ومن قبله ما ورد من احتضان واديها وادي السلام لمراقد الأنبياء أدم ونوح وهود وصالح (عليهم السلام)، باتت مدينة النجف مثوى للعدد الغفير من الأئمة والصحابة والتابعين ولك أن تعرف حجم الكثرة الكاثرة من الصحابة الذين دفنوا في النجف الأشرف والكوفة مما رواه صاحب كتاب (فرحة الغري) حين ذكر أنه توفي بالكوفة ثلاثمائة وثلاثة عشر من الصحابة لا يُدرى قبر أحد منهم إلاّ قبر الإمام علي(ع) والقليل من أصحابه.

وفي النجف الأشرف العديد من الأماكن المقدسة الأخرى كمرقد النبيين هود وصالح (ع) والمقامات كمقام الإمام علي (ع) ومقام الإمام زين العابدين (ع) ومقام الإمام المهدي (ع)، وفي النجف الأشرف وادي السلام، ومسجد الحنانة، ومرقد الصحابي الجليل كميل بن زياد النخعي، وهناك بعض من المعالم الأثرية والسياحية المعروفة في هذه المدينة المقدسة

 

المراقد والمقامات المشهودة

في النجف الأشرف عدة مقامات مشهودة يقصدها الناس للصلاة والدعاء والتبرك يأتي في مقدمتها:

 

مرقد النبيين هود وصالح (ع)

يقع في مقبرة النجف الكبرى خلف سور المدينة القديم من جهة وادي السلام مرقد للنبيين هود وصالح (ع) في حرم واحد يقصده الزوار للدعاء والتبرك والزيارة وأول من بنى على الموضع قبة من الجصّ والحجارة هو السيد محمد مهدي بحر العلوم (قدس)، ثم هدمت تلك القبة وبني عليه قبة مغشاة بالقاشاني الأزرق، ثم جدد بناؤه في سنة 1337هـ.

" وقد كان على المرقد صخرة قديمة حمراء طولها حوالي (70) سنتمترا وعرضها (20) سنتمترا كتبت بالخط الكوفي، وتصرح بأن هذا المرقد يعود لهود وصالح، وقد بنيت هذه الصخرة في داخل الاسطوانة الغربية في نصفها خوفا من السرقة، وقد أوصى السيد بحر العلوم بموضعها لسادة المرقد، غير أن حصار النجف الأشرف ايام الاحتلال البريطاني ولمدة أربعين يوما هدم قبر هود وصالح مع غيره من القبور والمقامات وفقدت الصخرة القديمة وهي شاهد القبر المذكور. ولما كان النبي هود (ع) قد بعث لقوم عاد وهم عرب يسكنون الأحقاف بين عمان وحضرموت مطلة على البحر، وكذلك النبي صالح (ع) أرسله الله الى قوم ثمود بعد هلاك عاد وهم يسكنون الحِجر بين الحجاز وتبوك، فإن مسألة وجود قبريهما في مقبرة وادي السلام بالنجف لا بدّ وأن تحمل على فرضية نقل رفاتيهما من تلك الأقاصي البعيدة الى النجف الأشرف لما لهذه الأرض من القدسية والمكانة السامية منذ قديم الزمان، وقد جاء في زيارة الإمام أمير المؤمنين علي (ع): السلام عليك وعلى ضجيعيك آدم ونوح، وعلى جاريك هود وصالح "(16).

ومما يدعم هذا التوجيه أن سكان تلك الأصقاع كانوا على علم بأهمية الدفن في بقعة النجف الأشرف بل كانوا يوصون بنقل رفاتهم اليها، بقرينة نقل رفات العبد الصالح اليماني زمن خلافة الإمام علي (ع) من اليمن الى النجف الأشرف كي تحظى بشرف الدفن في هذه البقعة المباركة كما سيأتي.

 

مقام الإمام علي (ع) أو صافي صفا

في النجف الأشرف مقام ينسب للأمام علي (ع) يقع في رحبة مطلة على بحر النجف يسميه الناس بـ (صافي صفا)، وتسمى المنطقة قديما بالمسبل، وعرفت بعد ذلك بالعمارة.

وفي (صافي صفا) مثوى لمؤمن صالح من أهل اليمن كان جثمانه قد قُطع به الفيافي والقفار عملا بوصيته كي يدفن في هذه البقعة المباركة. فقد روى المؤرخون أنه " ذات يوم كان الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) واقفا على حافة بحر النجف من أرض الغري يتأمل آيات الله في خلوته الإيمانية وإذا بسوادة بانت من بعيد... ثم اقتربت شيئا فشيئا، فإذا هو رجل اعرابي على بعير يحمل معه حملا ثقيلا... وعندما اقترب من الإمام إذا به يحمل جنازة، فوقف وسلّم على الإمام، وهو لا يعرفه، فسأله الإمام علي (ع) من أين مقدمك؟ قال الرجل من اليمن. قال الإمام: ما حاجتك؟ وما هذه الجنازة؟ ولمن هي؟ قال الرجل: هذا جثمان أبي توفي وأتيت به الى هذه الأرض كي أدفنه فيها. قال الإمام أتقطع كل هذه المسافة لتدفن أباك هنا؟ لماذا لم تدفنه عندكم في اليمن؟ قال الرجل: إنها والله وصية أبي، لقد أوصاني أنه إذا مات أدفنه في هذه الأرض.. قال الإمام: ألم تسأله لماذا أوصى بذلك؟ قال الرجل: نعم سألته فأجابني أنه يدفن في هذه الأرض رجل عظيم عند الله ورسوله ومن دفن بجواره أجاره الله مما يكرهه، ومن نال شفاعته دخل الجنة، وله من الفضل ما لا تسعه الكتب ولا تحيط به العقول، وكفى به أن حبه إيمان وبغضه كفر، وهو خير الناس بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو قدوة لمن اقتدى. فسأله أمير المؤمنين (ع): وهل تعرف هذا الرجل؟ قال الرجل: لا. فقال الإمام: ذاك الرجل هو أنا. فوقع الرجل اليماني على قدمي الإمام يقبلهما ويبكي. فقال الإمام: ما دام قد أوصى بذلك، وقد قطعتَ به كل تلك المسافة فسوف أتولى الصلاة عليه ودفنه. فقال الرجل: هنيئا لأبي، لقد أوصى أن يدفن عندك، فوجدك حاضرا هذا المكان، وسوف يحضى بشرف صلاتك عليه ودفنه بجوارك.. ثم سأله الإمام (ع) ما كان أبوك يصنع في حياته حتى أتمّ الله له ذلك؟ قال الرجل: إنه والله كان دائم الذكر لك يا أمير المؤمنين، أسمعه دائما وهو يناجي الله باسمك وخاصة في صلاة الليل ويدعو بذلك كثيرا " (17).

ثم دفن في المكان نفسه سادات أجلاء من بعد المؤمن اليماني الصالح، هذا ويحيط بالمقام الشريف المطل على منخفض بحر النجف مسجد قديم يعود تاريخ بنائه الى القرن السابع وقيل الثامن للهجرة النبوية الشريفة. وهو اليوم  بناء واسع يلحظه الناظر عن بعد ترتفع فوقه قبه مزينة بأبهى النقوش والكتابات والزخارف الإسلامية الموحية. والى جواره يقع مقام الإمام زين العابدين (ع).

 

مقام الإمام زين العابدين

خط هذا المقام الشريف لسيد الساجدين الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) في مكان صلاته (ع) أثناء زيارته لقبر جده أمير المؤمنين (ع)، وقد شيد على مكان صلاته مسجد كبير يشهد بناءه الرائي عن بعد، ويقع مقام الإمام زين العابدين في محلة العمارة رابع أربع محلات مشهورة هي الحويش والبراق والمشراق والعمارة، كانت النجف القديمة تتوزعها حيث تبوأ مقام الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع) طرف محلة العمارة خارج سور النجف القديم في قلب المنطقة التي يسميها النجفيون اليوم بـ (الثلمة).

ويقال أن الإمام السجاد (ع) كان إذا قصد زيارة جده أمير المؤمنين (ع) أتى هذا المكان فربط ناقته فيه ثم ترجل حافي القدمين إجلالا لمنزلة المزور ثم يرجع ويبيت في هذا المكان حتى إذا أسفر الصبح قفل راجعا من حيث أتى.

 

مقام الإمام المهدي المنتظر

في النجف الأشرف مقام ينسب للإمام المهدي المنتظر محمد بن الحسن(عج)، ويقع في مقبرة النجف الأشرف الكبرى: مقبرة (وادي السلام)، وقد شيد على مقام الإمام المهدي(ع) مسجد شامخ كبير.

إضافة الى وجود عدد من المقامات والمراقد الأخرى لا يسع المجال لذكرها في هذه العجالة.

 

وادي السلام

يعد وادي السلام من أكبر المقابر الإسلامية في العالم اليوم، وقد ورد عن بعض الأئمة (ع) روايات عن فضل الدفن فيه وعلى ذلك شواهد جلية في السنة المأثورة وقد وصف الشاعر النجفي الشهير محمد مهدي الجواهري مقبرة الوادي الكبير الذي تتزاحم بين جنبيه ما لا يقل عن عشرة أجيال من البشر بقوله: " إنها أكبر غابة للأموات في العالم "، وقد ضمت رملة وادي السلام رفات ما لا يحصى من المؤمنين قديما وحديثا، ولا زالت تربة وادي السلام حتى يوم الناس هذا محط أنظار المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها يتمنون أن يكون هذا الوادي مثوى أجسادهم كلما مرّ ذكر الموت في مخيلتهم أو راودتهم طيوفه وبخاصة ساعة النزع الأخير.

وتمتاز أرض النجف بارتفاعها المحصن لها من الغرق حيث " يبلغ الفرق بين منسوب ارتفاعها ومستوى منسوب نهر الفرات من جهة الشرق حوالي (75) مترا وبينها وبين مستوى أرض بحر النجف من جهة الغرب حوالي (90) مترا (...) والتاريخ الذي وثق فيضانات الفرات لم يخبرنا بأية موجة لفيضانات الفرات تقربت لمنطقة النجف أو لأطرافها (...) وبذلك اكتسبت مقبرة النجف خاصية مهمة طوبغرافية الطابع تعتبر ركنا أساسيا من مقومات المقبرة المثالية التي لا تتعرض فيها رفات الموتى الى الغرق أو الانجراف بواسطة مياه الفيضانات أو السيول كما أن طبيعة الصخور في موقع المقبرة غير ملائمة للاحتفاظ بالمياه النافذة اليها من الأمطار والسيول بسبب طبيعتها الرملية ذات المسامية والنفاذية العالية (...) وعدم قدرة الصخور في موقع المقبرة ضمن مستويات الدفن على الاحتفاظ بمياه السيول والأمطار بسبب خصائصها الفيزيائية وهو ما يعتبر من الخصائص المثالية للترب الصالحة للدفن يبرز هنا دور طار النجف ليضيف بعدا مثاليا آخر لصلاحية مقبرة النجف للدفن حيث يعتبر الطار متنفسا مائيا لسطح الهضبة ولطبقاتها العلوية على وجه الخصوص إضافة الى طبيعة الصخور الموصوفة بالصلابة المتوسطة الى الهشة بسبب ضعف تماسك مادتها الرابطة مما يساعد على عمليات حفر تلك الصخور لأغراض الدفن بالوسائل اليدوية البسيطة وبفترة زمنية منطقية تلائم متطلبات الأغراض الاجتماعية لمراسيم الدفن كما أن الصلابة الهشة والمتوسطة للصخور متوازنة مع الحد الأدنى لمتطلبات مقاومة الانهيار أثناء حفر القبر بأبعاده المعروفة دون الحاجة الى تدعيم " (18)

ونتيجة لقدسية المكان وللطبيعة الجيولوجية المثالية للأرض غدت مقبرة وادي السلام من أقدس المقابر وأكبرها في العالم.

وتثبت إحصائية ترجع الى أواخر العهد العثماني أن عدد الجنائز المحمولة الى النجف الأشرف للدفن من داخل مدن العراق وخارجه تصل الى حدود 20 ألف جنازة سنويا، وأن قراء القرآن المكلفين بقراءة القرآن على قبور الموتى قد أحصوا عام 1918م فبلغوا وقتها (2000) قاريء جلّهم من طلاب الحوزة العلمية النجفية.

ويقدر المتوسط السنوي لنقل الجنائز الى النجف الأشرف فترة العهد الملكي بحدود (17.500) جنازة بعد أن انخفض عدد الجنائز المحمولة الى النجف الأشرف من خارج العراق لأسباب لا مجال لذكرها.

وتكشف إحصائية أثبتها مكتب استعلامات الدفن في النجف الأشرف عدد الجنائز التي أمت النجف الأشرف من خارجها خلال عام (ابتداء من الأول من تشرين الأول عام 1974م وحتى الثلاثين من أيلول عام 1975م) - رغم تضييق النظام البائد على دخول الجنائز الى العراق من خارجه لأسباب طائفية معروفة - فتبين (أنها بلغت (28171) ألف جنازة، بينها (15644) ألف جنازة للذكور و (12527) ألف جنازة للإناث).موزعة على أشهر السنة كالتالي: (2060) جنازة في شهر تشرين الأول، و(2130) جنازة في تشرين الثاني، و(2601) جنازة في كانون الأول، و(2926) جنازة في كانون الثاني، و(2360) جنازة في شباط، و(2753) في آذار، و(2691) جنازة في نيسان، و(2402) جنازة في مايس، و(2060) جنازة في حزيران، و(2178) جنازة في تموز، و(2033) جنازة في آب، و(1977) جنازة في أيلول.

كما تبين إحصائية عام 1974م المتقدم ذكرها ان العديد من هذه الجنائز قد قدمت الى النجف الأشرف من خارج العراق، من دول عربية، وإسلامية، وغربية يقطنها مسلمون، وهذه الدول هي: دولة الكويت، والجمهورية العربية السورية، والمملكة العربية السعودية، وإيران، وفلسطين، والجمهورية اللبنانية، والمملكة المتحدة، وعمان، والجمهورية الفرنسية، والجمهورية الباكستانية، والبحرين، والجمهورية الأسبانية، والإتحاد السوفيتي.

كما تكشف إحصائيات استقيتها مباشرة من مكتب استعلامات الدفن التابع لبلدية النجف الأشرف أن معدل أعداد الجنائز التي أمت مدينة النجف الأشرف في عام 2002م أي قبل سقوط النظام البائد في 9/4 /2003م كانت بمعدل 70 جنازة يوميا من مختلف محافظات العراق، بينما انعدمت أو تكاد الجنائز الواردة من خارج العراق بسبب المنع الحكومي المفروض عليها، فقد كان يتطلب السماح بدخول جنازة عراقي توفي خارج العراق الى موافقة خاصة من وزارة الخارجية العراقية التي يتطلب استحصالها أياما، ثم ينتهي الأمر بالرفض عادة إلاّ ما ندر وبشكل استثنائي،وخلال تلك الفترة الحرجة المؤلمة الحزينة على أهل المتوفى وأحبابه تبقى الجنازة مطروحة بانتظار الموافقة الخارجية المنتظرة التي لا تأتي غالبا، مما يضطر الأهل إن وجدوا أو الجيران أو الأحباب والأصدقاء الى دفن الجنازة في بلاد الغربة، ولذلك فقد انتشرت مقابر العراقيين في أرجاء المعمورة وبخاصة مقابر المعارضين منهم الذين قدر الله لهم أن يلتحقوا ببارئهم خارج عراقهم الحبيب بمن فيهم العديد من رموز العراق الوطنية والثقافية والعلمية.وكأن الله قدر لهم أن يعيشوا الغربة مرتين، مرة قبل الممات وأخرى بعده، رغم وصايا غالبيتهم الملحة بأن يدفنوا في تربة بلدهم وفي النجف الأشرف خاصة.

ولقد زرت بعض هذه المقابر الكئيبة في لندن وطرابلس الغرب ودمشق وطهران وقم وغيرها حيث دفن لي فيها أهل وأقارب لقراءة الفاتحة على أرواحهم وأرواح ساكنيها من جيرانهم الغرباء فوجدتها موحشة غريبة كغربتهم، مؤلمة كآلامهم ومعاناتهم، متشوقة للمسة حب وحنان كتشوقهم لأهليهم ووطنهم زمن الغربة القسرية الموجعة، فإنا لله وإنا اليه راجعون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون والعاقبة للمتقين.

أما معدلات أعداد الجنائز التي أمّت النجف الأشرف بعد سقوط النظام البائد أي في أعوام 2003م و2004م و2005م فقد قاربت معدلاتها حسب أقوال المعنيين في مكتب استعلامات الدفن وغيره المائة جنازة يوميا.

وقد لاحظ موظفو مكتب استعلامات الدفن والمتتبعون أن أعداد الجنائز تزداد بشكل ملحوظ أيام محاكمة صدام حسين وأعوانه، وهي ظاهرة تستدعي الوقوف عندها طويلا.

كما لاحظوا كثرة أعداد صرعى عمليات القتل الإرهابي والتفجيرات التي أمت وتؤم النجف الأشرف جنائزها هذه الأيام بوتائر متصاعدة، إضافة لتزايد أعداد مجهولي الهوية منهم ممن وجد مقطوع الرأس مثلا وغيره مما اضطر المؤمنون من أهل الخير والإحسان الى استحداث مقبرة خاصة بهم تحمل قبورها أرقاما خاصة، لكل رقم منها ملف خاص يحتوى على صورة للقتيل ما أمكن مع كل ما يمكن أن يدل على صاحب القبر من أشيائه الخاصة ومقتنياته متى وجدت معه،عسى أن يتم التعرف بواسطتها على ساكنه القبر الغريب المجهول بطريقة ما مستقبلا.

ومن الواضح أن بيانات مكتب استعلامات الدفن لم تثبت إلاّ من وصلت جنازته الى النجف وسجلت في مكتب استعلامات الدفن أما أعداد الذين لم يعثر لهم على أثر نتيجة تطاير أجسادهم في الهواء أو تبعثر لحومهم وعظامهم نتيجة شدة التفجيرات، كما لم تتناول هذه البيانات من لم يطرق باب مكتب استعلامات الدفن لأسباب شتى يأتي في مقدمتها أن التسجيل ليس إلزاميا بل يخضع لرغبة أو حاجة ذوي المتوفى لمساعدة المكتب على دفن المتوفى أما من لم يرغب منهم باستحصال المعونة، فيبقى خارج نطاق التسجيل في المكتب وخارج أرقامه ضمنا،  ويأتي من جملة أسباب عدم تسجيل الوفاة في المكتب أن العديد من ذوي المتوفى له متعهد خاص يتولى دفن موتى أسرته أو قبيلته أو مدينته أو ما شاكل مما يكفيه مؤنة خدمات مكتب الدفن فلا يحتاجه، إضافة الى رغبة وجود أعداد غير قليلة باتت تدفن موتاها خارج تربة وادي السلام في النجف الأشرف لأسباب شتى منها صعوبة النقل في الظروف الاستثنائية ومنها الوضع الاقتصادي ومنها وجود مدافن خاصة لأسر معينة ومنها الرغبة وغيرها ففي كربلاء المقدسة والبصرة وبغداد مقابر كبيرة بدأت تتسع باطراد وفي الكثير من القصبات والأقضية والنواحي ومراكز المدن مقابر.

ومما يلفت النظر حقا بعد الارتفاع الكبير في أعداد ضحايا التفجيرات الطائفية الإرهابية، تصاعد نسب الوفيات بسبب مرض السكر والسرطانات المنتشرة بكثرة هذه الأعوام، وهو ما يستدعي من المهتمين بالشؤون الصحية وبخاصة وزارة الصحة معالجته سريعا والتركيز عليه.

ومن أجل مقاربة سريعة لما حوته سجلات مكتب استعلامات الدفن في مديرية بلدية النجف الأشرف، فقد اخترت بعد متابعة شخصية عينة عشوائية مما دونته هذه السجلات من معلومات، ضمت ما أثبتته من أعداد الوفيات الكلي، وأهم أسباب الوفاة للأيام في أدناه اعتبارا من:
2/4/2004م – 15/4/2004م وما يوافق هذه الأيام من الشهر نفسه من أعداد الوفيات وأهم أسباب الوفاة في عامي 2005م و 2006م.

مشيرا الى أن الأمر يحتاج الى متابعة متخصصين لاستخراج بيانات تفصيلية ذات أثر مهم في قراءة واقع ما جرى ويجري خلال هذه السنوات في العراق الجريح.

أعداد الوفيات المسجلة في سجلات

مكتب استعلامات الدفن في النجف الأشرف وأهم أسباب الوفاة

 

التأريخ باليوم والشهر والسنة

عدد الوفيات بسبب القتل والتفجير

عدد الوفيات بسبب السرطان

عدد الوفيات المسجلة الكلي

2/4/2004

2/4/2005

2/4/2006

4

8

26

2

6

8

60

110

80

3/4/2004

3/4/2005

3/4/2006

12

4

16

5

2

8

100

80

80

4/4/2004

4/4/2005

4/4/2006

8

7

27

5

5

4

80

86

98

5/4/2004

5/4/2005

5/4/2006

32

9

18

5

3

9

130

110

100

6/4/2004

6/4/2005

6/4/2006

34

8

15

5

8

8

100

90

97

7/4/2004

7/4/2005

7/4/2006

34

3

9

7

5

8

110

70

89

8/4/2004

8/4/2005

8/4/2006

11

3

64

9

4

5

90

70

122

9/4/2004

9/4/2005

9/4/2006

21

3

18

8

8

8

100

80

95

10/4/2004

10/4/2005

10/4/2006

15

18

21

5

4

5

90

100

115

11/4/2004

11/4/2005

11/4/2006

18

9

15

6

7

6

90

100

78

12/4/2004

12/4/2005

12/4/2006

12

5

19

6

5

4

70

70

98

13/4/2004

13/4/2005

13/4/2006

14

11

34

3

6

5

100

90

110

14/4/2004

14/4/2005

14/4/2006

10

9

22

7

9

5

100

100

95

15/4/2004

15/4/2005

15/4/2006

16

19

12

8

8

5

100

100

83

 

 

ولعلي سأوفق قريبا الى قراءة تفصيلية أكثر لسجلات مكتب استعلامات الدفن في النجف الأشرف للوقوف على معدلات صرعى جرائم الأعمال الإرهابية التكفيرية والطائفية التي أمته وتؤمه يوميا، وكذلك صرعى أمراض السرطان والسكر بخاصة لكثرة ما لاحظته في سجلات المكتب من حالات وفاة بسبب هذين المرضين المتفشيين في العراق عسى أن تلفت نظر المعنيين في وزارة الصحة وغيرها من أجل السعي قدر المستطاع لعلاج الممكن منها إن شاء الله.

 

بعض من الأعلام الذين دفنوا في ثرى النجف الأشرف

يكاد يكون من المتعذر على المرء أن يحيط بأسماء الأعلام الذين ثووا في أرض النجف الأشرف لذلك فسأكتفي بذكر جملة من الصحابة وتابعيهم وعدد من العلماء الأعلام والفقهاء وبعض من الملوك والأمراء والزعماء على سبيل الإجمال.

إن أعدادا من صحابة رسول الله وتابعيهم وقادة جيوش المسلمين ورجالاتهم قد دفنوا في أرض النجف الأشرف فمن جملة هؤلاء:

خباب بن الأرت (ت سنة 37هـ)، سهل بن حنيف (ت سنة 38هـ)، خريم بن الأخرم (ت سنة 41هـ)، عبد الله بن يقطر (ت سنة 61هـ)، زيد بن الأرقم (ت سنة 68هـ)، عدي بن حاتم الطائي (ت سنة 68هـ)، جابر بن سمرة (ت سنة 74هـ)، عبد الله بن أوفى (ت سنة 81هـ)، كميل بن زياد النخعي (ت سنة 82هـ).

ومن جملة الصحابة ايضاً الأحنف بن قيس، وجويرية بن مسهر العبدي. ورشيد الهجري وغيرهم وقد دفن الكثير من هؤلاء في مقبرة قريش في (الثويّة) كما سيأتي.

ومن جملة مراجع التقليد والمحدثين والفقهاء والمجتهدين الذين تنعموا بالرقاد في ثرى النجف الأشرف كل من:

الشيخ محمد بن الحسن الطوسي       (ت سنة 460هـ)، السيد رضي الدين علي بن طاووس (ت سنة 664هـ)، جمال الدين بن طاووس          (ت سنة 673هـ) العلامة الحلي(ت سنة 726هـ)، الشيخ علي الكركي (ت سنة 940هـ) المقدس الأردبيلي (ت سنة 992هـ)، الشيخ فخر الدين الطريحي
(ت سنة 1087هـ)، السيد محمد مهدي بحر العلوم (ت سنة 1212هـ) الشيخ جعفر كاشف الغطاء (ت سنة 1227هـ)، الشيخ أحمد النراقي
(ت سنة 1245هـ)، الشيخ محمد حسن النجفي  (ت سنة 1267هـ)، الشيخ مرتضى الأنصاري (ت سنة 1281هـ)، السيد محمد حسن الشيرازي (ت سنة 1312هـ)، الحاج حسين الخليلي (ت سنة 1326هـ)، الشيخ محمد كاظم الآخوند الخراساني (ت سنة 1329هـ)، السيد محمد سـعيد الحبوبي (ت سنة 1333هـ)، السيد علي الدامـاد (ت سنة 1336هـ)، السيد محمد كاظم اليزدي (ت سنة 1337هـ)، شيخ الشريعة الأصفهاني
(ت سنة 1339هـ)، الشيخ محمد جواد البلاغي (ت سنة 1352 هـ)، الشيخ محمد حسين النائيني (ت سنة 1355هـ)، الشيخ ضياء الدين العراقي (ت سنة 1361هـ)، الشيخ محمد حسين الأصفهاني (ت سنة 1361هـ)، السيد أبو الحسن الأصفهاني (ت سنة 1365هـ)، الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (ت سنة 1373هـ)، الشيخ محمد رضا المظفر(ت سنة 1383هـ)، السيد محسن الحكيم (ت سنة 1390هـ)، الشيخ حسين الحلي (ت سنة 1394هـ)، الشيخ مرتضى آل ياسين (ت سنة 1397هـ)، السيد محمد باقر الصدر (ت سنة 1400هـ)، السيد أبو القاسم الخوئي
(ت سنة 1413هـ)، السيد عبد الأعلى السبزواري (ت سنة 1414هـ)، السيد محمد محمد صادق الصدر (ت سنة 1419هـ)، السيد محمد تقي الحكيم (ت سنة 1422هـ)، السيد محمد باقر الحكيم (ت سنة 1423هـ) وغيرهم كثير.

كما ضم ترابها المطهر رفات الآلاف من الشعراء والأدباء والعباد والزهاد مما يصعب حصرهم ويضيق المجال عن تعدادهم، بل ومن المشقة بمكان اختيار بعضهم دون البعض الآخر لعلو طبقاتهم وتقارب خصائصهم من بعضهم.

ودفن في ثرى النجف الأشرف كذلك العديد من الملوك والأمراء: حمدانيين وفاطميين، والسلاطين: بويهيين وصفويين وقاجاريين، وملوك مهاباد، والإيليخانيين و ملوك من مصر وبعض الفاطميين، والأشراف، وأمراء الهند وملوك إيران لعل من أقدمهم عضد الدولة البويهي المتوفي
سنة 373ﻫـ، وأولاده الثلاثة: شرف الدولة، وسلطان الدولة، وبهاء الدولة وقد دفنوا جميعا في زاوية من الصحن الحيدري الشريف بالقرب من الطاق من جهة باب العمارة، وغيرهم كثير ليس هنا مجال استعراض أسمائهم وتواريخ وفياتهم وأماكن دفنهم جنبا الى جنب مع الملايين من المؤمنين والمؤمنات والصالحين والصالحات والمحبين والمحبات والمعوزين والمعوزات والمتعففين والمتعففات رحمهم الله جميعا يوم يلقونه ورحمنا يوم نلقاه لنعرض للحساب بين يديه (19) (يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمّا أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد) (20) (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم).(21) .

 

مسجد الحنانة

في النجف الأشرف مسجد معروف يسميه النجفيون بمسجد (الحنانة)، وهو مسجد كبير شيد في موضع بات فيه رأس الإمام الحسين (ع) ليلته الأولى في طريقه الى الكوفة، فقد روى المؤرخون أن الرأس الشريف لسيد شباب أهل الجنة حمل بعد أن فصل عن جسده المطهر الى عبيد الله بن زياد والي يزيد بن معاوية على الكوفة والبصرة، فوضع في هذا المكان بعد أن جيء به من كربلاء المقدسة الى حيث قصر الإمارة في الكوفة بعد واقعة الطف المأساوية الشهيرة ومصرع الإمام الشهيد بل سيد الشهداء فيها.

 

مرقد الصحابي كميل بن زياد النخعي

في النجف الأشرف أيضا مرقد لكميل بن زياد النخعي الصحابي الجليل العابد الذي أدرك من حياة رسول الله 18 سنة، وهوصاحب الإمام علي (ع) وواليه على مدينة هيت وما والاها من الأطراف والأماكن وهو أيضا راوي دعائه الشهير بدعاء كميل،  شهد كميل مع الإمام علي معركة صفين ثم قتله الحجاج بن يوسف الثقفي بعد أن طلبه فلم يقدر عليه فأمر بتحريم العطاء عن قومه وعشيرته وكان كميل نافذا في قومه، فقال كميل " لا ينبغي أن أكون سببا في حرمان قومي" فأتى الحجاج وهو ابن 89 سنة قائلا له: " لا تصرف عليّ أنيابك ولا تبرق ولا ترعد، فوالله ما بقي من عمري إلاّ مثل هذا الغبار فأقض ما أنت قاض فإن الموعد الله، وبعد القتل الحساب، ولقد أخبرني أمير المؤمنين أنك قاتلي " فأمر الحجاج بقتله فقتل.

ويقع مرقد كميل في منطقة قديمة كانت تسمى بالثويّة، وقد اختصت قديما بمقابر قريش، وفيها دفن العديد من الصحابة ورجالات المسلمين وأبطالهم كما تقدم.

ويبدو أن العديد من قبور مقبرة قريش تمتد بعد موقع مرقد كميل بن زياد متجهة صوب النجف الأشرف، فقد وجدت في عصرنا بعض قبور من دفن في الثوية على مسافة قدرت بحدود 100 متر عن مرقد كميل بن زياد ثم طمرت احتراما وصونا  لمن عثر على قبره فيها بإيعاز من بعض العلماء.

هذا وقد سنحت لي فرصة زيارة وتصوير العديد من المراقد المقدسة وما ضمته حناياها من كنوز وآثار، كما سنحت لي الفرصة أيضا لزيارة العديد من المواقع الأثرية والتاريخية، وأماكن الأديرة سواء ما كان منها في مدينة النجف الأشرف وتوابعها أم في كربلاء المقدسة وتوابعها، أم في الكوفة والحيرة اليوم وتوابعهما، أم في غير ذلك مما يعتني به المؤرخ والسائح من مراقد مقدسة ومساجد مهمة ومواقع أثرية وديارات قديمة ومزارات وأسواق ودور علم وأماكن عبادة ومكتبات ومقابر وغيرها أثناء كتابتنا أنا والعديد من إخواني وأصدقائي من الباحثين الأفاضل كتابا سعينا مجتمعين متعاونين لتأليفه كدليل مصوّر عن محافظة كربلاء المقدسة أيام كانت تضم أقضية ونواحي النجف الأشرف وكربلاء المقدسة والكوفة والحيرة وغيرها من القصبات والنواحي الأخرى التابعة لها، وقد طبع الكتاب طبعة أولى قبل أكثر من ربع قرن ولم يطبع بعدئذ.

أما المعالم الأثرية والتاريخية والمتميزة فعديدة أذكر منها: هضبة النجف، فبحر النجف، فطارات النجف، فسراديب النجف، فسور النجف.

 

هضبة النجف

يواجه الباحثون الجيولوجيون مشكلة علمية محيرة في آلية نشوء هضبة النجف لا زالت مستعصية على الفهم والتحليل ضمن قوانين هذا العلم الطبيعية المعروفة، وهو ما حدا بباحث متخصص منهم الى القول بأن نشوء هذه الهضبة واجهه والباحثين في اختصاص علوم الأرض بما أسماه "بتناقض النظريات أو تقاطع الشواهد والدلائل بما يؤدي الى إحراج قوانين المعرفة العلمية أمام التحليل المنطقي لمعطيات الوضع الجيولوجي للهضبة، وفي ذلك تعتبر آلية نشوء هضبة النجف من المعضلات الجيولوجية التي لم تزل قائمة، ولا يتوفر حاليا نموذج منطقي يفسر كيفية نشوئها بالرغم من أنها خضعت الى بعض الدراسات الجيولوجية (...) ولكي نتلمس مشكلة الإخفاق في التوصل الى نموذج (موديل) منطقي يستند على قوانين المعرفة الجيولوجية يفسر آلية نشوء هضبة النجف، لابد من الإشارة الى الحقائق الخاصة بالإطار الجيولوجي لهضبة النجف "(22) لنكون على بينة من الأمر. وبعد أن يستعرض الباحث تلك الحقائق من:

1-     كون شكل الهضبة المثلث من صنف متساوي الضلعين، وهو يندرج ضمن الهيأة المروحية لرسوبات نهرية معروفة بالدلتا.

2-   ارتفاع الهضبة حاليا عن مستوى سطح البحر بمقدار يصل الى 176 مترا في إحدى المواقع على سطحها، كما ترتفع عن مستوى السهل الرسوبي في منطقة نهر الفرات بمقدار 25 مترا تقريبا.

3-   إطلالة الهضبة من طرفيها الغربي والجنوبي على منخفض بحر النجف إطلالة حادة شكلت جرفا صخريا بلغ ارتفاعه عن بحر النجف بحوالي 40 مترا.

4-   إن سطح الهضبة يغطيه تكوين الدبدبة من حقبة البلايوسين من أواخر العصر الثلاثي وبدايات العصر الرباعي، وتتكون رسوبيات التكوين من صخور رملية مترسبة من بيئة نهرية فيضية.

5-   إن مناطق هضبة النجف من الناحية التركيبية هي مناطق هابطة، في حين أن مناطق بحر النجف هي مناطق صاعدة، كما أن أنماط مضارب الفوالق الطولية والمستعرضة وتقاطعاتها لا تنسجم مع اتجاهات امتدادات طاري النجف والسيد.

6-      كونها تنتهي بصورة حادة مقطوعة على امتدادات مشارف الهضبة على منخفض بحر النجف أي بامتداد طاري النجف والسيد.

7-  ثم أنه لم ترصد أية شواهد لوجود امتدادات لرسوبيات تكوين الدبدبة في مناطق بحر النجف الذي تطل عليه هضبة النجف من جهة طار النجف إطلالة حادة، ولم ترصد أية شواهد لوجود تكوين الدبدبة في المناطق التي تطل عليها هضبة النجف من جهة طار السيد إطلالة حادة أيضا.

 

ثم يطرح الباحث الجيولوجي مجموعة تساؤلات محاولاً الإجابة عنها من خلال طرح الاحتمالات الطبيعية للإجابة كافة متبعا في طرحه التحليل المنطقي بالاستناد الى وقائع الخصائص الجيولوجية للمنطقة وفق معطيات علم الأرض،  لينتهي بعدها الى القول: " بأن البحث في آلية نشوء هضبة النجف تتطلب التأمل لتزاحم التناقضات التي أوردناها حول واقع خصائص جيومورفولوجية هضبة النجف والآليات التقليدية المعروفة بحمم الأرض لنشوء هذا النوع من التهضّب، وفي ذلك توصلت الى في بحثي حول هذه المعضلة بأن نشوء هضبة النجف تبدو لي صورة من صور الإعجاز الإلهي، وهي خارجة عن قوانين المعرفة الجيولوجية التي يمتلكها الإنسان "(23)

ثم يستعرض الباحث ما ورد في القرآن الكريم عن قصة الطوفان، ثم ما جاء في الألواح السومرية عن أخبار الطوفان من أسماء مدن عراقية في سهل وادي الرافدين ومن ملوك حكموا مناطق وادي الرافدين قبل الطوفان ويستدل بما ذهب اليه بعض العلماء المتخصصين بآثار ودراسات وحضارات وادي الرافدين القديمة مثل السير وليام ويلكوكس، والسير ليونار دوولي من أن أرض الطوفان هي أراضي دلتا الفرات ودجلة شمال أور الكلدانيين، ويدعم ذلك اكتشاف الخبير الآثاري  ليوناردوولي آثار الطوفان في تنقيباته في أور، ثم تعزز ذلك الاعتقاد بإعلان البعثة الآثارية لجامعة أكسفورد الشهيرة عن اكتشاف مماثل لآثار الطوفان في منطقة كيش مشيرا الى " إجماع معظم الباحثين" في أرض الطوفان أن أرض الرافدين كانت موطن قوم نوح، معززا ذلك بمقولة الباحث الشهير بتاريخ حضارات وادي الرافدين السير وليم وليكوكس التالية: " يجب أن نتذكر ونحن في دلتا دجلة والفرات أننا في بلاد الطوفان ".ثم يتساءل بقوله: إذا كان وادي الرافدين هو موطن قوم نوح وأنهم بنص القرآن قد أغرقوا بالطوفان فأين رست سفينة نوح وأين موقع الجودي الذي استوت عليه.

لينتهي بعد ذلك كله وبعد ما قدمه من أدلة علمية الى " أن نشوء هضبة النجف خارجة عن قوانين المعرفة الجيولوجية التي يمتلكها الإنسان " الى نتيجة مفادها " أن هضبة النجف كانت مرساة سفينة نوح (...) ولا يمكن أن يكون سواها، لانبساط مناطق السهل الرسوبي الشاسعة التي تبرز فيها جزيرة شاخصة عندما يُغرق الطوفان مناطق ذلك السهل الرسوبي الشاسعة وما حولها من مناطق، وهنا نضيف الى ذلك ملاحظة مهمة حول ملائمة هضبة النجف كمرساة تلجأ اليها سفينة تخوض غمار الطوفان بأمواجه المتلاطمة من اضطراب جريان المياه الذي يكون أشده في مسار التالوك لنهري دجلة والفرات، وأن الطاقة العالية لتلك الأمواج تتلاشى في الاتجاهات البعيدة عن مجرى النهرين وحوضهما سيّما وأن موقع هضبة النجف تبعد حوالي مائة كيلو مترا عن مجرى نهر الفرات في زمن الطوفان (...) مما يؤمن رسوها فوقها " (24)

إن هذه النتيجة العلمية التي انتهى اليها الباحث سبق أن نصت عليه العديد من الروايات الواردة عن أهل البيت (ع) كالزيارة المروية عن الإمام علي بن الحسين (ع) زين العابدين يوم زار قبر جده الإمام علي(ع) في النجف فقال: " السلام عليك وعلى ضجيعيك آدم ونوح وعلى جاريك هود وصالح " والحديث الوارد عن الإمام الصادق (ع) بنصه التالي: " إذا زرت جانب النجف فزر عظام آدم وبدن نوح وجسد علي بن أبي طالب..." (25)

وقد ذكر ابن بطوطة حين ورد إلى النجف سنة 725 هـ، وكتب في رحلته الشهيرة عن المرقد المطهر وما فيه من فرش ومعلقات، قال: وفي وسط القبة مصطبة مربعة مكسوة بالخشب عليه صفائح الذهب المنقوشة المحكمة العمل مسمرة بمسامير الفضة قد غلبت على الخشب لا يظهر منه شيء وارتفاعها دون القامة وفوقها ثلاثة من القبور يزعمون أن أحداها قبر آدم عليه السلام والثاني قبر نوح، والثالث قبر علي عليه السلام. كما ذكر ذلك أيضا الرحالة سيدي علي التركي في كتابه " مرآة المماليك ": أنه حين زار النجف سنة 961ﻫ النجف زار الإمام علي (ع) فيها كما زار فيها أيضا قبري النبيين آدم ونوح (ع).

 

بحر النجف

ومن معالم النجف الأخرى )بحر النجف)، ويقع عند حافة الهضبة الصحراوية في الجنوب الغربي من المدينة حيث تطل مدينة النجف الأشرف اليوم على مزارع شاسعة يشقها جدول عذب الماء صغير يوصل عذب مائه اليها من عبير نهر رائق يجري في مدينة (أبي صخير) المجاورة.

وتصل بحر النجف - الذي أسماه الآراميون قديما باسم " فرثا " ومعناها البثقة - مياه الجداول والأنهار من الفرات، وتصب فيه مياه الفيضانات لانخفاض أرضه.

وقد أشار الى بحر النجف الجغرافي والمؤرخ المعروف أبو الحسن المسعودي المتوفى سنة (346هجرية) في كتابه مروج الذهب بقوله: " وكان البحر حينئذ في الموضع المعروف بالنجف (...) وكانت تقدم هناك سفن الهند والصين ترد الى ملوك الحيرة ".(26)

وقد نقل الينا ابن الدبيثي عن عبد الجبار بن معية العلوي أنه " خرج قوم من أهل الكوفة يطلبون (الأحجار الغروية) يجمعونها لأيام الزيارات والمعيشة بها - وبالكوفة من يعمل ذلك الى اليوم- وأبعدوا في الطلب الى النجف، وساروا فيه حتى خافوا التيه، فوجدوا ساجة كأنها سكّان مركب عتيقة، وإذا عليها كتابة، فجاؤوا بها الى الكوفة، فقرأناها فإذا عليها مكتوب: سبحان مجري القوارب، وخالق الكواكب، المبتلي بالشدة امتحانا، والمجازي بالإحسان إحسانا، ركبت في البحر في طلب الغنى ففاتني الغنى وكسر مركبي، فأفلتُّ على هذه الساجة، وقاسيت أهوال البحر وأمواجه ومكثت عليها سبعة أيام، ثم ضعفت عن مسكها، فكتبت قصتي بمدية كانت معي في خريطتي، فرحم الله عبدا وقعت هذه اليه فبكى لي، وامتنع عن مثل حالي".(27)

يقول الباحث الدكتور كاظم الجنابي في بحثه الأكاديمي: " وتدل الآثار والأبنية المنتشرة على الضفة الشرقية لبحر النجف انها كانت مسكونة في الفترة الواقعة من العصر الساساني المتأخر الى القرن الثالث الهجري تقريبا، كما أثبتت حفائر منطقة الخورنق وتل أم عريف، ومما يسترعي النظر أننا عثرنا على جملة سلالم مشيدة بالآجر الأحمر قياس: 24× 24 ×8 سم كانت تتنزل من أعلى الضفة الشرقية الى ساحل بحر النجف "، وكان من الشائع أن تبنى هذه السلالم إما كمتنزهات ملحقة بقصور الحيرة، وإما كأرصفة للتجارة البحرية ".(28)

ويدعم الاحتمال الثاني أن تجارة الحيرة أيام ازدهارها " قد ارتبطت ارتباطا وثيقا ببحر النجف فقد كان أحد المسالك الرئيسة لنقل تجارتها، سواء كان نقلا داخليا أم نقلا خارجيا عبر الخليج العربي ومن ثم الى العديد من البلدان، فعن طريق بحر النجف ونهر الفرات والخليج العربي ينقل سكان الحيرة من التمور والمواشي والمحاصيل، كما أنه عبر هذا الطريق المائي تصلهم الواردات من الشام وبلاد الرومان واليونان ومن الهند والصين وشرق أفريقيا، ومن المعادن والحرير والقرنفل والصمغ والمرجان وغيرها ".(29)

وحين دالت دولة الحيرة " استمر دور بحر النجف في ربط هذه المنطقة في العصر الإسلامي بجهات واسعة من العراق جنوبا حيث الخليج العربي، وشمالا مع الفرات الى بلاد الشام.

ولذلك فقد كان له دور مهم في كسر العزلة الجغرافية لهذه المنطقة وحواضرها وقد تضاءلت هذه المهمة إثر سدّ الفتحات التي من خلالها كان يموّن نهر الفرات هذا المنخفض وذلك في عام 1887م في عهد السلطان عبد الحميد الثاني بهدف استغلال أراضيه في زراعة بعض المحاصيل الزراعية"(30)  

وقد ورد ذكر بحر النجف باسم بحر " بانقيا " في الشعر العربي القديم، وبانقيا - اسم من أسماء النجف كما تقدم - فقد أشار الشاعر الأعشى قيس بن ميمون من قصيدة له واصفا تدافع ماء بحر النجف بقوله:

فما (نيل مصر) إذ تسامى عبابه      ولا بحر(بانقيا) اذا راح مفعما

يقول المحقق طه باقر: أبانت التحريات الجيولوجية أن نهر الفرات كان يتصل في عصور ما قبل التاريخ البعيدة بمنخفض الحبانية وأبو دبس وبحر النجف، وأن هذه المنخفضات كانت متصلة ببعضها مكونة واديا طويلا متصلا من الشمال الى الجنوب ". (31)

ومما يؤيد ذلك ما ورد عن المؤرخ والجغرافي المسعودي حيث يقول: " وقد كان الفرات لأكثر من مائة ينتهي الى بلاد الحيرة ونهرها بيّن الى هذا الوقت، فيصبّ في البحر الحبشي في الموضع المعروف بالنجف في هذا الوقت، وكانت تقدم هناك سفن الصين والهند ترد الى ملوك الحيرة، وقد ذكر ما قلنا عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة الغساني حين خاطب خالد بن الوليد أيام أبي بكر بن أبي قحافة حين قال له: ما تذكر..؟ قال: أذكر سفن الصين وراء هذه الحصون ".(32)

وقد وصف الرحالة البرتغالي تكسيرا بحيرة النجف أو بحره وكان وقف عليه يوم وصله في ربيع الثاني من عام 1013- كما تقدم- بقوله: "ليس لهذه البحيرة شكل معين لكنها تمتد بطولها حتى يبلغ محيطها خمسة وثلاثين إلى أربعين فرسخاً. وهناك فيما يقرب من منتصفها ممرّ ضحل تستطيع الحيوانات اجتيازه خوضاً في المواسم التي يقل فيها ماء البحر، ويقول كذلك إن هذه البحيرة كانت شديدة الملوحة، ولذلك كان يستخرج منها الملح الذي يباع في بغداد والمناطق المجاورة، ومع ملوحتها هذه كان يكثر فيها السمك بحجومه وأنواعه المختلفة، ولهذا يسميها الناس هناك بحيرة الرهيمة ".

وفي 1853 زار النجف الرحالة الإنكليزي لوفتس، وقد كان عضواً من أعضاء لجنة الحدود التي تجولت في منطقة الحدود العراقية الإيرانية في 1849 وقد جاء إلى النجف الأشرف في صيف 1853 م ووقف على بحر النجف فقال عنه " انه يمتد نحو الجنوب الشرقي إلى مسافة أربعين ميلا، وينشأ من نهايته السفلى نهران يقال لهما: شط الخفيف (Khuff) وشط العطشان. وحينما يطغى الفرات طغيانه السنوي المألوف يفيض إلى بحر النجف فتصبح المسافة الممتدة بينه وبين السماوة كلها قطعة واحدة من المياه، يطلق عليها "خور الله" أما ماء هذا البحر فيكون عذباً صالحاً للشرب حينما تصب فيه مياه الفرات، ويصبح ملحاً اُجاجاً حينما تنقطع عنه، وعند ذلك يضطر الأهالي إلى جلب الماء من الكوفة. " (33).

أما الرحالة بارلو الذي زار العراق عام 1306 هجرية الموافق لعام 1889م فقد تحدث عن بحر النجف بقوله:" يبلغ طول بحيرة بحر النجف
60 ميلا وعرضها 30 ميلا وكان خير طريق للمواصلات بين النجف وسائر جهات العراق، بل حتى بين النجف وخارج العراق وأن أكثر الزائرين الذين يقدمون من الهند لزيارة الأماكن المقدسة في كربلاء والنجف كانوا يسلكون طريق الفرات. وان سفنا كبيرة ذات حمولة تبلغ خمسين طنا تمرّ من هذا الطريق النهري الذي ينتهي بالنجف "(34)

كما "قامت شركة الاستكشافات النفطية العراقية بدراسة بواسطة الأقمار الصناعية لمناطق النجف، كربلاء والرمادي تبيّن منها أنّ مجرى النجف يشكل لساناً غامق اللون يمتد باتجاه شمال الغرب نحو طار السيد ولمسافة بحدود 25 كم، وهذا اللسان بدوره يشكّل امتداداً طبيعياً للسهل الرسوبي المتكون من مترسبات نهري دجلة والفرات ويمكن الاستنتاج بأن الفرات في العصور السحيقة كان يجري باتجاه هيت، منخفض الرزازة، طار السيّد، بحر النجف، جنوب النجف.

ولاحظ عالم الآثار الأمريكي Gibson في دراسة نشرها
سنة 1972م أنّ هناك نهراً عباسياً كان يسمى (نهر سعيد) يأخذ مياهه من الجهة الغربية لنهر الفرات الحالي عند مدينة هيت، والظاهر ان هذا النهر كان من بقايا مشروع إروائي يرجع إلى القرن الرابع الميلادي يسمى (خندق سابور)، وقد اُعيد حفره في زمن العباسيين حيث كان يجهّز الماء إلى خطّ الحصون في الصحراء الرملية (مناطق غرب الفرات الحالية) ومزارع النجف الحالية قبل أن يفرّغ مياهه في الخليج قرب البصرة.

وأوضحت صور التقطتها (شركة الاستكشافات النفطية العراقية) بالأقمار الصناعية وجود مجار واسعة ومطمورة في المنطقة الواقعة في جنوب السماوة الحالية حتى جنوب الناصرية، وأنّ هذه المجاري قد تكون قديمة حيث يمكن أن تربط مع مجاري الفرات القديم بين هيت والنجف لتكوين مجرى كامل ولكنّه تقريبي جداً يبدأ من هيت وينتهي جنوباً قرب غرب الناصرية.

يعتقد الباحث (الساكني) أنّ جفاف مجرى الفرات القديم وتحوله يرتبط بجفاف مجرى هيت ـ النجف،وهذا يشمل مأخذ النهر قبل جفافه، وأن جفاف مجرى هيت وتحوله أدّى إلى جفاف المجرى جميعه وتحوّله إلى مجرى جديد آخر، وبذلك يكون الفرات قد دخل في طور جديد سُمّي بالطور الثاني. لكننا لا نعرف الحقبة الزمنية التي مرّت على بقاء نهر الفرات (في مجرى الكرمة) لكوننا لا نعرف الحقبة التي بدأ يتحول فيها الفرات من مجراه القديم إلى مجرى الفرات الحالي ".(35)

 

طارات النجف

تشكل الطارات أحدى الظواهر الطبيعية لمدينة النجف الأشرف وتقع في الأطراف الغربية والجنوبية للمدينة حيث ينقطع امتداد الهضبة فجأة مشكلة جرفا صخريا حادا تسمى بالنواويس ولعلها هي التي أشار اليها سيد الشهداء الإمام الحسين (ع).وهو في طريقه الى أرض العراق محددا مكان مصرعه (ع) يوم قال: " وكأني بأوصالي هذه تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلا ".

ويمكن للمشاهد أن يلاحظ وجود طارين يحيطان بالنجف الأشرف يبدأ أولهما المسمى بـ"طار النجف" من منطقة الحيرة جنوب النجف ويتجه غربا ويبلغ طوله حدود (65 كم) وترتفع أعلى نقطة ارتفاع فيه بحدود (176) مترا. ويحيط ثانيهما المسمى ب "طار السيد " بالمدينة المقدسة من جهتها الغربية ويبلغ طوله حوالي (60 كم) و ترتفع أعلى نقطة فيه بحدود (132) مترا.ويلتقي الطاران في منطقة وادي اللسان. (36)

وقد تهيأت لي فرصة الوقوف وقفة متأنية عند هذه الطارات ذات الكهوف الطويلة وتصوير بعضها أثناء كتابتي مع بعض الفضلاء دليلا لمحافظة كربلاء في سنوات خلت ويذهب بعض النجفيين الى أن الطارات كانت تستخدم كمدافن لسكان الحيرة القدماء.

 

أهوار النجف ووديانها

وفي محافظة النجف الأشرف مجموعة أهوار مختلفة أهمها: (هور أبو نجم) و(هور الجبسة) و(هور الصليبات) التي " نشأت في مواقع منخفضة مغلقة التضاريس بسبب عوامل الحركات البنيوية الحديثة، وقد اعتبر بعض الجيولوجيين أن مواقع تلك الأهوار مؤشرات ميدانية على أنشطة تلك الحركات " (37)وقد تعد هذه الأهوار الحديثة التكوين " تطورا لشيخوخة بحر النجف "

وتوجد في محافظة النجف أيضا عدد من وديان بمئات الكيلومترات  تنحدر من أراضي المملكة العربية السعودية من أمثال (وادي حسب) و(وادي الخرّ) و(وادي الجلّ) وغيرها.

 

سراديب النجف

تشتهر مدينة النجف الأشرف بالسراديب وهي أبنية تحت الأرض ينزل اليها النجفيون في الصيف للنوم والاستراحة،وبخاصة في ساعات الظهيرة، توقيا من قيظ الصيف الحارق أو تلافيا لهبات العواصف الرملية الشديدة التي تعصف بالمدينة المقدسة أحيانا، كما تستعمل السراديب كبرادات للمياه وأماكن لحفظ المأكولات في الصيف، ومخابيء للاحتماء من هجمات الأعداء الذين دأبوا على مهاجمة النجف الأشرف بين الفينة والأخرى، كما تستعمل آبار السراديب الموصولة ببعضها للهرب من ملاحقة الأعداء وقت الحروب والاعتداءات،وقد تسلل عبرها بعض ثوار النجف الأشرف بعد قضاء الانكليز على ثورتهم التحررية الكبرى ناجين بأنفسهم من حملات المداهمة والاعتقال وأحكام الإعدام.

وللسراديب بشكل عام نظام تهوية في أحد جدرانه متكون من ممر هوائي يربط بين السرداب وسطح الدار يسميه النجفيون بالبادكير.

وقد صنف النجفيون سراديب النجف الى أصناف منها: الأرضي ويبلغ معدل عمقه 6 أمتار يخترق خلالها الطبقة الأولى من طبقات هضبة النجف.وسرداب نصف السن ويبلغ معدل عمقه حدود 11 مترا ويخترق الطبقتين الأولى والثانية من الهضبة. وسرداب السن ويبلغ معدل عمقه حدود 14 مترا ويصل الى الطبقة الرابعة من الهضبة وسرداب سن الطار ويبلغ عمقه بحدود 18 مترا ويصل الى الطبقة السادسة من طبقات الهضبة. (38)

وتشتهر بعض المدارس الدينية بسراديبها الواسعة نتيجة حاجة نزلائها من الطلاب لها وقد وصف لنا الشيخ محمد الخليلي تصميم بعضها فقال:" لقد روعي في هندسة المدارس العلمية في النجف طبيعة البلد فكان لابد من حساب (للسراديب) في أغلب أبنية المدارس وتقوم هذه السراديب في جهة واحدة من عمارة المدرسة أو جهتين أو الجهات الثلاث أو الجهات الأربع من العمارة ينزل اليها بواسطة سلالم، وتسمى بالسراديب الفوقانية في مصطلح النجفيين، وفي بعض المدارس الاُخرى سراديب تقام تحت السراديب الفوقانية وهي ما تسمى بالسراديب (نيم سن) والكلمة فارسية معناها منتصف (السن) والسن طبقة من الرمل المتحجر ينحت فيه الناحت سرداباً آخر، وهنالك من السراديب ما هو أعمق من (النيم سن) ويسمى بسرداب (السن) ويحفر (للسن) أو (للنيم سن) في وسط المدرسة حفيرة على هيئة متوازي الأضلاع بقطر مترين أو أقل من ذلك وفي عمق عشرين متراً أو أقل من ذلك لينفذ هذا الحفر من متوازي الأضلاع إلى وسط السرداب بقصد ايصال النور وسحب الماء البارد إلى الأعلى كما تحيط بالسراديب من أطراف أعاليها شبابيك لنفوذ النور والهواء، فضلا عن عدد من المنافذ الهوائية المتصلة من أعلى سطح العمارة بالسراديب الفوقانية وهي التي تسمى (بالبخاريات) ثم تبنى هذه السراديب في الغالب بالآجر وتزخرف وقد تترك سراديب السن على حالها وهي منحوتة من طبقة السن التي تشبه الصخور أو تزين جدرانها بالآجر وقد تزين الجدران وأرض السراديب بالكاشاني.

وكثيراً ما تفتح في السراديب منافذ تتصل ببئر المدرسة إذ المفروض أن يكون في كل بيت وفي كل عمارة بئر ماء تتصل بالبئر المجاورة لها وهذه تتصل ببئر اُخرى. وهكذا حتى تتجمع المياه في بئر كبيرة تستمد مياهها من نهر الفرات ويتحول السكن في الصيف في وسط البيت أو وسط المدرسة إلى هذه السراديب وتتم فيها المطالعة وتناول طعام الغداء والقيلولة وقد تمسي في بعض ليالي الصيف عند اجتياح العواصف الرملية المدينة ملاذاً للطلاب يقضون فيها الليل نياماً "(39)

ولطالما وقانا السرداب ووقى طلاب العلوم الدينية وضيوف وزوار النجف الأشرف ببرودته وتهويته ورطوبته المحببة من لسعات الحر وعواصف الغبار طيلة أشهر الصيف وبعض من أشهر الربيع التي غالبا ما تصاحبها هبات الغبار والأتربة، ووفر لنا السرداب ساعات استراحة مقبولة وأوقات قراءة ودراسة وكتابة مبتغاة، نهارا غالب الأحيان، وليلا متى ما دعت الظروف الجوية الحارة لذلك.

 

سور النجف

أحاطت النجف نفسها بسور يقيها هجمات الأعداء وهم كثر وبخاصة غارات أعراب البوادي، ولذلك فقد حصنت عتبتها المقدسة وأهاليها بسور كان " على بعد خطوات من مرقد الإمام، واتخذت المقبرة خلف السور مباشرة، ثم بدأ الأحياء بغزو الأموات كلما ضاقت المدينة بالنفوس فيزول السور وتزول معه المقابر ليقوم سور آخر على مسافة أبعد منه، ولا يعرف كم سورا أقيم على النجف منذ تأسيسها عدا الأسوار الأربعة التي يذكرها المؤرخون، وكانت المدينة تضيق بالنفوس فلا يسعها أن تتجاوز السور خوفا من السطو على بيوتها الخارجية، وقد شهد الكثير منا بقية علائم الخوف ورأى كيف كانت المدينة تبادر الى إغلاق أبواب السور عند غروب الشمس أو بعيد الغروب بقليل ولا بدّ أن نكون قد سمعنا بما كان يقع من السلب والقتل للذين يتخلفون في الطريق الى وقت متأخر بين أبي صخير والنجف وبين الكوفة والنجف وليست حادثة سلب الشاعر مهدي الجواهري لتغيب عن ذهني والوقت كان لا يزال في أول الليل والجواهري على بعد خمسمائة متر أو أقل من ذلك عن المدينة "(40).

ولقد كان من الأسوار المتينة للنجف سور تم بناؤه سنة (1810م)، وتصدعت أجزاء منه خلال الحصار الذي فرضته القوات البريطانية على النجف الأشرف أثناء مقاومة النجفيين المحاصرين للغزاة الأجانب الذين منعوا عنهم إمدادات الغذاء والدواء عام (1920م)، وقد أزيل من السور أغلبه سنة (1937م)، ثم هدمته حكومة صدام حسين البائدة لاحقا. وهو السور السادس لمدينة النجف الأشرف التي أعتاد أعداؤها الكثر أن يشنوا الهجمات عليها لإسكات صوت الحق الهادر منها، فكان كلما تداعى سور بني سور بديل عنه وهكذا حتى السور السادس وهو السور الأخير.

أما السور الأول فقد بناه محمد بن زيد الداعي المتوفى سنة (287هجرية)، ثم توالت الأسوار على المدينة المهددة باستمرار، فكان أن شيّد السلطان عضد الدولة البويهي سورا بين سنتي 367- 372هجرية، ثم بنى الحسن بن سهل وزير عضد الدولة سوراً آخر حول النجف الأشرف
سنة 400، ويقال إن نادر شاه أمر بتسوير المدينة المقدسة حين زارها سنة 1156هجرية.

وقد وجد الرحالة الإنكليزي (لوفتس) الذي زار النجف سنة 1853م أن أسوارها عالية ممتازة يحيط بها خندق عميق خال من الماء.

وكان " من أسباب الأمان في النجف بعد ذلك سورها الأخير والخندق العميق حوله المشار اليه سابقا والذي انفق عليه مبالغ خيالية في ذلك العصر الصدر الأعظم نظام الدولة جدّ أُسرة آل نظام النجفية، وكان يومئذٍ وزيراً لفتح عليّ شاه، وقد تم بناؤه سنة 1226 هـ أي قبل وفاة الشيخ كاشف الغطاء بسنتين، وبه صارت النجف قلعة حصينة لا تستطيع أية قوة في ذلك العصر أن تقتحمها، وظل هذا السـور قائماً خلـف موقـع الرابطة الأدبية حتّى عام 1980 م ".

قد أعان هذا السور الرصين أهالي المدينة المحاصرة في صد ومقاومة هجمات الجيش البريطاني لمدة زادت عن الشهر خلال فترة حصار الإنكليز لمدينة النجف الأشرف بعد ثورتها العارمة عام 1918م. (41)

وقد كان لهذا السور حين بني " أربعة أبواب تسمى بأسماء مختلفة فالذي يؤدي الى الكوفة يسمى الباب الكبير، والذي الى جانبه ومنه يخرج الناس الى كربلاء يدعى الباب الصغير أما المؤدي الى البركة ومزارع النجف فيسمى باب الثلمة ويسمى الباب الرابع باب الحويش بالتصغير أو باب أشتابية أي الطابية، وقد وضع هذا السور على هيئة حربية تصد الهاجمين على النجف والواقف على مرتفع ينظر الى هذا السور يلمحه على هيئة أسد رابض يطوقه خندق وضع لهذه الغاية " (42)

وكنت حين أذهب وأقفل راجعا الى المقر العام جمعية الرابطة الأدبية في النجف الأشرف أمر على بقايا السور المذكور لسنين، حتى هدمت بقاياه حكومة صدام حسين فخسرت النجف يومها معلما من معالمها، ومصدّا يذكّر أبناءها بصمود وشجاعة مراجعهم وحوزتهم الدينية وآبائهم وأمهاتهم دفاعا عن مدينتهم المقدسة التي طالما كانت ولا زالت حتى يوم الناس هذا شوكة في عيون أعدائها التكفيريين رغم محاولاتهم المستمرة للنيل منها ومن مرجعيتها العليا لعموم الشيعة في العالم.

  

شيء عن الثروات المعدنية في النجف الأشرف

في أرض النجف ثروات معدنية عديدة منها ترسبات معدنية ومنها صخور صناعية ومنها ترسبات لليورانيوم.

فمن ذلك أنه اكتشف في قرية الكبريتية في الجنوب الغربي من محافظة النجف احتياطي كبريتي قدر بحوالي 325 طنا تم استثماره بشكل بدائي محدود.

كما أن حصباء النجف غنية بحجر كريم من أحجار الكوارتز يطلق عليه (در النجف) ورد الحث على لبسه في بعض الروايات الواردة عن الأئمة (ع).

وتوجد نسب ما من السلستايت في صخور طار النجف وهو المصدر الرئيس في الطبيعة للحصول على عنصر السنترونتيوم المستخدم في صناعة الأصباغ والمطاط وأنواع من الأدوية، كما كشفت الدراسات العلمية الميدانية عن وجود معادن الفلدسبار في رمال هضبة النجف ورمال بعض المواقع القريبة من مدينة النجف الأشرف على طريق كربلا – النجف.

وهناك إضافة لما تقدم في أرض النجف صخور صناعية من أنواع الصخور الجيرية وأطيان الباليغور سكايت وربما غيرها.

بيد أن الأهم من ذلك كله هو ما كشفت عنه الدراسات العلمية من وجود ترسبات معدنية لليورانيوم في بعض الأماكن في المحافظة وبخاصة منها في قرية "الزجري" من توابع مدينة الحيرة التاريخية من قضاء " أبو صخير" فقد عرض الباحث الدكتور موسى جعفر العطية مدير مشروع التطوير ولأول مرة على صعيد النشر العام ملامح عن هذه الترسبات بعد أن سلمت معلوماته الى أعضاء فرق التفتيش الدولية وبالتفاصيل المطلوبة خلال عمل تلك الفرق في العراق منذ عام 1991م ولغاية عام 2003م تنفيذا لقرارات مجلس الأمن الدولي التي أصدرها عام 1991م حول التحقيق عن برامج أسلحة الدمار الشامل.

يقول الدكتور مدير المشروع: لقد " أمكن استخلاص اليورانيوم في قرية الزجري  بمقياس الانتاج الريادي بالرغم من كونها من الترسبات المعدنية الواطئة المحتوى نسبيا من عنصر اليورانيوم كما أن طبيعة وجودها وأصل نشأتها في الصخور الجيرية يجعلها من الأمثلة النادرة في العالم ضمن الأطر المعروفة لجيولوجيا ترسبات اليورانيوم (...) وقد خضعت خامات اليورانيوم في منطقة " أبو صخير" للفحص الريادي، وتم بناء معمل ريادي لهذا الغرض في بغداد، وقام بإعداد تصاميمه التفصيلية وتنفيذ بنائه وتشغيله نخبة من الكوادر الهندسية العراقية، واستمرت عملية التشغيل لفترة قصيرة حيث توقفت بسبب قرارات مجلس الأمن بحظر برامج الأنشطة النووية في العراق التي صدرت عام 1990 وبعد غزو العراق للكويت.

الطاقة التصميمية للمعمل الريادي هي معالجة طن واحد من خام أبو صخير في الساعة الواحدة، ويتألف المعمل الريادي الذي لا يزال قائما من سبعة وحدات(...)، وقد تم إنتاج حوالي ثلاثة كيلوغرامات من الكعكة الصفراء لليورانيوم مستخلصة من خامات " أبو صخير " وذلك قبل إيقاف عمليات الفحص المستمر في المعمل الريادي " هذا علما بأنه تم توثيق الأشغال المنجمية التي أنجزت في منطقة أبو صخير تخليدا لهذه التجربة الأولى في تاريخ الصناعة الاستخراجية في العراق. قبل أن يطمر المنجم بكميات الصخور المستخرجة منه ويغلق من قبل فريق التفتيش التابع للأمم المتحدة وذلك بإقفال بوابات النفق العمودي بواسطة اللحام الكهربائي بتاريخ 1998 ".(43)

لذا أجدني بحاجة بعد ما تقدم الى أن أشير- وقد وصلت الى هذا الموضع من البحث - الى أهمية أن يولي الباحثون والأكاديميون بماضي هذه المنطقة الأثرية من تاريخ قديم وحضارة لا زالت حتى يوم الناس هذا غير واضحة المعالم بالشكل الكافي.

 

 

الخاتمة

  

هذه إلمامة سريعة بمدينة النجف الأشرف آليت إلاّ أن تكون موجزة مختصرة سريعة التداول تلقي الضوء على مدينة عتَّمت عليها وعلى أسمها وتاريخها وحضارتها الأنظمة المختلفة التي تربعت بالعسف والجور على عراق وادي الرافدين ومثوى الأئمة الأطهار حتى شبّ أبناؤنا اليوم وهم لا يعرفون عن النجف الأشرف غير الاسم وأمور طفيفة أخرى لا تعدو أن تكون عاطفية أكثر منها علمية. وهي التي تخطت بأدوارها الفكرية والسياسية والمعرفية وباجتهادها المفتوح محيطها الجغرافي والمعرفي الى العالمية.

ولا زالت مدينة النجف الأشرف بحاجة الى معاهد للبحوث والدراسات التخصصية تكشف وتكتشف مخبوءها الثر الموصول بحاضرها العتيد، والمؤسس لمستقبلها الواعد على صعيدي: الفكر النظري والعملي من جهة، والفعل التوجيهي- التنفيذي للقرار السياسي- الاجتماعي من جهة أخرى، وهو ما حوربت مدينة النجف الأشرف ومراجعها العظام لأجله
- ولا زالت - حربا ضروسا إثر حرب ضروس، معانية من أعدائها الحكام الطغاة ما عانت، مقدمة الشهداء تلو الشهداء قدر مخاوف الظلمة من فعلها المؤثر على الأرض والمستقر في  ضمير الأمة ووجدانها، دفاعا عن مذهب أهل البيت (ع)، وصونا للحق والعدل والمساواة والإنصاف في العراق،حفظا لحقوق الوطن والمواطن المشروعة أيا كان مذهبه أو دينه، ورفعا للحيف الممارس بقسوة الحديد والنار ضد العراقيين المسحوقين بأغلبيتهم الشيعية المظلومة والمهمشة والمعاقبة بالحرمان والقسوة منذ تأسيس العراق الحديث وفق معادلة ظالمة سلمت بموجبها مقاليد الأغلبية الكبيرة بيد أقلية طائفية مناطقية متسلطة جرت على البلاد والعباد الويلات منذ اليوم الأول لتسلطها الغاشم الذي لا زالت نتائجه السلبية تعيث في أرض العتبات المقدسة فسادا وحتى يوم الناس هذا.

عسى أن تكون هذه الإطلالة فاتحة لسلسلة كتب عن النجف الأشرف وحوزتها العلمية ودورها السياسي – الاجتماعي المؤثر بل الصانع للتاريخ في العراق منذ أوائل القرن الماضي وحتى اليوم .

والحمد لله رب العالمين..


ــــــــــــــــــ الهوامش ــــــــــــــــــ

1 ـ الأحلام. سابق: 145.

2 ـ أنظر: دليل العتبات والمزارات والمشاهد الدينية في العراق. ديوان الوقف الشيعي:9.

3 ـ أنظر: الكنى والألقاب. الشيخ عباس القمي 1 / 256.

4 ـ الأحلام. سابق: 176.

5 ـ المصدر نفسه:177.

6 ـ مشاهير المدفونين في الصحن العلوي الشريف. مخطوط بقلم كاظم عبود الفتلاوي.

7 ـ الأحلام. سابق:.164

8 ـ المصدر نفسه: 189- 190.

9 ـ نفسه:164.

10 ـ أربعة قرون من تأريخ العراق الحديث. ستيفن هيمسلي لونكريك: 359.

11 ـ أنظر: النجف في المراجع الغربية. سابق: ص 60.

12 ـ ماضي النجف وحاضرها. سابق:1/148.

13 ـ فهرست مخطوطات خزانة الروضة الحيدرية في النجف الأشرف. السيد أحمد الحسيني: 15.

14 ـ ماضي النجف وحاضرها. سابق: 1/149- 150

15 ـ فهرست مخطوطات خزانة الروضة الحيدرية في النجف الأشرف.

16 ـ دليل العتيبات والمزارات والمشاهد الدينية في العراق. سابق:21.

17 ـ المصدر السابق:23.

18 ـ أرض النجف. سابق:83- 88 (بتصرف).

19 ـ أنظر أسماء وتواريخ وفيات وصور الكثير منهم في دليل العتبة العلوية المقدسة.سابق:33-38.

20 ـ سورة الحج: آية 2.

21 ـ سورة الشعراء: آية 88-89.

22 ـ أرض النجف. سابق:65.

23 ـ المصدر نفسه:71.

24 ـ نفسه:77.

25 ـ مفاتيح الجنان.الشيخ عباس القمي: 379.

26 ـ مروج الذهب ومعادن الجوهر. المسعودي: 1/103.

27 ـ الروض الأنف: 2/319.

28 ـ تخطيط مدينة الكوفة عن المصادر التاريخية والأثرية.د. كاظم الجنابي: 33.

29 ـ محافظة النجف الأشرف التتشكيل الإداري وتحليل الموقع المكاني. سابق: 22 نقلا عن: الحيرة المدينة والمملكة العربية. يوسف رزق الله غنيمة: 91.

30 ـ المصدر السابق: 23.

31 ـ مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة. د. طه باقر:47.

32 ـ مروج الذهب ومعادن الجوهر. سابق1/62.

33 ـ النجف في المراجع الغربية. سابق: 11 و44 على التوالي.

34 ـ دليل العتبة العلوية المقدسة: 4- 5 .

35 ـ المقتطف من التاريخ الحضاري والفكري والروحي لمدينة النجف الأشرف. د.جليل العطيّة:1-2.

36 ـ أنظر: أرض النجف. سابق:80- 81، و محافظة النجف الأشرف التشكيل الإداري وتحليل الموقع المكاني. سابق: 18.

37 ـ أنظر: المصدر السابق. الصفحة نفسها.

38 ـ أنظر: المصدر نفسه: 87.

39 ـ أنظر:مدارس النجف القديمة والحديثة: 10 وما بعدها.

40 ـ العوامل التي جعلت من النجف بيئة شعرية. جعفر الخليلي بحث ضمن كتاب الغابة العذراء:70.

41 ـ أنظر: مقدمة الشيخ محمد رضا المظفر لكتاب جواهر الكلام: 1/ 11 نقلا عن المرجعية الدينية العليا عند الشيعة الإمامية. د. جودت القزويني: 199.

42 ـ دليل المملكة العراقية لسنة 1935- 1936.سابق: 950 وما بعدها.

43 ـ رض النجف. سابق. أنظر الفصل الرابع:93- 122.