الشورى ، وموقف المقداد منها



* شبح المؤامرة !
* فكرة الشورى وأبعادها .
* سير عملية الشورى . وما افرزت من تناقضات .
* خلفيات الشورى .
* بدء المعارضة وقصة عبد الله بن عمر مع الهرمزان .


(140)




(141)


شبح المؤامرة

قال الإِمام علي عليه السلام يصف عملية الشورى ، وموقفه منها :
« حتى إذا مضى لسبيله ، جعلها في ستةٍ زعم أني أحدهم ، فيالله وللشورى ! متى إعترض الريبُ فيّ مع الأول منهم حتى صرتُ أُقرنَ إلى هذه النظائر ! لكني أسفَفتُ إذ أسفوّا وطرتُ إذْ طاروا ، فَصَغا رجلٌ منهم لضِغْنِهِ ، ومالَ الآخَرُ لصِهرِهِ مع هَنٍ وهن . . » .

نهج البلاغة / ج 1 / 41 ـ 42




(142)




(143)


فكرة الشورى وابعادها

أرسل المغيرة بن شعبة * إلى عمر يقول : « إن عندي غلاماً نقاشاً نجاراً حداداً فيه منافع لأهل المدينة ، فإن رأيت أن تأذن لي في الإِرسال به ، فعلتُ . » فإذن له . (1) فبعث بغلامه أبي لؤلؤة فيروز الفارسي .
وكان عمر لا يأذن لسبيىٍّ قد احتلم في دخوله المدينة حتى كتب إليه المغيرة بن شعبة . (2)
مكث أبو لؤلؤة في المدينة فترة غير طويلة لا تتعدى الأشهر كان سيده المغيرة قد فرض عليه في خلالها ضريبةً قدرها مائة درهم لكل شهر .
في هذه الفترة كانت أقبية المدينة تشهد لوناً من ألوان الصراع الحزبي كشفت عنه الأيام فيما بعد وكان للأمويين والمؤلفة قلوبهم والمنافقين دور كبير فيه ، وفي هذه الفترة أيضاً ومن خلال ذلك الصراع العنيف يبدو للمتتبع أن مؤامرة ما كانت تحاك في الظلام ، وربما استهدف فيها الخليفة نفسه ! سيما إذا أخذنا بعين الإِعتبار السياسة الخشنة التي انتهجها عمر والتي لا ترضي أقطاب قريش . .
ومرت الأيام تتوالى سراعاً حتى إذا كان الظرف مؤاتياً والأمر مستوسقاً بدأ
____________
1 * ـ المغيرة بن شعبة ، قال عنه الشعبي : كان من دهاة العرب . وقال قبيصة بن جابر : صحبت المغيرة ، فلو أن مدينةً لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بالمكر ، لخرج المغيرة من أبوابها كلها ( الإصابة 3 / 452 ) .
2 ـ مروج الذهب 2 / 320 .
3 ـ تاريخ الخلفاء 152 .


(144)


التنفيذ لهذه المؤامرة على أدق ما يتصور ، فقبل مقتل عمر بثلاثة أيام أقبل إليه كعب الأحبار * ليزُفّ إليه بشارةً ما أظن أن أبعادها خفيت على الخليفة ، فقال : أجدك في التوارة تقتل شهيداً !
فقال عمر : وأنى لي بالشهادة ، وأنا في جزيرة العرب ؟ ! (1) وكأنه بجوابه هذا يقرأ سراً إنطوى عليه قلب كعب !!
وكأن كعباً بقولته تلك يحاول تضليل الخليفة عن تلك المؤامرة والتي يظهر أن لكعب ضلعاً فيها ، فليست قولته هذه إلا « شاهد من شواهد ذلك الصراع الحزبي العنيف الأخرس ، وفلتة ربما دانت كعباً بالإنتماء الى الحزب الأموي والتجسس على عمر في ثوب المخلص له المقرب إليه ، فقد كان كعب بعد ذلك ركناً في بلاط معاوية يدير فيه الدعاية ويعلم فيه الدس عن طريق القصص والوضع . . (2)
وفي ذات يوم أقبل أبو لؤلؤة إلى عمر يشكو إليه ثقل خراجه الذي فرضه عليه المغيرة . فقال له عمر : وما تحسن من الأعمال ؟
قال : نقاش ، نجار ، حداد .
____________
* ـ كعب بن مانع ، قدم من اليمن في خلافة عمر بن الخطاب فأخذ عنه الصحابة وغيرهم ! ومات بحمص بعدما ملأ الشام وغيرها بخرافاته اليهودية . . ومن خرافاته : أن الأرضون السبع على صخرة ، والصخرة في كف ملك ، والملك على جناح الحوت ، والحوت في الماء ، والريح على الهواء ريح عقيم لا تلقح ، وان قرونها معلقة في العرش . . الخ ـ كما جاء في تذكرة الحفاظ للذهبي .
وجاء في الطبقات الكبرى : أنه ظل بعد اسلامه يحرص على قراءة أسفار التوراة . وهو الذي أخبر عمر بن الخطاب بأنه سيقتل وذلك قبل مقتله بثلاثة أيام مدعياً أنه وجد ذلك في التوراة . . وكعب هذا يهودي من اليمن وهو من اكثر من تسربت منهم أخبار اليهود الى المسلمين ـ راجع الموضوعات في الآثار والأخبار ـ 105 وما بعدها .
1 ـ نفس المصدر 124 .
2 ـ حليف مخزوم ـ 160 .


(145)


فقال له عمر : ما خراجك بكثير في كنه ما تحسن من الأعمال . فمضى عنه وهو يتذمر .
ومر بعمر يوماً وهو قاعد ، فقال له عمر : الم أحدَّث عنك أنك تقول : لو شئتُ أن أصنع رحاً تطحن بالريح ، لفعلتُ ؟ !
فقال ابو لؤلؤة : لأصنعن لك رحاً يتحدث الناس بها ! ثم ولى عنه .
فقال عمر : أما العلج فقد توعدني آنفاً ! (1)
وأخذ أبو لؤلؤة خنجراً ذا رأسين ، وشحذه وسمّه « فاشتمل عليه ، ثم قعد لعمر في زاوية من زوايا المسجد في الغلس ، فلم يزل هناك حتى خرج عمر ، فلما مرّ به طعنه ثلاث طعنات ، إحداهن تحت سرته ، وهي التي قتلته . وطعن إثني عشر رجلاً من أهل المسجد ، فمات منهم ستة وبقي ستة ، ثم نحر نفسه بخنجره فمات .
ونقل الخليفة إلى داره مضرجاً بدمائه ، وأحب في تلك اللحظات الصعبة أن يكتشف ما إذا كانت عملية الإغتيال هذه قد أتت عن أمر دُبّر بليل ، أو أنها كانت مجرد حقد شخصي من أبي لؤلؤة . فأمر مناديه ، فنادى بالناس .
« أعن ملأٍ ورضىً منكم كان هذا ؟
فقالوا : معاذ الله ، ما علمنا ولا إطلعنا ! » (2)
وأقبل الطبيب ينظر جراح الخليفة التي أخذت تنزف ، علّه يجد بلاًّ لها أو شفاء ، فأراد أن يعرف ما إذا كانت الطعنات قد نفذت في أمعائه وأحشائه ، أو أنها كانت دون الصفاق (3) ، فنظر الى عمر وقال :
____________
1 ـ مروج الذهب 2 / 320 .
2 ـ الإمامة والسياسة 1 / 26 .
3 ـ الصفاق : الجلد الأسفل الذي تحت الجلد الذي عليه الشعر .


(146)


أيَّ الشراب أحب اليك ؟
فقال : النبيذ ! فسقوه نبيذاً ، فخرج من بعض طعناته !
وذهل الطبيب لما رأى ، لكن الناس اشتبه عليهم الأمر ، فقالوا : صديد ! صديد ! اسقوه لبناً ، وكأنهم أرادوا أن يثبتوا للطبيب خطأ تقديره .
فسقوه لبناً ، فخرج اللبن أبيض صريحاً !
وذُهل الناس ! أما الطبيب ، فالتفت إلى الخليفة قائلاً : لا أرى أن تمسي ؛ فما كنت فاعلاً فافعل .
بعد هنيهة جاء كعب الأحبار ، فدخل عليه وقال له معزياً ومسلياً : قد أنبأتك أنك شهيد !
لكن الخليفة نظر إليه نظرة استرخاء ، فيها شيء من السخرية والاستهزاء ، مفهماً إياه أن الامر أدق مما يحاول تصويره ، وأنه ليس هناك حيث يظن ، معيداً إلى ذاكرته ما كان اجابه به قبل ثلاثة أيام ، فقال له : وانى لي بالشهادة ، وأنا في جزيرة العرب ؟ ! وما ضرّ كعباً أن لا يعلق على جوابه هذا ، فلم يبق من عمره إلا ساعات من نهار ، وفي ذلك أمانٌ له من الدِرّة ، لكنه فهم أن عمر ليس بالإنسان الساذج البسيط الذي تنطوي عليه هذه العبارات الفارغة ، دون أن يفهم أبعادها .
وخرج كعب من عنده : ليترك المجال للناس يثنون على الخليفة وهو في آخر ساعات من حياته . « فجعل الناس يثنون عليه ويذكرون فضله » . فوجدوا منه غير ما كانوا يتوقعون ، حيث إلتفت إليهم قائلاً : « إن من غررتموه لمغرور ، إني والله وددت أن أخرج منها كفافاً كما دخلت فيها ، والله لو كان لي اليوم ما طلعت عليه الشمس لافتديت به من هول المطَلَع . ! » (1)
ثم أقبل إليه المتزلفون يستثيرون منه مكمن العاطفة ، يتقربون إليه
____________
1 ـ الإمامة والسياسة 1 / 26 .


(147)


بذلك ، ويظهرون له وّدهم وإخلاصهم ، فأشاروا عليه بأن يولي ولده عبد الله !
فقال لهم : « لا هالله ، إذن لا يليها رجلان من ولد الخطاب ، حسبُ عمر ما حمل ، حسب عمر ما احتقب ، لا هالله ، لا أتحملها حياً وميتاً ! » .
ومرة ثانية يأتيه الناس ، فيقولون له : يا أمير المؤمنين لو عهدتَ ؟
فيقول لهم : قد كنت أجمعت بعد مقالتي لكم ، أن أولي رجلاً أمركم ، أرجو أن يحملكم على الحق ـ وأشار الى علي ـ ثم رأيت أن لا أتحملها حيّاً وميتاً .
ومرةً أخرى يتأوه ويتذمر فيقول : لو كان أبو عبيدة حياً لاستخلفته . . ! لو كان معاذ بن جبل حياً لإستخلفته . . لو كان خالد بن الوليد حياً لإستخلفته !! ثم يعلل ذلك بأن : أبو عبيدة أمين هذه الأمة ، ومعاذ بن جبل يأتي بين يدي العلماء يوم القيامة ! وخالد بن الوليد سيف من سيوف الله . . ! كما سمع هو من النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في حقهم . . (1)
ثم أرتأى أن يجعلها في ستةٍ من المسلمين ، وهم : علي ، وطلحة ، وعثمان ، والزبير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، موهماً أنه بذلك يخرج عن تحمل تبعاتها ومسؤولياتها ، وفي غمرة المسؤولية وقع حين حصرها في هؤلاء الستة حصراً لا يمكن فكه حسبما خطط . !
المهم ، أنه استدعى هؤلاء الستة ، فدخلوا عليه وهو ملقىً على فراشه يجود بنفسه ، فنظر إليهم فقال : أَكُلَكُمْ يَطمَعُ في الخلافة بعدي ؟ ! فوجموا . فقال لهم ثانيةً .
فأجابه الزبير ، وكأن استشعر السخرية في سؤاله ، فقال :
____________
1 ـ راجع الإمامة والسياسة 1 / 28 .


(148)


« وما الذي يبعدنا منها !؟ وُليتها أنتَ فقمتَ بها ، ولسنا دونك في قريش ولا في السابقة ، ولا في القرابة ! »
فقال عمر : أفلا أخبركم عن أنفسكم ؟
قال : قل ، فأنا لو استعفيناك لم تعفنا .
فقال : أما أنت يا زبير ، فوعِق لقِس (1) مؤمن الرضا ، كافر الغضب ، يوماً إنسان ، ويوماً شيطان ، ولعلها لو افضت إليك ظلتَ يومك تلاطم بالبطحاء على مدٍّ من شعير ! أفرأيت إن افضت إليك ؛ فليت شعري من يكون للناس يوم تكون شيطاناً ، ومن يكون يوم تغضب ! وما كان الله ليجمع لك أمر هذه الأمة وأنت على هذه الصفة .
ثم أقبل على طلحة ، وكان له مبغضاً ـ منذ قال لأبي بكر يوم وفاته ما قال في عمر ـ (2) ، فقال له : أقول ، أم أسكت ؟
قال : قل ، فإنك لا تقول من الخير شيئاً .
قال : أما اني أعرفك منذ أصيبت أصبعك يوم أُحد ، والبأو (3) الذي حدث لك ، ولقد مات رسول الله صلى الله عليه وآله ساخطاً عليك بالكلمة التي قلتها يوم أنزلت آية الحجاب (4) .
____________
1 ـ الوعق : الضجر المتبرم . واللقس : من لا يستقيم على وجه .
2 ـ الكلمة التي قالها طلحة لأبي بكر هي : ما أنت قائل لربك غداً ، وقد وليت علينا فظاً غليظاً ، تفرق منه النفوس ، وتنفض عنه القلوب ! ( شرح النهج 1 / 164 ) .
3 ـ البأو : الكبر والفخر .
4 ـ قال الجاحظ : الكلمة المذكورة ، ان طلحة لما أنزلت آية الحجاب ، قال بمحضرٍ ممن نقل عنه الى رسول الله ، : ما الذي يغنيه حجابهن اليوم ، وسيموت غداً فننكحهن !!
وقال الجاحظ أيضاً : لو قال لعمر قائل : أنت قلت أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مات وهو راض عن الستة ، فكيف تقول الآن لطلحة أنه مات عليه السلام ساخطاً عليك بالكلمة التي قلتها ، لكان قد رماه بمشاقصه ! والمشقص : فصل السهم إذا كان طويلاً . ( نفس المصدر ) .


(149)


ثم أقبل على سعد بن أبي وقاص ، فقال : إنما أنت صاحب مِقنَب (1) من هذه المقانب تقاتل به ، وصاحب قنصٍ ، وقوس ، وأسهم ، وما زُهرة (2) والخلافة وأمور الناس ؟ !
ثم أقبل على عبد الرحمن بن عوف ، فقال : وأما أنت يا عبد الرحمن فلو وُزن نصف إيمان المسلمين بإيمانك ، لرجح إيمانك به ، ولكن ليس يصلح هذا الأمر لمن فيه ضعفٌ كضعفِك ، وما زُهرة وهذا الأمر . !
ثم أقبل على عليّ عليه السلام فقال : لله أنت لولا دعابة فيك . . ! أما والله لئن وُلّيتهم لتحملنهم على الحق الواضح ، والحجة البيضاء .
ثم أقبل على عثمان ـ وكأنه يناوله الخلافة ـ فقال له :
هيهاً إليك ؛ كأني بك قد قلدتك قريش هذا الأمر لحبّها إياك ، فحملت بني أمية ، وبني أبي مُعيط على رقاب الناس ، وآثرتهم الفيئ ، فسارت إليك عصابةً من ذؤبان العرب ، فذبحوك على فراشك ذبحاً ، والله لئن فعلوا لتفعلنّ ، ولئن فعلتَ ليفعَلُنّ ، ثم أخذ بناصيته فقال : فإذا كان ذلك فاذكر قولي ، فإنه كائن !! (3) .
بعد هذا ، أراد أن يبرم الأمر إبراماً تصدق معه فراسته في تسليم الأمر لعثمان ، فاستدعى أبا طلحة الأنصاري ، فقال له :
« انظر يا أبا طلحة ، إذا عدتم من حفرتي ، فكن في خمسين رجلاً من الأنصار حاملي سيوفكم فخذ هؤلاء النفر بامضاء الأمر وتعجيله ، واجمعهم في بيت ، وقف بأصحابك على باب البيت ليتشاوروا ويختاروا واحداً منهم .
____________
1 ـ المِقنَب : جماعة الخيل .
2 ـ زهرة : قبيلة سعد بن أبي وقاص .
3 ـ شرح النهج 1 / 186 ـ 187 .


(150)


فإن اتفق خمسة ، وأبى واحد فاضرب عنقه .
وان اتفق اربعة وأبى إثنان فاضرب اعناقهما .
وان اتفق ثلاثة ، وخالف ثلاثة ، فانظر الثلاثة التي فيها عبد الرحمن ، فارجع الى ما قد اتفقت عليه ! فإن أصرت الثلاثة الأخرى على خلافها ، فاضرب أعناقها وان مضت ثلاثة أيام ولم يتفقوا على أمر ، فاضرب أعناق الستة ، ودع المسلمين يختاروا لأنفسهم (1) .
وقال للمقداد الكندي : إذا وضعتموني في حفرتي ، فاجمع هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلاً منهم (2) . ولعله إنما أشار على المقداد بذلك ليكون ممثلاً للمهاجرين في مراقبة هذه الشورى .
تخطيط دقيق محكم لولا أنه لم يكن ساتراً لبعض المتناقضات التي وقع فيها الخليفة ، كما لم يكن ساتراً لرغبته في عثمان حين جعل صوت عبد الرحمن ـ صهر عُثمان ـ بصوتين ، وما ذلك إلا إضعافاً لجانب علي .
ثمّة أمر آخر هو أهم ما انطوت عليه عملية الشورى هذه حيث استقام له فيها « وضع نظام يجمع بين التعيين والإنتخاب ، وحسبه من الإنتخاب صورته ، وان كانت هذه الصورة قلقة لا تكاد تستقر على قاعدة دينيةٍ صريحة ، ولا على مبدأ شعبي معترف به ، فالحقيقة أنه إنما صنع الإنتخاب ليتجنب التعيين ، لا أكثر (3) . وبذلك يسلم من سخط أحد الفريقين المتخاصمين ، اتباع علي ، وأتبع عثمان .
عمر ، يعرف جيداً أن عليّاً هو صاحب الحق ، ولم تكن لتخفى عليه مؤهلاته للخلافة وسابقته وجهاده ، وقد أفصح للناس عن مسلك علي بقوله
____________
1 ـ شرح النهج 1 / 186 و 187 .
2 ـ العقد الفريد 4 / 275 والكامل 3 / 67 .
3 ـ حليف مخزوم .


(151)


لهم : « يحملكم على الحق . . » لكن هناك قوة ثانية ترفض علياً وتأباه ، وهي قريش وحلفاؤها . إنها ترى فيه الشبح المرعب الذي يبدد كل آمالها وأحلامها ، فبالأمس القريب « في بدر وأحد » كانت هامات صناديدها من بني أمية وبني عبد الدار طعاماً هشاً لسيف علي ، ومع ضرباته كانت ألويتهم تتهاوى لواءً بعد لواء ، ويتهاوى معها الشرف الجاهلي ، وليست قريش وحدها كانت تحذر علياً وتخشاه ، بل المنافقون واليهود أيضاً يشاركونهم هذا الشعور ، فهم لا ينسون أبداً ضربته يوم ( الخندق ) وثبات سيفه في جمجمة عمرو بن ود دون أن يلتوي في يده أو يُفل ، ويوم ( خيبر ) لا زالوا يذكرون كيف كان سيفه يقعقع في أضراس ( مرحب ) وأخيه ( الحارث ) ولم يكتف بذلك حتى امسك بباب الحصن وجعلها ترساً له حتى فتح الله على يديه ، حين يذكرون ذلك تنخلع قلوبهم خوفاً وفرقاً ، لذلك هم يرفضونه . . ويرفضونه . . يرون فيه المارد الذي يلاحقهم يلّوح لهم بالموت الأحمر إن لم يفيئوا إلى الحق . وهم يهربون من الحق .
وعثمان ، يعرفه عمر جيداً ، ويعرف مدى ضعفه عن أمر الخلافة ، وكيف أنه إن وَلِيَها سيؤثر أهله وذوي قرابته على سائر المسلمين ، وأنه « سيحمل بني أمية وبني أبي مُعَيط على رقاب الناس . » كما أنبأه بذلك ؛ ولكن ! قريش تريد عثمان .
الناس تريد عدل علي واستقامته ، وقريش تحذر عدل علي واستقامته ، وأبو حفص كان يعلم هذا وذاك . مأزق حرج لا يمكنه معه الأختيار صراحة .
أيعلن للناس استخلاف علي دون غيره صراحة ؟ فيخسر بذلك قريشاً ، فلا يسلم من سخطها وإنتقامها بعد موته ويصبح مضغةً في أفواه شعرائها وخطبائها ، ونهشةً لرواة السوء ـ كما فعلوا بعلي فيما بعد ـ . أم يعلن استخلاف عثمان صراحةً ، وهو يعلم ما لعلي من مكانةٍ في نفوس المسلمين ، فلن يسلم أيضاً من سبّه التاريخ ! ودفعاً لهذا وذاك ، تركها حرةً طليقة ، ولكن بعد أن


(152)


امسك بزمامها ، تروح ثم تغدو إليه آخر الأمر .
وأدرك عليٌّ أبعاد هذه الشورى وما انطوت عليه من تدبير ، فلقي عمه العباس وقال له : « عُدِلت عنا ! » يعني الخلافة .
قال له : وما أعلمك ؟
قال : قرن بي عثمان ثم قال إن رضي ثلاثةٌ رجلاً ، ورضي ثلاثةٌ رجلاً ، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف ! فسعدٌ لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن ، وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفون ، فلو كان الآخران معي ما نفعاني . (1)
وكان عمه العباس قبل ذلك قد أشار عليه باعتزال هذه الشورى والترفع عن جلساتها محذراً إياه بأنه سيلقى ما يكره . فكان جواب علي له : « انني أكره الخلاف ! »
والحق أن بغضه للخلاف ليس وحده هو الدافع لمشاركته لهم في هذا الأمر ، سيما بعد أن استبق النتيجة وعلم الأمر سيكون لغيره ، بل هناك دافع آخر للمشاركة معهم ، وهو يتلخص : « في أن لعلي مذهباً في السياسة ؛ مثاليّاً واقعيّ المثالية ، لا يتنازل عنه إلا أن يتنازل عن نفسه وشخصيته ؛ وما أظنك مغالياً إذا ظننت أن مذهبه هذا أعان خطة الشورى المكشوفة المقنّعة على النجاح ، كما اعان على علي نفسه قبل الشورى وبعدها مراتٍ عديدة . (2)
____________
1 ـ العقد الفريد 4 / 276 وغيره .
2 ـ حليف مخزوم 172 ـ 173 .


(153)


سير عملية الشورى وما أفرزت من تناقضات

جمع المقداد أعضاء الشورى الستة في بيت ، بينما وقف أبو طلحة الأنصاري على الباب ومعه خمسون رجلاً متقلدي سيوفهم تنفيذاً لوصية عمر . أما عبد الرحمن بن عوف فقد أمضى أياماً ثلاثة يشاور الناس في أمر الخلافة .
وأقبل الناس نحو المسجد يتدافعون إلى جهة الباب ، وهم لا يشكون في مبايعة علي بن أبي طالب .
وكان هوى قريش كافة ـ ما عدا بني هاشم ـ في عثمان ، وهوى طائفة من الأنصار مع علي ، وهوى طائفةٍ أخرى مع عثمان ـ وهي أقل الطائفتين ـ وطائفة لا يبالون أيهما يبايع .(1)
وقام كل واحد من الستة يدلي برأيه على مسمع الآخرين ـ كما ذكر الطبري ـ في خطبة يستهلها بالحمد والثناء على الله ، حتى قام علي عليه السلام فقال :
الحمد لله الذي إختار محمداً منا نبيّا ، وإبتعثه إلينا رسولا ، فنحن أهلُ بيت النبوّة ، ومعدنُ الحكمةِ ، أمانٌ لأهل الأرض ، ونجاةٌ لمن طلب ، إنّ لنا حقاً إن نُعطَهُ نأخذه ، وان نمنعه نركب أعجاز الإِبل (2) وإن طال السرى ! لو
____________
1 ـ شرح النهج 9 / 52 .
2 ـ قوله عليه السلام : نركب أعجاز الإِبل ، كناية عن المعاناة والمشقة ، فهو يحتمل أحد تفسيرين ، الأول : إن نُمنعه : نصبر على المشقة كما يصبرعليها راكب عجز البعير . والثاني أن نمنعه نتأخر ونتبع غيرنا كما يتأخر راكب البعير عن مردفه .


(154)


عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله عهداً لأنفذنا عهده ، ولو قال لنا قولاً لجالدنا عليه حتى نموت . لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق ، وصلة رحم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (1) .
إسمعوا كلامي ، وعوا منطقي ، عسى أن تروا هذا الأمر بعد هذا الجمع تنتظى فيه السيوف ، وتخانُ فيه العهود ، حتى لا يكون لكم جماعة ، وحتى يكون بعضكم أئمةً لأهل الضلالة ، وشيعةً لأهل الجهالة .
إنتهى كل واحد من كلامه ، وخيّم سكون مملٍ ، بينما كان الصخب يملأ أرجاء المسجد ، والهتاف يتعالى معلناً إسم علي تارةً واسم عثمان أخرى ، مما دفع بالأربعة الباقين أن يتخذوا القرار المناسب في حق أنفسهم فيدلي كل واحد منهم بصوته إلى عثمان أو علي ؛ لأنهم علموا أن الناس لا يعدلوهم بهما ، ولأن عبد الرحمن فرض نفسه من أول الأمر كمنظم لهذه الشورى ومدير لها ، سيما وأن عمر ألمح إليه بأن الخلافة لا تصلح له ، حين قال له : « وما زهرة وهذا الأمر ! »
إذن ، كان الناس فريقان ، فريق يريدها لعلي ، وهو الفريق الممثل بالمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر . وفريق يريدها لعثمان ، وهو الفريق الممثل بابن أبي سرح وابن أبي المغيرة ؛ وتعالت الأصوات في هذا الحال ، كل فريق ينادي باسم صاحبه .
أقبل المقداد بن الأسود على الناس ، فقال : أيها الناس ، إسمعوا ما أقول ، أنا المقداد بن عمرو ، إنكم إن بايعتم عليّاً سمعنا وأطعنا . وان بايعتم عثمان سمعنا وعصينا ! » .
فقام عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي ، وقال : « ايها الناس ، إنكم إن بايعتم عثمان سمعنا وأطعنا ، وان بايعتم عليّاً سمعنا وعصينا . . » .
____________
1 ـ شرح النهج 1 / 195 .


(155)


فانتفض المقداد ورد عليه فقال : « يا عدُو الله ، وعُدو رسوله ، وعدُو كتابه ، ومتى كان مثلك يسمع له الصالحون ! » ؟
فقال له عبد الله : يابن الحليف العسيف ، ومتى كان مثلك يجترئ على الدخول في أمر قريش !
وصاح عبد الله بن أبي سرح : « أيها الملأ ، إن أردتم أن لا تختلف قريش فيما بينها ، فبايعوا عثمان . » .
فنهض عمار بن ياسر وقال : « إن أردتم أن لا يختلف المسلمون فيما بينهم فبايعوا عليّاً » . ثم أقبل على ابن أبي سرح وقال له : يا فاسق يا ابن الفاسق ، أأنت ممن يستنصحه المسلمون أو يستشيرونه في أمورهم ! »
فتكلم بنو هاشم وبنو أمية ، فقام عمار فقال : أيها الناس ، إن الله اكرمكم بنبيه وأعزكم بدينه ، فالى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم ! » (1) .
كانت أصوات الفريقين تعجل في حسم الأمر خوفاً من وقوع الفتنة ، فتقدم طلحة فأشهدهم على نفسه أنه قد وهب حقه من الشورى لعثمان .
فقال الزبير : وأنا أشهدكم على نفسي أني قد وهبت حقي من الشورى لعلي .
فقال سعد بن أبي وقاص : وأنا قد وهبت حقي من الشورى لابن عمي عبد الرحمن . (2)
وسكت عليٌّ وظل عثمان ساكتاً ، وأسفرت الجولة الأولى عن رجحان بين لعبد الرحمن ، لقد ملك صوتين كعلي وعثمان ، وزاد عليهما بأن صوته يعادل
____________
1 ـ شرح النهج 9 / 52 .
2 ـ شرح النهج 1 / 187 ـ 188 .


(156)


صوتين ، فهو حتى الآن مركز الثقل حقاً .
ترى ، أيضم صوته لنفسه فيخرج على خطة عمر القائلة : « وما زهرة وهذا الأمر ؟ » أم يمضي الى أمر عمر وخدمة صهره ؟ أم يعدل عن هذا كله ويتجه الى علي صاحب الأمر في عقيدة الكل ؟
كان الرجل ساكتاً أيضاً ، وكان يدير في فكره لفتةً بارعةً ، لا ندري أهي من بناته أم من محفوظاته ؟ ولكنها بارعةٌ في كل حال . (1) فقد التفت إليهما وقال :
أيكما يخرج نفسه من الخلافة ويكون إليه الإختيار في الإثنين الباقيين ؟ فلم يتكلم منهما أحد . فقال عبد الرحمن : أشهدكم أنني قد أخرجت نفسي من الخلافة على أن أختار أحدهما (2).
ومن براعة لفتته أنه لم يلتفت إلى عثمان ، بل التفت الى علي فقال له : أمدد يدك أبايعك على العمل بكتاب الله ، وسنة رسوله ، وسيرة الشيخين .
فيقول علي : بل على العمل بكتاب الله ، وسنة رسوله ، وأجتهاد رأيي .
فيلتفت آنذاك عبد الرحمن إلى عثمان فيذكر له شروطه الثلاثة ، فيقرها عثمان .
ثم لا يعجل عبد الرحمن ، فيسرع إلى بيعة أخي زوجه من أول مرة ، فهو مطمئن إلى ان علياً يرفض الخلافة بغير شرطه هو ، لأنه لا يناقض نفسه ، ولا يسر حسواً في إرتغاء . ومن أجل هذا إستأنى عبد الرحمن وكرّرَ عرضه على عليّ الذي أباه ثلاث مرات ! ثم نهض وعبد الرحمن يَصفِق على يد عثمان
____________
1 ـ حليف مخزوم 175 .
2 ـ شرح النهج 1 / 188 .


(157)


بالبيعة . (1) ويقول له : السلام عليك يا أمير المؤمنين .
وهنا يلتفت علي إلى عبد الرحمن ، فيقول له : والله ما فعلتها إلا لأنك رجوتَ منه ما رجا صاحبكما من صاحبه . دَقّ الله بينكما عِطر مَنشِم . » (2)
وقد عبر علي بن أبي طالب عن عدم رضاه عن هذه النتيجة ، وتسليمه بالأمر الواقع ، قائلاً .
« لأُسَلِمّنَّ ما سلمت أمور المسلمين ، ولم يكن فيها جورٌ إلا عليّ خاصة » (3)
وفي رواية الطبري : أن علياً عليه السلام قال حين بويع عثمان : ليس هذا بأول يوم تظاهرتم فيه علينا ، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ؟ والله ما وليته الأمر إلا ليردّهُ إليك ، والله كل يوم في شأن .
فقال عبد الرحمن : لا تجعل على نفسك سبيلاً يا عليّ ـ يعني أمرَ عُمر أبا طلحة أن يضرب عُنق المخالف ـ فقام علي عليه السلام فخرج ، وقال :
____________
1 ـ حليف مخزوم 175 .
2 ـ شرح النهج 1 / 188 .
قال الأصمعي : منشم إسم امرأة كانت بمكة عطارة وكانت خزاعة وجرهم إذا أرادوا القتال تطيبوا من طيبها ، وكانوا إذا فعلوا ذلك كثرت القتلى فيما بينهم ، فكان يقال : أشأم من عطر منشم ، فصار مثلاً . وقال أبو هلال العسكري في كتاب ( الأوائل ) ، استجيبت دعوة علي عليه السلام في عثمان وعبد الرحمن فما ماتا إلا متهاجرين متعاديين . . ولما بنى عثمان قصر طمار بالزوراء وصنع طعاماً كثيراً ودعا الناس إليه ، كان فيهم عبد الرحمن . فلما نظر للبناء والطعام قال : يابن عفان ، لقد صدّقنا عليك ما كنا نُكذّب فيك ، واني استعيذ الله من بيعتك ، فغضب عثمان وقال : اخرجه عني يا غلام ، فاخرجوه وأمر الناس أن لا يجالسوه ، فلم يكن يأتيه أحد إلا ابن عباس ، كان يأتيه فيتعلم منه القرآن والفرائض ، ومرض عبد الرحمن فعاده عثمان وكلمه ، فلم يكلّمه حتى مات . شرح النهج 1 / 196 .
3 ـ ثورة الحسين / 34 .


(158)


سيبلغ الكتاب أجلَهُ .
فقال عمار : يا عبد الرحمن ، أما والله لقد تركته ، وانه من الذين يقضون بالحق وبه كانوا يعدلون .
وقال المقداد : تالله ما رأيت مثل ما أُوتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم ، واعجباً لقريش ! لقد تركت رجلاً ما أقول ولا أعلم أن أحداً أقضى بالعدل ، ولا أعلم ، ولا أتقى منه ! أما والله لو أجد أعواناً .
فقال عبد الرحمن : إتق الله يا مقداد ، فإني خائف عليك الفتنة .
لكن عليّاً عليه السلام إلتفت نحو المقداد وعمار ، وقال ، مسلياً ومهدئاً لهما :
« اني لأعلم ما في أنفسهم ، إن الناس ينظرون إلى قريش ، وقريش تنظر في صلاح شأنها ، فتقول : إن وليَ الأمر بنو هاشم لم يخرج منهم أبداً ، وما كان في غيرهم فهو متداول في بطون قريش » (1).
____________
1 ـ شرح النهج 1 / 194 .