|
خطبة لامير المؤمنين عليه السلام ، وهي المعروفة بـ(خطبة الوسيلة) |
|
قال رحمه الله في الكافي: 8/18: محمد بن علي بن معمر ، عن محمد بن علي بن عكاية التميمي ، عن الحسين بن النضر الفهري ، عن أبي عمرو الأوزاعي ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر بن يزيد قال: دخلت على أبي جعفر فقلت: يا بن رسول الله قد أرمضني اختلاف الشيعة في مذاهبها! فقال: يا جابر ألم أقفك على معنى اختلافهم من أين اختلفوا ، ومن أي جهة تفرقوا ؟ قلت: بلى يا ابن رسول الله. قال: فلا تختلف إذا اختلفوا يا جابر ، إن الجاحد لصاحب الزمان كالجاحد لرسول الله صلى الله عليه وآله في أيامه ، يا جابر إسمع وع. قلت: إذا شئت. قال: اسمع وع وبلغ حيث انتهت بك راحلتك : إن أمير المؤمنين خطب الناس بالمدينة بعد سبعة أيام من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وذلك حين فرغ من جمع القرآن وتأليفه فقال:
الحمد لله الذي منع الأوهام أن تنال إلا وجوده ، وحجب العقول أن تتخيل ذاته ، لإمتناعها من الشبة والتشاكل ، بل هو الذي لا يتفاوت في ذاته ، ولا يتبعض بتجزئة العدد في كماله ، فارق الأشياء لا على اختلاف الاماكن ، ويكون فيها لا على وجه الممازجة ، وعلمها لا بأداة ، لا يكون العلم إلا بها ، وليس بينه وبين معلومه علمٌ غيره به كان عالماً بمعلومه . إن قيل كانَ ، فعلى تأويل أزلية الوجود ، وإن قيل لم يزل ، فعلى تأويل نفي العدم . فسبحانه وتعالى عن قول من عبد سواه ، واتخذ إلها غيره علواً كبيرا . نحمده بالحمد الذي ارتضاه من خلقه ، وأوجب قبوله على نفسه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، شهادتان ترفعان القول وتضاعفان العمل ، خف ميزان ترفعان منه ، وثقل ميزان توضعان فيه ، وبهما الفوز بالجنة والنجاة من النار ، والجواز على الصراط ، وبالشهادة تدخلون الجنة وبالصلاة تنالون الرحمة . أكثروا من الصلاة على نبيكم: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما. أيها الناس: إنه لا شرف أعلى من الإسلام ، ولا كرم أعز من التقوى ، ولا معقل أحرز من الورع ، ولا شفيع أنجع من التوبة ، ولا لباس أجمل من العافية ، ولا وقاية أمنع من السلامة ، ولا مال أذهب بالفاقة من الرضى بالقناعة ، ولا كنز أغنى من القنوع ومن أقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة ، وتبوء خفض الدعة . والرغبة مفتاح التعب ، والإحتكار مطية النصب ، والحسد آفة الدين ، والحرص داع إلى التقحم في الذنوب ، وهو داع للحرمان ، والبغي سائق إلى الحين ، والشره جامع لمساوي العيوب . رب طمع خائب وأمل كاذب ، ورجاء يؤدي إلى الحرمان ، وتجارة تؤول إلى الخسران . ألا ومن تورط في الأمور غير ناظر في العواقب، فقد تعرض لمفضحات النوائب، وبئست القلادة قلادة الذنب للمؤمن . أيها الناس: إنه لا كنز أنفع من العلم ، ولا عز أرفع من الحلم ، ولا حسب أبلغ من الادب ، ولا نصب أوضع من الغضب ، ولا جمال أزين من العقل ، ولا سوءة أسوأ من الكذ ب ، ولا حافظ أحفظ من الصمت ، ولا غائب أقرب من الموت . أيها الناس: إنه من نظر في عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره ، ومن رضي برزق الله لم يأسف على ما في يد غيره ، ومن سل سيف البغي قتل به ، ومن حفر لأخيه بئراً وقع فيها ، ومن هتك حجاب غيره انكشفت عورات بيته ، ومن نسي زلته استعظم زلل غيره ، ومن أعجب برأيه ضل ، ومن استغنى بعقله زل ، ومن تكبر على الناس ذل ، ومن سفه على الناس شتم ، ومن خالط الأنذال حقر ، ومن حمل ما لا يطيق عجز . أيها الناس: إنه لا مال أعود من العقل ، ولا فقر أشد من الجهل ، ولا واعظ أبلغ من النصح ، ولا عقل كالتدبير ، ولا عبادة كالتفكر ، ولا مظاهرة أوثق من المشاورة ، ولا وحشة أشد من العجب ، ولا ورع كالكف عن المحارم ، ولا حلم كالصبر والصمت . أيها الناس: في الإنسان عشر خصال يظهرها لسانه: شاهدٌ يخبر عن الضمير ، حاكمٌ يفصل بين الخطاب ، وناطقٌ يرد به الجواب ، وشافعٌ يدرك به الحاجة ، وواصفٌ يعرف به الأشياء ، وأميرٌ يأمر بالحسن ، وواعظٌ ينهى عن القبيح ، ومعزٌ تسكن به الأحزان ، وحاضرٌ تجلى به الضغائن ، ومونقٌ تلتذ به الاسماع . أيها الناس: إنه لا خير في الصمت عن الحكم ، كما أنه لا خير في القول بالجهل. واعلموا أيها الناس إنه من لم يملك لسانه يندم ، ومن لا يعلم يجهل ، ومن لا يتحلم لا يحلم ، ومن لا يرتدع لا يعقل ، ومن لا يعقل يهن ، ومن يهن لا يوقر ، ومن لا يوقر يتوبخ ، ومن يكتسب مالاً من غير حقه يصرفه في غير أجره ، ومن لا يدع وهو محمود يدع وهو مذموم ، ومن لم يعط قاعداً منع قائماً ، ومن يطلب العز بغير حق يذل ، ومن يغلب بالجور يغلب ، ومن عاند الحق لزمه الوهن ، ومن تفقه وقر ، ومن تكبر حقر ، ومن لا يحسن لا يحمد . أيها الناس: إن المنية قبل الدينة ، والتجلد قبل التبلد ، والحساب قبل العقاب والقبر خير من الفقر ، وغض البصر خير من كثير من النظر ، والدهر يومٌ لك ويوم عليك ، فإذا كان لك فلا تبطر ، وإذا كان عليك فاصبر ، فبكليهما تمتحن . أيها الناس: أعجب ما في الإنسان قلبه ، وله موادُّ من الحكمة ، وأضدادٌ من خلافها ، فإن سنح له الرجاء أذله الطمع ، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص ، وإن ملكه اليأس قتله الأسف ، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ ، وإن أسعد بالرضى نسي التحفظ ، وإن ناله الخوف شغله الحذر ، وإن اتسع له الأمن استلبته الغرة ، وان جددت له نعمة أخذته العزة ، وإن أفاد ما لا أطغاه الغنى ، وإن عضته فاقة شغله البلاء وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع ، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف ، وإن أفرط في الشبع كظته البطنة.. فكل تقصير به مضر ، وكل إفراط له مفسد . أيها الناس: إنه من فل ذل ، ومن جاد ساد ، ومن كثر ماله رأس ، ومن كثر حلمه نبل ، ومن أفكر في ذات الله تزندق ، ومن أكثر من شئ عرف به ، ومن كثر مزاحه استخف به ، ومن كثر ضحكه ذهبت هيبته، فسد حسب من ليس له أدب، إن أفضل الفعال صيانة العرض بالمال ، ليس من جالس الجاهل بذي معقول ، من جالس الجاهل فليستعد لقيل وقال ، لن ينجو من الموت غني بماله ولا فقير لإقلاله . أيها الناس: لو أن الموت يشترى لاشتراه من أهل الدنيا الكريم الابلج ، واللئيم الملهوج . أيها الناس: إن للقلوب شواهد تجري الأنفس عن مدرجة أهل التفريط وفطنة الفهم. للمواعظ ما يدعو النفس إلى الحذر من الخطر ، وللقلوب خواطر للهوى ، والعقول تزجر وتنهى ، وفي التجارب علم مستأنف ، والإعتبار يقود إلى الرشاد ، وكفاك أدباً لنفسك ما تكرهه لغيرك، وعليك لأخيك المؤمن مثل الذي لك عليه، لقد خاطر من استغنى برأيه ، والتدبر قبل العمل ، فإنه يؤمنك من الندم ، ومن استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ ، ومن أمسك عن الفضول عدلت رأيه العقول ، ومن حصن شهوته فقد صان قدره ، ومن أمسك لسانه أمنه قومه ونال حاجته ، وفي تقلب الأحوال علم جواهر الرجال ، والأيام توضح لك السرائر الكامنة ، وليس في البرق الخاطف مستمتع لمن يخوض في الظلمة ، ومن عرف بالحكمة لحظته العيون بالوقار والهيبة ، وأشرف الغنى ترك المنى ، والصبر جنة من الفاقة ، والحرص علامة الفقر ، والبخل جلباب المسكنة ، والمودة قرابة مستفادة ، ووصول معدم خير من جاف مكثر ، والموعظة كهف لمن وعاها ، ومن أطلق طرفه كثر أسفه ، وقد أوجب الدهر شكره على من نال سؤله ، وقل ما ينصفك اللسان في نشر قبيح أو إحسان ، ومن ضاق خلقه مله أهله ، ومن نال استطال، وقل ما تصدقك الامنية ، والتواضع يكسوك المهابة ، وفي سعة الأخلاق كنوز الأرزاق . كم من عاكف على ذنبه في آخر أيام عمره ، ومن كساه الحياء ثوبه خفي على الناس عيبه، وانح القصد من القول فإن من تحرى القصد خفت عليه المؤن ، وفي خلاف النفس رشدك ، من عرف الأيام لم يغفل عن الإستعداد . ألا وإن مع كل جرعة شرقاً وإن في كل أكلة غصصاً ، لا تنال نعمة إلا بزوال أخرى ولكل ذي رمق قوت ، ولكل حبة آكل ، وأنت قوت الموت . أعلموا أيها الناس أنه من مشى على وجه الأرض فإنه يصير إلى بطنها ، والليل والنهار يتنازعان في هدم الأعمار . يا أيها الناس: كفر النعمة لؤم ، وصحبة الجاهل شؤم ، إن من الكرم لين الكلام ومن العبادة إظهار اللسان وإفشاء السلام. إياك والخديعة فإنها من خلق اللئيم ، ليس كل طالب يصيب ، ولا كل غائب يؤوب . لا ترغب فيمن زهد فيك. رب بعيد هو أقرب من قريب. سل عن الرفيق قبل الطريق ، وعن الجار قبل الدار. ألا ومن أسرع في المسير أدركه المقيل. أستر عورة أخيك كما تعلمها فيك. اغتفر زلة صديقك ليوم يركبك عدوك . من غضب على من لا يقدر على ضره ، طال حزنه وعذب نفسه. من خاف ربه كف ظلمه ، ومن لم يزغ في كلامه أظهر فخره ، ومن لم يعرف الخير من الشر فهو بمنزلة البهيمة . إن من الفساد إضاعة الزاد. ما أصغر المصيبة مع عظم الفاقة غداً هيهات هيهات. وما تناكرتم إلا لما فيكم من المعاصي والذنوب ، فما أقرب الراحة من التعب والبؤس من النعيم ، وما شرٌ بشر بعده الجنة ، وما خيرٌ بخير بعده النار. كل نعيم دون الجنة محقور ، وكل بلاء دون النار عافية ، وعند تصحيح الضمائر تبدو الكبائر . تصفية العمل أشد من العمل ، وتخليص النية من الفساد أشد على العاملين من طول الجهاد. هيهات لو لا التقى لكنت أدهى العرب . أيها الناس: إن الله تعالى وعد نبيه محمداً صلى الله عليه وآله الوسيلة ووعده الحق ، ولن يخلف الله وعده . ألا وإن الوسيلة على درج الجنة وذروةُ ذوائب الزلفة ، ونهاية غاية الأمنية ، لها ألف مرقاة ، ما بين المرقاة إلى المرقاة حضر الفرس الجواد مائة عام. وما بين مرقاة درة إلى مرقاة جوهرة ، إلى مرقاة زبرجدة ، إلى مرقاة لؤلؤة ، إلى مرقاة ياقوته ، إلى مرقاة زمردة ، إلى مرقاة مرجانة ، إلى مرقاة كافور ، إلى مرقاة عنبر ، إلى مرقاة يلنجوج ، إلى مرقاة ذهب ، إلى مرقاة غمام ، إلى مرقاة هواء ، إلى مرقاة نور !! قد أنافت على كل الجنان ، ورسول الله صلى الله عليه وآله يومئذ قاعدٌ عليها ، مرتد بريطتين ، ريطة من رحمة الله وريطة من نور الله ، عليه تاج النبوة واكليل الرسالة ، قد أشرق بنوره الموقف ، وأنا يومئذ على الدرجة الرفيعة وهي دون درجته ، وعليَّ ريطتان ، ريطة من أرجوان النور ، وريطة من كافور . والرسل والأنبياء ، قد وقفوا على المراقي ، وأعلام الأزمنة وحجج الدهور ، عن أيماننا وقد تجللهم حلل النور والكرامة ، لا يرانا ملكٌ مقربٌ ولا نبي مرسل إلا بهت بأنوارنا وعجب من ضيائنا وجلالتنا . وعن يمين الوسيلة عن يمين الرسول صلى الله عليه وآله غمامةٌ بسطة البصر ، يأتي منها النداء: يا أهل الموقف طوبى لمن أحب الوصي وآمن بالنبي الاٌمي العربي ، ومن كفر فالنار موعده ! وعن يسار الوسيلة عن يسار الرسول صلى الله عليه وآله ظلةٌ يأتي منها النداء: يا أهل الموفق طوبى لمن أحب الوصي وآمن بالنبي الامي ، والذي له الملك الأعلى لا فاز أحد ولا نال الروح والجنة إلا من لقي خالقه بالإخلاص لهما والإقتداء بنجومهما . فأيقنوا يا أهل ولاية الله ببياض وجوهكم، وشرف مقعدكم، وكرم مآبكم وبفوزكم اليوم على سرر متقابلين. ويا أهل الإنحراف والصدود عن الله عز ذكره ورسوله وصراطه وأعلام الأزمنة ، أيقنوا بسواد وجوهكم وغضب ربكم جزاءً بما كنتم تعملون . وما من رسول خلفَ ولا نبي مضى إلا وقد كان مخبراً أمته بالمرسل الوارد من بعده ، ومبشراً برسول الله صلى الله عليه وآله ، وموصياً قومه باتباعه ومحله عند قومه ، ليعرفوه بصفته وليتبعوه على شريعته ، ولئلا يضلوا فيه من بعده ، فيكون من هلك أو ضل بعد وقوع الأعذار والإنذار عن بينة وتعيين حجة ، فكانت الأمم في رجاء من الرسل وورود من الأنبياء . ولئن أصيبت بفقد نبي بعد نبي ، على عظم مصائبهم وفجائعها بهم فقد كانت على سعة من الامل ، ولا مصيبة عظمت ولا رزية جلت كالمصيبة برسول الله صلى الله عليه وآله ، لأن الله ختم به الأنذار والأعذار ، وقطع به الإحتجاج والعذر بينه وبين خلقه ، وجعله بابه الذي بينه وبين عباده ، ومهيمنه الذي لا يقبل إلا به ، ولا قربة إليه إلا بطاعته ، وقال: في محكم كتابه: من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا. فقرن طاعته بطاعته ، ومعصيته بمعصيته ، فكان ذلك دليلاً على ما فوض إليه ، وشاهداً له على من اتبعه وعصاه ، وبين ذلك في غير موضع من الكتاب العظيم فقال تبارك وتعالى في التحريض على اتباعه ، والترغيب في تصديقه والقبول لدعوته: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم. فاتباعه صلى الله عليه وآله محبة الله ، ورضاه غفران الذنوب ، وكمال الفوز ، ووجوب الجنة . وفي التولي عنه والإعراض محادة الله وغضبه وسخطه ، والبعد منه مسكن النار وذلك قوله: ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ، يعني الجحود به والعصيان له. فإن الله تبارك اسمه امتحن بي عباده ، وقتل بيدي أضداده ، وأفنى بسيفي جحاده ، وجعلني زلفة للمؤمنين ، وحياض موت على الجبارين ، وسيفه على المجرمين ، وشد بي أزر رسوله ، وأكرمنى بنصره ، وشرفني بعلمه ، وحباني بأحكامه ، واختصني بوصيته ، واصطفاني بخلافته في أمته ، فقال صلى الله عليه وآله وقد حشده المهاجرون والأنصار وانغصت بهم المحافل: أيها الناس إن علياً مني كهارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، فعقل المؤمنون عن الله نطق الرسول ، إذ عرفوني أني لست بأخيه لأبيه وأمه ، كما كان هارون أخا موسى لأبيه وأمه ، ولا كنت نبياً فاقتضى نبوة ، ولكن كان ذلك منه استخلافاً لي ، كما استخلف موسى هارون ، حيثث يقول: أخلفني في قومي وأصلح ، ولا تتبع سبيل المفسدين ، وقوله صلى الله عليه وآله حين تكلمت طائفة فقالت: نحن موالي رسول الله ، فخرج رسول الله إلى حجة الوادع ، ثم صار إلى غدير خم فأمر فأصلح له شبه المنبر ، ثم علاه وأخذ بعضدي حتى رئي بياض إبطيه رافعاً صوته قائلاً في محفله: من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه . فكانت على ولايتي ولاية الله ، وعلى عداوتي عداوة الله. وأنزل الله عز وجل في ذلك اليوم: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا. فكانت ولايتي كمال الدين ورضا الرب جل ذكره ، وأنزل الله تبارك وتعالى اختصاصاً لي وتكرماً نحلنيه ، وإعظاماً وتفضيلاً من رسول الله صلى الله عليه وآله منحنيه ، وهو قوله تعالى: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ . في مناقب لو ذكرتها لعظم بها الارتفاع فطال لها الإستماع. ولئن تقمصها دوني . . . إن القوم لم يزالوا عباد أصنام وسدنة أوثان ، يقيمون لها المناسك ، وينصبون لها العتائر ، ويتخذون لها القربان ، ويجعلون لها البحيرة والوصيلة والسائبة والحام ، ويستقسمون بالأزلام ، عامهين عن الله عز ذكره ، حائرين عن الرشاد ، مهطعين إلى البعاد ، وقد استحوذ عليهم الشيطان ، وغمرتهم سوداء الجاهلية ، ورضعوها جهالة وانفطموها ضلالة ، فأخرجنا الله اليهم رحمة وأطلعنا عليهم رأفة ، وأسفر بنا عن الحجب نوراً لمن اقتبسه ، وفضلاً لمن اتبعه ، وتأييداً لمن صدقه ، فتبوؤوا العز بعد الذلة ، والكثرة بعد القلة ، وهابتهم القلوب والأبصار ، وأذعنت لهم الجبابرة وطوائفها وصاروا أهل نعمة مذكورة ، وكرامة ميسورة ، وأمن بعد خوف ، وجمع بعد كوف ، وأضاءت بنا مفاخر معد بن عدنان ، وأولجناهم باب الهدى، وأدخلناهم دار السلام وأشملناهم ثوب الإيمان ، وفلجوا بنا في العالمين، وأبدت لهم أيام الرسول آثار الصالحين ، من حام مجاهد ، ومصل قانت ، ومعتكف زاهد ، يظهرون الأمانة ، ويأتون المثابة . حتى إذا دعا الله عز وجل نبيه ورفعه إليه ، لم يك ذلك بعده إلا كلمحة من خفقة أو وميض من برقة، إلى أن رجعوا على الاعقاب ، وانتكصوا على الأدبار، وطلبوا بالأوتار، وأظهروا الكتائب ، وردموا الباب، وفلوا الديار ، وغيروا آثار رسول الله، ورغبوا عن أحكامه ، وبعدوا من أنواره ، واستبدلوا بسمتخلفه بديلا ، اتخذوه وكانوا ظالمين ، وزعموا أن من اختاروا من آل أبي قحافة أولى بمقام رسول الله ممن اختار رسول الله لمقامه ، وأن مهاجر آل أبي قحافة خيرٌ من المهاجري والأنصاري الرباني ناموس هاشم بن عبد مناف . ألا وإن أول شهادة زور وقعت في الإسلام شهادتهم أن صاحبهم مستخلف رسول الله صلى الله عليه وآله ، فلما كان من أمر سعد بن عبادة ما كان ، رجعوا عن ذلك وقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وآله مضى ولم يستخلف ، فكان رسول الله الطيب المبارك أول مشهود عليه بالزور في الإسلام ، وعن قليل يجدون غب ما أسسه الأولون . ولئن كانوا في مندوحة من المهل ، وشفاء من الاجل وسعة من المنقلب ، واستدراج من الغرور ، وسكون من الحال ، وإدراك من الأمل ، فقد أمهل الله عز وجل شداد بن عاد ، وثمود بن عبود ، وبلعم بن باعور ، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة ، وأمدهم بالأموال والأعمار ، وأتتهم الأرض ببركاتها ليذكروا آلاء الله ، وليعرفوا الإهابة له ، والإنابة إليه ، ولينتهوا عن الإستكبار ، فلما بلغوا المدة ، واستتموا الأكلة أخذهم الله عز وجل واصطلمهم ، فمنهم من حصب ، ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم من أحرقته الظلة ، ومنهم من أودته الرجفة ، ومنهم من أردته الخسفة: وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون . ألا وإن لكل أجل كتاباً ، فاذا بلغ الكتاب أجله لو كشف لك عما هوى إليه الظالمون ، وآل إليه الأخسرون ، لهربت إلى الله عز وجل مما هم عليه مقيمون ، وإليه صائرون . ألا وإني فيكم أيها الناس كهارون في آل فرعون، وكباب حطة في بني اسرائيل، وكسفينة نوح في قوم نوح. إني النبأ العظيم ، والصديق الأكبر ، وعن قليل ستعلمون ما توعدون ، وهل هي إلا كلعقة الأكل ومذقة الشارب ، وخفقة الوسنان ، ثم تلزمهم المعرات ، خزياً في الدنيا ، ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب ، وما الله بغافل عما يعملون. فما جزاء من تنكب محجته ، وأنكر حجته ، وخالف هداته ، وحاد عن نوره ، واقتحم في ظلمه ، واستبدل بالماء السراب ، وبالنعيم العذاب ، وبالفوز الشقاء ، وبالسراء الضراء ، وبالسعة الضنك ، إلا جزاء اقترافه وسوء خلافه ، فليوقنوا بالوعد على حقيقته ، وليستيقنوا بما يوعدون : يوم تأتي الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج. إنا نحن نحيي ونميت والينا المصير . يوم تشقق الأرض عنهم سراعاً ... |