- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 135 : -

( الفتنة الكبرى )

كانت العمليات السياسية يومئذ فتنة وكانت ام الفتن ( 1 ) .

كانت فتنة في رأي الزهراء - على الأقل - لأنها خروج على الحكومة الأسلامية الشرعية القائمة في شخص علي هارون النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأولى من المسلمين بأنفسهم ( 2 ) .


ومن مهازل القدر أن يعتذر الفاروق عن موقفه ، بأنه خاف الفتنة وهو لا يعلم ان انتزاع الأمر ممن أراده له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باعتراف عمر ( 3 ) هو الفتنة بعينها المستوعبة لكل ما لهذا المفهوم من ألوان .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) كما يظهر من قولة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب : إن بيعة أبي بكر فلتة وقى ا لله المسلمين شرها ، تاريخ الطبري 2 : 235 ،
وفي الصواعق المحرقة : ( . . . فمن عاد إلى ! مثلها فاقتلوه . . ) راجع ص 36 من الطبعة المصرية - مكتبة القاهرة بتعليق عبد الوهاب عبد اللطيف - الطبعة الثانية / 1965 .

( 2 ) قال الأمام الشهيد الصدر رضى عنه الله : بنص حديث الغدير الذي رواه مائة وأحد عشر من الصحابة ، وأربعة وثمانون من التابعين ، وثلاثمائة وثلاثة وخمسون مؤلف من اخواننا السنة كما يظهر من كتاب الغدير للعلامة الأميني ، واحب أ ن الاحظ هنا أن كثيرا من القرآن لم يروه من الصحابة - يريد على مبناهم - عدد يبلغ مبلغ الرواة الحديث الغدير منهم ، فالتشكيك فيه ينتهي بالمشكك إلى التشكيك في القرآن الكريم .

واما دلالة الحديث على خلافة علي وإمامته فهي أيضا ترتفع عن التشكيك لوضوحها وبداهتها ، وتعدد القرائن عليها . ولتراجع في ذلك
( مراجعات ) سيدنا سدن المذهب وحامي التشيع في دنيا الأسلام آية الله السيد عبد الحسين شرف الدين ( رضوان الله عليه ) ،
راجع الصواعق المحرقة : 122 .

( 3 ) راجع شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 3 : 114 - 115 ، الطبعة غير المحققة . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 136 : -

وأنا لا أدري ما منع هؤلاء الخائفين من الفتنة الذين لا مطمع لهم في السلطان إلا بمقدار ما يتصل بصالح الأسلام أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن خليفته أن يطلبوا منه أن يعين لهم المرجع الأعلى للحكومة الأسلامية من بعده ، وقد

طال المرض به أياما متعددة ، وأعلن فيها مرارا عن قرب أجله ، واجتمع به جماعة من أصحابه فسألوه عن كيفية غسله وتفصيلات تجهيزه ( 1 ) ، ولم يقع في أنفسهم مطلقا أن يسألوه عن المسألة الأساسية ، بل لم يخطر في بال اولئك الذين

أصروا على عمر بأن يستخلف ولا يهمل الامة وألحوا عليه في ذلك خوفا من الفتنة ( 2 ) أن يطلبوا نظير هذا من رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم ، فهل ترى أنهم كانوا حينذاك في غفلة عن أخطار الموقف بالرغم من إنذار النبي صلى الله عليه

وآله وسلم بفتن كقطع الليل المظلم ؟ ! حتى إ ذا لحق سيد البشر بالرفيق الأعلى توهجت مشاعرهم بالغيرة على الدين ، وملأ قلوبهم لخوف من الفتنة والانعكاسات السيئة .


أو تعتقد معي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قد اختار للسفينة ربانها الأفضل ولذلك لم يسأله السائلون ! ! دع عنك هذا واختلق لهم ما شئت من المعاذير ، فإن هؤلاء الغيارى على الأسلام لم يكتفوا بترك السؤال ، بل منعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مقاومة الخطر المرتقب حينما أراد أن يكتب ( كتابا لا يضل المسلمون بعده أبدا ) ( 3 ) .

والفتنة ضلال ، وإذن فلا فتنة بعد ذلك الكتاب أبدا فهل كانوا
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) راجع الكامل في التاريخ / ابن الأثير 2 : 122 ( الشهيد ) ،
      والسيرة النبوية / ابن كثير 4 / 527 طبعة دار إحياء التراث العربي - بيروت .
( 2 )
تاريخ الطبري 2 : 580 ، العقد الفريد 4 : 260 . ( الشهيد )
( 3 ) إشارة إلى قول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه الأخير : ائتو ني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده . . . ) ،
       صحيح البخاري 1 : 371 كتاب العلم - باب كتابة العلم ، وراجع 8 : 161 - كتاب الاعتصام . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 137 : -

 يشكون في صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟ ! أو يرون أنهم أقدر على الاحتياط للأسلام والقضاء على الشغب والهرج من نبي الأسلام ورجله الأول ! وخليق بنا أن نسأل عما عناه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالفتن التي جاء ذكرها في مناجاته لقبور البقيع في اخريات أيمه إذ يقول : لينهكم ما أصبحتم فيه قد أقلبت الفتن كقطع الليل المظلم ( 1 ) .


ولعلك تقول : إنها فتن المرتدين ، وهذا تفسير يقبل على فرض واحد وهو : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتخوف على موتى البقيع من الارتداد ، فأما إذا لم يكن يخشى عليهم من ذلك كما - هو في الواقع - لأنهم على الأكثر من المسلمين

الصالحين ، وفيهم الشهداء فلماذا يهنئهم على عدم حضور تلك الأيام ؟ ولا يستقيم في منطق صحيح أن يريد بهذه الفتن المشاغبات الاموية التي قام بها عثمان ومعاوية ( 2 ) بعد عقود ثلاثة من ذلك التاريخ تقريبا .


وإذن فتلك الفتن التي عنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا بد أن تكون فتنا حادثة بعده مباشرة ، ولا بد أيضا أن تكون أكثر اتصالا بموتى البقيع لو قدرت لهم الحياة من فتن الردة والمتنبئين . وهي إذن عين الفتنة التي عنتها الزهراء بقولها : ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تاريخ ابن الأثير 2 : 318 دار صادر . ( الشهيد )
( 2 )
راجع : التاج الجامع للاصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم / الشيخ علي ناصف 5 : 310 الهامش 4 ، 5 : 316 الهامش 5 . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 138 : -

وهل من غضاضة بعد أن يصطلح عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالفتنة أن تمنح لقب الفتنة الاولى في دنيا الأسلام .

وقد كانت العمليات السياسية يومئذ فتنة من ناحية اخرى ، لأنها فرضت خلافة على امة لم يقتنع بها إلا القليل ( 1 ) من سوقتها الذين ليس لمثلهم الحق في تقرير مصير الحكم في عرف الأسلام ولا في لغة القوانين الدستورية جميعا .


تلك هي خلافة الصديق ( رضي الله تعالى عنه ) عندما خرج من السقيفة ( وعمر يهرول بين يديه وقد نبر حتى أزبد شدقاه ) وجماعته تحوطه ( وهم متزرون بالازر الصنعانية لا يمرون بأحد إلا خبطوه وقدموه فمدوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه شاء ذلك أو أبى ) ( 2 ) .


ومعنى هذا أن الحاكمين زفوا إلى المسلمين خلافة لم تباركها السماء ولا رضي بها المسلمون . وأن الصديق لم يستمد سلطانه من نص نبوي - بالضرورة - ولم ينعقد الأجماع عليه ما دام سعد لم يبايع إلى أن مات الخيلفة ، وما دام الهاشميون لم يبايعوا إلى ستة أشهر من خلافته - كما في صحيح البخاري ( 3 ) .

قالوا : إن أهل الحل والعقد قد بايعوه وكفى . ولكن ألا يحتاج هذا المفهوم إلى توضيح وإلى مرجع يرجع إليه في
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) راجع تاريخ الطبري 2 : 233 .
( 2 )
شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 1 : 74 ، الطبعة غير المحققة . ( الشهيد )
( 3 )
صحيح البخاري - فضائل الصحابة باب 35 ص 66 ، وباب 43 ص 83 . ( الشهيد ) ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 139 : -

ذلك ؟ فمن هو الذي اعتبر مبايعي أبي بكر أهل الحل والعقد ، وأعطاهم هذه الصلاحيات الواسعة ؟ ليس هو الامة ولا النبي الأعظم ، لأننا نعلم أن أبطال السقيفة لم يأخذوا أنفسهم بمناهج الانتخاب غير المباشر ، ولم يستفتوا المسلمين في تعيين المنتخبين الثانويين الذين اصطلح عليهم في العرف القد يم بأهل الحل والعقد .


كما أنه لم يؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إعطاء هذه الصلاحيات لجماعة مخصوصة ، فكيف تمنح لعدد من المسلمين ويستأمنون على مقدرات الامة بغير رضى منها في ظل نظام دستوري كنظام الحكم في الأسلام كما يزعمون ؟ ! ومن العجيب في العرف السياسي أن تعين الحكومة نفسها أهل الحل والعقد ( 1 ) ، ثم تكتسب منهم كلمتها العليا .


وأعجب من ذلك إخراج علي والعباس وسائر بني هاشم وسعد بن عبادة والزبير وعمار وسلمان وأبي ذر والمقداد وجميع أهل الحجى والرأي - على حد تعبير ابن عباس لعمر ( 2 ) - من أهل الحل والعقد إذا صح أن في
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) راجع تاريخ الطبري 2 : 233 ، قال أبو بكر : إني قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين : عمر وأبا عبيدة ، . . . وأنا أرضى لكم أبا عبيدة ، فقام عمر ، فقال : أيكم - الخطاب للمجتمعين في السقيفة - تطيب نفسه أن يخلف قدمين قدمهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم ! فبايعه عمر وبايعه الناس ، فقالت الأنصار : . . . لا نبايع إلا عليا .

( 2 ) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 3 : 115 ، الطبعة غير المحققة ، إذ قال ابن عباس : أما أهل الحجى والنهى فإنهم ما يزالون يعدونه - أي عليا - كاملا منذ رفع الله منار الأسلام ، ولكنهم يعدو نه محروما مجدودا . ( الشهيد ) ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 140 : -

الأسلام طبقة مستأثره بالحل والعقد . وقد جر وضع هذه الكلمة في قاموس الحياة الأسلامية إلى تهيئة الجو لأرستقراطية هي أبعد ما تكون عن روح الأسلام وواقعة المصفى من الطبقية والعنعنات .


وهل كانت تلك الثروات الضخمة التي امتلأت بها أكياس عبد الرحمن بن عوف وطلحة وأضرابهما إلا بسبب هذا اللقب المشؤوم على الأسلام الذي لقبوا به ، فرأوا أنهم من الطراز الرفيع الذي يستحق أن يملك الملايين ويتحكم في حقوق الناس كما يريد ؟ !

وقالوا : إن الأكثرية هي مقياس الحكومة الشرعية والمبدأ الذي لا بد أن تقوم على أساسه الخلافة .

وقد استهان القرآن الكريم بالأكثرية ولم يجعل منها في حال من الأحوال دليلا وميزانا صحيحا إذ جاء فيه :
(
وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ) ( 1 ) .
(
وأكثرهم للحق كارهون ) ( 2 ) .
(
وما يتبع أكثرهم إلا ظنا ) ( 3 ) .
(
ولكن أكثرهم يجهلون ) ( 4 ) .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الأنعام / 116 . ( 2 ) المؤمنون / 70 . ( 3 ) يونس / 36 . ( 4 ) الأنعام / 111 . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 141 : -

وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صحاح السنة أنه قال : ( بينا أنا قائم - يعني يوم القيامة على الحوض - فإذا زمرة ، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلم ، فقلت أين ؟ فقال : إلى النار والله ، قلت : وما شأنهم ؟ قال : إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم هم القهقرى - إلى أن قال - : فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم ) ( 1 ) .


ولا يمكن أن تكون هذه الأكثرية الجهنمية التي حدث عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مصدر السلطة في 65 الأسلام ، لأنها لا تنشئ بطبيعة الحال إلا خلافة مطبوعة بطابعها .
 

وإذا خرجنا بالأكثرية عن حدود المدنيين الذين عرفنا أنفا مراكزهم الجهنمية على ا لأغلب في الحياة الخالدة ، واعتبرنا أكثرية المسلمين عموما هي المقياس الصحيح ، فلا بد أن نلاحظ أن المدينة هل كانت وحدها مسكن المسلمين ليكتمل النصاب

المفروض بالأكثرية المدنية أو أن أبا بكر لم يكتف بها وإنما بعث إلى المسلمين المنتشرين في أرجاء المملكة بالخبر ليأخذ آراءهم ويستشيرهم ؟ ! كلا لم يحدث شئ من ذلك وإنما فرض حكومته على آفاق المملكة كلها فرضا لا يقبل مراجعة ولا جدالا حتى أصبح التردد في الخضوع لها جريمة لا تغتفر ( 2 ) .


وقالوا : إن الخلافة تحصل ببعة بعض المسلمين ، ولا ريب أن ذلك قد حصل لأبي بكر . ولكن هذا مما لا يقره المنطق السياسي السليم ، لأن البعض لا يمكن
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) و ( 2 ) صحيح البخاري 8 : 86 - كتاب الفتن . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 142 : -

أن يتحكم في شؤون الامة كلها ، ولأن حياة الامة لا يمكن أن تعلق على خيط ضعيف كهذا الخيط ، ويرن في حفظ مقدساتها ومقامها إلى حكومة أنشأها جماعة من الصحابة لم يزكهم إجماع شعبي ، ولا نص مقدس ، بل هم اناس عاديون من الصحابة

ونحن نعلم أن ( ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون ) ( 1 )

( ومنهم من عاهد الله لئن اتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين * فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون * فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ) ( 2 ) ،

ومنهم من خص الله تعالى نفسه بالاطلاع على سرائرهم ونفاقهم فقال لرسوله : ( ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم ) ( 3 ) .

فجماعة فيها المنافق ، وفيها من يؤذي رسول الله ، وفيها الكاذب لا يمكن أن يعتبر رأى بعضهم أيا كان ، ملاكا للمنصب الأول في العالم الأسلامي .


وتعليقا على هذه المعلومات نقول : إن خلافة الصديق لم تكن خلافة نص ، ولا خلفاة أكثرية ولا نتيجة انتخاب مباشر ولا غير مباشر ، نعم بذل في سبيلها بعض المسلمين جهودا رائعة ، والتفت حولها طائفة من الناس وانتصرت لها جماعات عديدة في

المدينة ، ولكن هؤلاء جميعا ليسوا إلا بعض المسلمين ، والبعض ليس له حكم مطاع في الموضوع ، لأن الحكم الذي يستمد معنويته القانونية من الامة يلزم أن يكون صاحبه ممثلا للامة بجميع عناصرها أو أكثر عناصرها ، هذا أولا ، وأما ثانيا فلأن في المسلمين منافقين لا يعلمهم
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) التوبة / 61 . ( 2 ) التوبة / 75 - 77 . ( 3 ) التوبة / 101 . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 143 : -

إلا الله بنص القرآن الكريم ، وتنزيه هذا البعض المتوفر على إنشاء الكيان السياسي للامة حينئذ عن النفاق لا بد أن يكون عن طريق النص أو الامة .

وإذن فليسمح لنا الصديق أن نميل إلى رأي الزهراء بعض الميل أو كل الميل ، لأننا لا نجد للفتنة واقعا أوضح من تسلط رجل بلا وجه قانوني على امة ، وتصرفه في مرافقها الحيوية جميعا كالصديق رضى عنه الله في أيام خلافته ، أو في الأشهر الاولى أو في الأسابيع الاولى من حكومته التي خطبت فيها الزهراء - على أقل تقدير .


وما أدري هل خطرت للمتسرعين المستبدين نتائج استبدادهم واستقلالهم عن العناصر التي كان من الطبيعي أن يكون لها رأي في الموضوع لو قامت تلك العناصر بالمعارضة ، واستعد الهاشميون للمقاومة ، وقد كان تقدير هذا المعنى قريبا ومعقولا إلى

حد بعيد ، فكيف لم يحتاطوا له وانتهوا إلى نتيجتهم المط لوبة في مدة قد لا تزيد على ساعة ؟ ! ولماذا نقدس الموقف أكثر مما قدسه أبطاله ؟ فقد بلغ من تقديس الفاروق أنه أمر بقتل من عاد إلى مثل بيعة أبي بكر ( 1 ) وكرر ذلك الموقف .


وإذا أردنا أن نأخذ هذا الكلام ونفهمه على أنه كلام إمام يراعي دستور الأسلام ، فمعنى ذلك أنه رأى موقف أبي بكر وأصحابه في السقيفة فتنة وفسادا ، لأن القتل لا يجوز بغير ذلك من الأسباب . وهي بعد ذلك كله ام الفتن لأنها هي التي جعلت الخلافة سلطان الله
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الصواعق المحرقة : 56 ، طبعة دار الكتب العلمية ، ط 3 - بيروت / 1414 ه‍ ، طبعة المطبعة الميمنية / 1312 ه‍ : 21 . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 144 : -

الذي يأتيه البر والفاجر كما صرحت بذلك السيدة عائشة ( رضي الله عنها ) التي كانت بلا شك تمثل نظريات الحزب الحاكم
( 1 ) .

وهي التي فتحت للأهواء والأطماع السياسية ميدانها الو اسع ، فتولدت الأحزاب وتناحرت السياسات وتفرق المسلمون وانقسموا شر انقسام ( 2 ) ذهب بكيانهم الجبار ومجدهم في التاريخ .

وماذا ظنك بهذه الاذمة التي أشأت في ربع قرن المملكة الاولى في أرجاء العالم بسبب ان زعيم المعارضة للحكومة في ذلك الحين - أعني عليا - لم يتخذ للمعارضة أسبابها المزعرعة لكيان الامة ووحد تها ؟ !


( أقول ) ماذا تقدر لها من مجد وسلطان وهيمنة على العالم لو لم تبتل بعشاق الملك المتضاربين ، والامراء السكارى بنشوة السلطان ، ولم تكن مسرحا للمعارك الدامية التي يقل نظيرها في التاريخ ، ولم يستغل حكامها الغاشمون إمكانيات الامة كلها

للذاتهم وهنائهم ويستهينون بعد ذلك بمقدراتها جميعا ( 3 ) ؟ لم ينظر الصديق والفاروق إلا إلى زمانهما الخاص ، فتصورا أن في طاقتهما حماية الكيان الأسلامي ، ولكنهما لو تعمقا في نظرتهما كما تعمقت الزهراء وتوسعا في مطالعة الموقف لعرفا صدق الأنذار الذي أنذرتهما به الزهراء .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الدر المنثور 6 : 19 ، المطبعة المينية بمصر / 1314 ه‍ . ( الشهيد )
( 2 )
الملل والنحل / الشهرستاني 1 : 30 - 31 ، مكتبة الانجلو المصرية - القاهرة / ط 2 .
( 3 )
راجع : مروج الذهب / المسعودي 3 : 214 وما بعدها ، العقد الفريد / ابن عبد ربه 5 : 200 - 202 ،
      العدالة الاجتماعية في الأسلام
/ الشهيدد سيد قطب . ( * )