عمارات المشهد الشريف:

أمّا بالنسبة إلى عمارة المشهد منذ اشتهاره وإلى يومنا هذا، فيمكن ايجاز القول فيه كمايلي:

1 ـ هارون الرشيد: يبدو انّه أوّل من بدأ بالإعمار على القبر الشريف، فقد جاء في فرحة الغري: وممّا يذكر ابن طحال انّ الرشيد بنى عليه بنياناً بآجر أبيض أصغر من هذا الضريح اليوم من كلّ جانب بذراع، ولمّا كشفنا الضريح الشريف وجدنا مبنياً عليه تربة وجصاً، وأمر الرشيد أن يبنى عليه قبة، فبنيت من طين أحمر وطرح على رأسها جرّة خضراء، وهي في الخزانة اليوم(1). وكان لتلك القبة أربعة أبواب(2)، وكان ذلك بعد سنة 170هـ .

2 ـ محمّد بن زيد الداعي: محمّد بن زيد الحسني الملقب بالداعي الصغير صاحب بلاد الديلم وطبرستان، وقد بنى المشهد الشريف الغروي أيّام المعتضد(3)، أي بعد سنة 279، وبنى على المشهد حصناً فيه سبعون طاقاً(4).

3 ـ عمر بن يحيى: هو عمر بن يحيى بن الحسين بن أحمد بن عمر، ففي خاتمة مستدرك الوسائل للمحدّث النوري عند ذكر عمر بن يحيى في سلسلة بعض الاجازات: «الرئيس الجليل الذي ردّ الله على يده الحجر الأسود لمّا نهبت القرامطة مكة في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وأخذوا الحجر... وبنى قبة جدّه أميرالمؤمنين(عليه السلام) من خالص ماله» (5).

4 ـ عبدالله بن حمدان: هو عبدالله والد سيف الدولة (ت 317 هـ)، وكان ممّن تشرّف أيضاً بشرف بذل الجهد في إعمار المشهد الشريف، ففي أعيان الشيعة قال: وحكى بعض المعاصرين عن صاحب فريدة العجائب انّه قال عند ذكر الكوفة: وفيها قبة عظيمة يقال انّها قبر عليّ بن أبي طالب، والقبة من بناء أبي العباس عبدالله بن حمدان في دولة بني العباس، وفي نزهة الجليس للسيّد عباس الموسوي العاملي المكي انّه قد عقدت على قبر آدم ونوح وعلي(عليهم السلام) قبة عظيمة، وأوّل من عقد هذه القبة عليهم عبدالله بن حمدان في دولة بني العباس، ثمّ عمّرها الملوك من بعده(6).

5 ـ عضد الدولة البويهي: هو أبو الشجاع فناخسرو عضد الدولة البويهي (ت 372 هـ) ففي فرحة الغري: قال ابن طحال: انّ عضد الدولة تولّى عمارته وأرسل الأموال، وتاريخ فراغها مكتوب على حائط القبة ممّا يلي الرأس الكريم قدر قامة عن الأرض(7).

وكذلك ذكر الديلمي بعدما أورد عمارة هارون الرشيد، فقال: وبقي إلى أيّام السلطان عضد الدولة(رحمه الله)، فجاء وأقام في ذلك الطرف قريباً من سنة هو وعساكره، فبعث فأتي بالصنّاع والأساتذة من الأطراف، وخرب تلك العمارة وصرف أموالاً كثيراً جزيلة، وعمّر عمارة جليلة حسنة، وهي العمارة التي كانت قبل عمارة اليوم (8).

6 ـ أمّا العمارة السادسة فهي التي حصلت بعدما احترقت عمارة عضد الدولة في سنة 755، ولا يعلم مجددها وربّما تكون من جماعة لا من شخص واحد، وتم تجديدها سنة 760 كما ورد في آخر نسخة كتاب «الإماقي في شرح الإيلاقي» تأليف عبدالرحمن بن العتائقي الحلّي كانت موجودة في الخزانة الغروية والذي أتم المؤلّف كتابته سنة 755 هـ قال: «في هذه السنة احترقت الحضرة الغروية صلوات الله على مشرّفها، وعادت العمارة وأحسن منها في سنة 760» (9).

7 ـ الشاه صفي الصفوي: أمّا عمارة الشاه صفي حفيد الشاه عباس الأوّل فقد قال عنها الشيخ جعفر محبوبه: فإنّه بعدما تعاقب الدهور، ومرّ عشرات من السنين على العمارة المتقدّمة تضعضعت القبّة المنوّرة، وكانت ساحة الصحن الشريف ضيّقة ولم تكن بهذه السعة الموجودة اليوم، فأمر الشاه المذكور بهدم بعض جوانب الصحن الشريف وتوسيعه، وتوسيع ساحة الحرم العلوي المطهر.

ونقل عن المنتظم الناصري عند ذكر حوادث سنة 1042 هـ ما ترجمته: جيئ بماء الفرات إلى أرض النجف بحكم الشاه صفي، فإنّه حين ما جاء زائراً القبة المنوّرة وذلك المرقد الطاهر، رأى بعض النقصان في بناء المرقد، أمر وزيره ميرزا تقي المازندراني بإصلاح تلك الأماكن المشرّفة، فجاء بالمعامير والمهندسين إلى النجف ومكث فيها ثلاث سنين مشغولاً بهذا العمل (10).

ولم تزل هذه العمارة باقية حتى زمن السلطان نادر شاه سنة 1156، فإنّه لمّا ورد النجف زائراً أمر بقلع الحجر القاشاني عن القبة المعظّمة والإيوان والمأذنتين وتذهيبها (11).

وهكذا استمرت حركة الإعمار في المرقد العلوي من قبل مختلف الطبقات حسبة لله ورجاء الشفاعة يوم لا ينفع مال ولا بنون، وقد أشار إلى هذا السيّد عبدالكريم بن طاووس في كتابه فرحة الغري حيث قال: ولو أخذنا في ذكر من زاره وعمّره وتقرّب إلى الله تعالى بذلك من الملوك والعظماء والوزراء والاُدباء والقضاة والفقهاء والعلماء والمحدّثين النبلاء لأطلنا فيه (12).

 

الأدوار الثقافية للعتبة العلوية المقدسة

كانت الروضة المطهرة من قديم الزمان محوراً للحركات الثقافية المختلفة، ولم يكن ذلك إلّا ببركة باب مدينة علم النبيّصلىاللهعليهوآله مولانا أميرالمؤمنين(عليه السلام).

وهذه الحركة العلمية والثقافية كانت تشهد الازدهار والنشاط تارةً، والضعف والركود تارةً أُخرى تبعاً للظروف السياسية والاجتماعية التي مرّ بها العراق وخصوص مدينة النجف الأشرف.

ويمكن أن نوجز هذه الحركات العلمية والثقافية التي شهدتها الروضة المطهرة منذ اشتهارها واستيطانها ضمن النقاط التالية:

1 ـ تحمّل الحديث.

2 ـ تأليف واستنساخ وقراءة وعرض الكتب.

3 ـ المدرسة الغروية.

4 ـ الندوات العلمية والحفلات ومجالس المناظرات.

5 ـ المكتبة.

وسنحاول فيما يلي تسليط الضوء بصورة موجزة على هذه النقاط ـ إذ لم نكن بصدد الجرد التام ـ ثمّ التعريج على المكتبة إن شاء الله تعالى.

ولا يخفى بأنّنا نعتقد بأنّ ما ورد في طيّات الكتب من لفظ «المشهد الغروي» من دون إضافة قيد آخر، لا يراد منه سوى الروضة المطهرة، دون مدينة النجف الأشرف، وإن كان يطلق عليها أيضاً «المشهد الغروي»، ولكن بعدما رأينا أنّ بعض أرباب التراجم عند استعمال هذه اللفظة وإرادة مدينة النجف دون المرقد المقدس، جاء بقيدٍ توضيحي فقال مثلاً: «دفن بالمشهد الغروي في داره» وهكذا، استنتجنا أنهم عند الإطلاق لا يريدون سوى الروضة المطهرة.

1 ـ تحمّل الحديث:

انّ علم الحديث علم شريف وبه حفظ الدين، وبواسطته وصلتنا شرائع ربّ العالمين، فلذا اعتنى به علماء الإسلام اعتناءً بالغاً، ودوّنت الكتب في كيفيّة تحمّله وحفظه وروايته وما شاكل، وفي هذا الصدد يقول ابن الصلاح (ت 643 هـ): «علم الحديث علم شريف، يناسب مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وينافر مساوئ الأخلاق ومشاين الشيم، وهو من علوم الآخرة لا من علوم الدنيا، فمن أراد التصدّي لإسماع الحديث أو لإفادة شيء من علومه، فليقدم تصحيح النية واخلاصها، وليطهر قلبه من الأغراض الدنيوية وأدناسها، وليحذر بليّة الرياسة ورعوناتها» (13).

ولذا وردت عدّة آداب لتحمّل الحديث ذكرها علماء دراية الحديث، منها استحباب كونه في المساجد، وليس ذلك إلّا لشرف المساجد وشرف الحديث، فقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله: «من غدا إلى مسجد لا يريد إلّا ليتعلّم خيراً أو ليعلّمه، كان له أجر معتمر تام العمرة، ومن راح إلى المسجد لا يريد إلّا ليتعلّم خيراً أو ليعلّمه فله أجر حاج تام الحجة» (14).

ولذا قال السمعاني (ت 562هـ): «يستحب للمحدّث أن يملي في المساجد خصوصاً يوم الجمعة في المسجد الجامع» (15).

وكذلك كان يصنع أئمّتنا(عليهم السلام)، فقد نقل النجاشي عن الحسن بن عليّ بن الوشاء انّه قال لسعد بن أحمد بن محمّد بن عيسى: «إنّي أدركت في هذا المسجد ـ أي مسجد الكوفة ـ تسعمائة شيخ كلّ يقول: حدّثني جعفر بن محمّد» (16ذ17).

وما نقل ابن عساكر من انّ الخطيب البغدادي لمّا حجّ شرب من ماء زمزم ثلاث شربات، وسأل الله جل جلاله ثلاث حاجات... فالحاجة الاُولى أن يحدث بتاريخ بغداد ببغداد، والثانية أن يملي الحديث بجامع المنصور... (18).

ولمّا كانت المشاهد المشرفة عندنا تتلو المساجد في الفضل والشرف، عمد علماؤنا الأعلام بتحمّل الحديث في تلك المشاهد المشرفة منذ قديم الزمان، وكان لمشهد أميرالمؤمنين(عليه السلام) خصوصية أُخرى يمتاز بها عن سائر المشاهد، ولذا نرى كثرة ما حصل فيه من تحمّل الحديث بطرقه المختلفة، حيث ذكر علماء الحديث انّ طرق تحمّل الحديث سبعة:

1 ـ السماع من لفظ الشيخ ـ وهو أرفع الطرق عند جمهور المحدّثين ـ .

2 ـ القراءة على الشيخ وتسمّى العرض.

3 ـ الإجازة.

4 ـ المناولة.

5 ـ الكتابة وهي أن يكتب مرويّه لغائب أو حاضر بخطّه أو يأذن بكتبه له.

6 ـ الاعلام وهو أن يعلم الشيخ الطالب انّ هذا الكتاب روايته أو سماعه مقتصراً عليه.

7 ـ الوجادة وهو أن يجد مرويّ إنسان بخطه فيقول: وجدت بخط فلان، أو بلغني أو قال فلان (19).

وقد حصلت بعض هذه الطرق في الروضة المطهرة العلوية، وفيما يلي بعض النماذج لذلك نوردها استطراداً لا حصراً.

1 ـ أقدم نصّ عثرت عليه هو ما ورد في بحار الأنوار نقلاً عن الخرائج والجرائح للراوندي من انّ أبا حمزة الثمالي(رحمه الله) كانت له حلقة درس في جوار المرقد المطهر، وإليك النص، قال: روي عن داود بن كثير الرقي، قال: وفد خراسان وافد يكنّى أبا جعفر، واجتمع إليه جماعة من أهل خراسان، فسألوه أن يحمل لهم أموالاً ومتاعاً ومسائلهم في الفتاوى والمشاورة، فورد الكوفة وزار أميرالمؤمنين(عليه السلام)، ورأى في ناحية رجلاً حوله جماعة، فلمّا فرغ من زيارته قصدهم، فوجدهم شيعة فقهاء يسمعون من الشيخ، فقالوا: هو أبو حمزة الثمالي، قال: فبينما نحن جلوس إذ أقبل أعرابي فقال: جئت من المدينة وقد مات جعفر بن محمّد... (عليهما السلام) (20) .

يدل هذا النص الشريف على وجود حلقة دراسية لتحمّل الحديث وعلوم أهل البيت(عليهم السلام) عند القبر المقدّس آنذاك أي عام 148 هـ عام استشهاد الإمام الصادق(عليه السلام).

2 ـ ثمّ بعد ذلك ما استظهره العلاّمة المحقق السيّد محمّد مهدي الخرسان حفظه الله من انّ الشيخ الصدوق(رحمه الله) لمّا عاد من الحجّ سنة 355 هـ ورد الكوفة وسمع فيها وفي مسجد أميرالمؤمنين(عليه السلام)، كما ورد ذلك في الأمالي حيث قال: «حدّثنا محمّد بن عليّ بن الفضل (رض)في مسجد أميرالمؤمنين(عليه السلام) بالكوفة... » (21).

قال السيّد مهدي الخرسان: «والتصريح بسماعه من محمّد بن الفضل الكوفي في مسجد أميرالمؤمنين(عليه السلام) صريح في ذلك [أي في وجود حوزة علمية في النجف الأشرف آنذاك] إذ لا يعني ذلك إلّا المشهد المقدّس» (22).

3 ـ قال النجاشي في رجاله في ترجمة الحسين بن أحمد بن المغيرة: «أبو عبدالله البوشنجي، كان عراقياً مضطرب المذهب، وكان ثقة فيما يرويه، له كتاب عمل السلطان، أجازنا روايته أبو عبدالله بن الخمري الشيخ الصالح في مشهد مولانا أميرالمؤمنين(عليه السلام) سنة أربعمائة» (23).

4 ـ جاء في سلسلة أسانيد كتاب التازي لمحمّد بن عليّ العلوي الحسني: «أخبرني الشيخ الجليل العفيف أبو العباس أحمد بن الحسين... قال: حدّثنا الشيخ الأجل الأمير أبو عبدالله محمّد بن أحمد بن شهريار الخازن.. . قال: حدّثنا الشريف النقيب أبو الحسين زيد بن الناصر الحسيني(رحمه الله) في شوال من سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة بمشهد مولانا أميرالمؤمنين(عليه السلام)... » (24).

5 ـ ورد في أمالي الشيخ الطوسي(رحمه الله): «حدّثنا الشيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن بن عليّ بن الحسن الطوسي(رض) في يوم التروية سنة ثمان وخمسين وأربعمائة في مشهد مولانا أميرالمؤمنين صلوات الله عليه...» (25).

6 ـ وما ورد في أسانيد كتاب بشارة المطصفى: «وأخبرني بقراءتي عليه في المحرم سنة ست عشرة وخمسمائة بمشهد مولانا أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)...» (26).

7 ـ وورد في أسانيد كتاب سُليم بن قيس الهلالي: «... حدّثني الشيخ الأمين العالم أبو عبدالله الحسين بن أحمد بن طحال المقدادي المجاور، قراءة عليه بمشهد مولانا أميرالمؤمنين صلوات الله عليه سنة عشرين وخمسمائة... » (27).

8 ـ وجاء في كتاب المزار: «أخبرنا الشيخ الفقيه العالم، عماد الدين محمّد ابن أبي القاسم الطبري قراءة عليه وأنا أسمع في شهور سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة بمشهد مولانا أميرالمؤمنين صلوات الله عليه... » (28).

9 ـ وورد في سند كتاب صغير: «أخبرنا الشريف الأجل العالم ضياء الدين أبو الفتح محمّد بن محمّد العلوي الحسيني... قال: حدّثنا الشيخ العالم أبو المكارم ابن كتيلة العلوي بمشهد مولانا أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) في جمادى الأُولى سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة...» (29).

10 ـ وقد أجاز الشيخ عليّ بن عبدالعالي، المولى عبد العلي بن أحمد بن سعد الدين بن محمّد الأسترآبادي، وكتبها بالمشهد المقدّس الغروي في سنة تسع وعشرين وتسعمائة (30).

11 ـ قال السيّد حسن الصدر: رأيت إجازة المحقق الكركي له [أي لأحمد بن محمّد بن خاتون العاملي] ولولديه تاريخها سنة 1031 كتبها في المشهد الغروي (31).

2 ـ تأليف واستنساخ وقراءة وعرض الكتب:

كان المؤلّفون يتحرّون الأماكن المباركة والمقدّسة للابتداء بالتأليف أو الانتهاء منه، ولو راجعنا كتب الرجال والتراجم والببليوغرافيات لرأينا كثرة الكتب التي تم تأليفها أو نسخها في الروضة العلوية المطهرة، أو جاء مؤلّفها من أماكن بعيدة وتجشّم عناء السفر ليعرض مؤَلّفه على الإمام(عليه السلام) رجاء الثواب والقبول والشفاعة، سيما لو كان الكتاب يتحدّث عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) وعن فضائله ومناقبه.

وهذا هو الرافد والمؤشر الثاني للنشاط الثقافي الذي حصل في الروضة المطهرة، وفيما يلي ثبت ببعض هذه الكتب التي تم تأليفها أو نسخها أو قراءتها في الروضة المطهرة:

1 ـ تفسير التبيان: للشيخ الطوسي(رحمه الله) (ت 460 هـ)، استنسخه هبة الدين عليّ بن محمّد الموصوف بالمالكي، وقد فرغ منه في العشر الأخير من رجب 476هـ في مشهد الغري(32).

2 ـ النهاية: للشيخ الطوسي، ذكر ابن الحاجب الحلبي انّه قرأ كتاب النهاية للشيخ الطوسي على أبي عبدالله الحسين بن عليّ بن أبي سهل الزينوبادي بمشهد أميرالمؤمنين(عليه السلام)(33).

3 ـ بناء المقالة الفاطمية: للسيّد أحمد بن طاووس (ت 673 هـ)، وهو بعد ما ألّف كتابه جاء به إلى النجف ليعرضه على أميرالمؤمنين(عليه السلام)، كما جاء في آخر النسخة:

وقال مولانا المصنف عند عزمه على التوجّه إلى مشهد أميرالمؤمنين صلوات الله عليه لعرض الكتاب الميمون عليه، مستجدياً سيب يديه:

أتينا تباري الريح منّا عزائم

إلى ملك يستثمر الغوث آمله

كريم المحيّا ما أظلّ سحابه

فأقشع حتى يعقب الخصب هاطله

إذا أمل أشفت على الموت روحه

أعادت عليه الروح فاتت شمائله

إلى آخر الأبيات... وقال وقد تأخّر حصول سفينة يتوجّه فيها إلى الحضرة المقدّسة الغروية صلىّ الله على مشرّفها:

لئن عاقني عن قصد ربعك عائق
تصاحب أرواح الشمال إذا سرت
ولو سكنت ريح الشمال لحركت
إذا نهضت روح الغرام وخلّفت
وليس سواء جوهر متأيّد
وجسم تباريه الحوادث ناحل
أسير بكف الروح يجري بحكمها

 

فوجدي لا يقاس إليك طريق
فلا عائق إذ ذاك عنك يعوق
سواكنها نفس إليك تشوق
جسوماً يحيل الوامقين وميق
له نسب في الغابرين عريق
ببحر الحتوف الفاتكات غريق
وليس سواء موثق وطليق

وممّا سطره أهل الدين وأولياءه عند قراءتنا هذا الكتاب لدى الضريح المقدس عند الرأس الشريف صلّى الله عليه لمّا قصدنا مشهد مولانا أميرالمؤمنين صلوات الله عليه إبان الزيارة الرجبية النبوية عرضنا عليه هذا الكتاب، قارئين له بخدمته، لائذين بحرم رأفته، مستهطلين سحاب إغاثته، في خلوة من الجماعات المتكاثرات الشاغلات...(34).

فهذا النص يشرح مدى ما قاساه المؤلّف من تعب ونصب إلى أن وصل إلى الروضة المطهرة، وعرض كتابه على الإمام(عليه السلام) تأدّباً وتبرّكاً.

4 ـ نهج البلاغة: ذكر محمّد أبو الفضل إبراهيم في مقدّمة شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، انّه اعتمد في تحقيق نص كتاب نهج البلاغة على نسخة مخطوطة محفوظة بمكتبة طلعت بدار الكتب المصرية برقم 4840 أدب، وهي نسخة خزائنية نفيسة، جاء في آخرها: «تم الكتاب بالحضرة الشريفة المقدّسة النجفية بمشهد مولانا وسيّدنا أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب أخي رسول الله... وكتبه وذهّبه الحسين بن محمّد الحسني في شهور سنة اثنتين وثمانين وستمائة» (35).

5 ـ شرح شافية ابن الحاجب: تأليف رضي الدين محمّد بن الحسن الأسترآبادي ، جاء في آخر النسخة: «وفق الله لإتمام تصنيفه في ربيع الأوّل سنة ثمان وثلاثين وستمائة بالحضرة الشريفة المقدّسة الغروية على مشرّفها أفضل التحية والسلام» (36).

6 ـ الأبحاث في تقويم الأحداث: في رد الزيدية وإثبات إمامة الأئمّة الاثني عشر(عليهم السلام)، واثبات الغيبة وردّ شبهاتها للمولى ركن الدين محمّد بن عليّ الجرجاني الغروي... ألّفه بالغري وفرغ منه بالحضرة العلوية في يوم الجمعة الثالث من جمادى الثانية سنة 728(37).

7 ـ تحصيل النجاة: في أصول الدين لفخر المحققين ابن العلاّمة الحلّي (ت 771 هـ) ألّفه باسم تلميذه ناصر الدين حمزة بن حمزة بن محمّد العلوي الحسيني، وفرغ منه في الحضرة الغروية في آخر نهار السبت 24 رجب 736(38).

8 ـ منية اللبيب في شرح التهذيب: التهذيب للعلاّمة الحلّي والشرح لعبدالله بن محمّد بن عليّ بن الأعرج الحسيني، فرغ من تأليفه 15 رجب سنة 740 بالحضرة الشريفة الغروية(39).

9 ـ خلاصة الأقوال: تأليف العلاّمة الحلّي، كتب منه نسخة عليّ بن محمّد بن عليّ الحافظ الطبري في المشهد المقدّس الغروي، وفرغ منها أوائل ذي القعدة سنة 747(40).

10 ـ كتاب الألفين: تأليف العلاّمة الحلّي، استنسخه فخر الدين محمّد ابن المؤلّف، وفرغ منه 17 ربيع الأوّل سنة 754 بالحضرة الشريفة الغروية، عن نسخة أبيه المصنف(41).

11 ـ مؤلفات المولى ركن الدين: كتب السيّد حيدر الآملي بخطه بعض تصانيف المولى ركن الدين محمّد بن عليّ بن محمّد الجرجاني الذي فرغ من تصنيفه 720، وفرغ السيّد حيدر الآملي من استنساخها 762 في الغري في المدرسة المرتضوية(42).

12 ـ التصريح في شرح التلويح إلى أسرار التنقيح: تأليف ابن العتائقي الحلّي، ذكر انّه فرغ منه في المشهد الغروي سرار شعبان سنة أربع وسبعين وسبعمائة(43).

13 ـ معالم الدين في فقه آل ياسين: تأليف شمس الدين محمّد بن شجاع القطان الأنصاري الحلّي... نسخة منه بخط أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن إبراهيم بن عليّ بن متوج، كتبها عن خط المؤلّف في حياته وفرغ منه 10 شعبان 832 في الحضرة الغروية(44).

14 ـ المجلي مرآة المنجي: وهو شرح مسالك الأفهام في علم الكلام لمحمّد بن عليّ بن أبي جمهور الاحسائي، شرح فيه رسالته المسالك، وذكر حاشيتها النور المنجي، وفرغ من تسويده في أواخر شهر جمادى الاخرى سنة خمس وتسعين وثمانمائة بالمشهد العلوي الغروي(45).

15 ـ حاشية الكركي على القواعد: قال الشيخ أغا بزرك (رحمه الله)في ترجمة محمّد الأسترآبادي تلميذ المحقق الكركي: وقد كتبه بخطه مجداً من حاشية الكركي على القواعد للحلّي في الحرم المقدّس المرتضوي، وفرغ منه أواسط شوال 930، وقد كتبها عن نسخة خط المصنف نسخة الأصل... (46).

16 ـ الاثنا عشرية: في فضائل أميرالمؤمنين(عليه السلام) للسيّد فضل الله بن محمّد الحسيني، ألّفه باسم الملك نظام الدين وقال في آخره: «وقد رسم أحقر عباد الله الغني فضل الله بن محمّد الحسيني، هذه الأحاديث العظام في أواسط شهر رجب الحرام بمشهد مولانا عليّ(عليه السلام) لسنة خمس وأربعين وتسعمائة»(47).

17ـ جامع الفوائد ودافع المعاند: للشيخ علم بن سيف بن منصور النجفي الحلي، جاء في آخر النسخة: «فرغ من تنميقه منتخبه العبد الفقير إلى الله الغفور علم بن سيف بن منصور غفر الله له ولوالديه بالمشهد الشريف الغروي في 937 سبع وثلاثين وتسعمائة» (48).

18 ـ منية اللبيب: تأليف السيّد ضياء الدين عبدالله بن الأعرج، استنسخه الشيخ أحمد بن عليّ بن الحسن الدقيق العاملي، وأتمّه بالنجف الأشرف في الحضرة المقدسة في يوم الجمعة آخر شهر شعبان سنة 970(49).

19 ـ فرحة الغري: للسيّد عبدالكريم بن طاووس، ورد في نهايته: «نجز الكتاب بعون الملك الوهاب يوم الرابع عشر من شهر صفر ختم بالخير والظفر سنة سبع وأربعين وتسعمائة هجرية، وذلك في المشهد الشريف المقدس الغري على مشرّفه أفضل الصلوات وأكمل التحيات آمين، والحمد لله ربّ العالمين» (50).

20 ـ ثواب الأعمال وعقاب الأعمال للشيخ الصدوق: قال الشيخ أغا بزرك (رحمه الله)في ترجمة محمود الساوجي: انّه كتب في آخر ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، انّه حين كان في الروضة الغروية في النجف قابله وصحّحه في نهار الاثنين من رمضان 974، وكذا كتب بخطه نقايص عقاب الأعمال في التاريخ(51).

21 ـ الرسالة الرضاعية: للشيخ أبي الحسن بن محمّد طاهر بن عبدالحميد بن موسى الفتوني النباطي الأصفهاني (ت 1138 هـ) ذكر فيها انّه ألّفها بعد استخارات عديدة عند رأس الأمير(عليه السلام)... وفرغ منها في مشهد الغري أواخر محرم 1109(52).

22 ـ اليقين: للسيّد ابن طاووس، استنسخه المحدّث النوري لنفسه، جاء في الصفحة الاُولى من الكتاب: «وأنا المذنب المسيئ حسين بن محمّد تقي ابن عليّ محمّد بن تقي النوري الطبرسي في مشهد مولانا أميرالمؤمنين(عليه السلام) سنة 1281 قمري» (53).

هذا ما عثرنا عليه في هذه العجالة، وهناك الكثير من قبيل هذه الكتب التي تم تأليفها أو عرضها أو استنساخها في الحضرة الغرويّة، والعثور عليها يستدعي جهداً واسعاً في المراجعة إلى نفس المخطوطات، ومطالعة أوائلها أو أواخرها، ومن القريب جدّاً انّ هذه الكتب كانت توقف على خزانة الروضة المطهرة، إذ كانت الخزانة آنذاك عامرة ومعروفة لدى الخاص والعام.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ الهوامش ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ فرحة الغري: 145.

2 ـ إرشاد القلوب 2: 342.

3 ـ فرحة الغري: 151.

4 ـ أعيان الشيعة 1: 536.

5 ـ خاتمة مستدرك الوسائل 2: 298.

6 ـ أعيان الشيعة 1: 536.

7 ـ فرحة الغري: 151ـ 152.

8 ـ إرشاد القلوب 2: 342، عمدة الطالب: 59.

9 ـ أعيان الشيعة 1: 537. وقد أشار ابن عنبة في عمدة الطالب إلى هذا الحريق، فمرة ذكره ـ كما في ص 22 ـ بتاريخ 755 هـ حيث احترق فيه المصحف المنسوب إلى أميرالمؤمنين(عليه السلام)، وذكر مرة ثانية في ص 59 انّه كان سنة 753 هـ، ويظهر أنّ الأوّل هو الأصح، كما ذكره ابن العتائقي الحلّي المعاصر للحدث والمؤرّخ له في ظهر كتابه.

10 ـ ماضي النجف وحاضرها 1: 48 ـ 49.

11 ـ نفس المصدر 1: 64.

12 ـ فرحة الغري: 157.

13 ـ معرفة أنواع علم الحديث: 344، النوع السابع والعشرون.

14 ـ منية المريد: 106.

15 ـ أدب الإملاء والاستملاء: 33.

16 ـ رجال النجاشي: 39.

17 ـ تاريخ مدينة دمشق 5: 34.

18 ـ راجع البداية في علم الدراية: 40 ـ 43، مقباس الهداية 3: 65، جامع الأصول 1: 56، علوم الحديث ومصطلحه: 86.

19 ـ البحار 47: 251 ح 23.

20 ـ الأمالي للصدوق: 469 ح 4 المجلس 61.

21 ـ مقدّمات كتب تراثية 1: 12.

22 ـ رجال النجاشي: 68 رقم 165، طبقات أعلام الشيعة 1: 108.

23 ـ خاتمة مستدرك الوسائل 1: 371.

24 ـ الأمالي للطوسي: 735.

25 ـ خاتمة مستدرك الوسائل 3: 16.

26 ـ البحار 1: 76.

27 ـ خاتمة مستدرك الوسائل 3: 31.

28 ـ نفس المصدر 1: 388.

29 ـ كشف الحجب والأستار: 12.

30 ـ تكملة أمل الآمل: 100.

31 ـ طبقات أعلام الشيعة (النابس في القرن الخامس): 32.

32 ـ خاتمة مستدرك الوسائل 3: 170.

33 ـ بناء المقالة الفاطمية: 447 ـ 448.

34 ـ شرح نهج البلاغة 1: 22 مقدّمة المحقق.

35 ـ شرح شافية ابن الحاجب 3: 334.

36 ـ الذريعة 1: 63.

37 ـ الحقائق الراهنة: 65.

38 ـ أعيان الشيعة 8: 69.

39 ـمكتبة العلاّمة الحلّي: 119.

40 ـ نفس المصدر: 55.

41 ـ الذريعة 10: 172، الحقائق الراهنة: 69، أعيان الشيعة 9: 426.

42 ـ الذريعة 4: 196.

43 ـ نفس المصدر 8: 199.

44 ـ كشف الحجب والأستار: 488، الذريعة 20: 13.

45 ـ طبقات أعلام الشيعة (إحياء الداثر): 206.

46 ـ الذريعة 1: 118.

47 ـ الذريعة 5: 66.

48 ـ تراجم الرجال 1: 78.

49 ـ فرحة الغري: 26، مقدّمة المحقق.

50 ـ طبقات أعلام الشيعة : (إحياء الداثر من القرن العاشر): 240.

51 ـ الذريعة 11: 189.

52 ـ اليقين: 23، مقدّمة المحقق.